باربرا، زوجة الراعي
حكاية شعبية إسبانية/برتغالية
عندما كانت إسبانيا، لحسن الحظ، تحت سيطرة العرب المستنيرين، سادت روح الفروسية في جميع طبقاتها، لكن هذه الروح تدهورت بعد رحيل عبدالله الصغير عن غرناطة.
لقد تسللت دماء العرب إلى عروق غالبية الإسبان، غير أن استبدادًا دينيًا مطلقًا أخضع العقول وأحكم قبضته على النفوس، فصارت إسبانيا، تحت نير اليسوعيين، بلادًا تُذكر بمحارقها أكثر مما تُعرف بتقدمها في الفنون والعلوم، التي أُهملت إلى حد كبير.
ومع ذلك، فقد وُجد نفر من القوم كان الدم العربي فيهم أقوى من إيمانهم بدينهم الجديد، الذي، وإن كان ساميًا في ذاته، فقد كان وخيم العواقب.
إنه إسراف في الدين، لا جوهره، هو ما صنع من الإسباني صورة يأنفها فاتحه العربي أشد الإنكار.
في إقليم غاليثيا، تستقر قرية بورّينيو، متمددة في وادٍ بديع، تحف بها المروج الخصبة وحقول الذرة.
هناك عاش الراعي المرح سباستيان دي لاس كابراس، الشهير بمواجهاته مع الذئاب، لكنه كان موضع ازدراء جيرانه، إذ عُرف عنه أنه من سلالة العرب.
لم يكن في القرية كلها رجل يبارزه في إتقان استعمال العصا، وكان من المهارة بحيث إنه، بسلاح المقلاع، يستطيع أن يصيب ثورًا بين عينيه بحجر من مسافة مئة ياردة، فيرديه قتيلًا.
أما خنجره، فقد كان يتعامل معه بمهارة فائقة، يستخدمه في التقاط قطرات الزيت من صحنه بدلًا من لعقها بملعقة، أو يغرسه في ساق خصمه أو ذراعه إذا نشب خلاف.
لكن سباستيان، رغم فطنته وبشاشته، لم يكن خالي الهموم، وكان ككل الرجال ذا مظلمة، إلا أن مظلمته، على خلاف غيره، لم تكن ضد بشر، بل ضد القديس فنسنت، الذي تقطعت أوصاله (إذ بلي بعضها فتم استبداله بالشمع) وتوزعت رفاته على كاتدرائيات شتى في أرجاء إسبانيا والبرتغال، وكل واحدة منها تزعم أنها تحوز الجسد الأصيل للقديس الأصيل.
لكن هذه التعددية في القديس فنسنت ليست بالشيء العجيب؛ فهل لم يملأوا ثلاث سفن عظيمة بأنياب القديس يعقوب في كومبوستيلا حين ورد الطلب من روما؟ أوَلم يُقرّ البابا بصحة كل تلك الأسنان؟
إن إسبانيا، بجنونها الديني، ليست كغيرها من البلدان، تمامًا كما لم يكن سباستيان دي لاس كابراس كغيره من الرجال.
ففي شبه الجزيرة، يُبجل القديس فنسنت بوصفه الحامي من داء الجدري، ويُقال في غاليثيا إن كل الأمراض والمصائب خُلقت ليكون لها قديسون حامون، وذلك كما يُقال في ليون إن القمح وُجد كي تكون له بطون تستهلكه.
أما سباستيان، فلم يكن يكترث للقديسين ولا للأمثال، ولم يكن يخشى قانونًا ولا شيطانًا، لكنه كان يذعن لزوجته، السيدة باربرا، التي كان جمالها، كحال القصر المهدّم في إشبيليا، من أطلال الماضي.
غير أن السيدة باربرا كانت امرأة تحوز الاحترام، ولم يكن في الروزنامة قديس تكرّمه بمثل ما تبجّل القديس فنسنت، إذ كان هو من أنقذها حين أصيبت بالجدري.
لم يُثر الرعب في قلب أرملٍ رؤيته لزوجاته الثلاث اللواتي نهضن من قبورهن ليطالبن به زوجًا، كما كانت تثيره السيدة باربرا حين تفاجئ زوجها سباستيان وهو يرعى قطيعه في الجبال، فما وُجدت امرأة أبلغ لسانًا منها. حتى إن رئيس أساقفة كومبوستيلا، إشفاقًا على كهنته، أفتى بأنها ليست بحاجة إلى الاعتراف، وغفر لها جميع ذنوبها جزاء حبها للقديس فنسنت، لكنه لم يخفِ عتابه للقديس على رحمته بها.
لقد طاف سباستيان بأضرحة القديس فنسنت في كومبوستيلا وسلامنكا وقادش ومالقة وإشبيلية، راجيًا منه أن يتراجع عن إحسانه، لكن الأجساد ظلت صمّاء عن توسلاته، وظلّت باربرا تؤرقه بلسانها، وتذيقه بيديها.
وإذ يئس من شفاعة القديس، تذكر إيمان آبائه، فخطر له أن يستنصح شيخًا عربيًا يسكن القرية المجاورة.
فقصّ عليه حاله، وقال: "إني لا أحقد على زوجتي، بل على القديس، فهو الذي كتب لها الحياة."
فأجابه الشيخ: "إنها مسألة عصيّة، تتطلب التبصر والحكمة قبل الإقدام. أنتم، أيها النصارى، تصنعون قديسين ليخدموكم، وحين تتباين مصالحكم تلومونهم على ما يستحيل تحقيقه. غير أني أعلم أن القديس فنسنت كان يخشى لسان المرأة كما يخشى سيف الساراسي، ولعلّه آثر الإبقاء على حياة باربرا على أن يعاني لغطها في مرقده."
فسأله سباستيان: "وماذا ترى أن أفعل؟ لم أعد أطيق العيش معها!"
قال الشيخ: "هناك القديس نيكولاس، وتيبورتيوس، وبرثلماوس، وسواهم، وكلهم يهابون ضوضاء النساء، لكن القديس فرنسيس الصغير كان أصمّ منذ مولده، وقد عرف بالحسد، فليس أحب إليه من أن يثأر لنفسه من رفاقه بأن يلقي عليهم بباربرا."
"لكن إن كان أصمّ، فكيف أجعله يسمع شكواي؟" تساءل سباستيان.
"إنك لست نصرانيًا حقيقيًا إن لم تدرك مواضع ضعف القديسين عمومًا، وحراس أضرحتهم خصوصًا. يمكنك أن تصرخ حتى تصاب بالصمم، أو ترقص حتى تنهك، ولن يصغوا إليك، ولكن إن أبرزت لهم الذهب اللامع، فإنهم سيصغون ويفهمون، حتى لو كنت أخرسًا كما تتمنى أن تكون باربرا."
فقال سباستيان: "سأمضي إذن إلى السوق، وأبيع بعضًا من خِيرة ماشيتي، وأهدي المال بسرور للقديس فرنسيس الصغير."
فباع ثيرانه، وحمل المال إلى ضريح القديس، وبعد أن صلى بخشوع، أخذ يضع الذهب قطعة تلو الأخرى، فكانت دهشته عظيمة حين رأى القديس يتحرك، ويفتح عينيه، ويمدّ يديه، ويعده بإجابة دعائه.
وفي تلك الليلة، بينما كانت باربرا تلقي موعظة طويلة عن فظاظة الشخير في حضرة سيدة، إذا بالقديس فرنسيس يظهر عند السرير، حاملًا مرآة.
"باربرا"، قال القديس، "قد عُرفت فضائلك لدينا، وكافأناها بأن رددنا إليك شبابك وجمالك، فانظري بنفسك في هذه المرآة، لكن احذري أن تنطقي بكلمة غضب أو كبر، فحينها سينقلب سحرك شيخوخةً وبشاعة!"
ثم غادر، بينما باربرا تتأمل وجهها بشغف في ضوء المصباح، وسباستيان يغطّ في نوم هانئ، لم يذقه منذ سنين.
ومنذ ذلك الحين، لم تُعرف المرآة إلا في يد باربرا، حتى أنهكتها السهرات الطويلة، فخارت قواها أمام سحر القديس الصغير، وحكمة الشيخ العربي.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق