بحث هذه المدونة الإلكترونية

الخميس، 20 مارس 2025

وقع الكعب الأحمر


 

وقع الكعب الأحمر

 


خارج أسوار المدرسة وقفت، أحدّق في المبنى العتيق الذي يثير الرهبة في القلب قبل العين. كانت جدرانه الملطخة بالقِدم كأنها تروي قصة من الألم، تتسلّقها الأشجار كأنها تحاول التهامها، والدهان المتقشر يضيف لمسة الموت إلى المكان. النوافذ الفارغة، كعيون محجرية، تحدّق في الفراغ، والعتمة التي تملأ الداخل تبدو وكأنها تحبس أسرارًا لا تريد الإفصاح عنها.

أُوكلت إليّ مهمة تفقد المدرسة لصالح منظمة الإغاثة التي أعمل بها، كنت مجرد وسيط، عينيّ لرؤية المكان وبلاغي للسلطات حتى تبدأ عملية الترميم. أبناء هذه القرية الإفريقية بحاجة ماسة لمدرسة، لكنّ المكان كان أشبه بصرحٍ للموت لا للحياة.

خطوت إلى الداخل مترددًا، وكل شيء في جسدي يصرخ طالبًا مني العودة. لكنني لم أكن أملك ترف التراجع. وما إن وضعت قدمي داخل الممر، حتى هبّت ريح باردة، رغم أن الطقس كان حارًا. كان الهواء يحمل معه همسات مبهمة، كأن أحدًا يهمس خلف أذني مباشرة. تجاهلت الأمر، وأكملت طريقي بين الغرف الفارغة، حيث الطاولات الخشبية المتهالكة مصفوفة كجنود سقطوا في معركة خاسرة.

ثم... سمعت صوت الجرس.

توقف الزمن للحظة. صوت الجرس كان حادًا، عاليًا، كما لو أن المدرسة قد عادت للحياة في لحظة جنون. قلبي كاد يثب من صدري، وبدأت أسمع أصوات خطوات خفيفة، همسات، ضحكات أطفال. عادت المدرسة إلى الحياة، ولكن بطريقة مريعة.

لمحت ظلالًا تتحرك بين الصفوف، ثم... رأيتها.

كانت هناك، تجول بين الطاولات كطيفٍ يبحث عن شيء مفقود. امرأة طويلة، شعرها يغطي نصف وجهها، وعيناها، أو ما كان يجب أن يكون عيناها، كانتا فراغًا أسودًا يمتص النور. صدى خطواتها يتردد في المكان، وكلما تحركت، تلاشى الجدار خلفها وكأنه لم يكن.

شعرت بيدٍ تلامس يدي. تجمدت، لكنني عندما التفت، لم أجد أحدًا. شعرت بها مجددًا، أصابع باردة كالموت تلتف حول معصمي. نظرت إلى الأسفل... كان هناك ظل واقف بجانبي، بلا جسد، بلا ملامح، فقط ظل...

صرخت، استدرت، ركضت بأقصى سرعتي، أبحث عن المخرج. لكن الأبواب... اختفت. المدرسة التي دخلتها لم تعد هي نفسها، الجدران امتدت كأنها تتنفس، والممرات استدارت في متاهة بلا نهاية. كنت محاصرًا، في عالمٍ لم أفهمه.

"هربت منها؟"

توقفت فجأة. كان هناك رجل مسن يقف عند المدخل، نظراته تحمل مزيجًا من الشفقة والقلق.

"أنت رأيتها، أليس كذلك؟" قال بصوت أجش.

التقطت أنفاسي، كنت لا أزال أرتجف. "م-من هي؟"

نظر إلى المدرسة، ثم إليّ، وكأن كلماته ثقيلة عليه. "السيدة كوي كوي... كانت معلمة هنا. منذ سنوات، تعرضت لحادث مروع عندما هجم عليها بعض الرجال ليلاً وسُلبت روحها في هذا المكان. لكنّها لم ترحل."

ابتلعت ريقي بصعوبة. "لكن... لم يكن هناك أحد..."

هزّ رأسه بأسى. "هي لا تزال هنا. تحرس المدرسة. لا تسمح لأحد بمسها... ولا تسمح لأحد بالمغادرة بعد أن يراها."

تجمد الدم في عروقي. "لكنني... خرجت."

نظر إليّ نظرة باردة، وقال بصوت كاد يخنقني:

"وهل خرجت حقًا؟"

نظرت من حولي... كنت لا أزال داخل المدرسة.

وكانت السيدة كوي كوي... تبتسم.

 كان وقع كعبها الأحمر يدوي في المدرسة المهجورة، كأنما يعلن قدومها بصخب لا يرحم. كيف لشبحٍ أن يملك هذا الصوت؟ كيف لجسد بلا مادة أن يترك أثرًا ملموسًا على الأرض؟ لم أفهم، ولم أجرؤ على محاولة الفهم. كل ما كنت متأكدًا منه أن المدرسة لم تعد كما دخلتها، وأنني لم أعد كما كنت قبل أن أسمع وقع ذلك الكعب القرمزي يصدح في المكان.

لكن أكثر ما أثارني هو الرجل الغريب الذي التقيته. من هو؟ ولماذا بدا وكأنه يعرف ما يحدث لي؟ لماذا قال لي ذلك الكلام الغامض؟

أردت الهروب، لكن فضولي كان أقوى من خوفي.

عندما توقفت أمام أحد الفصول، شعرت أن الهواء أصبح أثقل، وكأنني عبرت بوابة إلى عالم آخر. كان الفصل غارقًا في العتمة، لكن أمام السبورة، رأيت يدًا تتحرك وحدها، كأنما لشخص غير مرئي يكتب برسالة واضحة:

REVENGE

الانتقام؟! من مَن؟!

لم أتحرك، فقط وقفت هناك، أنفاسي متقطعة، وقلبي يطرق ضلوعي بعنف. ثم تابعت اليد الكتابة، بنفس الخط الجاف الحاد:

WHO KILLS ME

من قتلني؟!

ابتلعت ريقي بصعوبة. هل هي تحاول التواصل معي؟ لماذا أنا بالذات؟ لم أكن هنا حين حدث ما حدث، لم أؤذها، فلماذا وجدت نفسي وسط لعنتها؟

عندها، لفت انتباهي كتاب مهترئ مفتوح على إحدى الطاولات. وكأن هناك قوة خفية تدعوني لقراءته. كانت يداي ترتجفان وأنا ألتقطه، رغم أنني هجرت القراءة منذ زمن بعيد، منذ غزا الهاتف حياتي وسرقني من سحر الكلمات. لكن الآن، الكلمات التي في هذا الكتاب كانت تسرقني مجددًا، رغماً عني.

قرأته...

كان كتابًا يوثق تاريخ المدرسة، لكنه لم يكن مجرد وثيقة رسمية، بل شهادة على جريمة مروعة. سطور باهتة تخبرني بقصة لم أكن مستعدًا لسماعها. المعلمة... السيدة كوي كوي... لم تمت ميتة طبيعية. لم تكن مجرد شبح هائم عاد من العالم الآخر بلا سبب. لقد كانت ضحية.

في إحدى الليالي، هاجم رجال مجهولون المدرسة، اقتحموا جدرانها، نشروا الرعب في أروقتها، وكان هدفهم واحدًا... المعلمة الشابة.

حاولت الهروب. صرخت. جرت بين الصفوف، طرقت الأبواب المغلقة، توسلت للظلام أن يخفيها. لكن لم يكن هناك مفر. قبضوا عليها، وأخذوا منها ما لا يمكن استرجاعه، ثم قتلوها وتركوا جسدها ليكون تحذيرًا لكل من قد يأتي بعدها.

لكنهم لم يدركوا أن بعض الأرواح لا تموت. بعض الظلم لا يُنسى. بعض اللعنات لا تُرفع.

أغلقت الكتاب بسرعة، لكنني شعرت بوجودها خلفي. لم أجرؤ على الالتفات. شعرت ببرودة أنفاسها تلفح عنقي، ووقع كعبها يقترب أكثر فأكثر.

همست بصوت لم يكن لي:

"أنتِ تريدين الانتقام، أليس كذلك؟"

لم تأتني إجابة، لكن السبورة خلفي كانت تكمل الرسالة. كانت اليد غير المرئية تكتب من جديد، هذه المرة بحروف تنزف سائلًا أسود:

YOU WILL HELP ME

"س-ساعدك؟!"

عندها، شعرت باليد الباردة مرة أخرى تلتف حول معصمي، بقوة هذه المرة. الباب الذي كان مفتوحًا قبل لحظات، اختفى. لا مخرج. لا هروب. لا مهرب من لعنة المعلمة كوي كوي.

وعرفت حينها... أنني لم أعد مجرد زائر في هذه المدرسة. لقد أصبحت جزءًا من قصتها.


لقد لفظتني المدرسة كما يلفظ البحر الحيتان النافقة، قذفتني خارج أسوارها وكأنني حمل ثقيل على روحها. كنت ألهث، العرق يتصبب من جبيني، وقلبي يخبط في صدري كأنه يريد أن يفر من القفص الذي يحتجزه. الهواء الحار في الخارج بدا لي أكثر برودة من الجحيم الذي تركته وراءي.

لكن رغم خروجي، لم أشعر بالتحرر.

في رأسي، كان وقع كعبها الأحمر لا يزال يرن، يلاحقني كما لو كان صوتًا محبوسًا في أذني. وفي عيني، كان ظلها يتمدد، يلاحقني رغم المسافة التي تفصلني عنها. لكن الأسوأ من ذلك كله... كان ما كتبته على السبورة.

Promise me

وعد؟ وعد بماذا؟

حين ترددت، حين فشلت في النطق، شعرت بشيء يطبق على رئتي، كأن المدرسة ذاتها تحاول ابتلاعي مجددًا. لكنني استجمعت شجاعتي، صوتي خرج متحشرجًا، متوسلاً، متهدجًا:

"أعدك... أعدك..."

وفي لحظة، كنت في الخارج.

لكن هل خرجت حقًا؟

رأيت رجالًا يقفون أمام المدرسة، يتحدثون فيما بينهم، يشيرون إلى المبنى، ثم ينظرون إليّ كما لو أنني شبح خرج من عالم آخر. وجوههم كانت تحمل تعبيرات متباينة—دهشة، خوف، وأمر آخر لم أستطع تفسيره. تقدمت نحوهم، رغبة في السؤال، في الفهم، لكنهم تراجعوا مبتعدين، كأن لمجرد اقترابي منهم لعنة قد تصيبهم.

وقفت مكاني، أراقبهم يبتعدون، وأدركت أنهم لم يكونوا الوحيدين الذين راقبوني.

من نافذة مكسورة في الطابق الثاني، رأيتها.

السيدة كوي كوي.

ابتسامة شاحبة على شفتيها، وعيناها—أو ما كان يجب أن يكون عيناها—كانتا فراغًا أسودًا يمتص الضوء. لم تتحرك، لكنها لم تكن بحاجة إلى ذلك. نظرتها كانت تخترقني، تثبتني في مكاني، تذكرني بما قلته، بما وعدت به.

فجأة، بدأت كلماتها تهمس في رأسي:

"إن لم تفِ بوعدك... ستلاحقك لعنتي."

شعرت بقشعريرة تزحف على عمودي الفقري.

هل كان وعدي مجرد وسيلة للنجاة؟ هل كنت حقًا مستعدًا للوفاء به؟ لم أكن أعرف حتى ما الذي وعدتها به! لكن شيئًا ما في داخلي كان يخبرني أنني لن أكون حرًا حقًا إلا إذا فعلت ما تطلبه مني.

بدأت خطواتي تتراجع ببطء، ثم تحولت إلى ركض. ابتعدت عن المدرسة، عن القرية، عن كل شيء. لكن في كل مرة أغمض فيها عيني، كنت أراها هناك، تنتظر.

ليس كل عهد نقطعه يجب أن نوفي به... أليس كذلك؟

لكن، ما الذي يحدث إن كان العهد قد قُطع مع شيء لا ينسى... ولا يسامح؟

في تلك الليلة، لم أذق طعم النوم. كنت في فندق متواضع في أبوجا، عاصمة نيجيريا، لكن الغرفة كانت تضيق عليّ كأنها قبر. زميلي وليد لم يتوقف عن الثرثرة، يروي مغامراته وكأنما يحاول طرد الملل من بين جدران الغرفة، بينما كنت مستلقيًا على السرير، أحدّق في السقف، غارقًا في دوامة من الأفكار.

فجأة، قال لي بشيء من الجدية:

— يا طلال! سمعت قصة غريبة، أسطورة كوي كوي… معلمة تُرعب كل من يقترب من مدرستها المهجورة، ومن تطأ قدماه عتبة تلك المدرسة لا يعود منها إلا جثة هامدة!

شعرت بقلبي يهوي. تلك الكلمات لم تكن مجرد خرافة سمعتها منه لأول مرة، بل كانت ذكرى محفورة في أعماقي، شيء حدث لي بالفعل... شيء لا أجرؤ على الحديث عنه.

التزم الصمت لحظة، متردّدًا بين البوح والسكوت، ثم قلت بصوت خافت:

"وماذا لو قلت لك... أنني رأيتها؟"

توقف وليد عن الكلام، نظر إليّ بعينين متسعتين، قبل أن يضحك فجأة، كأنما ظن أنني أمازحه. لكنه سرعان ما لاحظ الجدية في وجهي، فاختفت الابتسامة عن شفتيه.

— "أنت تمزح، صحيح؟"

هززت رأسي ببطء.

— "دخلت المدرسة. رأيتها. سمعت وقع كعبها الأحمر... وخرجت."

ساد الصمت بيننا، لم يكن صمتًا مريحًا، بل ثقيلًا كأن المكان قد فقد الأكسجين فجأة. ابتلع وليد ريقه بصعوبة، ثم قال بصوت خافت:

— "لكن... لم يخرج أحد من هناك حيًا من قبل."

تجمدت، شعرت بالقشعريرة تزحف على ظهري مجددًا. ما الذي يعنيه؟ لقد كنت هنا، حيًا، أتنفس، أتكلم معه. كيف يقول إنه لم يخرج أحد؟

لكن قبل أن أتمكن من الرد، سمعت الصوت.

ذلك الصوت الذي لم يكن يجب أن أسمعه هنا، بعيدًا عن المدرسة، بعيدًا عن الظلام...

"كُووي... كُووي..."

كانت نغمة خافتة، كأنها تُتمتم مباشرة في أذني، كأنها قادمة من داخل جمجمتي. رفعت رأسي ببطء، ونظرت إلى المرآة المعلقة في الغرفة.

وهناك... رأيتها.

كانت واقفة خلفي، تنظر إليّ من خلال الزجاج العاكس، بشعرها المتساقط على وجهها، وعينيها الفارغتين كهاويتين بلا قرار. لم تتحرك، لم تهمس، فقط... ابتسمت.

لكن هذه المرة، كانت الابتسامة أوسع.

وكنت أعلم تمامًا... أن لعنتها لم تنتهِ بعد.

قطع خيط افكاري وليد الذي انفجر ضاحكًا، اخذ يصفق بيديه ساخراً:

— كيف كان شكلها؟ هل كانت جميلة؟ هل قبّلتها في ثغرها؟

ابتلعت غضبي. لم يكن هذا وقت المزاح. شيء ما كان يطبق على صدري، أثقل من الهواء، أشدّ من الخوف. لم يعطني الفرصة لأحكي له ما عشته.

بعد ان ساد الصمت لبرهة حاول وليد ان يعيد النقاش بيننا...
 
نظر إليّ وليد بفضول، حاجباه معقودان. "كيف يعني؟"

ابتلعت ريقي بصعوبة، وشعرت بوقع الكعب الأحمر يتردد داخل رأسي مجددًا، كأنني لم أترك المدرسة خلفي. هل أخبره؟ هل أجرؤ على ذلك؟ لكن إن بقيت صامتًا، فسأحمل هذا السر وحدي... ومعه اللعنة.

تنفست بعمق، ثم قلت بصوت بالكاد يُسمع: "لأنني كنت هناك، يا وليد... ورأيتها."

ارتسمت ابتسامة مشككة على شفتيه، لكنه لم يسخر. "تقصد أنك كنت في المدرسة المهجورة؟ طلال، أنت تمزح، صحيح؟"

نظرت إليه مباشرة، وأدرك أنه رأى في عينيّ شيئًا جعله يسحب ابتسامته فورًا. "لا أمزح، وليد. دخلت المدرسة، وسمعت الجرس، ورأيت الظلال... ورأيتها هي."

ساد صمت ثقيل، فقط صوت مروحة السقف المهترئة يعبث بالهواء بيننا. ثم قال أخيرًا، محاولًا الاحتفاظ بهدوئه: "و... خرجت؟"

شعرت بقشعريرة تزحف على عمودي الفقري. السؤال ذاته الذي سمعته من قبل، بصوت الرجل العجوز أمام المدرسة. السؤال الذي لم أجد له إجابة قاطعة. هل خرجت حقًا؟

لكن قبل أن أجيب، دقّ باب الغرفة.

تجمدت، وكذلك وليد. لم نكن نتوقع زوارًا في هذه الساعة المتأخرة. نظر إليّ، ثم نهض ببطء وفتح الباب.

كان هناك عامل الفندق، شاب نيجيري، ملامحه جامدة. قال بصوت منخفض:

"عذرًا سيدي، لكن هناك سيدة تنتظركم في البهو."

شعرت بدمائي تبرد. وليد رفع حاجبه. "سيدة؟ من؟"

الشاب تردد، ثم أضاف: "لم تقل اسمها... لكنها كانت تكرر كلمة واحدة فقط."

نظرت إليه، شعرت بشيء ثقيل يجثم على صدري. "ماذا قالت؟"

تراجع الشاب خطوة للخلف، كأنما وجوده قربنا صار خطرًا، ثم همس:

"Promise me."

في تلك اللحظة، أدركت أنني لم أترك المدرسة... بل حملتها معي.
 

لم اتجرأ على النزول للقائها اكتفيت بما قاله عامل الفندق...

حينها لم اذق طعم الراحة  إلا اني أغمضت عينيّ، محاولًا الهروب إلى النوم.

لكن النوم لم يكن هروبًا... بل كان بابًا لما هو أشدّ رعبًا.

في الحلم، رأيتها. كوي كوي...

وجهها شاحب كالقمر، عيناها كهاويتين مظلمتين، وثوبها الأبيض الملطخ بالدماء يرفرف كأنه يطفو في الفراغ. كانت تهمس بصوت يبعث القشعريرة:

رأيت نفسي واقفًا أمام السبورة من جديد، واليد الشبحية تكتب رسالة جديدة. لم تكن "انتقام" هذه المرة، ولا "من قتلني؟"

كانت كلمتان فقط:

"حان الوقت."

استيقظت مذعورًا، وعرق بارد يغطي جسدي.

أدركت حينها أنني لن أهرب. لا يمكنني.
لقد أصبحت جزءًا من القصة.
والقصص التي تبدأ باللعنات... لا تنتهي إلا بالدم.

استيقظت مفزوعًا، أنفاسي متقطعة، والعرق يبلل جبيني. شيء ما كان يناديني، يجذبني إلى هناك.

خرجت من الفندق، وكأن قدماي تسيران بي دون إرادة. الشوارع كانت ساكنة، وأضواء المدينة تتراقص بين الظلام، لكنني لم أرَ شيئًا سوى ذلك المكان... المدرسة المهجورة.

وقفْت أمام بوابتها المكسورة، التهمتني العتمة، وصدى صوت كوي كوي يرنّ في أذني:

— عد إلى المدرسة... ستجد الأجوبة.

دلفت إلى الداخل.

وكانت تنتظرني.

 

مضيت بعد أن تراءى لي في المنام شبح كوي كوي. كان الظلام يلف المكان حين شعرت بيد تربت على كتفي. سرت قشعريرة في جسدي، لكن صاحب الصوت جعلني أهدأ. كان وليد، لحق بي بعدما رآني أخرج من المنزل في جنح الليل، بينما كان مشغولًا بهاتفه.

قال لي بصوت هادئ، كأنه يحاول إعادتي إلى وعيي:

"لا تدخل... لا تغامر... لا تتبع الأوهام."

هززت رأسي. كنت أعرف أنني لو حكيت له كل شيء، فلن يصدقني. حتى أنا بالكاد أصدق ما حدث. لكن شيئًا في داخلي أراد أن يتأكد... هل كنت وحدي في هذا؟

— "وليد... هل سمعت شيئًا عن الجرس؟ عن وقع الكعب الأحمر؟"

تغيرت ملامح وليد، وكأن الدم قد انسحب من وجهه. ابتلع ريقه بصعوبة.

— "من أين سمعت هذا؟"

شعرت بقشعريرة تسري في جسدي. كان وليد يعرف شيئًا.

— "لا يهم من أين. أخبرني فقط."

تنهد وليد، وكأنه يقاوم ذكرى لا يريد استرجاعها.

— "سمعت أن الذين سمعوا الجرس أو وقع الكعب... لم يعودوا كما كانوا. يقولون إنهم لا ينامون، وإنهم يشعرون وكأن هناك من يراقبهم طوال الوقت. وبعضهم... اختفى تمامًا."

ازداد ثقل الهواء حولي. حدقت في يدي، شعرت وكأن شيئًا غير مرئي يضغط على أصابعي، يذكرني بوعدي الذي قطعته داخل المدرسة.

— "اختفوا؟ كيف؟"

خفض وليد صوته، وكأننا لم نعد وحدنا في الغرفة.

— "هناك شاب يدعى أديب، كان يعمل مع منظمة إغاثية قبل سنتين، تمامًا مثلنا. قيل إنه ذهب إلى المدرسة المهجورة، وحين عاد، كان مختلفًا. بدأ يتمتم بأشياء غريبة، يتحدث عن امرأة بلا عينين، عن وعد لم يوفِ به. وفي إحدى الليالي... اختفى. لم يجدوا له أثرًا."

لكنني لم أستطع التراجع، أخبرته بما سمعت، بما رأيت، لكن فجأة، دوى صوت انفجار من داخل المدرسة القديمة.

ارتجف وليد وأصر على أن نغادر:

"يجب أن تعود إلى بلادك... الموضوع أصبح خطرًا!"

لكنني لم أعد أسمع صوته، أو ربما لم أعد أنا نفسي. شيء ما تلبّسني. كنت هناك، لكنني لم أكن. كنت أرى جسدي يتحرك من تلقاء نفسه، وأشعر بصوت آخر يخرج من حنجرتي، صوتًا أنثويًا، هامسًا، غاضبًا:

"لن أترك دمي يذهب سدى... وطلال، لأنه طاهر... سيساعدني..."

رأيت يدي تمتد إلى رقبة وليد، ترفعه في الهواء كأنه ورقة خفيفة. عيناه جاحظتان، محاولًا استيعاب ما يحدث. حاول أن يصرخ، لكن صوته لم يخرج. أصابعه حاولت انتزاع يدي عن عنقه، لكنني كنت أقوى، أقوى مما كنت يومًا.

ثم، كما لو أنني فقدت الاهتمام، ألقيت به أرضًا، ليقع مترنحًا، يلهث باحثًا عن الهواء.

ركضت نحو المدرسة، لم أعد أفكر، لم أعد أشعر، فقط نداء خفي يسحبني إلى الداخل.

لكن وليد، رغم كل شيء، لم يستسلم. لم يهرب. رأيته ينهض، يلهث، لكنه جرى خلفي...

كنت في الفندق، جالسًا على سريري، والألم يزحف ببطء إلى أطرافي، يلتهمني دون رحمة. همست لنفسي بصوت خافت، يكاد يُسمع: "Promise me". تكررت تلك الكلمات في رأسي وكأنها وعد مستحيل، وعد لا أستطيع الوفاء به، لكنني كنت أسمعه في أعماقي، يهمس لي بأن النهاية تقترب، وأنها ليست النهاية التي كنت أتوقعها.

في ذلك اليوم، عندما دخلت المدرسة، كان كل شيء يبدو عاديًا، روتينيًا. لكن الصمت كان ثقيلًا كالكابوس الذي يلتهم الأفق. اقتربت من السبورة، ووجدت تلك الكلمات الغريبة: ...It is time، حان الوقت. وكان الشعور الذي انتابني كالشعلة التي تضيء الظلام، كأنها إشعار بأن مصيري قد بدأ.

كلما اقتربت أكثر، شعرت بشيء يتسلل في جسدي، حرارة غريبة تجتاحني، وعينيَّ بدأتا تدمعان وكأن عقلي يوشك على الانفجار. فجأة، فقدت توازني وسقطت على الأرض، جسدي يتشنج، يتلوى مثل ثعبان يعاني من الألم. كنت أغرق في دوامةٍ لا نهاية لها، وكل شيء حولي بدأ يتحول إلى ضباب، وكأنني في عالم آخر، بعيد عن كل شيء.

لكنني لم أكن وحيدًا هنا.

أنا وليد، نعم، كنت هناك. عرفت شيئًا عما مر به طلال، ولكني لم أكن مستعدًا لما قاله لي أديب. كان أديب، الشاب الذي دخل المدرسة ذات يوم، يحمل في قلبه صراعًا مشابهًا لذلك الذي مر به طلال. كان يحاول الهروب من تلك الذكرى، لكنه كان يعلم أن الفرار مستحيل. قال لي بصوتٍ مرتجف، كأن الكلمات تأتي من مكان بعيد:

"كنت في المدرسة، في يوم عادي. وعندما دخلت الفصل، رأيت رجلًا مقتولًا، جثة ملقاة على الأرض، وعيناه مفتوحتان على مصير لم يكن هو من اختاره. قبل أن أتمكن من الهروب، ظهرت أمامي تلك الكائنات، كوي كوي. كائنات غريبة، لا تُفهم إلا بلغة التحذير. أخبروني بصوت خافت: إذا تحدثت عن القتيل، ستقع في نفس المصير. ستكون أنت التالي، ستكون أنت الميت القادم."

توقف أديب لحظة، كأن ذكريات الحادثة تغلف قلبه بظلامٍ لا يُطاق. ثم تابع، وقد بدا وكأن كل كلمة كانت تصرخ في أعماقنا:

"كنت أريد الهروب إلى بلادي، حيث أستطيع أن أتنفس بحرية. لكن ما إن وصلت إلى مطار أبوجا، حتى شعرت وكأنني في قبضة شيء أقوى مني، شيء خارق. كنت كدمية في يد ساحر، لا أستطيع الهروب. ثم عرفت الحقيقة. كانت تلك الديانة، الفودو، هي ما يحكمهم هنا. تُهيمن على عقولهم، تتحكم في مصائرهم. لم يكن هناك مفر كما قال لي رجلا نيجيري."

كان كلامه ثقيلًا، كالصخر الذي يسحق الروح. تخيلت كيف كان يكابد في ذلك الكابوس الحي، الذي لا مفر منه. وكان قلبه ينزف، كل كلمة كانت أداة لحفر جرح أعمق.

لكنني أدركت الآن، أنني في نفس المعركة، في نفس المصير. لا يمكنني الهروب من هذا. هل سأكون الحلقة التالية في سلسلة الموت التي بدأها طلال وأديب؟ أم أنني سأصبح الضحية القادمة؟ لأن من يعرف الكثير، لا بد أن يواجه مصيرًا لا يرحم.

سألت أديب، والصوت يرتجف في حنجرتي وكأنني غارق في برودة الجليد:

"وماذا عن كوي كوي؟ هل عرفت المزيد عنهم؟"

نظر إلي أديب بعيون غامضة، كأنه يقرأ في أعماق روحي. كانت نظراته مليئة بشيء لم أستطع تحليله، كما لو أنه يعلم شيئًا أكثر مما يظهره. ثم قال، بصوتٍ منخفض:

"لا أعتقد أنه يمكن لأحد أن يعرف كل شيء عن كوي كوي. بين الحقيقة والخيال، هناك شيء مظلم يلتهم العقول، شيء لا يمكننا فهمه. وعندما تقترب منه، لا يمكنك العودة."

كأنما كانت هذه الكلمات آخر إشعار له، وتحذيرًا للقادم. وحين سكت، شعرت وكأنني ابتعدت عن كل شيء، وكأنني على حافة هاوية لا أرى قاعها.

والآن، لم أعد أعرف إن كنت سأعيش لأرى النهاية. لكن شيء واحد كنت متأكدًا منه... أن النهاية تقترب، وأنها ستكون أسوأ من كل ما تصورت.

هل سأكون التالي؟
 

### 🎬 **وقع الكعب الأحمر – الفصل الأخير: الانعكاس**

كنت ألهث، جالسًا في زاوية الغرفة، والعرق يبلل جسدي كأنني خرجت للتو من نهر باردٍ وسط جحيم. كانت كلمات أديب تتردد في رأسي، وكانت صورة وليد وهو يختنق بيدي لا تغيب عن عينيّ، رغم أنني... لم أذكر أنني فعلت ذلك. هل فعلت؟ لا أذكر.

أغمضت عيني، محاولًا الهروب. لكنني حين فتحتها...

لم أكن في الفندق.

كنت داخل غرفة صف قديم.

الجدران كانت مألوفة. السبورة، الطاولات، الظلال... رائحة الطباشير والعفن... كلها هنا.

وكنت واقفًا... أمام فصل دراسي.
خلفي سبورة كتبت عليها جملة واحدة:
**"الدرس اليوم: من هو طلال؟"**

صرخت، أدرت رأسي، بحثت عن المخرج، لكن الباب كان مغلقًا بسلاسل صدئة. سمعت وقع الكعب الأحمر من جديد... قادمًا من الممر.

تقدمت نحوي امرأة طويلة، وجهها مغطى بشعر أسود كثيف، تمامًا كما أتذكرها. السيدة كوي كوي.

لكن هذه المرة...
**كانت تمسك بصورتي.**
كانت تمسك *ببطاقتي الشخصية*، تحمل اسمي، صورتي، وكل شيء.

قالت بصوت خافت كأن الريح تتكلم:

> "كنت تظن أنك الزائر... لكنك كنت هنا دائمًا."

اقتربت أكثر.

> "أنت لم تعد طلال. لم تكن يومًا."

صرخت: "أنا... أنا دخلت المدرسة منذ أيام فقط! رأيت الظلال، رأيتك! رأيت وليد!"

ضحكت. ضحكة بلا فم. ضحكة تتسلل بين العظام.

> "وليد؟ لم يكن هناك وليد. لم يكن هناك أحد سواك. أنت كنت تكتب القصة. أنت الذي اخترعتني."

تراجعت... اصطدمت بالسبورة.

نظرت إليها مجددًا...

لم تكن تكتب "الدرس اليوم: من هو طلال؟"

بل كانت تكتب اسمي...

**كوي كوي.**

يدي... كانت ملطخة بالطباشير.

يدي الأخرى... كانت تمسك الكعب الأحمر.

---

### 🩸 التحوّل:

كل القصة، كل الصراخ، كل الظلال، لم تكن إلا محاولة من "كوي كوي" لفهم ذاتها...
ولم تكن الشخصية الرئيسية "طلال" سوى إسقاط وهمي لشخصيتها القديمة، قبل أن تتحول إلى شبح...
كانت تحاول تذكّر ماضيها عبر بناء شخصية من الضحية... لكنها، في النهاية، لم تكن تبحث عن قاتلها.

كانت تبحث عن **هويتها المفقودة**.

وطلال؟
طلال لم يكن إلا غلافًا لشخصيتها...
قناعًا تتحدث به إلى العالم.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

الخريطة التي تقودني إليك

 رواية الخريطة التي تقودني  إليك  بقلم  جوزيف مونينغر المقدمة يوم التخرج إنها والدتك، من بين الجميع، هي التي تلتقط الصورة المثالية لك ولصديق...