بحث هذه المدونة الإلكترونية

الجمعة، 29 نوفمبر 2024

مسرحية: للوراء سر

 مسرحية: للوراء سر


 
***
شخصيات المسرحية 
ابى الحجى 
نصيب 
ام نصيب 
الامير مسعود
بنت الامير قوت القلوب 
الوصيفة الماشطة
صاحب حانوت العسل 
صاحب حانوت الجلود 
صاحب حانوت الكتب 
صاحب حانوت البقالة
اخرون
 
 
الفصل الاول 

المشهد الأول

في بلدة بعيدة في اقصى الارض تدعى فتان تجري احداث المسرحية 


(المكان: بيت قديم متآكل الجدران، أثاثه بسيط ومهترئ. طاولة صغيرة في المنتصف، كرسيان متقابلان، وصورة قديمة على الحائط لفرس مربوط بجانبها حدوة حصان مقلوبة.)

(يدخل نصيب شاب نحيل يحمل سلة فيها خبز، تتبعه أمه وهي تمسح يديها بمئزر قديم.)

الأم:
(بضيق) يا نصيب، أربع شهور مرت وما سمعنا خبر عن أبوك. لا يدري أحد أهو مات أم حيّ؟

نصيب:
(يضع السلة على الطاولة ويبتسم بثقة) أماه، لا تقلقي. أبي سيعود.

الأم:
(تجلس وتضع يدها على خدها) كيف لا أقلق؟ الدنيا تغيّرت، والرجل يختفي هكذا دون كلمة؟

نصيب:
(يشير إلى الحدوة المقلوبة) أترين هذه الحدوة المقلوبة التي علّقها أبي قبل خروجه؟ إنها دليل واضح على أنه سيعود.

الأم:
(تنظر إليه باستغراب) ماذا تقول؟

نصيب:
(بجدية) وضعها هكذا ليحبس الحظ السيئ من الخروج. أليس هذا واضحًا؟

الأم:
(تنهض بغضب وتضع يديها على خاصرتها) واضح؟! واضح أنك ورثت الحمق من أبيك!

نصيب:
(ببراءة) كيف ذلك؟

الأم:
(تضحك بسخرية) أبوك يتركنا لأربع شهور معلقين بين السماء والأرض، وأنت ترى في حدوة مقلوبة دليلًا على عودته؟!

نصيب:
(باعتداد) يا أماه، أبي رجل حكيم. لا يترك شيئًا للصدفة.

الأم:
(تتنهّد) حكيم! ها نحن نعيش بفضل حكمته بين الجوع والخوف.

نصيب:
(يقترب منها محاولًا تهدئتها) أماه، اصبري قليلًا. أبي سيعود قريبًا، وسترين أنني كنت على حق.

الأم:
(تهز رأسها وتجلس) أنا حقًا ورطت نفسي في أب وابن كلاهما أغرب من الآخر!

(يُسمع صوت طَرق على الباب. تنظر الأم ونصيب إلى بعضهما بدهشة.)

تنزل الستارة 


المشهد الثاني

(الإضاءة خافتة. صوت طرق الباب يستمر. فجأة، يُسمع صوت رجل عميق مهيب يأتي من الخارج، لكنه يبدو وكأنه يخرج من أعماق البيت نفسه.)

الصوت المهيب:
الأفكار لا تعيش إلا مع من يستثمرها. الغياب جزء من الحضور. ومن يغيب، قد يختبر من يحب. ليس كل غياب انصرافًا أو تجاهلًا...

(يتوقف الصوت، وتعمّ الغرفة لحظة صمت مهيبة. يحدق نصيب وأمه نحو الباب بذهول.)

نصيب:
(يهمس) من كان ذلك؟

الأم:
(بخوف) أهو أبوك؟ أهو شبحه؟

نصيب:
(يحاول الشجاعة) لا تقلقي، سأرى من الطارق.

(يتجه نحو الباب ببطء، يفتحه، وتدخل شخصية مهيبة، رجل ثري في منتصف العمر، يرتدي ملابس أنيقة مزينة بالذهب. ملامحه صارمة، وهو محاط بحارس ضخم يحمل رمحًا.)

الرجل الثري:
(بصوت جهوري) السلام عليكم.

نصيب:
(يتلعثم) وعليكم السلام...

الأم:
(بقلق) من أنت يا سيدي؟

الرجل الثري:
أنا أمير البلدة مسعود، وهذه البلدة حتى بيوتها أحكمها. ما جئتكم إلا لأمر هام.

الأم:
(بدهشة) أمير البلدة؟ في بيتنا المتواضع؟

الأمير:
نعم، وما جئت إلا لسبب. لدي ابنة، جميلة كالقمر في ليلة التمام، لكنها مريضة منذ أشهر. تعاني من صداع لا يفارقها.

نصيب:
(بتعاطف) عافاها الله، لكن لماذا تأتي إلينا؟

الأمير:
سمعت عن أبيك، أبا الحجي، وأنه حكيم يعرف علاج الأمراض التي عجز عنها الأطباء. قيل لي إنه الوحيد القادر على شفاء ابنتي.

الأم:
(باندهاش) أبو الحجي؟

الأمير:
(بجدية) نعم، أبحث عنه. سمعت أنه اختفى منذ مدة، لكنني أحتاج إليه. أخبروني أين أجده.

نصيب:
(بخجل) أبي لم يعد بعد يا سيدي، ولا نعلم مكانه.

الأمير:
(بتوتر) ماذا تقول؟!

الأم:
(بتردد) اختفى منذ أربعة أشهر. لا نعلم عنه شيئًا، لكنه ترك أثرًا...

الأمير:
(يقاطعها) لا وقت لدي للآثار. أريد أبا الحجي بأي ثمن. إذا وجدتموه، سأكافئكم مكافأة عظيمة. لكن، إن لم أجد علاجًا لابنتي قريبًا...

(يصمت الأمير لحظة، ثم ينظر إليهم بحدة.)

الأمير:
قد أضطر لاتخاذ إجراءات أخرى.

(يلتفت إلى حارسه ويأمره بالخروج، ثم ينصرف دون أن ينتظر ردًا. تبقى الأم ونصيب ينظران إلى بعضهما بحيرة وقلق.)

الأم:
(بهمس) ما الذي ورّطنا فيه أبوك هذه المرة؟

نصيب:
(بحماس) أترين؟ أبي لم يتركنا هكذا دون سبب. لا بد أنه اختفى ليخفي حكمة عظيمة.

الأم:
(بغضب) أم أنك ورثت جنونه فقط؟

(الإضاءة تخفت تدريجيًا، وينتهي المشهد على وجه نصيب الحالم ووجه أمه القلق.)



المشهد الثالث: في السوق

الإضاءة خافتة، السوق يعج بالحركة. الزبائن يتجولون بسرعة بين الحوانيت المفتوحة، ضجيج السوق يملأ المكان: أصوات التفاوض، صيحات البائعين، ضحكات الزبائن، أصداء الأقدام على الأرض المبللة. الحانوت الوحيد المغلق في الزاوية يظل صامتًا وسط الفوضى. أجواء السوق تشع بالحياة، يصرخ البائعون، ويعلو الصوت مع كل خطوة. ثم يظهر "نصيب" في وسط الساحة، يرفع يده عالياً ويتلفت حوله بابتسامة واسعة، يتحدث بصوت مرتفع ليجذب انتباه الجميع.

نصيب (بصوت مرتفع وبحماسة، وسط ضجيج السوق)
يا قوم! اسمعوا وعوا! أبي صار حكيمًا! يعالج من يتخبط بالأذى والبلوى، وضع سره في أضعف خلقه، يا سبحان الله، هل من متابعٍ؟!

يتجمع الناس حوله، البعض يبتسم ساخراً، والبعض الآخر يرمقه بحيرة. أصوات الزبائن تتداخل مع حديثه، تقترب الضحكات والتعليقات الساخرة من كل جانب. أحد الزبائن، صاحب حانوت العسل، يرفع حاجبه بابتسامة تهكمية، ثم يهمس لنفسه بصوت منخفض، لكن يسمعه الجميع وسط ضجيج السوق.

صاحب حانوت العسل (ساخرًا، وسط ضجيج المحل)
يا له من مجنون! أتمنى أن تلسعني الدبابير والنحل، ولا أذوق من علاج أبيه... أبيه لن يفلح في شيء، والله لا يمكنه حتى علاج عسلنا من الحموضة!

ثم يلتفت صاحب حانوت البقالة إلى "نصيب" بنظرة إعجاب، ولكن حذر. يغمز لصاحبه الآخر ثم يتحدث بصوتٍ عميق، ولكن صوته يتداخل مع همسات الزبائن في السوق.

صاحب حانوت البقالة (بتفكير جاد، في وسط الزحام)
في بلدتنا، لا شاعر ولا حكيم... لكن هذا الفتى، يا له من شخص! كأنما بذور الفول زرعت في تربة هذه البلدة ليأتي يومًا ويُطعمها قوتها... هذا الفتى سيكون شيئًا عظيمًا!

ينفجر صاحب حانوت الجلود ضاحكًا، يتناثر الضحك بين الزبائن. يلتفت إلى الجميع، يرفع صوته وسط الضجيج، وكأن السوق كله يضحك معه.

صاحب حانوت الجلود (بابتسامة تهكمية، وسط ضحك الزبائن)
حتى حانوته مغلق! لا يبيع إلا الكلمات، ما هذا التبذير! لماذا يدفع إيجار حانوت مقفل؟! لو أنهم قطعوا له نعلًا من جلده لكان أفضل للبلدة، تبا له! (يضحك بصوت عالٍ)

الجميع يلتفت نحو "نصيب"، والسوق يعج بالضحكات والهمسات. فجأة، يسود صمت مفاجئ، كما لو أن الزمن توقف. لحظة من التوتر، ثم تنكسر الضحكات تدريجيًا. "نصيب" يقف وسطهم، يظل ينظر بعين التحدي، ثم يقول بصوتٍ هادئ، لكنه قوي ومؤثر.

نصيب (بصوت هادئ، ولكن مليء بالعزم، وسط همسات السوق)
سترون، يا أصحاب الحوانيت، الغائب سيعود، والحاضر سيغيب، ولن يبقى سوى سيد الوجود!

الجو يتغير، الإضاءة تخفت تدريجيًا، ويصبح صوت السوق أكثر تداخلًا. أصوات الزبائن تتناثر، وهم يتحدثون، يتسوقون، يتجادلون، لكن "نصيب" يظل واقفًا في وسط السوق، والجميع يراقبونه في صمت مشوب بالفضول.

ثم يظهر صاحب حانوت الكتب فجأة من بين الزبائن. يرفع رأسه، ويده تلامس ذقنه بتفكير عميق. يتحدث بصوتٍ منخفض، كأنه يحدث نفسه، لكن صوته يسمعه الجميع وسط أصوات ضجيج السوق.

صاحب حانوت الكتب (بتأمل ملغز وسط همسات السوق)
هذا الصبي... كلامه غريب!


هل هو حكيم؟ أم مدعي؟ لا أدري! غريبٌ أمره... أهو من هؤلاء الذين يركبون موجة الشهرة؟ أليس في بلدتنا الشجعان جبناء والأغبياء حكماء؟ حتى أصبح الجهل حكمة، والنفاق شهرة!

صاحب حانوت الكتب يتنهد بقلق. يلمح الحيرة في عيون الزبائن، ثم يلتفت ببطء نحو "نصيب" قائلاً بصوتٍ شبه غير واضح، وسط أصداء همسات السوق:

صاحب حانوت الكتب (بهمس متسائل وسط ضجيج السوق)
ما الذي يحدث هنا...؟

الجميع يتجه نحو "نصيب"، الذي ينظر إلى الحاضرين بعين التحدي، مستمرًا في السير بعيدًا وسط ضجيج السوق. السوق يعود إلى حركته المعتادة، ولكن الأنظار تتابع "نصيب" في صمت، بينما تستمر همسات الزبائن وضحكاتهم في الخلفية.

المشهد الرابع

(المكان: كهف مظلم في قلب الصحراء، الإضاءة خافتة تأتي من شعاع قمر يدخل من فتحة ضيقة في السقف. نصيب يقف في منتصف الكهف، يحدق في الفراغ، وصوت الرياح يتردد في الخلفية.)

نصيب:
(بصوت مهموس) أبي... أخرج، المكان خالٍ.

(لحظة صمت طويلة. فجأة، يظهر رجل نحيل بملابس بالية، وجهه غريب الملامح، فيه مسحة من البلاهة والدهاء معًا. إنه أبا الحجي.)

أبا الحجي:
(بصوت متهدج) هل أتممت الخطة؟ هل نشرت في البلدة أني حكيم وأن بيدي علاج ابنة أمير البلدة؟

نصيب:
(يقترب منه ويدير عينيه حوله ليتأكد من عدم وجود أحد) نعم يا أبي، البلدة كلها تتحدث عنك الآن. لكن...

أبا الحجي:
(يحدق فيه بقلق) لكن ماذا؟

نصيب:
(بتنهيدة) لن يكشف سرنا سوى تصرفات أمي.

أبا الحجي:
(يتأفف ويجلس على صخرة) أمك! منذ أن تزوجتها وأنا أعيش شعارًا واحدًا: للوراء سر! كلما خطوت إلى الأمام، كسرت مجاديفي ورمتني إلى الخلف.

نصيب:
(بابتسامة باهتة، ينظر إلى سقف الكهف) لكن كيف تحملت العيش في هذا المكان لمدة أربعة أشهر؟

أبا الحجي:
(يشير إلى جدران الكهف) يا بني، الحياة مدرسة. ومن لا حيلة له، فليحتال!

نصيب:
(بتردد) لكن، هل ستنجح الخطة؟ الأمير لن يتهاون إذا اكتشف أنك لست الحكيم الذي يبحث عنه.لقد سأل عنك و الجنود تتبحث عنك..

أبا الحجي:
(بثقة وابتسامة خبيثة) الأمير لن يكتشف شيئًا إذا لعبناها بذكاء. كل ما أحتاجه هو بعض الأعشاب، ورواية قصة عن دواء سحري، والبقية على الحظ.

نصيب:
(يهز رأسه ويجلس بجواره) وهل الحظ معنا هذه المرة؟

أبا الحجي:
(بفلسفة غامضة) الحظ يا بني مثل الحدوة المقلوبة. قد يجلب الخير، وقد يجلب الوهم. المهم أننا نحن من يحدد النتيجة.

(الإضاءة تخفت، وصوت الرياح يزداد حدة، بينما يستمر الاثنان في التخطيط بصوت خافت.)

المشهد الخامس

(المكان: بيت أم نصيب، الإضاءة دافئة. تجلس الأم أمام طاولة صغيرة، وجارتها الماشطة سابقا وصيفة الاميرة قوت القلوب حاليا بجوارها تمسك بمشط قديم. تتحدثان، والأم تمسح الغبار عن مرآة مكسورة الأطراف.)

الأم:
(بتنهيدة) يا جارتي، أنا أشك أن نصيب يعلم بمكان أبيه. غياب زوجي دائمًا كان غامضًا، لكنه لم يكن يومًا بلا أثر. أما نصيب، فأرى فيه بلاهة أبيه نفسها، كأن غياب الأب هو حضور آخر له في شخص ابنه.

الماشطة:
(بابتسامة ماكرة) يبدو أنك نسيت الاعتناء بنفسك في غياب زوجك. صار لكِ زمن لم أجلس وأمشط شعرك.

الأم:
(بإحراج) الزمن أخذني يا جارتي.

الماشطة:
(بنبرة ساخرة) والرجل غاب أربعة أشهر، والأخبار في البلدة تقول إن أمير البلدة أرمل الآن، ويطمع أن يزوج ابنته ليتفرغ للزواج من أخرى!

الأم:
(تضحك بخجل وتحرك يدها وكأنها تصد الكلام) بعد ما شاب أخذوه للكتاب! لقد وهن العظم مني واشتعل الرأس شيبًا!

الماشطة:
(تضع المشط جانبًا وتنظر إليها بإعجاب) لا تقولي هذا. أنتِ ما زلتِ في ريعان شبابك، وما زالت الحياة تمنحك الفرص.

الأم:
(تنهض وتجلب المرآة، وتنظر إلى نفسها بتفحص) المرآة لا تكذب...

الماشطة:
(تأخذ المرآة من يدها وتنظر إليها بعمق) المرآة الحقيقية داخلك. لن يعكس صورتك شيء سوى ما ترينه في نفسك.

الأم:
(بتردد) وهل ما أراه في نفسي يكفي؟

الماشطة:
(بصوت واثق) يكفي أن تؤمني بأن داخلك جمالًا لا يذبل. ما رأيك أن أمشط شعرك اليوم لتري بنفسك؟

الأم:
(تبتسم ابتسامة خجولة) وما الفائدة؟ الرجل غائب، ولن يراني إلا وقد انتهى كل شيء.

الماشطة:
(بنبرة حازمة) من قال إنك تحتاجين لرؤيته؟ كوني جميلة لنفسك أولًا.

(تبدأ الماشطة بتمشيط شعر الأم برفق، بينما الأم تنظر إلى المرآة بخليط من الحزن والأمل. تنتهي الإضاءة على المشهد مع تركيز خافت على

 انعكاس وجه الأم في المرآة.)



المشهد السادس

(المسرح مقسوم إلى قسمين: على اليسار، بيت أبي الحجي المتواضع، الجدران متآكلة والأثاث بسيط. في المنتصف، تقف أم نصيب أمام مرآة قديمة، تتحدث إلى نفسها. وعلى اليمين، بيت الأمير المهيب، جدرانه مزخرفة وأثاثه فخم. في زاوية بيت الأمير، نصيب مربوط إلى كرسي ويتعرض للاستجواب. الإضاءة تتنقل بين القسمين لتوضح التباين بين الفقر والغنى.)

في بيت الفقير (أم نصيب):
(الإضاءة تتركز على الأم التي تقف أمام المرآة، يدها ترتعش وهي تمسكها.)

الأم:
(بصوت منخفض وكأنها تحدث نفسها) غيابك يا أبا الحجي جعلني أرى كل شيء بوضوح. نصيب... يا ولدي، هل ورثت مني صبري أم بلاهتي؟ هل تشبه أباك في دهائه أم في ضعفه؟

(تمسح المرآة بحركة بطيئة وتراقب انعكاس وجهها.)

الأم:
(تبتسم بمرارة) مرآتي لا تكذب، لكن ما أراه... هل هو الحقيقة؟ أم مجرد وهم صنعته الوحدة؟

(الإضاءة تخفت في بيت الفقير وتنتقل إلى بيت الأمير.)

في بيت الغني (الأمير ونصيب):
(الإضاءة تسلط على الأمير، رجل وقور لكن قاسٍ. يقف أمام نصيب المربوط إلى الكرسي، يتحدث إليه بنبرة صارمة.)

الأمير:
(بحزم) اعترف يا فتى! أين يختبئ ذلك المحتال؟ تقولون إنه حكيم، لكن حكمة من يدعيها ليست سوى قناع!

نصيب:
(يتأوه من الألم، لكنه يرفع رأسه) أبي ليس كما تظن، أيها الأمير. هو حكيم، لكنه...

الأمير:
(مقاطعًا) لكنه ماذا؟ يختبئ في كهوف الصحراء بينما يترك زوجته وابنه للجوع؟ أم أنه يدعي الحكمة ليخدع الجميع؟

نصيب:
(بنبرة متقطعة) أبي لا يريد سوى فرصة... مثلكم تمامًا، يا أمير.

(الأمير يتراجع خطوة إلى الخلف، ينظر إلى نصيب بنظرة مختلطة بين الشك والإعجاب.)

الأمير:
(بصوت هادئ) كلماتك غريبة على شاب مثلك. من الذي علّمك الحديث بهذه الطريقة؟

نصيب:
(يبتسم رغم ألمه) من عاش بين الفقر والحيلة، يصبح كل شيء عنده لغة.

(الإضاءة تخفت في بيت الغني وتنتقل إلى بيت الفقير، حيث الأم لا تزال أمام المرآة.)

في بيت الفقير (أم نصيب):
(الأم تضع المرآة جانبًا وتتحدث بنبرة حزينة لكنها ثابتة.)

الأم:
يا مرآتي، هل تعكسين وجهي؟ أم تعكسين وجع السنين؟ نصيب، ولدي، لماذا تركتني وحدي؟ أين أنت؟

(تجلس على كرسي صغير، تنظر إلى الباب وكأنها تنتظر شيئًا.)

(الإضاءة تنتقل مجددًا إلى بيت الأمير، حيث تدخل الماشطة فجأة، متوجهة إلى الأمير.)

الماشطة الوصيفة:
(بانفعال) مولاي، الأخبار تقول إن أبا الحجي قد شوهد في الكهف القريب من البلدة.

الأمير:
(بتأمل) إذن كان هذا الشاب يقول الحقيقة جزئيًا...

(يتقدم نحو نصيب ويضع يده على كتفه.)

الأمير:
(بحزم) سنعرف قريبًا ما إذا كنت صادقًا أم لا. إذا كان أباك يملك علاج ابنتي، فسأعفو عنك. أما إذا كان محتالًا... فلكل كذبة ثمن.

(الإضاءة تتلاشى تدريجيًا بين القسمين، تاركة الجمهور في حالة توتر بين مصير نصيب وأمه التي تنتظر عودته.)

 

المشهد السابع

 

قاعة واسعة في قصر الأمير مسعود، تتوسطها منصة مرتفعة يجلس عليها الأمير. يقف أبو الحجى أمامه بثياب بسيطة، وخلفه مجموعة من الحراس. الجو مشحون بالترقب.


الأمير: (يجلس على عرشه بنبرة متفحصة)
إذاً يا أبا الحجى، تقول إنك غبت عن الناس كل هذه الاشهر لتتعلم؟

أبو الحجى: (ينحني برأسه احتراماً)
نعم يا مولاي. لم أغب إلا لأجعل لنفسي حظاً من العلم.

الأمير: (بدهشة ممزوجة بالاستغراب)
العلم؟ وفي هذا العمر؟ لقد بلغت من العمر عتياً، أليس كذلك؟

أبو الحجى: (يرفع رأسه بثقة)
العلم يا مولاي من المهد إلى اللحد. لقد رأيت في منامي ما جعلني أوقن بأن عليّ أن أحتجب عن الناس وأبحث عن الحكمة.

الأمير: (يتكئ على مسند العرش، متشككاً)
ومنذ متى صارت الأحلام تدفع الرجال إلى الاختفاء؟ ربما هي أضغاث أحلام لا أكثر.

أبو الحجى: (يقترب خطوة للأمام)
لو كان حلماً عابراً لما تركتُ أهلي وبلدتي. رأيت فيما يرى النائمون جرحاً كبيراً في البلدة لم يُشفَ، ورأيتني أعالجه. وبعد هذا المنام، جاءني آخر، كان الحافز الأكبر.

الأمير: (بصوت أكثر جدية)
وما كان في هذا المنام الثاني؟

(إضاءة خافتة، يُسلط الضوء على أبي الحجى وهو يسرد، بينما يظهر خلفه مشهد تمثيلي للرؤية: رجل ذو رداء أبيض ولحية بيضاء يقف على مرتفع، وأبو الحجى أسفل المرتفع.)

أبو الحجى:
رأيت رجلاً يرتدي رداءً أبيض ولحيته بيضاء
كبياض الثلج، يقف على مرتفع ويناديني: "يا أبا الحجى، يجب أن تحتجب عن الناس حتى تكسب الحكمة والعلم. لن تكسب العلم وأنت بينهم، لأن العلم يطلب الوحدة، ونشره يتطلب الشجاعة. ستمضي إلى كهف بلدة فتان، وهناك ستنال الحكمة والحجا. ستخسر الكثير، ولكنك ستكسب الأكثر."


ظل واقفا على المرتفع الشاهق. اردف قائلا : "أيها الرجل، جرح البلدة ليس في أجساد أهلها، بل في أرواحهم. أجبعهم بالحكمة، واسقهم بالأمل، وإلا ظلوا في تيههم." ثم ألقى لي بكتاب قديم وقال: "هذا هو السر، فلا تدعه يضيع."

(تخفت الإضاءة تدريجيًا، وتعود كاملة إلى القاعة.)

الأمير: (بفضول مشوب بالحذر)
كتاب؟ وأين هو هذا الكتاب الآن؟

أبو الحجى: (يُخرج من حقيبته كتابًا قديمًا متهالكًا، يرفعه بيده أمام الحاضرين)
هذا هو، يا مولاي. جمعته من بقايا الأسواق والمخطوطات المهملة. فيه علم الأعشاب وفنون الحكمة التي نسيتها الناس.

الأمير: (يشير للحراس)


أحضِروا ابنتي. إذا كان هذا الكتاب يحمل علاجها، فسأعفو عنك وأمنحك ما تريد. وإن لم يكن... (يصمت، ينظر إلى أبي الحجى نظرة تهديد).

 

قال ابا الحجى :

امهلني حتى اجمع كل ما عرفت من علوم و معارف !! 


قال الامير مسعود:

امهلتك لكن اعلم ان ابنك مسجون!! كلما تأخرت كلما ضاعت فرصة نجاته.

 

يخرج ابا الحجى

 

الأمير مسعود:


(بلهجة حادة ومليئة بالتهديد)
إذا لم يعد بعد ثلاثة أيام، اقطعوا رأس نصيب!


(ينظر إلى مساعديه بحزم)
زوجته تصبح جارية في قصري!

(يصمت للحظة، ثم يلتفت حوله ليتأكد من أنهم فهموا ما يقصد)


يخرج الجميع


نهاية المشهد

 

المشهد الثامن

المكان: سجن ضيق، شباك صغير يتسرب منه ضوء القمر، والسماء مليئة بالنجوم. الزمان: الليل يمضي ببطء، والمكان يعج بالوحدة والآلام. في الزاوية، يجلس "نصيب" على الأرض، عيونُه تراقب السماء، وفمه يهمس بكلمات مليئة بالأسى والحزن.


(بصوت هادئ، لكن الكلمات كأنها تطير في الفضاء)
ما كنت أعهد نفسي أني سأهوى من تعلو بها الرتب...
غير أنها... أميرة.
(يتنهد، ثم يبتسم بسخرية، الصوت يتغير إلى مرارة)
يا نصيب... ليس لك نصيب فيها أبدًا...
أخلع عنك ثوب هذه الأحلام... لن تلبس ثوبًا يناسبك.
(يتنفس بعمق)
أبٌ تركك في السجن... أمك تلاحق شبابها...
أوه! ليت الشباب يعود يومًا!

(يتوقف لحظة، عيونه تبتعد عن السماء وتغرق في الزمان، ثم يرفع رأسه إلى السماء مجددًا.)

نصيب
(بهمسات خفيفة، كلمات تخرج من أعماق روحه)
"القلب فلك نوح... يسير في طوفانٍ من المشاعر، متمايلًا بين الأمواج العاتية، لا يعرف الراحة ولا يهدأ. في هذا البحر من الحب، يتحرك كالسفينة العتيقة التي لا تملك سوى الصمود في وجه العاصفة. ومهما كانت الأمواج، يبقى القلب متأرجحًا، يزداد تأثرًا مع كل لحظة من الانتظار...
أيوبٌ آخر، قهرته الأيام، واشتعل في قلبه شوقٌ يكاد يلامس حدود الجنون... صبره لم يعد يتحمل هذا الألم...
اليوم، لا مكان لصبرٍ آخر، بل إصرارٌ على اللقاء... كمن يصرخ في جوف الليل...
أريد لقاؤك... لا أحتمل أكثر!"

(يقترب صوت نسائي من وراء النافذة، يحمل معه قلقًا ملحوظًا.)

الاميرة قوت القلوب
(بهمسات خفيفة، مفاجأة في صوتها)
هل تسمعين؟... حديثه... كالماء النمير...

أميرة "قوت القلوب"
(تغمض عينيها للحظة، ثم تلتفت إلى الوصيفة بتوجس)
أتسمعين؟... حديثه... لم أسمع مثل هذا من قبل!


(تتأمل النافذة الوصيفة، تحاول تجميع أفكارها)
هذا... هو ابن الأحمق الذي انصرف إلى البرية... أظنه فقد عقله.
و ما حديثه الا كالماء العكر الذي يحسبه الظمآن ماء.


الوصيفة
(بتشدد، محاولة منع الأمير من الانجرار)
لكن، يا أميرتي، هذا لا يناسب مقامك... هو في السجن... وأبوه رماه في هذا المصير. إنه متهور، وربما فقد صوابه بالفعل.

أميرة "قوت القلوب"
(تتأمل بصمت، كلماتها تحمل نبرة من الأسى)
لا يُعرف المرء إلا في مرضه وسجنه...
(تدير نظرها بعيدًا، تتأمل في كلمات نصيب)
هذا مصابه... العشق... لكنه بعيد عن من يحب...
ليتني أعرف من هي تلك الفتاة، حتى أزوجه إياها... أراه في شوقه كمن يصرخ في الخفاء.

(أميرة تنظر نحو النافذة، وكأنها تحاول أن تجد فيه عزاء، كلمات نصيب تلامس قلبها.)

نصيب
(من بعيد، صوته يرتفع قليلاً، مليء بالشوق والعزم)
قلبي جائع، وقوت القلوب طعامه...

أميرة "قوت القلوب"
(تتسارع أنفاسها، عيونها تتسع بفزع)
أتسمعين؟!
(تستدير نحو وصيفتها بحماس)
إنه يقصدني! من هو هذا الفتى؟

الوصيفة
(بتردد، تحاول تهدئتها)
يا أميرتي، إنه ليس من مستواك. هل تظنين أن مثل هذا الشاب... يمكنه الوصول إليك؟

أميرة "قوت القلوب"
(بتصميم، تعيد النظر في النافذة، ونبرة صوتها تتغير لتصبح قوية)
من أنت، يا فتى؟

نصيب
(يجيب بصوت ثابت، لكن يحمل بين كلماته رغبة عميقة)
نصيب... الذي يعيش بلا نصيب... ونصيبه أن يرى قوت قلبه...

أميرة "قوت القلوب"
(تدهش، والدهشة تسيطر على ملامح وجهها، تسأل بحيرة)
أو تحب من لا ترى ولا تعرف؟

نصيب
(صوته يخفُت قليلاً، لكنه يحمل يقينًا لا يتزعزع)
الحب ليس له قانون، وليس له حدود... نحب أناسًا لا نعرفهم...
نجدهم أقرب إلينا من حبل الوريد...

(تظل الأميرة صامتة لوهلة، وكأن كلمات نصيب تترك أثرًا في روحها. الألم يتلاشى من وجهها تدريجيًا، ويبدأ الضوء في العودة إلى عينيها.)

الوصيفة


(بسرعة، تقترب من الأميرة وتجرها بعيدًا عن النافذة، قلقة جدًا)
لو علم والدك بهذا، سيموت حتماً... هذا الفتى المجنون! هيا بنا إلى حجرتك!

أميرة "قوت القلوب"
(وهي تهز رأسها ببطء، تتمتم بألم وشوق)
نصيب... أنا لك النصيب!

(نصيب من داخل السجن، يحاول التمسك بقضبان النافذة، وهو يصرخ بصوت عميق ومتألم، لكن عزمه لا يزال ثابتًا.)

نصيب
(بصوت قوي، متشبثًا بكلماته كأنها جزء من قلبه)
قوت القلوب... أنا زادك...

(تخرج الأميرة ببطء، والوصيفة تسحبها بعيدًا، بينما تظل الأضواء خافتة في خلفية المسرح.)


نهاية المشهد.



المشهد الأخير

(المسرح يعرض ثلاثة أماكن متداخلة: السوق حيث يمشي أبا الحجي، بيت الزوجة حيث المواجهة الحاسمة، وقصر الأمير حيث يحدث المشهد النهائي. الإضاءة تتحرك بين هذه الأماكن بسلاسة.)

في السوق:
(يدخل أبا الحجي، يرتدي ملابس بالية، يحمل خرجًا على كاهله، يسير بخطوات متثاقلة ويغني بصوت عذب أغاني الصوفية. حاملا بين يديه كتاب عتيق يمر بين الناس في السوق وهم يتوقفون، يراقبونه بدهشة.)

أحد الرجال:
(مشيرًا إليه) انظروا! أبا الحجي... بعد فسقه وفجوره، صار صوفيًا يتجول بالأناشيد!

امرأة في السوق:
(بدهشة) هل هذا هو أبا الحجي الذي كان لا يدع الخمر؟

(يختفي المشهد تدريجيًا بينما أبا الحجي يواصل سيره متجهًا نحو بيته.)

في بيت الفقير (بيت أبا الحجي):
(يدخل أبا الحجي ويرى زوجته تجلس بحزن. يضع خرجه على الأرض ويتحدث بنبرة جادة.)

أبا الحجي:
(بحزم) أنتِ طالق.

الزوجة:
(بصدمة) ماذا؟!

أبا الحجي:
أنتِ لم تؤمني بقدراتي يومًا. بينما كنتُ أبحث عن دواء لبنت الأمير، كنتِ تثرثرين مع النساء وتشككين فيّ. من الأحمق الآن، يا امرأة؟

الزوجة:
(تقف وتواجهه بشجاعة) غيابك جلب لي البؤس، والناس أكلوا سمعتي وشرفي. كنتُ أُذل كل يوم بصبري. والآن مكافأتي هي الطلاق؟ لم أتوقع هذه النهاية، لكنني أعرف شيئًا واحدًا... أنا أيضًا أسير للوراء.

(تغادر الزوجة، تاركة أبا الحجي واقفًا وحده، يحمل خرجه مجددًا ويتجه نحو قصر الأمير.)

في قصر الأمير:
(يقف أبا الحجي أمام الأمير، ينحني له باحترام. نصيب مكبل بجانب الأمير وينظر إلى أبيه بتوتر.)

أبا الحجي:
مولاي، أتيت بالدواء. لكن أريد رؤية ابني أولاً.

الأمير:
(بتهكم) هل أتيت بدواء حقيقي أم حيلة أخرى؟

أبا الحجي:
(يغمز لنصيب ويبتسم) أتاك الفرج يا بني.

(تدخل الأميرة، عاصبة رأسها، جمالها يبهت الأنظار. نصيب لا يستطيع منع نفسه من الدوران حولها، وأبا الحجي يتوقف عن الكلام للحظة بسبب دهشته.)

الأميرة:
(بصوت ضعيف) أين العلاج، يا حكيم؟

أبا الحجي:
(بهدوء وثقة) الله هو الشافي، ونحن أسباب.

(يخرج كيسًا صغيرًا يحتوي على أعشاب. يفتح كتابه العتيق)

أبا الحجي:
كُلي من هذه الأعشاب.سأتلو عليك من الكتاب...

يتلو كلماته من الكتاب العتيق..الا ان قوت القلوب ما ان رأت نصيب مكبل بجانب ابيه حتى صارت تقول :

الحب ليس له قانون، وليس له حدود... نحب أناسًا لا نعرفهم...
نجدهم أقرب إلينا من حبل الوريد...

اقترب منها ابا الحجى و هو منده من كلمات و يرى عيناها متجهتان نحو نصيب.
( اعطاها الاعشاب اخذت تتناول الأميرة الأعشاب وتسقط مغشيًا عليها تردد الكلمات الأمير مسعود يقف مذعورًا ويصرخ.)

الأمير:
(بانفعال) هل قتلت ابنتي؟! 


أبا الحجي:
(بثبات) انتظر...

(الأمير يشير للحرس بإحضار الأصفاد والنار. فجأة، تستيقظ الأميرة وكأنها لم تكن مريضة، تتحدث بسعادة ومرح.)

الأميرة:
(بفرح) شُفيت! رأسي لم يعد يؤلمني! ابي انه الحب...

(الجموع تفرح، والأمير ينظر إلى أبا الحجي بإعجاب.)

الأمير:
(بتقدير) لقد أنقذت ابنتي. أي مكافأة تريد؟

أبا الحجي:
(يشير إلى ابنه) ابني أولى بمكافأتك، يا مولاي. هو شاب يناسب ابنتك. 

قال الامير مسعود:

كيف عالجتها و قد عجز عن شفائها افذاذ الاطباء و جهابذة الحكماء؟

قال ابا الحجى :

لو عاشت بلدتنا تحت راية الحب وحدها فلسوف نفى جميعا من كل الامرا الفتاكة التي ادلهمت بها البشرية.الحب كافي للعلاج...

قال الامير مسعود:

الى اين المسير يا ابا الحجى ؟

 

قال ابا الحجى:

 

 أنا... فقد اعتدت أن أسير للوراء.

الى اللقاء...


(الأمير ينظر إلى نصيب ويهز رأسه موافقًا. نصيب يبتسم والأميرة تنظر إليه بخجل. أبا الحجي يلتفت، يرفع خرجه مرة أخرى، ويسير مبتعدًا عن القصر بخطوات هادئة.)

ينزل الستار 


النهاية.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

الخريطة التي تقودني إليك

 رواية الخريطة التي تقودني  إليك  بقلم  جوزيف مونينغر المقدمة يوم التخرج إنها والدتك، من بين الجميع، هي التي تلتقط الصورة المثالية لك ولصديق...