**قصر المغاربة المسحور**
على ضفاف نهر دورو، بالقرب من فريشو، تنتصب صخور هائلة عند حافة منحدر يكاد يكون عموديًا. يُقال إن أرواح الأطفال غير المعمدين تتجمع عند هذا الموضع، فتملأ ساعة منتصف الليل بصراخها المروّع، خصوصًا عندما تعصف العواصف عبر الوادي وتهبّ فوق التلال المغطاة بالثلوج. وعندما يبلغ الريح ذروته، تتعالى أصوات هؤلاء الأرواح الضائعة، حتى تكاد تمتزج بعواء الرياح، فلا يقدر على تمييزها إلا القرويون المجاورون، الذين يزعمون أنهم وحدهم يستطيعون التفريق بين نواح الصغار الضائعين وهمسات العاصفة العاتية، وهي تصطدم بالصخور وتهوي عبر المنحدرات.
في مثل هذه الليالي، تشعل زوجة الفلاح الشموع حول تمثال القديس لورانس، شفيع الرياح، وتجمع أهل بيتها حولها، ثم يرددون هذه الأبيات في خشوع:
**"يا قديس لورانس، احفظنا،**
**من خطيئة الهرطقة،**
**اهدأ الرياح الهائجة،**
**وكن لنا دومًا الضيف المكرم،**
**كما كان يقدّرك آباؤنا."**
**"أبعد الأشباح عن دارنا،**
**أولئك الذين نبذتهم السماء—**
**الساحرات، والشياطين، والعفاريت جميعًا،**
**ليهووا إلى الجحيم، مع غير المعمّدين."**
أحيانًا يستغرق إرضاء القديس لورانس وقتًا أطول من المعتاد، لكن مع بزوغ الفجر، يعود الطمأنينة إلى قلوب المصلين، وتجد الأرواح الهائمة الراحة، وإن استمر عواء الرياح.
قبل قرون عديدة، كان قصر المغاربة المسحور في فريشو مفخرة البلدة. وعلى الرغم من صغر حجمه مقارنة بقصر الحمراء في غرناطة، فقد كان يفوقه في التقدير، إذ احتضن في إسطبلاته الباذخة ذلك الحمار الذي يُقال إن النبي محمد صعد به إلى الجنة. وتروي الأسطورة أن هذا الحمار، حين وجد نفسه غريبًا في جنان الفردوس، أفلت وعاد إلى الأرض، حيث ظهر بالقرب من القصر، أو القلعة، في فريشو، ووجده أهلها صباحًا وهم في طريقهم إلى المسجد.
كان حمارًا بديعًا، يليق بالتراث المحمدي. وتدّعي الروايات أن طحانًا من القرية حاول أن ينسبه لنفسه، لكنه لم يستطع تقديم أي دليل على أنه يملكه، ولأن الحمار كان أبيض اللون كحمار النبي، أُمر الطحان بالبحث عن حماره في مكان آخر، إذ كان هذا بلا شك حمار النبي.
لا تروي الأسطورة كم عاش هذا الحمار، لكنها تؤكد أنه لقي مصيره المحتوم في نهاية المطاف، وحين تعصف الرياح العاتية، يُقال إنه يُسمع نهيقه من مرقده.
لم يبقَ اليوم سوى القليل من هذا القصر العظيم، إذ لم تقوَ أبراجه المزخرفة وجدرانه المنحوتة على مواجهة عاديات الزمن، فهدمتها السنون ولم يبقَ سوى الصخور المحيطة، شاهدةً على مجد زائل. ومعها بقيت الأساطير التي تناقلها أهل البلدة، وأضافوا إليها عبر الزمن لمساتٍ زادتها رونقًا وأقربتها من الحقيقة، فأصبحت تراثًا يستحق الحفظ، كنافذة تفتح على ماضٍ سحيق.
حتى في ظل هذه الروايات الغارقة في الخرافة، لا يزال هناك من يدرك أن في طيّات هذه الحكايات بقايا من تاريخ غير مكتوب، تؤكد صدقه الأطلال المبعثرة لبناياتٍ إسلاميةٍ بديعةٍ أبت أن تُمحى بالكامل.
ورغم أن الصليب انتصر على الهلال بعد معارك دموية، فإن سكان شبه الجزيرة الإيبيرية لا يسعهم إنكار أن ما تبقى من جمال في عمارتهم اليوم يرجع إلى التأثير العربي، وأنهم مدينون لمغاربتهم المهزومين بالكثير من الجرأة والصبر، اللذين ميّزا أجيال البحّارة العظام، فضلًا عن إدخالهم العديد من العلوم والفنون النافعة.
لكن اليوم، سيبحث المسافر عبثًا عن قصر الراشد في فريشو. لم يبقَ منه سوى الصخور العاتية، ولم يترك الفن فيها أثرًا يسرّ العين. قد تستحوذ الأسطورة على اهتمامه، لكنه يجب أن يكون مستعدًا للاستماع إليها بكل الزخارف التي أضافها عليها خيالٌ خصب، أو خرافة عمياء.
### **ماريا داس دوريس والسحر المغاربي**
تحكي الأسطورة أن القائد المغاربي الراشد احتجز فتاة مسيحية لسنوات طويلة. كانت تدعى ماريا داس دوريس، وتوصف بأنها كانت حسناء بقدر ما كانت طيبة القلب، حتى أنها استحقت أن تكون أمًا لذلك الجيل من الأبطال الذين سحقوا المغاربة في معركة أوريكي.
كانت ماريا ابنة مزارع ثري يسكن بالقرب من مصب نهر مينهو. وكانت تعمل مع الفلاحين في الحقول، تغني معهم ترانيم العذراء بصوت عذب بينما ترفع معولها.
كان الراشد يراقبها مرارًا من مخبئه في الغابة المجاورة، وقد أحبها رغم علمه بأنها مسيحية. لكنه أدرك أيضًا أن قلبها كان لغيره، ولم يكن له سبيل إليها إلا بالخطف.
وذات مساء، تأخرت ماريا عن العودة مع المزارعين. بحث الجميع عنها، ولكن دون جدوى. عندئذٍ، أيقنوا أن الراشد قد اختطفها.
لكن لم يرَ أحد الراشد في ذلك اليوم. ومع ذلك، كان يُعرف أن المغاربة سحرة، قادرون على خلق ممرات تحت الأرض تغلق خلفهم، فلا يطاردهم أحد.
استُدعيت العرّافة الحكيمة، وبعد أن قرأت النجوم وأحرقت أغصان الصنوبر، حدّدت اتجاه الهاربين. فركب الرجال خيولهم، وقادَتهم العرّافة، التي امتطت بغلةً بيضاء فاخرة. وبعد يومين من المسير، سمعوا وقع حوافر خيل، لكنهم لم يروا شيئًا. فعلموا أن الراشد يستخدم ممرًا سحريًا لا سبيل لكشفه، فاضطروا للعودة.
كان الحل الوحيد لإنقاذ ماريا هو اللجوء إلى شخص غير معمّد، إذ لا يمكن للمسيحيين دخول الممرات السحرية. لذا، اتخذوا قرارًا جريئًا: تركوا مولودًا جديدًا دون تعميده، ليكبر ويصبح المنقذ.
مرت السنوات، وعندما بلغ الفتى الثالثة عشرة، كُشف له عن مهمته. كان شجاعًا، فعقد عزمه، وسلّح نفسه، ثم توجه مع العرّافة إلى الغابة.
عند شجرة بلوط عتيقة، ضربت العرّافة الأرض بعصاها ثلاث مرات، فافترقت لتكشف عن ممرٍ مظلم. نزل الفتى بشجاعة، ليجد نفسه في دهليز مرصّع بالجواهر اللامعة.
في طريقه، رفض ركوب جوادٍ مسحور أو الصعود على متن قاربٍ مجذافوه حوريات فاتنات. وعندما حمل طفلًا يستجديه، تحول إلى عملاق حاول خنقه، لكنه نجا بفضل عدم تعميده.
بعد ثلاثة أيام من المسير، بلغ بوابة القصر. لكن ضفدعًا هائلًا، ينفث نيرانًا، حال بينه وبين الدخول. بحيلة ذكية، ألقى بسيفه خلف الضفدع، وعندما استدار الوحش، قفز الفتى على ظهره، ووجّهه بالنيران نحو القصر، ليحرق الراشد حيًا.
بضربة واحدة، فصل رأس الضفدع، فاختفى القصر في لمح البصر، وظهرت ماريا حرة طليقة.
عاد الفتى إلى قريته، حيث أقيمت الاحتفالات، وعُمّد أخيرًا، لينال المغفرة عن هرطقته، ويحظى بمكافأة سخية من والد ماريا.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق