بحث هذه المدونة الإلكترونية

الخميس، 20 مارس 2025

لغة الطيور - من التراث الروسي



**لغة الطيور**  
من التراث الروسي 

 

 
في بلدة ما، في أرض روسيا المقدسة، عاش تاجر ثري مع زوجته. كان له ابن وحيد، فتى نبيل، ذكي، وشجاع يُدعى إيفان. وفي يومٍ جميل، جلس إيفان إلى مائدة الطعام مع والديه، بينما كان بالقرب من النافذة قفصٌ يُحتَجز فيه بلبلٌ رمادي ذو صوت شجيّ. بدأ البلبل في التغريد بألحانه العذبة، بنغماته الفضية العالية، فاستمع إليه التاجر طويلًا وقال:  

**"كم أتمنى أن أفهم معاني تغريد الطيور المختلفة! سأهب نصف ثروتي للمرء – إن كان هناك أمرئ كهذا – الذي يستطيع أن يفسّر لي تغاريدها المتنوعة!"**  

أثارت هذه الكلمات اهتمام إيفان، وصارت فكرة تعلّم لغة الطيور تستحوذ عليه أينما حلّ وأينما ذهب.  

وذات يوم، بينما كان الفتى يصطاد في الغابة، هبّت الرياح، وتلبّدت السماء بالغيوم، وأضاءت صواعق البرق أفقها، وتردد دوي الرعد في الأرجاء، وانهمر المطر بغزارة. وجد إيفان نفسه قرب شجرة ضخمة، وهناك، بين أغصانها، أبصر عشًا كبيرًا يضم أربعة أفراخ صغيرة، تقبع وحيدةً دون أن يكون لها أبٌ أو أمٌّ تحميها من البرد والمطر. أشفق إيفان عليها، فتسلق الشجرة وغطّاها بمعطفه الطويل، وهو الرداء الذي يرتديه الفلاحون والتجار الروس عادةً.  

انقشعت العاصفة، وجاء طائر ضخم يحلّق في السماء حتى حطّ بالقرب من العش، ثم توجّه إلى إيفان بكلمات ملؤها العرفان:  

**"إيفان، أشكرك! لقد حميتَ صغاري من البرد والمطر، وأودّ أن أردّ لك الجميل. أخبرني، بماذا ترغب؟"**  

أجابه الفتى: 

 

**"لست بحاجةٍ إلى شيء، فكل ما أتمناه أن تعلّمني لغة الطيور."**  


قال الطائر الضخم:

 
**"ابقَ معي ثلاثة أيام، وستفهم كل شيء."**  

مكث إيفان في الغابة ثلاثة أيام، نهل خلالها من حكمة الطائر الكبير، ثم عاد إلى منزله وقد صار أكثر فطنةً وذكاءً مما كان.  

وذات يومٍ جميل، كان يجلس مع والديه حين شرع البلبل في الغناء. لكن صوته في هذه المرة كان حزينًا، حزينًا جدًا، حتى إن التاجر وزوجته استشعرا الكآبة، أما إيفان، الذي كان يُنصت إليه بانتباه، فقد غلبه التأثر، وانهمرت دموعه على وجنتيه. 

 
سأله والداه بقلق:

 
**"ما بالك، يا بني؟ ما الذي يبكيك؟"**.  

قال ايفان:


**"آه، يا أمي! آه، يا أبي! أبكي لأنني أفهم ما يقوله البلبل، وأبكي لأن ما يقوله مؤلمٌ لنا جميعًا."**

  
قالا والديه:


**"وما الذي يقوله؟ لا تخفِ عنّا شيئًا، أخبرنا بالحقيقة كاملةً."**  

تنهد الفتى بحزنٍ وأجاب: 

 

**"ما أقسى ما أنبأني به! ما أقسى أن يولد المرء ليحمل هذا المصير!"**

  
قالا والديه:

 
**"أرجوك، لا تفزعنا! ماذا قال؟ أخبرنا فورًا!"**  


قال ايفان:


**"أما تسمعانه؟ يقول البلبل: سيأتي يومٌ يصبح فيه إيفان ابن التاجر أميرًا، وسيخدمه والده التاجر كما يخدم الخادم سيده."**  

ارتجف قلب الأب والأم، وساورتهما الشكوك تجاه ابنهما الحبيب. وفي ليلة ظلماء، دسّا له شرابًا مخدرًا، وعندما استغرق في النوم، حملاه إلى قارب، وألقياه في البحر، ثم نشرا الأشرعة البيضاء ودفعا القارب بعيدًا عن الشاطئ.  

تراقص القارب طويلًا فوق الأمواج، حتى تصادف أن اقترب من سفينة تجارية ضخمة، فاصطدم بها، فاستيقظ إيفان مذعورًا. رأى البحّارة الصبي الصغير ورقّ قلبهم لحاله، فانتشلوه وأخذوه معهم. 


وفي السماء البعيدة، حلّقت أسرابٌ من طيور الكركي، وأخذت تنعق بلغة سرّية، فاستمع إليها إيفان، ثم التفت إلى البحّارة قائلاً:  

**"احذروا، الطيور تحذّرنا من عاصفة هوجاء قادمة. لنبحث عن ميناء آمن، وإلا ستمزّق الرياح أشرعتنا وتكسر صواري السفينة."**  

لكنهم لم يُعروا كلامه اهتمامًا، وسرعان ما هبّت العاصفة، وكادت تُغرقهم جميعًا. عندها، أدرك البحّارة أن إيفان يملك معرفةً نادرة، وصاروا يصغون إليه بإمعان.  

وفي مرة أخرى، بينما كانت أسراب من البجع تحلّق عاليًا، أخذت تتحدث بصخب. تساءل الرجال: 

**"ما الذي تقول هذه الطيور، أيها الفتى؟"**  

فأجابهم: 

**"إنها تحذّرنا من القراصنة! يجب أن نلجأ إلى الميناء فورًا، وإلا وقعنا أسرى بين أيديهم."**  

استجابوا له هذه المرة، وبالفعل، نجوا من قبضة القراصنة الذين أسروا السفن الأخرى.  

وأخيرًا، وصلت السفينة إلى مدينة عظيمة، يحكمها ملكٌ يشكو من ثلاثة غربان سوداء تُزعجه، إذ تحوم حول نافذته ليل نهار، ولا أحد يستطيع طردها. أصدر الملك أمرًا بأن من ينجح في تخليصه منها، فسيحظى بنصف مملكته، وأصغر بناته زوجةً له. أما من يفشل، فمصيره الإعدام.  

قرأ إيفان الإعلان، ثم تشجّع وتوجّه إلى القصر، حيث أمر الخدم بفتح النافذة، وأصغى طويلًا إلى الغربان. ثم قال: 

**"خذوني إلى الملك."**  

ولما مثل بين يديه، قال:  

**"يا مولاي، هذه الغربان الثلاثة ليست سوى عائلة، الأب والابن والأم. إنهم في نزاع، وكل ما يطلبونه هو حكمك الفصل: هل يتبع الابن أباه، أم يبقى مع أمه؟"**  

فأجاب الملك: 

**"الابن يتبع أباه."**  

وما إن صدر الحكم، حتى انطلق الغراب الأب مع ابنه بعيدًا، وطارت الغراب الأم في اتجاه آخر، ولم يعُد أحدٌ يراهم منذ ذلك الحين.  

وفاءً بوعده، وهب الملك ابنته لإيفان، ومنحه نصف مملكته.  

وفي تلك الأثناء، فقد الأب التاجر  زوجته، وضاع ماله، حتى صار يتسوّل من بيتٍ إلى آخر. وذات يوم، قادته خطاه إلى قصر ابنه دون أن يدري، وهناك، تعرّف عليه إيفان، فاحتضنه باكياً وقال:  

**"أبي الحبيب! لقد شككتَ في نبوءة البلبل، لكن ها قد تحقق المصير، كما قُدّر له أن يكون."**  

وبكى الأب ندمًا، لكن إيفان بقي الابن البار، ضمّه إلى قلبه، وأكرمه في شيخوخته، قائلاً له وهو يبتسم:  

**"لم يكن قدري أن أغرق في البحر، بل أن أتزوّج أميرتي الجميلة، وأن أكون بجانب أبي العزيز حتى آخر العمر."**

 

النهاية 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

الخريطة التي تقودني إليك

 رواية الخريطة التي تقودني  إليك  بقلم  جوزيف مونينغر المقدمة يوم التخرج إنها والدتك، من بين الجميع، هي التي تلتقط الصورة المثالية لك ولصديق...