فتح الأبصار في بلاد ما وراء الأنهار
حين كنت أجلس بجانب جدي، كان يحدثني عن بلادٍ بعيدة، عن جبالٍ شامخة تلامس السماء، عن أنهارٍ تتلو أغانيها العتيقة بين الوديان، عن رجالٍ بعيونٍ تشبه السماء في صفائها، وعن نساءٍ ينسجن الحكايات كما ينسجن سجاداتهن العريقة. كان يتحدث عن داغستان، تلك البلاد التي لم أرها يومًا، لكنها تسللت إلى أعماقي كما تتسلل الحكايات إلى قلب طفلٍ متعطشٍ للخيال.
ذات مساء، حين كنت أعبث بكتابٍ قديم، سألته:
"جدي، كيف أصبحتُ سورية وأنا في الأصل من داغستان؟"
ابتسم، وكأن السؤال حمله إلى زمنٍ بعيد، وقال:
"هناك قصة، والإنسان لا يعيش بلا قصص. القصة ليست فقط من الخيال، بل هي جزء من الإنسان... سأحكي لك عن قصتنا في وقتٍ لاحق."
ومنذ تلك اللحظة، صارت داغستان تسكنني. كنت أبحث عنها في كل كتاب، في كل خريطة، في كل سطرٍ من كلمات رسول حمزاتوف، ذلك الشاعر الذي كتب عن داغستان وكأنه ينقشها في الروح. قرأت كتابه "داغستان بلدي" بشغف، وكأنني أبحث عن نفسي بين صفحاته، وكأنني أطارد أشباحًا من الماضي تريد أن تخبرني من أكون. كنت أردد كلماته كما يردد العاشق أسماء أحبائه في وحدته.
"لا يزال سربٌ منهكٌ من طيور اللقلق يُحلِّقُ – ترفرفُ أجنحتهُ بتثاقلٍ وإصرار." كانت هذه الكلمات تتسلل إلى قلبي، كأنها تُحاكي معركتي الداخلية بين الماضي والحاضر، بين الجذور التي تسحبني نحو داغستان والواقع الذي يعيدني إلى دمشق.
بدأتُ أرى العالم بعيونٍ جديدة. دمشق ما زالت مدينتي، لكنها لم تعد وحدها. صرت أشعر أنني منتمية إلى أرضٍ لم تطأها قدماي، إلى جبالٍ لم ألمس صخورها، إلى لغةٍ لم أتحدث بها يومًا، لكنها كانت تسري في دمي دون أن أدري.
وفي كل مرة كنت أنظر إلى السماء في مساءات دافئة، كنت أرى اللقالق ترفرف بحرية، تنزلق الطيور في عتمة الشفق، سائرةً في دروب السماء بحريةٍ لا تُقيَّد. وفي انسيابِ تشكيلِها، أبصرُ فجوةً صغيرةً – لعلها، وربما، المساحةُ التي خُصِّصَت لي.
لم يعد السؤال "من أين أنا؟" مجرد استفسار عابر، بل صار معركةً داخلية، صراعًا بين الجذور والواقع، بين الدم الذي يسري في عروقي والتاريخ الذي كُتب لي.
لكنني كنت أعلم أن القصة لم تكتمل بعد، أن هناك فصلاً لم يروه لي جدي، وأن عليّ أن أسمعه منه قبل فوات الأوان.
في ليلةٍ من ليالي الشتاء، جلستُ بجانبه، نظرتُ إليه بعينين تحرقهما الأسئلة، وقلت:
"الوقت لاحق قد حان، أخبرني عن قصتنا... أخبرني كيف وصلت داغستان إلى دمي، وكيف وصلتُ أنا إلى هنا."
ابتسم جدي، نظر إلى السماء عبر النافذة، وكأن النجوم كانت تحفظ السر الذي كنت أنتظره، ثم قال بصوتٍ هادئ:
"حسناً يا هيا، استمعي... كان ذلك منذ زمنٍ بعيد..."
وانطلقت الحكاية.
قال جدي، وهو يتنهد بعمق، كما لو أن ثقل السنين قد وضع على قلبه، "الاتحاد السوفيتي، الذي كان يرزح على صدر بلادنا، كانت يده غليظة، تضيق على أصحاب الأديان، وتُجبرهم على أن يعيشوا في صمت. الدولة أعلنت إلحادها على يد ستالين، وعلى الرغم من أنها في البداية كانت تتقبل الجميع، إلا أن الأمور تغيرت. تحولت البلاد إلى مكان لا يُطاق، والكل كان يعيش تحت وطأة القمع."
أكمل جدي، وكأن كلماته تخرج من بين شفتين مرتويتين بحزن قديم، "داغستان، التي كانت جزءاً من هذا الاتحاد، لم تكن استثناء. أصبح والدي مطارداً، لا يستطيع ممارسة دينه. الإسلام كان محظوراً عليه أن يصلي أو يصوم، وكان مستهدفاً في تلك السنوات الصعبة. لم يجد أمامه سوى الهروب إلى سوريا، إلى بلاد بني أمية، حيث الأمل لا يزال ينبض."
ابتسم جدي، ثم أضاف بنبرة مليئة بالمشاعر: "لقد ولدتَ هنا، في دمشق. هذه المدينة التي كانت ملاذاً لنا، وهنا بدأت قصتك. هذي دمشق، وهذه الكأس، والراح، أني أحب وبعض الحب ذباح."
أغمضت عيني للحظة وأنا أستمع إليه، وكأنني كنت أسمع صوت بلادي بعيداً في أحشائي، شيء ما كان يلامس قلبي. ثم قال لي جدي، مع تلك الابتسامة التي لا تفارق وجهه رغم قسوة الزمن: "ورغم أنك يا هيا تعشقين لغة الضاد، إلا أن لغتك الأم هي الافارية. هي لغة آبائك وأجدادك، التي دبج بها رسول حمزاتوف قصائده العميقة."
كانت تلك اللحظات بيننا وكأنها جسر بين الماضي والحاضر، حيث تتناثر الكلمات مثل أوراق الخريف بين يدي، وتكتشف الروح كل ما كان مخبأً في الذاكرة.
استمرت الأيام في الرياض التي اصبحت مقامي، ولم تتوقف الأسئلة عن داغستان. كنت كلما التقيت بأحدهم، سواء في المدرسة أو في حيّنا، أسرد لهم حكايات جدّي وأبي عن تلك الأرض البعيدة التي لا يعرفها إلا من عاش تحت سمائها. كان بعضهم يكتفي بالابتسام، والبعض الآخر يتفاجأ، لكن المعلمة كانت دائمًا أول من ينتظرني بعد كل حصة، عينها تلمع بالفضول والحب.
ذات يوم، بعدما انتهت الحصة، اقتربت مني وقالت:
"يا هيا، أخبريني مجددًا عن الشيخ شامل، وعن قصته، عن كيف صار بطلاً في داغستان. أريد أن أسمعها مرة أخرى."
ابتسمت وأنا أتذكر ما قاله لي جدي. تذكرت كيف كانت كلماته تنساب بسلاسة، كأنها نغمة موسيقية قديمة تطرب لها الروح. بدأت أروي، كما علمني جدي، كيف أن الشيخ شامل كان رمزًا للمقاومة والشجاعة، وكيف قاوم الاحتلال الروسي لأرضه بكل ما أوتي من قوة. ذكرت كيف كان يجوب الجبال والشواطئ الوعرة، وكيف كانت معركة التحرير في قلبه لا تتوقف، رغم الصعاب والمحن.
ثم تذكرت كيف قال لي جدي ذات مساء:
"كان الشيخ شامل، يا هيا، رمزًا للعدالة. لا يمكنك أن تنسى هذا البطل الذي ضحى بكل شيء من أجل وطنه. كان يقاتل ليس فقط من أجل الناس، بل من أجل الأرض نفسها. الجبال التي كان يختبئ بين صخورها، كانت تناديه باسمها."
لقد أخذني حديثي مع المعلمة إلى عالم آخر، عالم يعج بالحكايات والأبطال. كانت صور داغستان تتشكل أمام عيني في تلك اللحظات، أرى الجبال الشاهقة، والأنهار المتدفقة، والمنازل الصغيرة التي كانت تعج بالقصص. لكنني شعرت بشيء أعمق من ذلك، شعرت أنني لست فقط أروي قصة من الماضي، بل أعيش في تلك القصة نفسها. أصبحت كل كلمة أقولها جزءًا من هويتي، من لغتي، من روحي.
ثم أكملت:
"لكن جدي قال لي أيضًا، يا معلمتي، أن أمه تشابه الشاعرة، فازو اليڤا، التي خلدت حبها للأرض والشعب في كلماتها. كانت كلماتها مثل نسيم الجبال البارد، تحمل في طياتها الأمل والتحدي. وكلما قرأت قصائدها، شعرت وكأنني أسمع صوت الجبال نفسها."
كانت المعلمة تنصت بتركيز، وكأن كل كلمة أقولها تثير فيها شغفًا لا يُطاق. أظن أن ما كان يثيرها ليس فقط قصص داغستان، بل الإحساس الذي كنت أعيشه عندما كنت أرويها. كان كل شيء في تلك اللحظة مشبعًا بالحنين والفخر.
انتهت الحصة، لكن الحديث عن داغستان لم ينتهِ. تركت المعلمة وقلبي مليء بالحكايات، وكنت أدرك تمامًا أنني مهما ابتعدت عن تلك الأرض، فإنها ستظل حية في كلماتي، في ذكرياتي، في كل قصة أرويها.
لم يكن ما حدث في الحسبان، ولم أخطط له قط. كان مجرد يوم عادي، أو هكذا ظننت. حينما أخبرتني معلمتي شذى عن كتاب نادر يحمل عنوان فتح الأبصار في بلاد ما وراء الأنهار، شعرت بفضول جارف. قالت لي إن كاتبه مجهول، ويدعى موغمت الكاتب، وإنه من المخطوطات النادرة التي لا يطّلع عليها إلا قلة من الباحثين.
حينما وصلت إلى المكتبة العامة، كنت أعرف أنني على وشك العثور على شيء مميز، لكنني لم أكن أعلم أنه سيغير حياتي إلى الأبد. استقبلتني الموظفة بوجه جاد وهمست لي:
— "أنت أول فتاة تطلب هذا الكتاب... لم يقرأه حتى الباحثون."
أدخلتني غرفة قراءة خاصة، حيث وُضع المخطوط العتيق على الطاولة الخشبية. غمرني شعور بالرهبة، كأنني أمام باب زمن مغلق منذ قرون، ينتظر من يطرقه بحذر. ارتديت القفازات كما طلبت مني الموظفة، ثم جلست، يداي ترتجفان بخفة وأنا أفتح الصفحة الأولى.
"عاشر من الناس كبار العقول، واترك الجهال أهل الفضول."
— الخيام.
توقفت للحظات، أتأمل الإهداء أسفل الاقتباس:
"إلى نيدا، الفتاة المقاتلة في كاخب (أول) في داغستان، من موغمت الكاتب، مدينة مخاتشكالا."
أحسست بقشعريرة تسري في ظهري. تابعت القراءة، وإذا بي أجد هذه الكلمات:
"من زرع في وطن لا يقبل الانشطار، وفؤاده يكاد من النأي عنه بالانفطار، اقرأ هذه الكلمات ورددها من صميم قلبك، ثم أغمض عينيك... وستبلغ مرادك."
شعرت باضطراب خفيف في صدري، لكنني تمتمت الكلمات بصوت خافت. أغلقت عيني، وسرعان ما أحاط بي الظلام.
وفجأة...
سمعت صليل السيوف، وقع سنابك الخيول، صرخات القتال تتردد عبر هضاب داغستان! فتحت عيني في ذهول، لكنني لم أكن في المكتبة بعد الآن. كنت ملقاة على أرض معركة، جسدي يرتجف، يدي ملوثة بالغبار والدم، وثوبي ممزق من أثر القتال. كنت أرتدي زي محارب، رأسي معتمرٌ بعمامة متلثمة، وحولي رجال مقاتلون يلوحون بسيوفهم في وجه عدو لم أتبينه بعد.
قبل أن أستوعب ما يحدث، اندفع نحوي رجل يرتدي زي الجنود الروس، عيناه تضيقان بغضب، وسيفه يلمع في ضوء الشمس. شلتني الصدمة للحظات، لكن جسدي تحرك من تلقاء نفسه، كما لو أنني فعلت هذا من قبل. مددت يدي إلى حسام كان ملقى على الأرض، وبحركة غريزية، غرسته في بطنه قبل أن يتمكن من الهجوم! سقط الرجل، وعيناه تحملان دهشة الموت.
لم أصدق ما فعلت...
— "نيدا! لقد أحسنتِ الصنع! كدنا أن نفقدك اليوم!"
التفتُ بذهول إلى الصوت. رجل آخر، يحمل ملامح شرسة وعينين تشعان بالفخر، ينظر إلي وكأنني أعرفه. لكنني لا أعرفه. أو... هل أعرفه؟
داخت رأسي، نبضي يتسارع. كنت هيا، فتاة تبحث عن المعرفة في مكتبة هادئة... فكيف أصبحت نيدا، مقاتلة داغستانية في معركة ضد الغزاة؟
رفعت بصري إلى السماء، أتنفس الهواء البارد المشبع برائحة الدخان والدم. شيء ما بداخلي همس لي بأن هذه ليست مجرد صدفة. لم يكن مجرد كتاب... كان بابًا إلى زمن آخر، إلى حياة أخرى.
لكن السؤال الحقيقي لم يكن كيف وصلت إلى هنا؟ بل...
كيف أعود؟
كنت أتعثر في طرقات الجبال الوعرة، قلبي ينبض بعنف وقوة، وعقلي يضج بالأسئلة. حتى أوقفني صوت الرجل المحارب، صاحب الصوت الأجش، وهو يلتفت إليّ بنظرة جادة وحازمة. قال لي بصوت قاسي، كمن يملك الحقيقة بين يديه:
"تعالي معي، هناك من يجب أن تلتقي به."
سحبني وراءه عبر الدروب الضيقة، وتوقفنا أمام شيخ مهيب، كان جالسًا على صخرة كبيرة. لحيته البيضاء الكثيفة تغطي وجهه شبه المتجعد، وتقاسيم محياه المريحة تدل على سنوات من الحكمة. فجأة، شعرت وكأنني قد رأيت هذا الوجه من قبل. نعم، إنه هو! إنه الشيخ شامل، الذي حدَّثني عنه جدي مراتٍ عديدة. كنت أسمع عن شجاعته، عن قوته وصلابته في مواجهة الروس.
لكن ما فاجأني أكثر هو أن الشيخ نظر إليّ بتلك العينين العميقتين وقال بصوت مليء بالاحترام والتقدير:
"مع أنكِ مجرد فتاة، إلا أنكِ تتمتعين بقوة قلب أسد هصور. والكل يظن أنك فتى شجاع، فهم لا يعلمون أنكِ فتاة ملثمة. لقبك بيننا هو 'الفتى الملثم'."
شعرت بثقل كلماته. لم أعرف كيف أجيب، لكنني لم أستطع أن أترك السؤال في صدري، فقلت له بصوتٍ مشوبٍ بالقلق:
"ما الذي يجبرك على فعل هذا؟"
أجابني بنبرة مفعمة بالحزن والألم، وكأن كل كلمة تخرج من فمه كانت جزءًا من معاناته:
"لقد استشهد رجالنا، يا ابنتي، في معارك لا نهاية لها ضد الروس. قاتلوا من أجل كلمة الله، من أجل وطنهم، من أجل أن لا تسقط هذه الأرض بين براثن العدو. رجالنا ذهبوا، والأرض فارغة من الشجعان. أنتِ الوحيدة التي بقيت، الوحيدة التي تملك هذا الصمود والقدرة على القتال، أنتِ من خيرة المقاتلات في قومنا."
خفق قلبي بشدة. شعرت بفخر غامر، لكنه سرعان ما تلاشى ليحل محله شعور بالقلق: هل أنا حقًا على قدر المسؤولية؟
"هل هناك غيري؟" سألت، وأملٌ خافت يتسلل إلى نفسي.
نظر إليّ الشيخ شامل وكأن كلماتي أخذته في غياهب الذاكرة، ثم قال بهدوء:
"في الحقيقة... لا. خوف النساء في هذه البلاد يكاد يفتك بهن، والمعارك هنا لا ترحم. قلَّ من ينجو من هذا الجحيم. لكنكِ، يا ابنتي، كنتِ الشجاعة التي نحتاجها. عندما كنتِ على وشك الموت، صحوت فجأة وقاومت، كأنما معجزة وقعت من عند الله لذلك نجوتِ. كان ذلك درسًا للأعداء، أن هذه الأرض صامدة مهما كانت التضحيات."
جاءتني الأفكار متلاحقة، قلبي يغلي بشدة. كنت أريد أن أخبره بحقيقة أمرٍ ما، أنني لم آتِ من هذا الزمان، أنني من القرن الواحد والعشرين. لكن لسان حاله كان يغلق فمي. تمنيت لو كنت أملك لسان هارون عليه السلام، لقول ما لم أستطع أن أقول.
كنت أسيرة في معركة بين الحاضر والماضي، بين الحقيقة والوهم. وهل يمكن أن تكون معجزة ما قد جرت على يدي؟ وهل سيعلمون يوما من أين جئت؟
وقفتُ على إحدى قمم داغستان، حيث يعانق الضباب الجبال كأنهما سر قديم لا يُفشى. كان الهواء يحمل رائحة الأرض العتيقة، ورائحة حكايات لا تزال تعيش بين الصخور. هناك، بينما كانت الرياح تلعب بخصلات شعري، تذكرت فجأة سؤال معلمتي هدى…
*"من هم الشراكسة والداغستانيون؟"*
عاد صدى صوتها يتردد في رأسي، وكأن الجبال نفسها تسألني. لم أحتج إلى التفكير، فالكلمات انسابت مني كما لو كانت محفورة في أعماقي، كما لو أنني لم أكن أنا من يتحدث، بل التاريخ ذاته.
*"الشركس وداغستان… كجدولين ينسابان من جبال القوقاز، لكل منهما مجراه، لكنهما يلتقيان في الروح، متحدين في النقاء والعزة."*
أغمضتُ عيني للحظة، كأنني أرى أمامي نهرين، أحدهما رقراق هادئ، والآخر جارف لا يلين.
*"الشركس كالنهر الرشيق، يتدفق بسلاسة، تحمله تقاليد الفروسية العريقة، فتراه يجري محتفظًا بنقائه أينما ارتحل. أما داغستان، فهي النهر الجبلي الجارف، في تياراته تسكن صلابة المحاربين وحكمة الجبال، وهو لا يفيض إلا بقوة لا تعرف الانكسار."*
نظرتُ حولي، إلى هذه الأرض التي شهدت بطولات لا تُحصى، وإلى هذه القمم التي وقفت عليها أقدام رجال لا يهابون الموت. شعرتُ كأنني أسمع أصواتهم، أسمع وقع خيول الشركس، وأصوات تكبيرات المحاربين الداغستانيين، وكأن الزمن يطوي نفسه ليعيد إليّ هذه المشاهد.
ولكن حين رحلوا… حين أجبروا على ترك هذه الجبال، لم يكن رحيلهم واحدًا.
*"الشركس ظلوا أوفياء لعاداتهم ولغتهم، يحفظونها كما يحفظ المرء إرثًا مقدسًا، كأنها آخر ما تبقى لهم من وطنهم المسلوب. أما أبناء داغستان، فقد اختاروا أن يندمجوا، أن يذوبوا في لغة القرآن، أن يحتضنوا الشعوب العربية لا ضعفًا، بل حبًا واقتناعًا. لقد كانوا يبحثون عن الإسلام الذي هُجّروا في سبيله، وجعلوا منه وطنًا جديدًا يسكن في قلوبهم، تمامًا كما كانت الجبال تسكن أرواحهم."*
فتحتُ عيني على مشهد الغروب، حيث تلامس الشمس قمم الجبال كأنها تلقي عليها تحية الوداع. وقفتُ هناك طويلًا، وشعرتُ أنني لم أكن وحدي… كنتُ مع كل الذين مرّوا من هنا، مع قصصهم، مع حنينهم الذي لا يزال يهمس في الريح.
كنت لا أزال أقف على قمة الجبل، حين هبط الضباب كستارٍ من الذكريات. كان الهواء يعبق برائحة البارود، ومزيجٍ من العَرَق والدم والتاريخ. صوت طبول بعيدة كان يُقرع في صدري لا في أذني. سمعتُ صهيل خيول، كأنها تهرب من ذاكرةٍ لا تريد أن تُنسى. كان الليل يقترب من جسدي، لكن شيئًا ما في داخلي استيقظ. كأنني كنت نائمة طوال حياتي، وهذه اللحظة فقط... بدأتُ أفتح عيني.
لكن مهلاً... تلك العين ليست عيني.
رأيتُ عبرها رجلاً يركض في شعاب الجبال، يصرخ بلغتي القديمة التي لم أنطقها يومًا. وجهه مغطى بالرماد، ويده تمسك بخرقةٍ ممزقة كأنها راية. ركض، وركض، وركض، حتى انهار بجوار نهر. حين اقتربتُ منه، عرفته...
كان أبي.
نعم، أبي الذي مات صامتًا، دون أن يخبرني بشيء عن داغستان، كان هنا، في هذه الأرض، يُقاتل، يُنزف، يُحب.
صرختُ، لكن صرختي كانت داخليّة، كأنني أصرخ في قاع بئر لا قاع له. نظرت إلى النهر، وإذا به يتحول إلى مرآة. لم أرَ فيه صورتي، بل صورة امرأة. ملامحها تشبهني، لكنها ليست أنا. كان على جبينها وشمٌ قديم، يرمز إلى قبيلةٍ ما. وعلى كتفها الأيسر، رسمٌ لعين تبكي.
اقتربتُ من النهر، لمسته، فتحول الماء إلى نار، والريح إلى رماد. وإذا بصوتٍ عميق ينبعث من أعماق الجبل:
"لكِ يا نيدا عهدٌ قديم لم يُكمل... لن تعودي حتى تُنجزيه."
شهقتُ، تراجعت، وقعتُ أرضًا. السماء أظلمت فجأة، وصوت أجراس بعيدة دوّى في الأفق.
---
في اليوم التالي، استيقظت على صوت طفلٍ يبكي. كنت في كوخ خشبي، على أطراف قرية لم أعرفها، يحيط بها سور من جذوع الأشجار، وعلى البعد دخان يتصاعد من مدخنة حديدية ملتوية. فتحتُ الباب، وخرجتُ. الهواء كان حادًا كالسكاكين، والثلج يغطي الأرض ككفن أبيض. اقتربتُ من الصوت، فرأيتُ طفلة، تجلس بجوار قبرٍ حديث.
اقتربت منها، قالت لي دون أن تنظر إلي:
"هذا قبر أمي. ماتت وهي تنتظر رجوع أبي من الحرب."
قلت لها بحنانٍ لا أدري من أين جاء:
"وأين ذهب؟"
قالت، وهي تمسح دمعتها: "إلى حيث لا يعود أحد. إلى قوقاز الزمن."
لم أفهم ما تعنيه، لكن شيئًا ما في عينيها ذكّرني بي.
---
عدتُ إلى الشيخ شامل في اليوم ذاته. وجدتُه يجلس قرب نيران خافتة، يتمتم بكلمات لا أعرفها. حين رآني، أشار إلي أن أجلس، ثم قال:
"هيا، لا تكفي الشجاعة وحدها، ولا تكفي الرغبة وحدها. ما ينقصكِ هو أن تعرفي لماذا اختيرت لكِ هذه الرحلة."
أجبته، وأنا أرتجف:
"لأني حفيدة المنفى؟ لأن أبي فرّ، وجدي هرب، وأنا ظلٌّ لأناسٍ لم ألقَهم؟"
هزّ رأسه، ثم أخرج من تحت عباءته شيئًا ملفوفًا بقطعة قماش حمراء. فتحه، فإذا به خنجر قديم، نقشت عليه كلمات بالعربية:
"من نَسِي أرضه... نَسِي الله."
أخذتُ الخنجر بيد مرتعشة، شعرتُ أنني لا أحمله، بل هو من يحملني. الشيخ قال:
"هذا كان سلاح والدك. لقد قاتل به حتى قُتل، ودُفن في أرضٍ لم يعرفها. لكنه أوصانا بأن نعطيكِ إياه إن عادت روحه إلينا عبرك. ونحن نؤمن أن الأرواح لا تموت، بل تتجسد لمن يعرف كيف يسمع النداء."
---
في تلك الليلة، وأنا ممسكة بالخنجر، تسللت إلى إحدى قمم الجبال. نظرت إلى السماء، إلى النجوم البعيدة كأنها عيون الأجداد، وصرخت بأعلى صوتي:
"أنا هيا! حفيدة الأرض، وريثة الغياب! أنا داغستان، وإن كنتُ لم أرَكِ قط!"
الريح ردت عليّ بعواءٍ حاد، كأنها تصفق لجنوني.
لكن الجنون وحده هو ما يُعيد الذاكرة.
---
في اليوم التالي، انطلقت المعركة. الروس كانوا يزحفون من الشرق، يملكون البنادق والمدافع، ونحن نملك الجبال، والخناجر، والحكايات. كنت في الصفوف الأولى، وجهي مغطى، وقلبي كأنه طبلة الحرب، يدق بعنفٍ لا يُحتمل. حين هجموا، قاتلت.
قاتلت كما لو أنني أقاتل عن كل المنسيّين، عن كل من ماتوا دون أن يُحكوا. كنت نيدا، وهيا، وأمي، وفازو، ورسول حمزاتوف، وكل من حمل حب داغستان في قلبه.
وفي لحظةٍ من الغفلة، اخترقني الرصاص.
سقطت.
لكن الأرض لم تبتلعني. بل احتضنتني كما تحتضن الأم رضيعها.
---
حين فتحتُ عيني، كنتُ في المكتبة.
المخطوط مفتوح على نفس الصفحة.
لكن في يدي... كان الخنجر.
في اللحظة التي فتحتُ فيها عيني، كانت جدران المكتبة تهمس لي بأصواتٍ لا تُسمع. الضوء كان باهتًا، والساعة على الجدار توقفت، كأن الزمن نفسه انحنى أمام الحكاية. لم أصرخ، لم أبكِ، فقط نظرت إلى يدي. الخنجر كان هناك، باردًا، حادًا، حقيقيًا. مررت إصبعي على نصله، فسال خيط رفيع من الدم، دمٌ لا أعرف إن كان دمي أم دم أولئك الذين مرّوا قبلي في هذه الرحلة.
اقتربت الموظفة، وقد بدت وجهها شاحبًا، همست:
"أين كنتِ؟ لقد دخلتِ منذ ساعات، ولم تتحركي، كأنك متحجرة."
نظرتُ إليها بعينين أرهقهما السفر عبر الزمن، ثم قلت:
"كنت في داغستان... أو ربما كنت داغستان نفسها."
لم تفهم، لكنها تراجعت خطوة إلى الوراء حين رأت الخنجر، سقط من يدي، وارتطم بالأرض كأنه سقط من كتاب الأساطير.
خرجت من المكتبة وأنا لا أزال أرتجف، الهواء البارد في الرياض تلك الليلة لم يكن مجرد نسيم، بل كان رسالة. كل ما حولي كان يبدو مألوفًا، لكنه غريب. الأضواء، الأصوات، السيارات، بدت لي كأنها تنتمي لعالمٍ لم أعد أعيش فيه تمامًا. صرتُ أمشي في الشارع كمن يحمل في صدره وطنًا قديمًا، لا يرى، لكنه يُشعِر من حوله بوهجه.
---
في الليل، عدتُ إلى غرفتي، فتحتُ دفتر جدّي، ذلك الذي تركه لي قبل أن يموت، وكتبت فيه لأول مرة لا بوصف هيا، بل بوصف نيدا.
“أنا نيدا، من أرض الجبال. عدتُ من المعركة لا لأحيا، بل لأحكي. عدتُ لا كجسد، بل كذاكرة تمشي على قدمين، تحمل الخنجر الذي لا يصدأ، والقصة التي لا تنتهي.”
وأغمضتُ عيني...
---
في الحلم، رأيت الشيخ شامل يجلس بجوار نهر صافٍ، يغسل يديه من دماء الماضي، ويقول لي:
"هيا، لم يُكتب علينا النصر فقط، بل الكلمة أيضًا. نحن قوم إن لم ننتصر بالسيف، انتصرنا بالحكاية."
قلت له: "لكنني عدتُ إلى عالم لا يُؤمن بالحكايات، عالمٍ يظن أن المجد يُقاس بالأبراج، لا بالجبال."
ضحك، وقال:
"إذن، فلتكني الحكاية التي توقظهم. الحكاية التي تمشي في الأسواق، تصفع الغافلين، وتُربت على قلوب التائهين. إن لم يعرفوا داغستان، اجعليهم يشتاقون إليها دون أن يدروا."
---
استيقظت في اليوم التالي وقد اتخذت قراري.
ذهبتُ إلى المدرسة، طلبت لقاء المعلمة شذى. حين دخلتُ، وضعتُ المخطوط على الطاولة، وقلت لها:
"هذه ليست حكاية فقط. إنها باب. وأنا… فتحتُه."
فتحت المعلمة الغلاف، قرأت السطر الأول، ثم نظرت إليّ، والدموع تترقرق في عينيها:
"هل كنتِ... هناك؟"
أومأت.
فهمت. لم تقل شيئًا. لكن يدها امتدت تمسك بيدي، كأنما بين أصابعنا سرٌّ عتيق.
قالت بهدوء:
"إذن، هيا، لنكتب معًا... داغستان الجديدة."
---
ومنذ تلك اللحظة، لم أعد مجرد هيا.
كنت صوت نيدا.
وكنت الخنجر والكلمة.
وكانت داغستان تسكنني، لا كوطنٍ يُزار، بل كجبلٍ لا يفارق القلب.
لكنّي أعلم الآن...
أن كل من يبحث عن وطنه، يجب أن يفتحه في قلبه أولًا.
ثم يسير.
النهاية

.jpeg)
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق