بحث هذه المدونة الإلكترونية

الخميس، 20 مارس 2025

**مُُبَارِك والعرش المنشود** - من التراث البرتغالي و الاسباني

 

**مُبَارِك والعرش المنشود**  

من التراث البرتغالي و الاسباني

 



كان يا ما كان، في سالف العصر والأوان، أميرة ذات حسنٍ وبهاء، تُخدمها الأيدي وتُجلّها الأبصار. وكان لها عبدٌ أسودُ البشرة، يُدعى موْبَارِك، قد أفنى عمره في خدمتها، وصادق ولائه لها منذ نعومة أظفارها.  

وفي يومٍ من الأيام، قال موبارك للأميرة:  
**"مولاتي، إني أعلم أنك متيمة في غرام الكونت يانو ، لكن كيف لكِ أن تقترني به وهو ذو زوجة؟ ألا تفكرين في أمري؟ أتقبلين أن أكون لكِ زوجًا وفيًّا؟"**  

فأجابته الأميرة، ووجهها يزداد صلابة:  
**"حقًّا إنني أحب الكونت يانو، وأعلم بزواجه، إلا أن أبي ملكٌ عظيم الشأن، يقدر على نقض ذلك العقد متى شاء. أما أنت، فواللهِ لأنكحَنَّ أدنى رجال قومي منزلةً على أن أتزوج عبدًا أسود!"**  

فنظر إليها موبارك بعينٍ ملؤها الحزن، وقال بصوت خافت:  
**"لكِ أن تتجاهلي حبي، لكن لا تنسي إخلاصي. ألم أكن لك الحارس حين كنتِ طفلة؟ ألم أذُدْ عنكِ أنياب الذئب المفترس؟"**  

لكنّ الأميرة صدّت بوجهها عنه قائلة:  
**"يكفيني أن أحبك كما يُحب السادة خدمهم؛ فلا تجرؤنَّ على التفوّه بمثل هذا الكلام ثانية، وإلا أخبرت أبي ليذيقك أشد العقاب!"**  

أطرق موبارك رأسه، وقد ضاقت به الدنيا، ثم تمتم بأسى:  
**"أعلم أني عبدٌ لا يُحسب له شأن، لكن الموت يساوي بين الأبيض والأسود، وبين الملك والفقير، فلا بقاء لعرشٍ ولا لمجد. سأهجر هذا القصر، وأفرّ إلى الشمال، حيث القلوب أدفأ وإن كان المناخ أكثر قسوة."**  

وفي جنح الليل، رحل موبارك مودّعًا قصر الأميرة، ومياه الوادي الكبير، وجنان البرتقال، وسار متواريًا بين الجبال، لا يواصل سيره إلا إذا لفّ الظلام أرجاء الأرض.  

وذات ليلة، وقد نالت منه مشقة الطريق، أبصر من بعيد وهجًا متقدًا، فخال أنه نور بيتٍ قد يجد فيه طعامًا ومأوًى، لكنه ما لبث أن اقترب حتى رأى أن الضياء صادر عن نارٍ عظيمة، التفّ حولها رجالٌ ونساء، وبينهم عجوزٌ تهزّ طفلًا تصرخ أنفاسه بين يديها، وتمدّه نحو اللهب كأنها تلقي به فيه!  

راع المشهدُ موبارك، وظن أن العجوزَ تنوي شوي الطفل، لكنه لم يكن يدري أنها كانت تؤدي طقسًا قديمًا لطرد "العين الشريرة".  

وفي تلك اللحظة، لمح القومُ جسد موبارك المظلم ينسلّ بين الأشجار، فاستولى عليهم الفزع، إذ لم تقع أبصارهم قط على رجلٍ أسود مثله، فحسبوه شيطانًا قد انبعث من نارهم! وحين حاول موبارك الابتسام ليطمئنهم، زاد رعبهم، وهبّوا نحوه بالهراوات، فما كان منه إلا أن أطلق ساقيه للريح، حتى اختفى في أحشاء الغابة.  

جلس موبارك، يلهث تحت ظل شجرة، وراح يخاطب نفسه في عجب:  
**"هل كنتُ أرى بعينيّ أم أنني كنتُ في حلم؟ لعلّ هؤلاء كانوا يحاولون خلق ملكٍ جديد، بصبغ الطفل باللون الأسود! طالما سمعت أن هناك بلادًا لا يملكها إلا السود، فلا ريب أنني وصلت إلى إحداها."**  

وهكذا، أسلم نفسه للنوم، وحلم بأنه اعتلى عرشًا عظيمًا، وتزوّج الأميرة التي صدّته، وأحاطت به الأبهة والترف. لكنه ما إن حاول سحب الغطاء ليشعر بالدفء، حتى لسعته نبتة من القراص، فانتفض من نومه، ليجد الشمس ترسل أشعتها عبر الأغصان، وانعكاسها على مياه النهر يصنع تاجًا ذهبيًا على رأسه!  

عندها نهض موبارك، وقال مبتسمًا:  
**"كنت عبدًا بالأمس، واليوم أصبحت ملكًا!"**  

ثم سار حتى التقى جماعة من القرويين، وحين اقترب منهم، تراجعوا مرتعدين، حتى كسر موبارك حاجز الصمت قائلاً:  
**"لا تخافوا، فأنا ملككم. من الآن، لا فقر في مملكتي، ولا ظلم، ولا بؤس. أما الأزواج الأشرار، فسيحلّون محلّ الدواب في إدارة الطواحين، والنساء المشاكسات، فسأخصّص لهنّ بلدة خاصة بهنّ!"**  

وحين سمع القوم كلامه، علت الهتافات:  
**"يحيى الملك!"**  

وسرعان ما شاع الخبر في المدينة، فاستعد الناس لاستقبال ملكهم الجديد، وزينوا له بغلة بيضاء سرجُها مذهّب، ثم خرجوا لملاقاته، وساروا في موكب عظيم، بينما خاطب موبارك بغلته قائلًا:  
**"أنت يا صاحبي أول وزرائي، فقد علمتني الصبر والصمت، وهما من أعظم صفات الحكماء."**  

وهكذا، أصبح موبارك ملكًا، وسارت أموره على ما يرام، إلى أن أرسل إلى الأندلس يطلب يد الأميرة زين، وبعد شهرٍ عادت الرسل بها إلى قصره.  

وفي يوم الزفاف، ظهرت الأميرة في أبهى زينتها، لكنها ما إن رأت الملك حتى شهقت:  
**"أنت موبارك! أيّ خطأ ارتكبتُ حين رفضتك!"**  

ثم ارتمت في أحضانه، قائلةً بانكسار:  
**"لستُ جديرةً بك، لكن إن كنتَ لا تزال ترغب بي، فأنا لك."**  

ابتسم موبارك، وقال بصوتٍ يملؤه العطف والودّ:  
**"لا يا زين، بل أنا أسير حبكِ منذ أن كنتُ عبدًا، وما زلت كذلك الآن؛ فالمرأة، منذ خُلِقت، جعلت جميع الرجال أسرى هواها."**  

ومنذ ذلك اليوم، عاش موبارك وأميرة الأندلس في ملكٍ عادل، وذاقت مملكتهما طعم السعادة، وأصبح الناس يقولون:  
*"ما رأينا ملكًا حكم بشيءٍ من الحكمة، إلا وكان بغلٌ صامتٌ أقرب إليه من كل وزراء الأرض!"* 
 
النهاية

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

الخريطة التي تقودني إليك

 رواية الخريطة التي تقودني  إليك  بقلم  جوزيف مونينغر المقدمة يوم التخرج إنها والدتك، من بين الجميع، هي التي تلتقط الصورة المثالية لك ولصديق...