بحث هذه المدونة الإلكترونية

الخميس، 20 مارس 2025

**المستذئب – حكاية فولكلورية سويدية**

                           

         **المستذئب – حكاية فولكلورية سويدية** 

كان يا ما كان في قديم الزمان، ملكٌ يحكم مملكة عظيمة. وكانت له ملكة، غير أن نعمة الذرية لم تمنّ عليهما إلا بابنة وحيدة. فكانت هذه الابنة قرة عين والديها، ومحطّ حبهما الذي فاق كل شيء آخر في هذا العالم، وكانا يجدان في نموّها المرتقب أعظم مسرّاتهما. لكنّ الأقدار تجري بما لا تشتهي الأنفس، إذ قبل أن تبدأ الفتاة في النضوج، ألمّ بوالدتها المرض حتى فارقت الحياة. وليس يصعب تصوّر الحزن العارم الذي اجتاح القصر الملكي، بل وعمّ المملكة بأسرها، فقد كانت الملكة محبوبة من الجميع. أما الملك، فكان أساه لا حدّ له، حتى أنه عزم ألا يتزوج ثانيةً، مكتفياً بحب ابنته التي باتت عزاءه الوحيد.  

مضى الزمن، وكبرت الأميرة، وازداد حسنها تألقاً يوماً بعد يوم، وكان والدها لا يردّ لها طلباً. وكان في خدمتها العديد من النساء، لا شغل لهنّ سوى تلبية رغباتها وتنفيذ أوامرها. ومن بينهنّ امرأة كانت قد تزوجت من قبل وأنجبت ابنتين. كانت ذات مظهر جذّاب ولسان عذب وكلام ساحر، وأسلوب في الحديث يفيض رقةً ولباقةً، غير أن قلبها كان يعجّ بالمكر والخداع. وما إن توفيت الملكة حتى شرعت هذه المرأة في تدبير الحيل لتتزوج الملك، كي تنعم ابنتاها بحياة الأميرات. فبدأت باستمالة الأميرة الصغيرة، تغرقها في الإطراء، وتُشعرها بأنها أدرى الناس بشؤون الحياة، ولم تتوانَ عن الحديث المتكرر عن أهمية أن يتزوج الملك من جديد.  

لم تفتأ تتحدث عن هذا الأمر صباح مساء، حتى تسلل اقتناعها إلى نفس الأميرة، فراحت تسألها عن المرأة التي ينبغي لوالدها أن يتخذها زوجة. فابتسمت المرأة ابتسامة تنضح عسلاً، وقالت:  
*"ليس من شأني أن أقدم المشورة في أمر جلل كهذا، لكنني أرى أنه ينبغي للملك أن يختار ملكة تكون رؤوفة بالأميرة الصغيرة. فلو كان لي أن أنال هذا الشرف، لما شغلتني سوى سعادة الأميرة، ولو أنها أرادت غسل يديها، لكنت أمرت إحدى ابنتيّ بحمل الإبريق، والأخرى بتقديم المنشفة!"*  

بهذه الكلمات المعسولة وغيرها، نسجت المرأة حبال خداعها حول عقل الأميرة، حتى صدّقتها الطفلة البريئة، كما يصدق الأطفال كلّ ما يُقال لهم.  

ومنذ ذلك الحين، لم تجد الأميرة راحة حتى أقنعت والدها بالزواج من هذه السيدة الطيبة، كما خُيّل لها. غير أن الملك لم يكن ميالاً إلى هذا الزواج، إلا أن إلحاح ابنته لم ينقطع، بل اشتدّ حتى أضناه. وأخيرًا، قال لها ذات يوم:  
*"أرى أنك ستنالين رغبتك في النهاية، رغم أنها تخالف مشيئتي. لكن ذلك لن يكون إلا بشرط واحد."*  
فسألته الأميرة: *"وما هو الشرط؟"*  
فأجاب الملك: *"إذا تزوجتُ ثانيةً، فذلك لن يكون إلا بإلحاحك المستمر. لذا، عليك أن تعديني أنه إن لم يرق لكِ حال زوجة أبيك أو أختيك من أمك في المستقبل، فلن أسمع منك كلمة شكوى واحدة."*  

فأعطته الأميرة وعدها، وتمّ الزواج، وأصبحت المرأة ملكة على البلاد بأسرها.  

ومرت الأيام، وازداد جمال الأميرة رونقًا حتى غدت فاتنة تفوق في حسنها كل بنات عصرها، بينما بقيت ابنتا الملكة قبيحتين، سيئتي الطبع، لا يُعرف عنهما سوى الخبث والدناءة. لذا، لم يكن غريبًا أن يتوافد الخُطّاب من مشارق الأرض ومغاربها طالبين يد الأميرة، فيما لم يلقَ أيّ منهم بالاً لابنتي الملكة. أثار ذلك غيظ زوجة الملك، لكنها لم تُظهر شيئًا، وظلّت على وداعتها المزيّفة.  

وكان من بين طالبي يد الأميرة أمير شاب من مملكة بعيدة، جمع بين الشجاعة والوسامة، وكان مولعًا بالأميرة حبًا لا حدّ له، فما كان منها إلا أن بادلته المشاعر، وقبلت خطبته. رأت الملكة ذلك بعين الحسد، إذ كانت تتمنى لو أن الأمير اختار إحدى ابنتيها، فصمّمت في قرارة نفسها على ألّا تكتمل سعادة العاشقين أبدًا.  

ولم تمضِ فترة طويلة حتى سنحت لها الفرصة، إذ اشتعلت الحرب، واضطرّ الملك إلى قيادة جيشه وخوض المعارك. وحالما غادر البلاد، كشفت الملكة عن وجهها الحقيقي، فإذا بها قاسية غليظة القلب، بعد أن كانت تتظاهر باللطف والمودة. لم يمرّ يومٌ إلا وبّخت الأميرة وهدّدتها، أما ابنتاها فكانتا أشدّ منها شرًا، إذ اعتادتا مضايقة أختهم غير الشقيقة بكل ما أوتيتا من خبث.  

لكن الأسوأ لم يكن من نصيب الأميرة وحدها، بل طال الأمير نفسه، إذ خرج للصيد ذات يوم، فتاه عن رفاقه ولم يستطع العودة إليهم. عندئذٍ، أطلقت الملكة العنان لسحرها الأسود، وحوّلته إلى ذئب رهيب، ليظلّ هائمًا في الغابات طوال حياته في تلك الصورة الممسوخة.  

عند حلول المساء، ولم يعد الأمير، عاد حاشيته إلى القصر، وحين علمت الأميرة بما جرى، اعتصر الحزن قلبها، وسالت دموعها ليل نهار دون انقطاع، ولم تفلح جميع محاولات التخفيف عنها. أما الملكة، فكان قلبها يرقص طربًا، فقد تحقق ما أرادت، ونجحت في التفريق بين الحبيبين.  

وذات يوم، وهي في غرفتها، استبدّت بها فكرة: لماذا لا تذهب بنفسها إلى الغابة حيث اختفى الأمير؟ توجهت إلى زوجة أبيها وطلبت منها الإذن بالخروج إلى الغابة علّها تجد في سيرها عزاءً يخفف من وطأة أحزانها. لم تكن الملكة راغبة في السماح لها، فقد كانت تفضل منعها من كل شيء، لكن الأميرة توسّلت إليها بلطف، حتى اضطرت إلى الموافقة، بشرط أن ترافقها إحدى ابنتيها.  

وهنا بدأ جدال طويل، إذ لم تكن أيّ من الفتاتين ترغب في الذهاب، متذرّعتين بأن الأميرة لا تفعل شيئًا سوى البكاء. غير أن الملكة أصرّت، فأجبرتهما على مرافقة أختهم غير الشقيقة رغمًا عنهما...  

**(ويستمر السرد...)**

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

الخريطة التي تقودني إليك

 رواية الخريطة التي تقودني  إليك  بقلم  جوزيف مونينغر المقدمة يوم التخرج إنها والدتك، من بين الجميع، هي التي تلتقط الصورة المثالية لك ولصديق...