عرشٌ من رماد
تحت وهج الشمس الحارقة، كان الأسد العجوز يجر جسده المثقل بالجراح، كل خطوة يأخذها تحمل ثقل ماضٍ مجيد ووجع حاضرٍ مهين. لبدته التي كانت يومًا رمزًا للعظمة تساقطت خصلاتها، وعينه اليسرى بالكاد بقيت في محجرها، أما قدمه فقد أصابها العرج، يجرها خلفه كإرثٍ ثقيل من معركة لم تترك له سوى الخزي.
كان قبل أيام سيد البراري، ملكًا على عرش الغاب، حتى جاءه الأسد الفتي، مدججًا بالقوة والطموح، وأشعل بينهما نزالًا حامي الوطيس. علا صوت الزئير، تطايرت ذرات الغبار، واهتزت الأرض تحت أقدامهما، حتى انتهى القتال بطرد العجوز من مملكته، ذليلًا يلهث بين الصخور والشجيرات، شريدًا بلا وطن، بلا قوة، بلا كبرياء.
لكن في البرية، لا يضيع الضعيف وحده؛ هناك دائمًا من يتحين سقوطه ليكون وليمةً دسمة.
على إحدى التلال، كان ثعلبٌ يراقب المشهد، عيناه تلمعان بمكر، وذيله يرتعش من الإثارة. لم يتوقع أن يرى ملك الغابة في هذا الحال البائس، ولعبت في ذهنه فكرة جهنمية.
رفع الثعلب عقيرته بالتحية، متصنعًا الاحترام:
"مرحبًا بملك الوحوش! طبت مقامًا في أرضٍ أنت سيّدها، وخير من شرفت به البراري!"
التفت الأسد، باحثًا عن صاحب الصوت. كان الشك يرتسم في ملامحه، لكن صوته، رغم ضعفه، حمل نبرة الملوك:
"اخرج من مخبئك! لا يخافني إلا من يضمر السوء، لك الأمان، فأنا لا أرد الإحسان إلا بالإحسان!"
أطلّ الثعلب من خلف التلة، ورأى الأسد على حقيقته: وحشٌ أُهين، نزيفه لم يتوقف بعد، ونظراته تحمل من الحزن أكثر مما تحمل من الغضب. عندها، اطمأن قلب الثعلب، فقد أدرك أن موت الأسد ليس إلا مسألة وقت.
بابتسامةٍ خبيثة قال:
"يا مولاي، لا يحلّ بنا ضيفٌ دون أن نقدم له الضيافة! سأذهب لأصطاد لك ظبية، فأنت بحاجةٍ إلى الطعام، غير أنني لست سوى ثعلبٍ ضعيف، ولا أقدر إلا على الظباء الصغيرة!"
ابتسم الأسد رغم ألمه، وظل يردد كلمات الغرور التي اعتادها:
"امضِ إذن، أيها الخادم المطيع! وإن عادت لي مملكتي، سأجعل منك وزيري، وذراعي اليمنى!"
لكن الثعلب لم يكن إلا صيادًا صبورًا، يخطط لانقضاضته في اللحظة المناسبة. وهو يبتعد، همس لنفسه بابتسامةٍ ماكرة:
"أسدٌ ضيع ملكه، لا كرامة له في مملكة الأسود. المدح يغري الجهلاء، ويسلبهم عقولهم... وليست إلا أيام، وأجعله وليمةً لي!"
غير أن للغابة آذانًا تسمع، وعيونًا تراقب.
على غصنٍ قريب، كان طائرٌ صغير يُنصت لكل شيء. كان يعرف طبيعة الثعالب، ويعرف أن الغدر يسكن دماءها. فحلق نحو الأسد المرهق، حطّ أمامه، وانحنى احترامًا، قبل أن يقول بصوتٍ هادئٍ لكنه حاد:
"يا ملك البراري، لا تؤمن لمن يبني لك العروش بالكلام، وهو يعدّ لك القبور في الخفاء!"
رفع الأسد عينيه الثقيلة إلى الطائر، فواصل الأخير:
"الثعلب يكمن قريبًا، يتحين موتك ليأكلك حيًا. أحتاج أن أوقف نزف جراحك قبل أن تسقط بين أنيابه، فدعني أعمل طبيبًا لك!"
ثم بدأ الطائر يلعق دماء الأسد، حتى توقف النزيف أخيرًا. كان الجرح لا يزال غائرًا، لكن الأسد استعاد القليل من قوته، فنهض، وسار مترنحًا حتى عثر على فريسةٍ ضعيفة، فافترسها ببطء، واستعاد شيئًا من طاقته.
بعد يومين، كان الثعلب قد جاع حتى كاد يهلك، لكنه ظل صبورًا، فمكافأته تستحق الانتظار.
وأخيرًا، رآه تحت شجرةٍ ضخمة، لا يتحرك، كأنه مات أثناء نومه. امتلأ قلبه فرحًا، ورقص حول الأسد المنتظر، وهو يضحك ويقول:
"من سيصدقني إن قلت إنني أكلت أسدًا؟!"
اقترب بحذر، وأخذ يهمس لنفسه:
"قدمه المكسورة... ستكون البداية الأسهل..."
لكن ما إن انقض عليها، حتى انتفض الأسد بغضب، وبحركةٍ خاطفة، أمسك الثعلب من رقبته، ورفع رأسه عاليًا، ونظر إليه بعينين استعادتا بريقهما القديم.
أخذ الثعلب يصرخ متوسلًا:
"أنا وزيرك! أنا ذراعك اليمنى! دعني أدير شؤون بطنك!"
لكن الأسد لم يكن بحاجة إلى وزير، بل إلى انتقامٍ طال انتظاره.
وبحركةٍ واحدة، التهم الثعلب الغادر، ولم يُبقِ منه شيئًا يُذكر.
رفع رأسه إلى السماء، زأر زئيرًا هزّ الغابة كلها، ثم استدار، وسار نحو الأفق، ملكًا لمملكته القديمة، أو ربما، لمملكةٍ جديدة سيبنيها من رماده.
بحث هذه المدونة الإلكترونية
الاثنين، 24 مارس 2025
عرشٌ من رماد
الاشتراك في:
تعليقات الرسالة (Atom)
الخريطة التي تقودني إليك
رواية الخريطة التي تقودني إليك بقلم جوزيف مونينغر المقدمة يوم التخرج إنها والدتك، من بين الجميع، هي التي تلتقط الصورة المثالية لك ولصديق...
-
صعب السؤال بقلم محمد الفهد المحتويات 1- الوتر...و الشاهد 2- سوق الموسيقى: النغمة التي لم تُغفر 3- حين يتجسد الصبا في...
-
اهداء هذا الكتاب الى روحي ابي فهد بن بنيان و الى امي العزيزة هيا و الى الغالية عمتي نورة و الى عمتي الاثيرة نوف. قَد كُنتُ أوثِرُ أَن ت...

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق