"عزف البقاء: البحر صديقي وعدوي"
أنا أباظة، ابن البحر وصديق الرياح. تربيت بين هدير الأمواج، وحملتني التيارات إلى حيث لم تحلم أقدام البشر أن تصل. وُلدتُ في أواخر القرن التاسع عشر، زمن القراصنة الجريئين، والبوارج العثمانية التي تشق البحار بحنكة السلاطين، وزمن كانت فيه مياه المتوسط والخليج تروي قصصاً لا تنتهي عن بطولات وأسرار.
أخبركم عن نفسي، لا لأباهي، بل لأني وحدي أملك ما يكفي من الجنون والشجاعة لأقصّ عليكم هذه الحكاية. كبرتُ في أسطنبول، العاصمة العظيمة، مدينةٌ لا تشبه إلا نفسها، حيث تتشابك رائحة التوابل مع أصوات المؤذنين، وتبحر السفن في البوسفور كأنها تودع الشمس وتستقبل القمر. أبي كان قبطاناً في أسطول السلطان سليم الثالث ، رجلٌ صلب عركته الأمواج كما عركتني الحياة. علّمني منذ صغري أن لا أهاب البحر، ولا أولئك القراصنة الذين يحيطون بنا كذئاب تنتظر الفريسة.
لكن اسمعوا جيداً، ليس كل قرصانٍ عدوًا. فالقراصنة في القرن التاسع عشر كانوا أعقد مما تصوّرون. بعضهم كان أشبه بسادة البحار، لهم قواعدهم وأخلاقياتهم، وآخرون كانوا أشبه بالشياطين، لا يتركون إلا الموت والدمار خلفهم. أتذكر حين كنا نبحر قرب خليج عدن، كانت أعلام القراصنة السوداء ترفرف فوق رؤوسنا، يقال إن بعضها كان يحمل أسرارًا سحرية تجعل أي قبطان يراها يفقد عقله قبل أن يصل إلى البر.
في تلك الحقبة، كانت الدولة العثمانية تخوض صراعاً مريراً للحفاظ على سيطرتها في البحار. الإمبراطورية التي امتدت عبر ثلاث قارات كانت تشعر بوطأة القرصنة، وضغوط الأوروبيين الذين يحيكون المؤامرات في الظل. البحر الأبيض المتوسط لم يكن مجرد مسطح مائي، بل ميدان معركة بين القوى العظمى. بريطانيا، فرنسا، وحتى روسيا، كانوا يطمعون في الهيمنة، وكل سفينة عثمانية كانت هدفاً.
لكنني، أباظة، لم أكن مجرد قبطان. كنتُ جريئًا بما يكفي لأن أتحالف مع البحر نفسه. كنت أتعلم من أمواجه، أقرأ خرائط الرياح كأنها نصوصٌ مقدسة، وأفهم متى يصبح المد صديقًا ومتى يكون عدوًا. تعرفت على شخصيات غريبة في رحلاتي: صائدو الكنوز الإسبان، تجار الأسلحة الفرنسيين، وحتى قراصنة من جزر الكاريبي جاؤوا إلى المتوسط بحثاً عن مغامرة جديدة.
أتعلمون ما يُبقي هذا القلب نابضاً بالحماسة؟ إنها تلك الليالي التي يقصّ فيها البحر حكايته. أنتم تسمعون الأمواج فقط، لكنني أسمع أصوات المعارك القديمة، وأشعر بأنفاس القباطنة الذين سبقوني. في إحدى رحلاتي، اكتشفت خريطةً قديمة من عهد سليمان القانوني، كانت تشير إلى كنزٍ مفقود في جزر اليونان. لكن الكنز لم يكن ذهبيًا. كان شيئًا أعظم – مخطوطة قديمة تحتوي على أسرار الملاحة التي استخدمها العثمانيون لإحكام قبضتهم على البحار.
ربما تسألون: هل كانت رحلتي خطرة؟ بالطبع. فقد واجهت الموت مرارًا، سواء بيد القراصنة أو غضب الطبيعة. لكن أخطر أعدائي لم يكن قرصانًا ولا عاصفة. بل كان الخيانة. ففي عالم البحر، لا يمكنك الوثوق بأحد. الصديق قد يتحول إلى عدو إذا ما تعلق الأمر بالكنوز أو النجاة.
إذا أردتم المزيد من حكاياتي، فأنا هنا، جاهزٌ لأروي لكم عن معركة رأس الرجاء الصالح، وعن الليلة التي دخلتُ فيها ميناء بنغازي خلسة، وعن السر الذي أخفته الدولة العثمانية في أعماق بحر مرمرة. لكن احذروا، فالبحر لا يبوح بأسراره إلا لمن يملك الشجاعة للاستماع...
الليل كأنه كفن البحر، يغطيه بالسواد، والرياح تعوي كأنها تصفق للجلاد. كنت هناك، مكبل اليدين عاري الظهر، على سطح سفينة "الظافر"، تلك التي كنت أعدها بيتي الثاني. صار جسدي مرسوماً بالندوب، لكن روحي كانت مشتعلة كأنها مشعل لا ينطفئ.
الجلاد رفع سوطه للمرة السابعة أو الثامنة، لا أذكر. كان وجهه مشدودًا كأنه تمثال من غضب، وعيناه تبحثان عن استسلامي. لكني أباظة، ابن البحر، لا تخرسني عصا ولا يكسرني ألم.
ضحكت والدم ينساب من ظهري. نعم ضحكت كانوا ينظرون إلي كأنني مجنون. "ما الذي يضحكك؟" صاح أحدهم، صوته يغرق بين صرير الحبال وصفير الرياح.
قلت لهم: "هل تعرفون يا رفاق، أنني كنت في مثل هذا الموقف ذات يوم ؟ ليس فوق سفينة عثمانية، بل على ظهر بارجة فرنسية. وكان الجلاد آنذاك أكثر قسوة من هذا، وسوطه يحمل عقدة كل أجداده الذين لم يهزموا العثمانيين يومًا. لكني لم أصرخ. وفي النهاية جلادي كان هو الذي بكى."
همهم بعضهم مندهشين، وآخرون ضحكوا بسخرية، لكني تابعت ليس لدي سوى قصصي لمواجهة هذا العذاب.
كانت تلك الليلة في خليج نابولي كنا نحمل وثائق سرية تخص السلطان، وثلاثة صناديق من الكنوز المصادرة من قراصنة المورة في منتصف الطريق، خرج علينا أسطول فرنسي صغير. لم يكن القتال خيارًا، فكنا أقل عددًا وأضعف عتادًا. لكنني، أنا أباظة، اخترت التحدي. أشعلنا أضواء زائفة على السواحل وجعلناهم يعتقدون أننا أسطول ضخم. انسحبوا قبل أن يطلقوا رصاصة واحدة وواصلنا رحلتنا ظننت أننا انتصرنا، لكني لم أعلم أن بيننا خائنًا.
وصلنا إلى ميناء طرابلس، وهناك، قبل أن ألقي التحية على الوالي، وجدت نفسي مكبل اليدين الفرنسيون علموا بخطتنا عبر جاسوس في طاقمنا، وتم تسليمي كرهينة مقابل الإفراج عن سفينتهم التي أسرناها قبل شهر."
توقف السوط عن الهواء لبرهة، كأن الجلاد بدأ يصغي التفت إليه وقلت بابتسامة ملوثة بالدم: "وهنا بدأت القصة. وضعوني في زنزانة رطبة تحت سطح السفينة، وظنوا أنني انتهيت. لكنني لم أكن أنهيت فصولي بعد."
رجل من الطاقم صرخ: "وكيف خرجت؟"
ضحكت مجددًا رغم الألم الذي يشق ظهري وقلت: "الحيلة يا رفاق. حين يظن البحر أن أمواجه كسرتك، عليك أن تخدعه. استعنت بزميل فرنسي كان ساخطًا على قادته. وعدته بالحرية والذهب، فتح زنزانتي، و......
قاطعتني جلدة أخرى، لكنني واصلت السرد بصوت أعلى من الألم.
"هربت، وسبحت في ظلام البحر. كنت أعرف أن الأسماك تنتظرني، لكن البحر لم يكن عدوي تلك الليلة. وصلت إلى مركب صيد صغير ورغم أنني كنت متعبًا، أقنعت الصيادين بأنني قبطان عثماني، وأن مكافأتهم ستكون عظيمة إن أوصلوني إلى البر."
أنهى الجلاد السوط بضربة قوية أخيرة، ثم توقف. ربما شعر أنني لم أعد بشريا يمكن کسره. سألني أحدهم: "ما الذي حصل للفرنسي الذي ساعدك؟"
نظرت إليه، وقلت بصوت غامض: "أعطيته الحرية التي وعدته بها، لكن الذهب؟ كان نصيبي وحدي. لم أخن وعدي، لكني تركته يتعلم أن البحر لا يثق بأحد."
صمت الجميع، وخيمت على السفينة رهبة غريبة. كانوا يعلمون أنني لم أكن مجرد رجل يجلد، بل حكاية لا تنتهي.
في عمق البحر، بين أمواجه الهائجة التي تتلاطم كأعاصير من غضب، كان قلبي يخفق كنبض السفينة "الظافر"، التي لا تعرف سوى الموت أو النصر. لكنني، أباظة، ابن البحر العثماني، لم أكن أحلم بالمجد فقط، بل بالنجاة، فكل رحلة كانت على مرمى حجر من النهاية. في هذا العصر، حيث تسيطر إمبراطوريات البحر الغربية، كانت السفن العثمانية لا تملك سوى الذكاء والشجاعة للتصدي للأعداء. لكنني لم أكن كبقية القباطنة، لأنني كنت أحمل في قلبي آلة بوزق، قطعة من هويتي العثمانية، وكنت أعزفها أحيانًا على سطح السفينة كلما أردت الهروب من صخب المعركة أو عواصف البحر.
أهلاً بكم في حكايتي، حكايتي التي تبدأ على شواطئ البحر المتوسط، حيث لم يكن العثمانيون يملكون القوة البحرية التي توازي الأساطيل الأوروبية الضخمة. كانت بريطانيا، البرتغال، وإسبانيا، تتنافس في البحار، تحمل أعلامهم السوداء التي ترمز للقتل والدمار. أما نحن، فقد كانت سفننا تتحرك في البحر كظلال في الليل، في انتظار أن تظهر العاصفة أو تلتقي بنا إحدى تلك السفن الحربية التي تحمل شرها.
لكن، كما يقول أهل البحر، لا تعرف كيف سيكون المصير. في إحدى الليالي الحالكة، عندما كنا نبحر في بحر الأطلسي بعيدًا عن سواحلنا، كانت السفينة "الظافر" قد وصلت إلى مشارف المياه الإسبانية. كانت الأجواء مليئة بالتهديدات، فقد علمنا بوجود أسطول إسباني بقيادة القبطان "اليخاندرو"، رجل محنك في الحروب البحرية، وكان مصيرنا مهددًا بالموت، بل بالحقيقة كان الموت أقرب إلينا من أي وقت مضى.
كنت أعلم أن قوة الأسطول الإسباني تفوقنا بكثير. كان لدينا أمل ضئيل في النجاة، ولكني، كعادتي، لم أستسلم. اعتدت على التعامل مع البحر كأنني صديق قديم، ولكن هذه المرة، لم يكن البحر كافيًا. حينها، تذكرت آلة البوزق التي اصطحبتها معي. لقد كانت مجرد أداة ترفيه، لا أكثر من ذلك. لكن في تلك اللحظة، كُشِفَ لي سرٌ عجيب. كنت أشعر أنني بحاجة لشيء يتجاوز التحديات الجسدية والمادية، شيء يتيح لي مقاومة هذا الحظ الذي يواجهنا.
أنا أباظة، أحد رجال البحر الذين سخرهم الله للذود عن دينهم ووطنهم في وجه أعداء الإسلام في ليلة عاصفة من ليالي بحر إيجه حيث يتعانق المد والجزر في رقصة أزلية وجدت نفسي بين الأمواج، والشراع فوق رأسي يئن من الرياح العاتية، ونفسي تتوقد من الشوق للجهاد.
كانت الأنباء قد وصلت إلينا عن خبث الروس وحيلهم. أطلقوا رسلهم إلى بلاد المورة يثيرون الناس ويدفعونهم للتمرد، وكانوا يعدون أهالي المورة بالحرية، لكننا كنا نعلم أن أطماعهم هي القيد الجديد الذي يريدون أن يضعوه حول أعناق المسلمين هناك.
حين أبحرت السفن الروسية من بحر البلطيق لتغزو بلاد اليونان، قادتنا إرادة الله لاعتراضهم. التقى أسطولنا بأسطولهم، وكان يوماً من أيام الله. أذكر أصوات المدافع، وأزيز الكرات الحديدية وهي تشق الهواء، والدماء التي خضبت الأمواج. بفضل الله، هزمناهم ودفعناهم إلى الفرار، لكن لم يكن هذا سوى بداية المؤامرة.
تتبعتنا سفينتان روسیتان "حراقتان" إلى ميناء جشمة، وقد أوهمونا برغبتهم في الانضمام إلينا فتحنا لهم الميناء بحسن نية لكنهم أطلقوا جحيم النيران على سفننا بمجرد دخولهم. اشتعلت السماء والبحر، وتحولت سفننا إلى شعلات ضخمة، وقد انطلقت النيران من البارود المخزن في تلك اللحظة، أدركت أن المعركة لم تنته بعد، وأن هؤلاء القوم لا عهد لهم ولا أمان.
أمير البحر الروسي "الفنستون" حاول استغلال ضعفنا بعد خسارتنا في جشمة، ففكر في مهاجمة إسطنبول نفسها. كانت العاصمة دون أسطول يحميها، لكن الله ألهمنا الصواب. حولنا السفن التجارية إلى حربية في وقت قياسي وبنينا القلاع على ضفتي مضيق الدردنيل وحصناها بالمدافع الضخمة. لم يجرؤ الروس على الاقتراب.
أما أنا، فقد قدر لي أن أرافق القبطان حسن بك في مهمة الدفاع عن جزيرة لمنوس، التي أراد الروس احتلالها لتكون قاعدة لهم. كان الحصار خانقاً، ورجالنا متعبين، لكن إيماننا بالله كان أقوى من أي سلاح. قادنا حسن بك في هجوم مباغت على سفن الروس المحاصرة. كانت ليلة كأنها القيامة، حيث أضاءت النيران السماء، وأصداء التكبير تدوي فوق الموج طاردناهم حتى أخرجناهم من المياه، وعادت لمنوس إلينا.
أكتب هذه السطور وأنا أذكر المجد الذي صنعناه، وأفكر في تاريخنا البحري المشرق. لقد وقفنا في وجه الطغاة، كما وقف أجدادنا في أبي رقراق تلك الجمهورية التي أسسها أبطالها من القراصنة المسلمين، للتصدي لأطماع الأوروبيين في سواحل المغرب. لقد واصلنا ما بدأه أهل الأندلس الذين قاوموا الاضطهاد، وجعلنا البحر سلاحاً لا مقبرة.
هذا هو قدرنا، أن نكون سيوفاً في يد القدر، نحمي أمتنا وديننا من كل معتد. وسنظل نقاتل، لأن البحر يشهد على عهودنا، والرياح تحمل تكبيراتنا إلى أقاصي الأرض.
حين رأيت سرب الطيور يحلق فوق مياه قبرص الهادئة، لم يكن المشهد جديدًا عليّ. كان البحر يذكّرني دومًا بقصص قديمة، حكايات رواها لي جدي، الحاج سليمان أباظة، ذلك الرجل الذي عاش حياته بين أمواج المتوسط، وكان شاهدًا على زمنٍ لم أره بعيني، لكنني شعرت به في كل كلمة نطقها.
قال لي ذات مساء:
"يا بني، إن كنتَ تحسب البحرَ واسعًا، فإن أرواح من سكنوه أوسع. وقد كان هناك واحدٌ، اسمه جاك عصفور."
كان جدي في شبابه بحارًا في أسطول الدولة العثمانية، وذات يوم رست سفينته في ميناء تونس. هناك، التقى ذلك الإنجليزي العجيب. لم يكن اسمه الحقيقي جاك عصفور؛ هكذا سماه أهل تونس، لأنه كان مهووسًا بالعصافير. جدي قال إنه رآه أول مرة جالسًا على صندوق خشبي قرب السفن، يطعم عصفورًا صغيرًا هرب من قفصه.
"اقتربتُ منه وقلت: أيها الغريب، أنتَ رجل بحر، فما الذي يشغلك بعصافير لا تعرف الماء؟"
رفع جاك رأسه، وعيناه بلون السماء قبل العاصفة، وقال: "لأنها تعرف الحرية التي نسيتها أنا وأنت."
كان جاك وقتها قد ترك إنجلترا منذ سنوات، واعتنق الإسلام تحت اسم يوسف ريس. انضم إلى أسطولنا، لكن روحه بقيت حرة، لا تقيدها أي راية. جدي قال إنه لم يرَ رجلًا مثله قط؛ كان يبدل المعاطف كأنه يبدل جلده، لكنه أبدًا لم ينسَ نفسه.
"يا جدي، وهل كان قرصانًا حقًا؟"
ضحك جدي وقال: "كان قرصانًا بروح عصفور، يا بني. كان يهاجم السفن، لكنه يطلق سراح العصافير التي يجدها فيها. كأنما كان يحاول تحرير نفسه في كل طائر."
روى لي جدي عن تلك الليلة التي أبحرا فيها معًا قرب قبرص، عندما رصدوا سفينة إسبانية محملة بالكنوز. كان جاك واقفًا بجانب جدي، يراقب الأفق بصمت. فجأة، أشار إلى سرب طيور يطير فوق السفينة الإسبانية وقال:
"تلك الطيور تعرف طريقها إلى الحرية، أما نحن فنظل ندور في دوائر."
كان كلامه غريبًا، لكنه ترك أثره في جدي. بعد تلك المعركة، أصر جاك على أن تُطلق كل الطيور التي وُجدت على السفينة الإسبانية. جدي قال إنه لم ينسَ أبدًا كيف وقف جاك، مبتسمًا وهو يراقب الطيور تحلق في السماء، وكأنه كان يتمنى لو كان واحدًا منها.
لكن جاك، كما قال جدي، لم يكن من الذين يهربون من مصيرهم. تونس كانت آخر مرافئه، وهناك مات بين أهلها. دفنوه وأسموه "جاك عصفور"، الرجل الذي عاش بين العصافير.
"وماذا عن زيمن دانسيكير؟" سألتُ جدي.
هز رأسه وقال: "زيمن كان عكس جاك. هولندي بدّل معطفه، لكنه لم يبدل قلبه. وعندما قطعت رأسه في الجزائر، كان ذلك تذكيرًا لنا جميعًا: ليس كل من يبدل الراية يجد الحرية."
والآن، وأنا واقف على ظهر سفينتي، أراقب سرب الطيور يحلق فوق مياه قبرص، أفكر في جدي، وفي جاك عصفور. ربما كان جدي محقًا؛ البحر واسع، لكنه لا يتسع لأرواح تحنُّ للسماء.
عزفت على البوزق. نغمات كانت تخرج من قلبي قبل أصابعي، تنساب مثل أمواج البحر، كما لو أن البحر نفسه يشاركني النغمات. الصوت كان يمتزج مع هواء البحر البارد، ملهمًا الشجاعة في نفوس الطاقم. لم يكن أحد من طاقمي يعلم عن موهبتي في العزف على البوزق. لكن حين وصلنا إلى أسطول "اليخاندرو"، وكنت أعلم أننا في مواجهةٍ قاسية، اتخذت قرارًا خطيرًا.
طلبت أن ألتقي بالقبطان الإسباني. كان يحمل في عينيه حكاية معركة، لكنه كان يستمع إلى نغمات الموسيقى التي تسللت عبر الرياح. طلبت منه أن يسمح لي بالعزف، بحجة أن هذه النغمات ربما تمنح السفينة طاقة جديدة. ولم يكن في قلبه سوى شغف بالموسيقى الشرقية. وأمام جميع جنوده، سمح لي بالعزف. كان ذلك بمثابة إعطاء الحياة لي. عزفت بكل ما لدي من قوة، فغرق الجميع في صمت مطلق. كان الخوف قد اخترق قلب القبطان الإسباني، وعينه كانت تجوب أفق البحر كما لو أنه قد سمع همسات البحر نفسها.
بعد أن انتهيت من عزفي، بدا أن القبطان "اليخاندرو" قد رافقني إلى عالم آخر. عندما رفعت رأسي، كانت عيون الجنود قد تغيرت، وابتسم لي "اليخاندرو". قال لي: "أنت، يا أباظة، لم تُنقذ نفسك بالمبارزة، بل بالموسيقى التي جعلتني أرى البحر بطريقة جديدة. إذهب، ولن أتبعك."
كانت تلك اللحظة هي من أروع اللحظات في حياتي. فالموسيقى أنقذتني من الموت. بل إنني بعد تلك الحادثة، صرت أرى في آلة البوزق أكثر من مجرد أداة، بل صرت أعتبرها صديقي المخلص الذي يعرف أنغام البحر والموت، ويجعلني أستطيع المضي قدمًا رغم كل ما حولي.
وهكذا، كنت أواجه الأعداء في البحر المتوسط، سواء كانوا من البرتغاليين أو البريطانيين، لكن البحر كان يعطيني دائمًا الإجابة التي أبحث عنها، وهذا كان سر نجاة سفينتي، "الظافر".
أمواج البحر كانت تتلاطم من حولنا، ونحن في السفينة "الظافر" نتخطى المسافات التي لا نعلم نهايتها. كنت لا أزال أحتفظ بتلك الآلة البوزق، التي كانت سلاحي السري أمام الأعداء، لكنني أدركت أن هذه المرة ستكون مختلفة. فقد اعترضتنا فرقاطة بريطانية، عابرة في البحر، واسمها أجنكورت، والتي تحمل معها القسوة والدمار، بقيادة القبطان برنارد بيغ بيلي، الرجل الذي كان يحمل من الشراسة ما يناهز البحر نفسه.
كان بيغ بيلي، كما يوحي اسمه، ضخم الجثة، بطنه العريض يخبرك بكل شيء عن شخصيته الجشعة. كان يفوق كل ما قابلته من قبطان، يكتفي بالصمت العابس في وجه أتباعه، رافعًا عينيه على البحر في تحدٍ دائم. ولم يكن لديه سوى مدافع "المدمرة" والطرابيد، التي كانت تندفع من السفينة كالعواصف العاتية، غير مكترثٍ إلا بما يملكه من أسلحة.
حاولت مقاومته، كان ذلك في لحظة عاصفة، حيث لم يكن هناك مفر من المواجهة، لكن فرقاطته كانت حديثة. بل كانت أكثر من مجرد سفينة؛ كانت آلة موت مرعبة لا رحمة فيها. سقطت في أشر أعمالي، وكدت أظن أن هذه ستكون النهاية. كانت سفينة "الظافر" مهددة بالغرق تحت قصفه المستمر.
لكنني، كما جرت عادتي، لم أستسلم بسهولة. وعندما رأيته يعرب عن رغبته في شيء أثمن من أن يلتفت إلى موسيقاي، تذكرت مخطوطتي القديمة، تلك التي أخفيتها عن الجميع، المخطوطة التي كانت تحوي أسرار الكنوز اليونانية المفقودة. عرفت أن الطمع هو وحده يمكن أن ينقذني هذه المرة. كنت أدرك أنه من النوع الذي يطمع في كل شيء، ولا يكتفي بما لديه.
"كنز؟" سألني بصوت عميق، وهو ينظر إليَّ من تحت حاجبيه، وكأنني كائن لا يهتم إلا بإرضائه. "هل تقول أن لديك شيئًا قد يثير اهتمامي؟"
"نعم"، قلت بثقة، "مخطوطتي تحتوي على مواقع كنوز اليونان القديمة، كنوز ثمينة مختبئة في أعماق البحر. إذا كنت تريد المال، فهذه هي فرصتك الوحيدة."
كان الجشع يتألق في عينيه، وعلى الرغم من أنه لم يكن قد أبدى أي اهتمام بالموسيقى أو حياتي على متن السفينة، فقد كان عينيه تسطعان عندما تحدثت عن الذهب والكنوز. فقد كان يطمع في شيء ثمين، ليس من أجل نفسه، بل من أجل تلك السيدة التي كانت صورة لها معلقة في مقصورته. كانت تُدعى ماريا.
"ماريا"، همس باسمها وهو يلتقط زجاجة الخمر، ثم أكمل بصوت متهدج: "ماريا... يا سلوة الحياة... ماريا يا أغنية البحار... من أجلها، سأجلب كنوز الأرض."
كان يُغني اسمها كما لو أن كلماتها وحدها تستطيع أن تهدئ نار جشعه، كما لو أن خمره لم يكن كافيًا لإشباع حاجاته. وكان يتحدث عنها كما لو كانت هي من تستحق كل شيء في حياته، حتى لو تطلب الأمر أن يغرق العالم في بحر من الدماء من أجلها.
لكنني، على الرغم من طمعه وشره، كنت أعلم أنني وجدت الطريق الوحيد للنجاة. كان برنارد بيغ بيلي لا يرى سوى المال والكنوز، وكانت تلك هي فرصتي. إذاً، وعندما أخبرته عن المخطوطة، لم يعد هناك شك في أنني قد أنقذت نفسي، ولو مؤقتًا.
لكن، لم تكن هذه المرة الأخيرة التي سيتقاطع فيها مصيري مع مصير البحر، ومع البحر نفسه، الذي يحتفظ بأسراره القديمة في أعماقه المظلمة.
كان البحر مرآة من رخام أزرق، تعكس السماء العالية بلا غيمة، كأنما تلتحفها الأرض بسخاء. كنت أقف على سطح سفينتي، الظافر، أحدّق في الأفق، فيما يتمايل جسدها الخشبي بفعل الأمواج كراقصٍ متمرس. لم تكن هذه الرحلة كسابقاتها، فشهر رمضان كان يتنفس في كل زاوية من الأرض التي نقطعها، والروح كانت مترعة بشيء من التوق الذي لا يليق إلا بهذا الشهر الكريم.
أبحرنا قرب شواطئ بحر مرمرة، وكان الوقت نهارًا، قريبًا من العصر. فجأة، لفت انتباهي عرضٌ على الشاطئ. كان مشهدًا ينبض بالحياة؛ أطفال يتحلقون حول خيمة صغيرة، يضحكون ويصفقون. لم أحتاج إلى الكثير من التخمين لأعرف أن العرض كان لقراقوز وحاجي عواض، تلك الشخصيات التي تأسر القلوب بطرائفها وحكاياتها. شدني المشهد، وكأن روحي عادت طفلة.
"رسوّوا السفينتين!" أمرتُ بحماس، مشيرًا إلى طاقمي. "لن نجد مكانًا أجمل من هنا لقضاء ما تبقى من نهارنا قبل أن يُرفع آذان المغرب."
بمجرد أن رست سفينتنا على المرفأ، نزلنا معشر البحارة في قافلة صغيرة، نملأ المكان بخطواتنا الثقيلة وأحاديثنا المفعمة بالضحك. المدينة كانت تزخر برائحة الخبز الطازج والبازارات المزدحمة. لم أستطع أن أتجاهل تلك السيدة العجوز التي كانت تبيع بقلاوة ذهبية اللون، فاشتريت منها ما يكفي لإطعام الطاقم، وابتسمت وهي تبارك لي الشهر قائلة: "تفضلوا، كلوا وافرحوا، فالصائم ضيف الله في هذا الشهر."
عندما اقترب المغرب، عدنا إلى السفينة ومعنا كنوز من الطعام: خبز طري، زيتون أسود يقطر بالزيت، ولحم مشوي كان يفوح برائحة التوابل الشرقية. صلينا المغرب جماعة على سطح السفينة، وأنا، أباظة القبطان، كنت الإمام. شعرت بشيء من القدسية يغمرني؛ كأن البحر نفسه يصلي معنا، والأمواج تردد آمين بعد كل دعاء.
رمضان في بلاد الإسلام له روح لا يمكن تفسيرها، بل تُعاش فقط. كان الأمر أشبه بحكاية ألف ليلة وليلة، ولكنها حكاية كتبتها بنفسك، على متن سفينة، بين الموج والأفق.
كان المحيط الهندي يعبق بالقصص القديمة، تلك التي تنقض عليها الرياح العاتية وتخبئها الأمواج الهائجة. بالقرب من عدن، حيث كانت السفن تتلاطم مع أمواج البحر كالوحوش المفترسة، خضنا معركة بحرية ضد الهولنديين. لم تكن معركةً عادية، بل كانت مواجهة بين القوى الكبرى التي تستحوذ على شراكة البحر؛ شركة الهند الشرقية البريطانية ضد شركة الهند الشرقية الهولندية. ولكن، كما هو الحال في كل معركة بحرية، سارت الرياح بما لا تشتهي السفن.
كانت سفينتنا "الظافر"، التي طالما اعتبرتها رفيقتي في التحديات، قد تحطمت على صخور المعركة، محطمة بذلك آمالنا في النصر. قسوة الرياح وتعدد الطلقات لم تترك لنا فرصة للهروب. بينما كانت أشرعة السفينة تتساقط في البحر وتغرق في المياه العميقة، كنا في مواجهة مع خطر آخر، أخطر من الجنود الهولنديين؛ أسماك القرش العاتية التي كانت تتربص بنا من كل جانب.
لكن قبل أن نغرق بالكامل في أحشاء المحيط، وقع شيء غير متوقع. اكتشفنا أن بعض البحارة العرب الذين كانوا في سفنهم المجاورة، قد اقتربوا منا. هؤلاء البحارة، الذين كانوا يعرفون البحر بشكل عميق، كانوا يتحركون نحونا كما لو كانوا في مهمة، مستشعرين عجزنا في مواجهة العدو.
عندما علموا أنني من أصل عثماني، وأنني بحارٌ من ذلك السلالة العريقة، سارعوا إلى مساعدتنا. كان لديهم إحساسٌ مرهف بالشرف، وهم يظنونني البطل الأسطوري، خير الدين بربروس، الذي خاض المعارك في مياه البحر الأبيض المتوسط على سفن السلطان سليمان القانوني. لم يكن لديهم أدنى فكرة أن بربروس قد مات منذ زمن طويل، وأنه أفل نجم اسمه منذ عقود، بل قرون.
إنهم لم يعلموا أنني مجرد البحار "اباظة"، الذي ولد في ظل إمبراطورية عثمانية محطمة، في زمنٍ كان فيه الحكم العثماني في أضعف حالاته، ولا يمتلك القدرة على التنافس مع تلك القوى البحرية العظمى التي كانت تجوب البحار.
كانوا يشيدون بي، ويعتبرونني من أساطير البحار العثمانيين، لكن في الحقيقة، كانت السفينة قد تحطمت، وباتت مهمتي تكمن في النجاة والفرار من الموت المحتم. ومع ذلك، وبفضل إيمانهم العميق بأمجاد الماضي وبطولات البحارة العثمانيين، قاموا بسحبنا إلى بر الأمان في عدن، حيث التقطنا أنفاسنا، وبدأنا نعيد ترتيب أنفسنا من جديد.
لكنني لم أكن متأكدًا ما إذا كان ما حدث مجرد حلمٍ غريب أم أنه كان مقدرًا لنا أن نواجه مصيرنا في المياه الهادئة بعد معركةٍ ضارية كانت قد غسلت أجسادنا بملح البحر.
نعم، أنا عازف البوزق، وهذا الاسم قد ذاع صيته عبر البحار. ليس في البحر الأبيض المتوسط وحده، بل في الأطلسي والمحيط الهندي وكل موجةٍ شهدت عتبات سفينتي. كان البحارة يعتقدون أنني أُسلي القباطنة، أنني أستخدم أوتار البوزق لتهدئة النفوس المستعرة ورسم الابتسامات وسط عواصف لا تهدأ. لكنهم لم يعلموا أبدًا أنني كنت أعزف لشيء أعمق بكثير من التسلية.
كنت أعزف لأنني أؤمن أن الموسيقى هي انتصار على الذات، أن نغمة واحدة يمكنها أن تسكت هواجس الخوف وتطرد شبح الموت الذي يرافقنا دائمًا في أعماق البحار. في كل مرة كنت أجلس وأداعب أوتار البوزق، كنت أشعر أنني أُعلق الشعور بالحياة ذاتها، كما لو أنني أقول للزمن: توقف، دعني أستمع إلى نفسي للحظة قبل أن تعصف بي الرياح مجددًا.
لم تكن أنغام البحر الصاخبة أبدًا أكثر قوةً من عزف البوزق. بل كان البوزق هو الصوت الوحيد الذي يمكنه أن يعيد الحياة في أحلك اللحظات. عندما كنا نواجه الخطر، سواء كان مدفعية بريطانية أو طرادات برتغالية، كنت أجد نفسي ممسكًا بالبوزق كما لو أنه سيفي الوحيد.
ذات مرة، عندما كنا في مواجهة مع أسطول ضخم، وقفت على سطح السفينة، الرياح تمزق الأشرعة، والمدافع تزمجر كوحوش جائعة. أمسكت بالبوزق، وعزفت. كنت أعلم أن الموسيقى لن تُسكت المدافع، لكنها أسكتت الخوف داخل قلوب رجالي. كانوا ينظرون إليّ بذهول، ومن خلفهم البحر يرتفع كأنه وحش هائج.
الموسيقى ليست مجرد نغمات، بل هي معركة بحد ذاتها. كل وترٍ كنت أنقره كان كأنه سهمٌ يطلق في وجه اليأس. لم يكن أحد يعلم أن تلك الأوتار هي من أنقذت حياتي في مراتٍ كثيرة، عندما كنت على وشك الموت.
البوزق لم يكن مجرد آلة موسيقية بالنسبة لي، بل كان رفيقي، مرآتي، وحتى حياتي ذاتها. هو الذي جعلني أبقى واقفًا أمام قسوة البحار وظلم البشر. هو الذي عتق معاني الحرية في روحي، حينما كنت أشعر بأنني أسير الحياة نفسها.
في مياه البحر الأسود، أو كما يسميه الأتراك بحر سياه، الذي لا يحمل من السواد إلا اسمه، كنت أبحر بسفينتي الظافر. مياهه الصافية وعميقه، تروي أسرار القرون، وكأنها خزان للذكريات.
عند إحدى الشواطئ القريبة، تناهت إلى مسامعي نغمات نايات تخترق سكون البحر وتلتقي بروحي كما لو كانت رسائل من السماء. كان الصوت قادمًا من رجل يعزف الناي بجوار آخر بدا لي أنه صوفي تركي، جالسًا ينشد:
"إلهي عشقا امنحني، أضيِّع به مكان وجودي
أضيع به نفسي بنفسي، كي لا تعثر على ما تهواه."
أوقفت السفينة. أجل، أوقفت الظافر، سفينتي التي كانت تشق البحر كالسهم في طريقها لحملة عسكرية. تجاهلت أعين البحارة المندهشة، وأسئلتهم الممزوجة بالاستنكار:
"أتوقف حملة عسكرية من أجل عازف ناي ومنشد صوفي؟"
كانوا يرونني مجنونًا، لكنني كنت أراهم عاجزين عن إدراك سر هذا النداء. نظرت إليهم وقلت بثقة، وكأن البحر نفسه يبارك كلماتي:
"دعوني أشحن روحي من هذه النغمات. قد تكون المصد الذي يدفع عني غائلة الموت في خضم الوغى."
كان الرجلان يبدوان كأرواح حرة، غير مقيدة بمكان أو زمان. الناي يتحدث بلغة أعمق من الكلمات، يشدو بما تعجز عنه الأفواه. والصوفي ينشد كلمات يونس إمره، الشاعر الذي تغنى بالحب الإلهي والعشق الروحي.
جلست على مقدمة السفينة، أنصت وكأنني أستمد طاقة روحية جديدة. تلك النغمات كانت تعيد ترتيب الفوضى التي تركتها المعارك داخلي. كانت كما البوزق الذي أحمله، صوتًا يعبر عن أعماقي، لكنه في هذه المرة كان يأتي من الخارج، كأنما العالم نفسه يعزف لي.
لم يفهم البحارة ذلك. لم يفهموا أن هذه النغمات كانت درعًا خفيًا، تحميني من الظلام الذي قد يأتي في اللحظة التي تُسكت فيها المدافع، وتغرق فيها الأرواح. لكنني كنت أعلم. كنت أعلم أن الموسيقى، حتى لو كانت عابرة، هي أعظم أسلحة الروح.
كنت أرغب في العودة إلى البر، إلى حيث الروح تجد ملاذها في صمت التكايا الصوفية في إسطنبول، المدينة التي شهدت مولدي واحتضنت طفولتي. هناك حيث يمكنني أن أضع رحالي، وأن أعتذر للبحر الذي أخذني بعيدًا عن حياتي، وألقى بي في وجه الموت، حيث واجهت أخطارًا لا تخطر على قلب بشر.
بينما أبحر في بحر سياه، عادت إليّ تلك النغمات التي سمعتها على شواطئه، مصحوبة بأصوات تردد:
"مع الجبال والحجر،
أناديك يا مولاي أنت
مع الطيور في السحر،
أناديك يا مولاي أنت."
كانت الكلمات تنبض في قلبي كما لم تفعل من قبل، كأنها ألحان توقظ روحي الراقدة في كهف مظلم، غارقة في سبات أطول من أسطورة النيام السبعة. جبت بناظري عبر البحر، أبحث عن نهاية لهذا الامتداد الأزرق، لكنني وجدت نفسي غارقًا في أفكار أعمق من مياهه.
كنت أشعر وكأن البحر نفسه يهمس لي أن أعود. أن أترك وراءي المدافع والخرائط الملطخة بالدماء. أن أترك أحلام السيطرة والهيمنة التي قادتني إلى أمواج الموت. كنت أريد أن أعود، لا لأهرب، بل لأجد السلام، السلام الذي لا يجلبه النصر في المعارك، بل تلك اللحظات من التأمل الصامت، حين تنادي الروح خالقها.
رأيت نفسي في تلك اللحظة أسيرًا لأغنية الناي، وتذكرت الصوفي الذي التقيته على شاطئ البحر الأسود، وكيف أنشد بلسان قلبه. أدركت أنني لم أكن أقاتل في البحار فقط، بل كنت أقاتل داخلي. وها أنا الآن، مستعدٌ لإلقاء سلاحي والانضمام إلى التكايا، حيث تتجدد الأرواح، وتغتسل القلوب بذكر الله.
البحر الذي أحببته وأخافني، صار كصديق قديم أعتذر له. نعم، كنت أعتذر للبحر، لأنه أخذني بعيدًا، لكنه علمني ما لم تعلمني إياه اليابسة. علمني أن لا شيء في الدنيا يضاهي لحظة اتصال الروح بمن خلقها.
"السلام على الضاحكين وفي قلوبهم سنين بكاء."
كانت هذه الكلمات تخرج من قلب جلال الدين الرومي لتلامس أعماقي، وكأنها تناديني من خلف أمواج الحياة، تدعوني لأن أكون مثلهم، أولئك الذين قرروا العيش رغم أن الحياة لم تمنحهم ما تمنوا. قررت أن أعيش على هذا المنوال، لكنني أدركت أن الباطن في كثير من الأحيان يناقض الظاهر، تمامًا كما تُظهر السفينة قوتها فوق الماء بينما تخفي في جوفها خشبًا هشًا قد يغرقها في أية لحظة.
تعلمت هذه المعاني في تكايا إسطنبول، تلك الأماكن التي احتضنت روحي، كطوق الحمامة الذي يحيط برقاب العشاق. كانت تلك التكايا ملاذًا لي، حيث غسلت روحي بمعاني الصوفية السامية، تلك التي جعلتني أرى ما وراء الظواهر، وأبصر العالم بعيون أعمق وأصدق.
من على متن سفينتي، التي كانت تبدو كقلعة متنقلة فوق المياه، بعثت برسائل حب إلى رشيدة، تلك المرأة التي كنت أهوى. رشيدة كانت بالنسبة لي خُرَم سلطان، أما أنا فكنت أرى نفسي السلطان سليمان، العاشق الذي بلغ به العشق أقصى الروح، لكنه أفضى به إلى أسوأ أحواله.
لكن حبي لرشيدة كان مختلفًا. لم يضيعني كما ضاع السلطان سليمان حين قتل ابنه من أجل عشق خُرَم. أنا قتلت الأنانية التي تسكنني، أنا الذي أبحرت بسفينتي الصوفية في أعماق ذاتي، لأبصر الحقيقة التي كان العشق يشير إليها دائمًا.
رشيدة لم تكن مجرد امرأة، بل كانت مرآة لرؤية نفسي بوضوح، مرآة أظهرت لي أن العشق الحقيقي ليس امتلاكًا، بل تذويبًا للذات في معنى أكبر، معنى يتجاوز الجسد والروح، معنى يقترب من الله.
وفي تلك الليالي التي كنت أخط فيها رسائلي، وسط صخب الأمواج وزئير الرياح، شعرت أنني لست وحيدًا، أن الحب الذي أكنه لرشيدة، وللأرض التي أنتمي إليها، وللبحر الذي يحملني، كان حبًا يعيد صياغتي كإنسان.
حين أنظر الآن إلى البحر الأسود، أو بحر سياه كما نسميه، أدرك أنني لست القبطان الذي يقود سفينة، بل عاشق يقود نفسه إلى أعماق الروح.
ما إن وطئت قدماي سطح السفينة، حتى تحولت إلى عسكري يحمل في عروقه إرثًا من أحفاد الانكشارية، أولئك الذين جُلبوا من بقاع أوروبا وهم أطفال، على دين يسوع، ثم أسلموا وأتقنوا الإسلام حتى صاروا من نخبة الجيوش العثمانية. كنت أحمل هذا الإرث، إرث العسكر الذين مزجوا بين الشجاعة والإيمان، لكنه لم يكن إرث الدماء فقط، بل إرث الطاعة للقدر الذي يقودنا حيث لا نشاء.
نداء البحر كان أعظم من أي نداء، كأنما هو أذان الفجر يجلجل في أعماقي، يردد "حي على الفلاح"، لكنه فلاح من نوع آخر، فلاح تغوص فيه بين الأمواج، وتتحدى فيه الرياح. كنت شابًا غِرًا، لا أجيد السباحة، لكني عشقت البحر كما يعشق العابد طريقه إلى الله.
ورغم عشقي للبحر، لم أستطع أن أتجاهل رشيدة. تلك المرأة التي كنت أظن أنني سأعود إليها يومًا، لكنني أدركت لاحقًا أنها كانت تبحث عن استقرار لم أستطع تقديمه. البحر كان زواجي الحقيقي، زواجًا لم أكن أملك خيار الفكاك منه. أما هي، فقد اختارت حياتها في البر، واختارت أن تعيش الحياة كما يجب أن تُعاش، بزواج هادئ ومستقر، بعيدًا عن العواصف والأهوال.
تزوجت الأمواج، قررت أن أهب روحي للقدر الذي ساقني إلى البحر، بينما اختارت رشيدة طريقها الذي لا يتقاطع مع طريقي. لم نكن نحن من اختار الدروب، بل القدر الذي كتبها لنا، القدر الذي يربطنا أحيانًا ويفرقنا أحيانًا أخرى.
وفي أعماقي، كنت أعلم أنني لن أكون سعيدًا لو اخترت حياة البر، فقد كانت الأمواج تناديني، والأهوال تغريني. كان البحر قدري، ذلك القدر الذي لم أستطع الهروب منه، والذي صنع مني الرجل الذي أنا عليه الآن.
...حتى أدركت أن البحر لم يكن يومًا مجرد ساحة معارك أو ممرًا نحو المجد، بل كان معلمًا صامتًا يُعيد تشكيل الروح كما تشكل الأمواج الصخور. أضواء القمر انعكست على سطح المياه كأنها درب من نجوم، تدعوني لأن أترك ورائي تاريخًا حافلًا بالصراعات، وأبدأ حكاية جديدة، أكثر صدقًا مع ذاتي.
تلك اللحظة التي جلست فيها على سطح سفينتي المهترئة، كانت كأنها صفحة بيضاء، مستعدة لأن أملأها بقصة مختلفة. جلست ممسكًا بالبوزق، وعزفت لحنًا بدا لي كأنه مزيج بين صوت الناي الذي سمعته عند الشاطئ وأناشيد التكايا التي كانت تحتضنني في إسطنبول.
لم يعد اسم "الظافر" يرمز إلى انتصاراتٍ في المعارك، بل إلى انتصار داخلي، على أهواء النفس ومخاوفها. أدركت أنني نجوت ليس لأنني بحّار ماهر أو مقاتل شجاع، بل لأنني وجدت في نفسي القدرة على سماع صوت داخلي يدعوني للسلام.
في تلك الليلة، أرسلت رسالة أخيرة إلى رشيدة، أخبرتها فيها أنني لن أعود كما كنت، أنني أصبحت شخصًا يرى في العشق طريقًا للحرية، لا للأسر. وعدتها أن أترك لها البحر كشاهد على حبنا، وأن أعيش متحررًا من الماضي، باحثًا عن مستقبل يصوغه الإيمان والسلام.
وفي الصباح التالي، ألقيت بالبوزق إلى البحر، ليس تخليًا عنه، بل تسليمًا لرسالة: أن الموسيقى، مثل الحب، ليست ملكًا لأحد، بل هدية للعالم، تُذيب الحواجز بيننا وبين ذواتنا.
وهكذا، أبحرتُ بسفينتي، لا كقائد، بل كعاشق عائد إلى منزله، حيث تنتظرني روحٌ وجدت نفسها في قلب المحيط.
لقد علمتُ في بحر حياتي أن الرياح لا تأتي دومًا كما تشتهي السفن. هكذا كان الحال، رغم أنني كنت قائدًا في أسطول السلطنة العثمانية، أحمل مجدًا في البحر وسمعة راسخة بين البحارة. لكن كل شيء، حتى الموجة العالية، يكون لها نهايتها.
كنتُ أعلم، مثل غيري، أن التاريخ لا يعترف بالضعفاء. فقد خضت البحار معركة خلف معركة، منذ أن كنتُ مع القائد الباشا، المخلص والصديق، في صفوف النصر تحت راية السلطان محمود. كانت السفن تمخر البحر الأسود في تحدٍ للخصوم، والسماء لا تعرف إلا عزائمنا. نغزو الأمواج كما يغزو النسر السماء.
لكن في زماني هذا، في زمن الاتفاقات والنظريات الباردة، تغير كل شيء. كانت باريس، كما يبدو، هي التي فرضت يدها على البحر الأسود. في يوم من الأيام، اجتمع ممثلو القوى الكبرى ليقرروا مصير البحر الذي عرفتهُ دماء أسلافي. أي ظلم! يقولون إننا، روسيا القيصرية ونحن العثمانيين، لا يمكننا أن نعود للبحر الأسود. كيف؟ كيف سمحوا بأن تنطفئ أضواء حضارتنا في موانئه؟
وكان لي شرف أن أواجه تلك المعركة، التي كان فيها التحدي أقوى من البحر نفسه. كنتُ قائدًا متمرِّسًا، لا يفزعني سوى الضعف. كنت قد تأثرتُ بجراح المعركة الأخيرة، لكنني، رغم كل شيء، كنتُ ماضٍ في طريق المقاومة. قلتُ في نفسي، "دوام الحال من المحال". ما كان اليوم قوة، قد يصبح غدًا ضعفًا، وما كان ضعفًا قد يصبح قوة.
وتساءلتُ وأنا أراقب سفينتي التي بدأت تتناثر منها قطرات بحرية مع كل عاصفة، هل سأعيش لأشهد تلك الأيام التي ستنهض فيها القوى العثمانية من رماد التاريخ؟ كنتُ أسمع صرخات القبطان العثماني في عيون كل بحار، سعيهم الحثيث للنجاة من الشواطئ الضبابية. لكنني كنت أستمر في التفكير أن هؤلاء البحارة، وهؤلاء القادة الذين تحكمهم القوانين الجائرة، يجب أن يتعلموا درسًا واحدًا: التدريب.
نعم، فالتدريب هو ما يبقيك في توازن مع الزمان. هو سرك لتواكب الواقع الذي قد لا يكون كما كان. كم من مرة أمضينا الأيام في غرق الفتن، بينما كانت أسلحتنا تضعف مع الزمن؟ لكن من أراد أن يظل مهيبًا وسط الزمان المتغير، يجب أن يتدرب دائمًا، ويظل في حالة استعداد، لا يهاب سطوة العالم.
إن البحر، مثل الزمن، لا يرحم.
في أواخر أيام حياتي، وسط أمواج البحر العاتية، تجولت في ذاكراتي أكثر من مرة، مستحضراً مشاهد سواحل البحر الأبيض المتوسط التي شهدت بدايات وانتصارات كثيرة، وكلما مر الزمن، توالت ذكرياتي عن ذلك البحار القبطان. كان رجلاً مسناً، على الرغم من التجاعيد التي أخفت قسمات وجهه، إلا أن هيبته كانت تبرز بين الرجال كما يبرز الجبل في سهل منبسط. كانت عينيه تلمعان بخبثٍ وسحرٍ غير مألوف، وقامته الممشوقة، التي تحمل عبء الأعوام، لم تخفِ عزيمته في البحر أو استراتيجياته المُحكمة.
لم يكن القبطان، كما يعتقد الناس، مجرد رجلٍ يعشق الرحلات البحرية وحروب البحر. فقد أشيع عنه بين البحارة أنه كان يُبغض النساء. لا أحد يعرف السبب، لكن الأقاويل كانت تنتشر، وتحدثت الألسن عن قلبه المتجمد الذي لم يتأثر بجمال أي أنثى على وجه الأرض. لكنني، وأنا أسترجع صورته في ذهني، اكتشفت شيئاً لم يكن أحد ليدركه. كان القبطان لا يُبغض النساء، بل كان يحب الغلمان. نعم، كان يجد فيهم الرفقة التي يفتقدها، وكان يعاملهم معاملة خاصة، مختلفة عن باقي أفراد طاقمه.
وقد تجسدت تلك القصص المتناقلة حوله، حينما تم تداول شائعات مفادها أنه إذا اختلى بأحد الغلمان على مركبه، فإنه يعمد إلى إسكاته بمشروب مسكر ثم ينال منه ما يشاء. لم يكن أحدٌ يتحدث عن تلك الحكايات علناً، فكل من حاول الاقتراب منه كان يجد نفسه في دوامة من الأقاويل التي تلتصق به كما يلتصق الطين بالجسم في مستنقع عميق.
أتذكر ذلك اليوم جيداً. كنت في أحد موانئ البحر المتوسط حينما لمحته بين الزحام، حيث كان يقف هناك، عينيه متربصتين، كما لو أن البحر ذاته يتآمر معه. كانت صورة القبطان التي رسمتها في خيالي، بناءً على الأقاويل القديمة، مختلفة تماماً عما رأيته. ظننت أنه سيكون قبيحاً، لكنني فوجئت بجماله. كانت سحنة وجهه تعكس ملامح القوة، وجسده المكتمل أشبه بالفارس الذي لا يشيخ. لم أستطع أن أرفع عيني عنه، رغم محاولاتي لتجنب الحديث معه. قيل لي، وكل من تحدث معه، إن قصةً جديدة ستولد حوله، تضاف إلى تلك القصص التي نسجها خيال الناس. كانت أسطورة القبطان لا تنتهي، وكان كل من يراه يعيش في دوامة من الحكايات التي تتشابك وتزداد غرابة.
مرت الأيام، وأنا أراقب، وأتأمل، وأحاول أن أفهم كيف أن هذا القبطان الذي لا يساوم في تجاربه البحرية، يمكن أن يحمل في قلبه حباً مختلفاً عن ذلك الذي عُرف به. لكنني في النهاية توصلت إلى حقيقةٍ واحدة: البحر لا يعترف بالأعراف، وكل من سافر في أعماقه يحمل معه عالماً خاصاً من القصص والأسرار التي لا يمكن للزمان أن يمحوها.
رأيت البحارة، إذا توقفت السفن عند المراسي، ينزلون بحماسة بحثاً عن النساء، كأنهم وجدوا فيهن ملاذاً من مشقات البحر وهموم الرحلة. لكن ذلك القبطان، على عكسهم، كان يقف ثابتاً عند أخشاب الموانئ العائمة، عينيه تراقب الأفق بترقبٍ غريب، وكأنما كان في انتظار شيء آخر، شيئاً لا يعترف به الكثيرون. كان ينتظر الغلمان، أولئك الذين لا تثيرهم رائحة البحر أو جمال النساء. كانت هذه التصرفات تتنافى مع العادات السائدة بين البحارة، فكيف يمكن لزعيم أن يتحلى بهذه السمعة، سمعة بعيدة عن التقاليد التي رسختها البحار؟
تساءلت بيني وبين نفسي، كيف قبل البحارة أن يكون قائدهم بهذا الموقف المشبوه، وكيف عاشوا مع هذه الحكايات التي تلاحقه أينما حل. ألم يتساءل أحدهم يوماً عن سر تصرفاته؟ لكنهم، كما يبدو، قد اختاروا إغماض أعينهم عن الحقيقة، بل ربما كانوا جزءاً من تلك الأسطورة التي ارتبطت به. كانوا يحترمونه ويخشونه في الوقت نفسه، مثلما يخشى الناس البحر، مهما كان هائجاً أو هادئاً.
أما أنا، فقد ظللت أتأمل في سكونه، ذلك القبطان الذي كان يختلف عن الجميع، الذي يبدو أنه يحمل في أعماقه أسراراً لا تكشفها الأمواج.
قررتُ أخيرًا، بعد أن أخذ مني البحر ما أخذ، أن أعود إلى حيث كان كل شيء. إلى أسطنبول، المدينة التي شهدت أولى خطواتي، حيث نشأت في أزقتها وبين أسواقها العتيقة. قررت أن أترك عالم البحار، ذلك العالم الذي لم يعطني سوى الشقاء، وأتوجه نحو حياة جديدة، حياة لم أكن أظن أنني سأعيشها أبدًا.
لقد بلغت من العمر عتيًا، والبحر قد أكل شبابي وابتلع عافيتي. سنوات من الرياح العاتية، والسفن التي كانت تخوض المعارك في البحر الأسود، والجنود الذين قُتلوا بأيدينا أو بأيدٍ من أعدائنا، وأصوات المدافع التي لن تغيب عن سمعي أبدًا. كل هذا كان يتناثر داخلي كأنني كنت في معركة لا تنتهي. والآن، بعد أن أثخنت المعارك جراحي، أصبح عليّ أن أواجه معركة أخرى، معركة من نوع مختلف.
قيل لي في النهاية: "عليك أن تترك السفن، وتصبح اباظة البري بدلاً من اباظة البحري." كلماتُهم هذه كانت ثقيلة على قلبي. كيف يمكنني ترك البحر؟ كيف يمكنني أن أنسى هذه الأمواج التي كانت دومًا صديقي ورفيقي في كل معركة؟ لكنني أدركت، وبكل صدق، أن البحر لا يعترف بالضعف، بل يحب القوة. وهذا ما قاله لي قلبي. القوة في التحمل، القوة في التكيف مع الزمن، والقوة في اتخاذ القرارات التي تُحدث تحولًا جذريًا في حياتك.
لقد اتخذتُ قراري، وقلتُ في نفسي: إن كان البحر قد أخذ مني الكثير، فعليّ أن أستعيد الحياة في مكان آخر. في البر. وبدأت أفكر في تلك المرأة التي لطالما حلمت بها، الزوجة الصالحة التي ستكمل لي نصف ديني، وتكون السند في رحلة جديدة بعيدًا عن أمواج البحر. سيكون لي منزل، وسأستمتع بحياة مستقرة بعيدًا عن الرعود والريح.
ستكون البداية صعبة، ربما. لكنني عرفتُ أنني لا أستطيع أن أظل في البحر إلى الأبد. يجب أن يكون لي شاطئ أستقر عليه، وحياة أعيشها بسلام بعيدًا عن المعارك والمخاطر. لقد قررت أن أكون اباظة البري، ذلك الرجل الذي سيتنقل في الأرض كما تنقلت السفن في البحر، ليكتب فصلاً جديدًا في حياته.
كانت حرب البلقان هي السبب الذي دفعني إلى العودة. كنت على متن طراد الحميدية، وأمواج البحر تعصف بنا كما كانت تعصف بكل شيء من حولنا. كانت الحرب ضارية، متشابكة كما هو حال المعارك التي خضناها سابقًا. أجزاء من الإمبراطورية العثمانية تمزقت أشلاء، وكل خطوة نخطوها كانت تجرنا أكثر نحو الضياع. كانت الآمال تتبدد والأرض التي كانت لنا تسقط واحدة تلو الأخرى، كأنها قطع شطرنج تدور في دوامة من الدماء والموت.
وفي وسط هذه الفوضى، كنتُ أذكر نفسي بما تركت وراءي: البلاد، العائلة، وتلك الأناشيد التي تعلمتها من مشايخ التصوف الذين رافقوني في سفرٍ داخلي طويل. كنت أغني أناشيد ابن عربي وجلال الدين الرومي ويونس إمره، تلك الأبيات التي كانت تنبع من أعماق روحي، محاولةً إضاءة الطريق في عالمٍ غارق في الظلمات. تلك الكلمات التي كانت تحملني بعيدًا عن واقع المعركة وألمها، إلى عالم من السكينة والتأمل. لكن سرعان ما كانت الرياح تعيدني إلى قسوة الواقع.
حرب البلقان كانت أقسى من أي معركة خضتها. ومع كل هزيمة كانت ترافقنا، كنت أدرك أن البحر، مثل الحياة، لا يعترف بالرحمة. لكنني تعلمت أن النصر لن يأتي أبدًا إلا بعد هزيمة مريرة. البحر مليء بالهزائم التي تسبق الانتصارات. ومن خلال تلك الهزائم، أجد ما يعطيني القوة للاستمرار، فما من انتصار حقيقي يُحس إلا بعد مرارة الفشل.
كان لابد لي أن أعود، أن أعود إلى أرض الوطن التي ابتعدت عنها طويلاً. تلك الأرض التي قد تمزقها الحروب، لكن قلبها لا يموت أبدًا. كان حان وقت العودة، ليس فقط لعودة الجيش العثماني المهزوم، بل لعودة اباظة، ذلك القبطان الذي شهد الهزائم والآلام، وعاش الانتصارات التي تكتسب طعمها من مرارة الخسائر.
لم أخترها بوعي كامل، أو ربما لم أخترها على الإطلاق. أحيانًا يكون القدر هو الذي يرسم طرقنا بأيدٍ خفية، يكتب على أكفنا مسارات لا نفهمها إلا بعد أن نمضي فيها. هي كردية، ابنة الجبال التي لا تنحني أمام الريح، وابنة صديقي في البحار، أزاد. ذلك الرجل الحر، الذي يعكس اسمه كل شيء فيه: لسانه طليق، يطلق النكتة كما يطلق السهام، ويداه كريمتان تعطيان بلا حساب.
شيريهان... ابنة أزاد. كانت شيئًا مختلفًا عن كل ما عرفته. ضحكتها كانت كصوت الأمواج عندما تهدأ بعد عاصفة طويلة، عيناها كمرآة لنهار لم أعهده منذ سنوات في بحر معتم. ربما لهذا السبب أخذتها معي إلى إسطنبول، المدينة التي لا تهدأ، والتي كانت في حاجة إلى بعضٍ من روحها المشرقة. الأكراد يمتلكون شيئًا لا تستطيع فهمه بسهولة: المرح الممتزج بالقوة، الدعابة التي تأتي من قلب صلب يعرف كيف يتحمل قسوة الحياة.
لم أكن أعلم أن شيريهان ستصبح نهار حياتي، النور الذي يمحو عتمة الليالي الطويلة التي قضيتها في البحار. النساء، كما أدركت أخيرًا، هن حلويات الوجود المغرية. لهن القدرة على تحويل العدم إلى حياة، والهزائم إلى فرص جديدة للابتسام. كنت أتذكر القبطان البريطاني الذي التقيته في إحدى الموانئ. كان ثملًا، يغني بصوت مبحوح، كلمات عن حبيبته التي قال إنها سلواه الوحيدة في هذا الوجود. يومها ضحكت في داخلي من حماقته، لكن الآن... فهمت معناه.
شيريهان لم تكن مجرد زوجة. كانت جزءًا من تلك الرحلة الطويلة التي قادتني من قلب البحر إلى قلب الحياة. علمتني أن المرأة ليست فقط شريكًا، بل هي مرآة ترى فيها كل ما تريد أن تكونه، وكل ما خفت أن تصبحه.
قال لي القبطان الهولندي عند إحدى مراسي ديار الهند الشرقية الهولندية:
"لا تفقد يا أباظة الأمل... أتدري لماذا؟ لأنك بحار، والبحّار يحتمل كل شيء، حتى الغموض والمجهول. استكشف المجهول في الإنسان كما تستكشف مجاهيل العالم وأنت على متن سفينتك."
كلماته حملت نبرة الحكمة التي تأتي مع التجربة، لكنها كانت مغلّفة بابتسامة غامضة، كأنها تحدٍ صامت لا أفهمه تمامًا.
كان هندريك رجلاً فريدًا. وجهه يحمل تفاصيل تناقضات الحياة: عيناه مشرقتان كأنهما تعرفان أكثر مما ينبغي، لكن شفتيه دائمًا تنحنيان إلى ابتسامة مرح، كأن كل شيء في الدنيا مجرد نكتة كبيرة. هل كان فيلسوفًا، أم عالمًا؟ أم ربما كان شيئًا بين الاثنين؟
أتذكره بوضوح، وهو يتحدث بروح تحمل مزاج البحار الحر الذي يعشق المجهول. كنت شابًا وقتها، أرى البحر كخصم يجب التغلب عليه، أما هندريك فكان يرى البحر كصديق مخلص يحمل أسرار الكون.
كلماته بقيت معي. ماذا كان يقصد بـ"استكشاف المجهول في الإنسان"؟ أهي دعوة للغوص في أعماق النفس البشرية، كما نغوص في أعماق المحيطات؟ أهو تلميح إلى أن الإنسان، مثل البحر، قد يبدو هادئًا على السطح، لكنه يخفي تيارات وأعماق لا نهاية لها؟
لم أفهم يومها عمق كلماته، لكن مع مرور السنين، أدركت أن هندريك لم يكن يتحدث عن البحر فقط، بل عن الحياة نفسها. كان يدعوني، بابتسامته تلك، إلى مواجهة المجهول، لا بالخوف، بل بالشجاعة والرغبة في المعرفة.
القبطان هندريك... رجل علّمني أن الغموض ليس عدوًا، بل هو رفيق الرحلة.
أضاف القبطان هندريك قائلاً لي، بنبرة مشحونة بالحماسة، كأنما يكشف لي عن أحد أسرار الكون:
"من اكتشف قارة أمريكا أو أستراليا كان يحمل شغفًا متأججًا، وحلمًا يضيء الطريق أمامه. كان في داخله حب للحياة، وللغموض الذي يلفها. لولا هذا الحب، لما تجرأ أحدهم على طرق المجهول."
ثم صمت للحظة، قبل أن يتابع بابتسامة واثقة:
"الإيمان بشيء ما، يا أباظة، هو ما يدفع الإنسان لاقتحام الحصون، حتى لو كانت خطرة أو مستحيلة."
كانت كلماته كالريح التي تدفع السفينة نحو آفاق جديدة. رأيت في عينيه صورة ذلك المكتشف الذي يحمل خريطة غامضة في يده، ونجمًا هادئًا في قلبه. فكرت في كولومبوس الذي عبر المحيطات بحثًا عن عالم جديد، وفي كوك الذي طاف أستراليا بشغف المغامر. هل كانوا يملكون يقينًا بأنهم سينجحون؟ أم كان شغفهم بالحياة أكبر من أي خوف؟
تلك الكلمات جعلتني أعود إلى نفسي، أتساءل: ما الذي يدفعني أنا؟ أهو حب البحر، أم تحدي المجهول؟ أم أنني، كغيري من البحارة، أبحث عن شيء لا أستطيع تسميته؟
هندريك، بابتسامته التي تبدو سهلة لكنها تخفي أعماقًا، علّمني درسًا بسيطًا ولكنه بالغ الأثر: الحياة تحتاج إلى حب وشغف، تمامًا كما يحتاج البحر إلى الريح. بدون هذا الشغف، يصبح كل شيء مجرد بحر راكد بلا أمواج.
في أحد موانئ مرسيليا، وبين صخب البحارة ونغمات الأغاني المتداخلة مع هدير البحر، التقيت بامرأة فرنسية. لم تكن كغيرها، كانت تحمل في مشيتها أناقة مدينتها، وفي عينيها وهجًا يخبرك أنها ابنة باريس. تحدثت معي وكأنها تعرفني منذ زمن طويل، قالت بصوت ناعم، لكن واثق:
"أيها التركي، أنعم النظر في الوجود، تجد ما تريد! لا تشيح بوجهك عما تريد، واطلب المحال إن شئت."
كلماتها أثارت في داخلي شيئًا غريبًا، كأنها تحثني على البحث عن معنى أعمق في كل شيء، حتى في أمواج البحر التي قضيت حياتي أبحر فوقها. كانت امرأة استثنائية، تجمع بين جمال الفكر وأناقة المظهر. أخبرتني عن عشقها للصالونات الأدبية في باريس، وعن قصص الحب الخالدة التي سمعتها، وأبدت اهتمامًا خاصًا بعشق السلطان سليمان وخرم سلطان.
كانت تكتب بلغتها الفرنسية، التي لم أكن أجيدها تمامًا. ورغم أن البحر علمني لغات كثيرة، إلا أني كنت أعجز عن فك رموز الحروف التي تنساب منها كأنها موسيقى. كتبت عن الحب كأنها تحياه بكل ذرة في كيانها، وسألتني مرة:
"هل تحبني كما أحب السلطان سليمان خرم سلطان؟"
سؤالها كان يتردد في ذهني كلما رأيتها. هل كانت تطلب حبًا أبديًا؟ أم أنها تخشى أن تعترف بحبها لي لأنها كانت تكبرني سنًا؟ عجيب أمر النساء، كلما تقدمن في العمر ازددن جمالًا وعمقًا.
في تلك اللحظات، شعرت أنني أريد الهروب من الوقت. كنت أرغب في الاحتفاظ بها، كما هي، بأناقتها الباريسية وروحها المتوهجة. لكنها كانت كالريح، لا يمكن الإمساك بها.
أتراها أرادتني أن أكون حكايتها، كما كانت حكايات الحب تسكن دفاترها؟ أم أنها كانت ترى في البحر امتدادًا لروحها، تلك التي لا تعرف الحدود ولا القيود؟
بينما كنت أجول في أطراف العالم، التقيت بشخصيتين يابانيتين، وكأنهما وجهان لعملة واحدة، لكنهما يرويان قصتين مختلفتين تمامًا عن معنى الحياة والوجود.
الأول، كان ناسكًا بوذيًا، يعيش بهدوء يشبه النسيم. لم يكن يتحدث إلا قليلًا، وكأن كلماته أثمن من أن تُنفق بلا داعٍ. كان يأكل بتقشف، ويعيش حياة بسيطة أقرب إلى الزهد. بدا لي كمرآة تعكس تعاليم بوذا في المحبة والتسامح. كان يردد: "الحرب شَرٌّ يفسد الإنسان وأخلاقه. لا تنمو الأرواح في ساحات القتال، بل تذبل هناك."
أما الثاني، فكان على النقيض تمامًا. ياباني آخر، لكنه محارب بالفطرة، يحمل في عينيه بريقًا من الحماسة والرغبة في إشعال نار الحروب. كان يقول لي بفخر: "الحرب ليست شرًا كما يعتقد الناس، بل هي معلم عظيم. تعلمنا قيمة الحياة، وتجعلنا ندرك أننا لن نتقدم خطوة واحدة إن لم نقاتل."
جلست بينهما، أستمع إلى حديثيهما، وكأنني في مجلس يجمع بين الحكمة والصخب. تساءلت: من منهما على حق؟ أهو الناسك الذي يرى في السلم خلاصًا للإنسانية؟ أم المحارب الذي يؤمن بأن التقدم لا يتحقق إلا عبر المواجهة؟
ربما، كما هو البحر الذي علمني أن التوازن بين العاصفة والسكون هو سر النجاة، فإن العالم يحتاج إلى كلا الوجهين ليجد طريقه. لكنني، وأنا أسطر هذه الكلمات، أجد نفسي أميل إلى هدوء الناسك، إلى صوته الخافت الذي ينشد المحبة، كأنما يقول: "الحياة أقصر من أن تُهدر في الحروب، لكنها أطول حين نعيشها بسلام."
حين حطت قدماي على البر، بعد سنوات طويلة من الترحال بين الأمواج، قررت أن أُفرغ شتات روحي على الورق. جمعت في دفاتري قصص البشر الذين قابلتهم، حكاياتهم، أحلامهم، وآلامهم. كنت أحلم بعالم يجتمع فيه الجميع، بمختلف ألوانهم ولغاتهم، في مكان واحد، لا لينقسموا بالحروب، بل ليتوحدوا بتبادل الأفكار والآراء.
البحر علّمني أن التنوع في الأعماق هو ما يمنح الحياة جمالها وسرها. ومع ذلك، ما رأيته على البر كان قاتمًا. حربان عالميتان أزهقتا أرواح الملايين، ودمرتا ما كان من الممكن أن يكون جسورًا بين الشعوب. رأيت مدنًا تحترق، وسمعت صرخات لا تزال تطاردني في أحلامي.
لكن، وسط الدمار، أدركت درسًا لم يعلمنيه البحر: البشر قادرون على البناء بعد الانهيار، وعلى التفاهم بعد الخصام. نحن بحاجة إلى أن نبحث عن نقاط الاتفاق أكثر من أن نتشبث بأسباب الاختلاف.
والآن، مع انتهاء هذه المذكرات، أترك كلماتي شاهدة على زمن كنت فيه شاهدًا على الجمال والبشاعة، على الحب والكراهية، وعلى الأحلام التي تستحق أن تُعاش.
ربما لن تُقرأ هذه الصفحات أبدًا، وربما لن تغير شيئًا في العالم. لكنني كتبتها لتكون شاهدًا على روح بحار آمن دومًا بأن الإنسانية قادرة على صنع السلام، إن هي أرادت ذلك حقًا.
النهاية






ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق