بحث هذه المدونة الإلكترونية

الثلاثاء، 31 ديسمبر 2024

ضابط من بغداد: بين الرماد والنار



"ضابط من بغداد: بين الرماد والنار"


عندما أكتب هذا الآن، بين خيمةٍ وسماءٍ مفتوحة في أرضٍ لم أكن أحسب أنني سأدعوها ملجأً، تعود بي ذاكرتي إلى تلك الليلة المشؤومة من أغسطس 1990، عندما خُطَّ القدر بقرارٍ واحد، غزونا فيه جارنا الصغير.

كنتُ آنذاك ضابطًا في الجيش العراقي، سعدون فضل الله، رجلًا تعلّم أن الولاء للوطن لا يعني السكوت على الخطأ. تربّيت بين جنبات العراق، وانتهيت طالبًا للعلم في بريطانيا، حيث درست العلوم السياسية. هناك تعلمتُ عن القانون الدولي، عن حقوق الشعوب وحدود الدول، وعن معنى أن تكون قوّتك جيشًا حاميًا لا سيفًا مُسلَّطًا على رقاب الجيران.

لم تمضِ سنواتٌ كثيرة على عودتي إلى العراق حتى ساقتني الأقدار إلى لحظةٍ كنت أتمنى ألا أعيشها. أمرنا صدام حسين بالاستعداد للهجوم، وقال بصوته الجهوري وهو يخطب فينا: "الكويت سرقت نفط العراق، ونحن نأخذ حقنا!" بدا للجميع أن هذه ليست كلمات رئيس، بل إعلان رجل غاضب، عَمِد إلى القوة ليعالج الخلافات. لم يكن الأمر بحاجة إلى تحليل. كنت أعلم أن ما نفعله جريمة بحق الكويت، بحق العراق، وبحق الإنسانية.

انطلقت قواتنا نحو الحدود، ودخلنا الكويت عند الفجر. كانت السماء غائمة، والهواء ساكنًا. بدا وكأن الطبيعة تحبس أنفاسها. تقدمت دباباتنا وجنودنا، ولم يدم الأمر طويلًا حتى سقطت العاصمة. كنا نمرّ بالشوارع، نشاهد الخوف في أعين الكويتيين الذين خرجوا لمواجهة المحتل بلا حولٍ ولا قوة. احتلت الكويت، وأُعلِنَت محافظة عراقية.

كنت أراقب المشهد بصمت، قلبي ثقيل كما لو أنني أحمل أوزار أمة بأكملها. كان يُفترض أن تكون الكويت جارًا نحميه لا نعتدي عليه. وكل ما تعلمته عن احترام القانون الدولي بدا وكأنه تلاشى تحت وطأة طموحات صدام الطائشة. شعرتُ بأنني أعيش في تناقض كبير: أُمثّل نظامًا يرفع شعار العلمانية بينما هو ينتقي منها ما يخدم مصالحه فقط. صدام كان يستخدم العلمانية كغطاءٍ لحكمٍ استبدادي، لا يطبقها إلا بقدر ما تدعم سلطته المطلقة.

وفي داخلي كنت أسأل نفسي: كيف أمكن لشخصٍ مثله أن يُحوِّل العراق إلى أداة غزو وتدمير؟ كنتُ أحلم أن أطبق ميثاق الأمم المتحدة، أن أكون جزءًا من عالمٍ يحكمه العدل والقانون، لكنني وجدت نفسي في جيشٍ يحتل دولة شقيقة باسم "القومية العربية".

لم أعد أحتمل. كنت أشعر بأن وجودي في الجيش مشاركة في جريمة كبرى. وعندما بدأت الأمور تسوء مع تصاعد التوتر الدولي، واشتداد الحصار على العراق، قررت الفرار. لم أكن أريد أن أكون جزءًا من حربٍ تُدمّرنا قبل أن تُدمّر الآخرين.

هربتُ من الجيش، وعبرتُ الحدود نحو السعودية. كنت أعلم أن خطوتي تعني خيانة في أعين النظام، لكن بالنسبة لي، كانت ولاءً لما تبقى من مبادئي. عندما وصلت إلى الأراضي السعودية، وجدت كرمًا لم أتوقعه. لم يُعاملني أحد كخائن أو كعدو، بل كإنسانٍ يبحث عن ملاذٍ من جحيم الحرب.

واليوم، بين رياح الصحراء التي تهبّ على وجهي، وبين لحظات التأمل الطويلة، أدركت كم كان ذلك القرار شجاعًا وصائبًا. لقد خسرتُ مكانتي في الجيش، وربما وطني العراق، لكنني كسبتُ نفسي، وهذا أعظم انتصار.


ولدتُ في العراق، ذلك البلد الذي كثيرًا ما قيل عنه إنه "مهد الحضارات"، لكنني رأيت بعيني كيف تحوَّل مهد الحضارات إلى مسرحٍ للاضطرابات. رأيت العراق وهو يخطو خطواتٍ عملاقة نحو المستقبل، ورأيته أيضًا يسقط في دوامةٍ من الفوضى والدماء.

كانت البداية عام 1958، عندما أعلنت الجمهورية العراقية بعد الإطاحة بالنظام الملكي. بالنسبة لكثيرين، كان هذا يومًا يُفترض أن يكون فجرًا جديدًا للعراق. لكن بالنسبة لي، عندما قرأت وسمعت عن تلك المرحلة، رأيت أن ذلك الفجر كان مُلطخًا بالدماء. اغتيال الأسرة المالكة في قصر الرحاب كان صدمةً للعراق، خاصةً أن الملك فيصل الثاني، الشاب الطيب الذي لم يبلغ بعد قمة طموحه، كان يرى في العراق حلمًا جميلًا أراد أن يبنيه.

العراق الملكي، رغم كل الانتقادات التي وجهت إليه، كان زمنًا من الاستقرار والبناء. كان العراق ملكية دستورية تسعى للتطور، وتبني الدولة الحديثة. الملك فيصل الأول، مؤسس الدولة العراقية الحديثة، ترك بصمته في إنشاء المؤسسات، وبناء جيش وطني، ووضع اللبنات الأولى لدولةٍ كان يُمكن أن تصبح نموذجًا يُحتذى به في الشرق الأوسط.

لكن مع سقوط الملكية، بدأ عهد جديد، عهد الانقلابات والصراعات على السلطة. بدأ العراق يتحول إلى ساحةٍ لتصفية الحسابات، حيث الرؤساء يُطيحون ببعضهم البعض. عبد الكريم قاسم أزاح فيصل الثاني، ثم أُطيح به على يد عبد السلام عارف، الذي لم يلبث أن قُتل في حادث طائرة غامض. ومع كل تغييرٍ في القيادة، كان العراق يغرق أكثر فأكثر في دوامة من عدم الاستقرار.

ثم جاء صدام حسين، الرجل الذي لم يصل إلى السلطة إلا بعد أن وضع رئيسه أحمد حسن البكر في إقامة جبرية. كان صدام صورةً للسلطة المطلقة. بنى العراق على قوته الشخصية، وأدار الدولة بقبضةٍ من حديد، مستخدمًا القمع والخوف كأدواتٍ للحكم.

لكنني عايشتُ العراق في زمنين. في زمنٍ كان فيه العراق قويًا ومزدهرًا، عندما كانت بغداد تُعرف بأنها عاصمة الثقافة والعلم. كنت أشاهد الجامعات تعج بالطلاب، والشوارع تفيض بالحياة، والاقتصاد يزدهر بفضل النفط. كانت هناك لحظاتٌ شعرت فيها أن العراق على أعتاب نهضة حقيقية.

ثم جاء زمن الجفاف، ليس جفاف المياه، بل جفاف الأحلام. الحروب أنهكت البلد، من حرب إيران إلى غزو الكويت، ثم الحصار الذي أحال العراق إلى ركام. أصبحت الشوارع خالية من الأمل، والمؤسسات خالية من الإبداع. كان العراق يجمد شيئًا فشيئًا، وكأن روحه تُسحب منه.

لا أزال أذكر كل تلك المراحل. رأيتُ العراق وهو يبني نفسه، ثم يهدم ما بناه بيديه. العراق ليس مجرد بلد، إنه ملحمة تروي قصة شعبٍ عاش بين الحلم والخيبة، بين العطاء والخسارة، وبين الازدهار والانهيار.

رأيت نفسي في قصة رشيد عالي الكيلاني، ذلك الرجل الذي وجد ملاذه في أرض الكرم والشهامة، السعودية، بعد أن ضاقت به بغداد تحت وطأة الثورة. لجأ إلى الملك عبدالعزيز، الذي وقف في وجه المطالب البريطانية بتسليمه، وقال بفخرٍ وشجاعة: "لا يُسلَّم من استجار بنا." كان ذلك موقفًا نبيلًا، موقفًا أعاد لي بعض الأمل في أن للكرامة والإنسانية مكانًا في عالمٍ أصبح فيه الولاء للقوة فقط.

لكنني لم أكن رشيدًا، ولم أكن في زمن الملك عبدالعزيز. كنت في عراق صدام، حيث أصبحت بغداد مدينة من التماثيل، صنمًا تلو الآخر يطوّق المدينة وكأنه يُذكّرنا جميعًا بمن يسيطر على أرواحنا وعقولنا. تماثيل صدام كانت في كل زاوية، في كل ميدان، تُراقبنا بصمتٍ مخيف، وكأنها أعين الاستخبارات التي لا تنام.

كانت العقول مُلغّمة بأفكار القائد. كل شخص بات مشروع جاسوس، كل كلمة تُقال تُفسر، وكل نظرة تُشكك. بغداد، التي كانت يومًا زهرة المدائن، أصبحت مدينة خانقة، مدينة تسكنها الأشباح والخوف. لم أعد أحتمل.

هربت. تركت العراق كما ترك الكيلاني بغداد، لكنني لم أجد ملاذي في السعودية، بل عبرتُ البحار، ووصلتُ إلى لندن. لندن، التي طالما كانت بالنسبة لي مدينة الحرية والعلوم، أصبحت محطة حياتي الجديدة. وقفتُ على شوارعها أتأمل، أتنفس هواءً خاليًا من التماثيل ومن الخوف، لكن شيئًا ما في داخلي كان ثقيلًا. كيف لي أن أترك وطني؟ كيف لي أن أترك بغداد، حتى وإن كانت مدينة الموت؟

عدتُ بعد سنوات، لكنني لم أعد إلى بغداد التي أعرفها. عدتُ إلى ما يمكن تسميته بـ"خرابة المدائن". بغداد التي غادرتها كانت مليئة بالضجيج، الحياة، حتى وإن كان ضجيجًا مُرتبكًا. لكن بغداد التي عدتُ إليها كانت بلا صوت، بلا روح. الشوارع التي عرفتها أصبحت مليئة بالأطلال، والمباني التي أحببتها باتت كأنها شاهدة على حربٍ لم تنتهِ.

اليوم، وأنا أسترجع تلك الرحلة، أدرك أن صدام لم يُلغّم فقط العقول، بل لغّم الوطن كله، لغّم الروح العراقية، وجعل كل حجر وكل زاوية تعيش في خوفٍ دائم. ومع ذلك، يبقى الوطن محفورًا في قلبي، حتى وإن كان مليئًا بالتماثيل والأطلال.

عدت إلى العراق بعد الاحتلال الأمريكي، وعدت كما يعود الراكض في الحلم إلى مكانه الذي تاه منه، لكنني اكتشفت أن ما كان يُسمى العراق لم يعد هو نفسه. كان الظلام يحيط بكل شيء، والأنقاض تملأ المكان. دُمرت المؤسسات، وتقطعت أوصال الدولة التي كانت يومًا رمزًا للقوة والمجد. صدام حسين، الذي كان في يوم من الأيام صورة تُعلق في كل زاوية، تحوّل إلى رمزٍ آخر: صورة محكوم عليها بالإعدام، وأصبح مصيرنا معلقًا على محاكمة مسرحية لم تزد عن كونها فصولًا من عذاب إضافي. هل كان يستحق الإعدام؟ لم أعد أعلم. فقد كان حكمه كما سائر حكام المنطقة، محاطًا بالموت والفوضى.

لكن الإعدام لم يُنهِ معاناتنا، ولم يكن سوى بداية للخراب الأكبر. فجأة، أصبح العراق ساحة للقتال، وملاذًا للأعداء الذين لا يعرفون سوى الدماء. ظهرت لنا القاعدة التي كانت تزرع التفجيرات وتنهب الأرواح، وتمزق وطننا. وفي قلب هذا التمزق، انفجرت الطائفية، الكراهية التي زرعها الصراع بين الشيعة والسنة. لم تعد هناك حدود بين ما هو عراقي وما هو غير عراقي، وصار العراقيون جزءًا من لعبة القوى الدولية، بين إيران التي تصدر ثورتها وتقف على أعتاب العراق، وبين الدول الأخرى التي لا تهمها سوى مصالحها.

إيران، تلك الدولة التي ترفع شعارات الثورية والنضال ضد الاستكبار، أصبحت تصدر ثورتها لنا،  متوغلة في أراضينا كما لو أنها صاحبة الحق في تصفية حسابات المنطقة. بينما العراق، الذي كان يُعد القوة الأكبر في المنطقة، يصمت في وجه الزحف الإيراني.

كانت الوحدة بين العراق وسوريا حلمًا طواه الزمن. رفض صدام حسين، الذي كان يُصوَّر كرمزٍ للأمة العربية، كل دعوة للوحدة مع سوريا. كان يتخوف من أن تكون تلك الوحدة تهديدًا لسلطته، فاختار العزلة عن السوريين، والتمسك بحلمٍ قومي عميق كالأشباح التي تطاردنا من زمنٍ مضى. رغم أن هناك من كان يرى في هذه الوحدة فرصة للنجاة من التحديات الإقليمية، إلا أن الأنظمة كانت تركز على العروش بدلًا من الشعب.

اليوم، وأنت ترى كيف تقطعت أوصال العراق، تلتقط جراحاته التي لا تُشفى، تتساءل عن ما الذي تبقى من الوطن. الناس يفرون إلى كل مكان في العالم، إلى الغرب بحثًا عن الأمل، بينما يبقى الشرق الأوسط مقبرة للأحلام. لا أحد ينجو هنا. نحن نعيش في مسرحٍ مهيبٍ من الدماء والموت. الجميع يقاتل لأجل شرفه، لكنه لا يعرف شرفًا في ظل هذه الحرب.

العراق، الذي كان يومًا مهدًا للحضارات، أصبح ساحة موت ودمار. سوريا، مصر، لبنان، جميعهم جاؤوا إلينا ليبحثوا عن الخلاص، وها هي المنطقة تغرق في وحل الفوضى. وكلما اعتقدنا أننا قد وصلنا إلى الحافة، ظهر لنا عدو جديد. أحيانًا كان العدو يحمل السلاح، وأحيانًا كان يحضر بصمتٍ مزعج، يحمل معه الطائفية التي زرعتها الأيدي الخفية في أرضنا.

في زمنٍ مضى، كانت فكرة العراق وسوريا موحدة حلمًا في عيوننا، حلمًا أشرق بفكرة البعث. اليوم، تحولت الأحلام إلى كوابيس، والآمال إلى رماد. ولأول مرة في حياتي، أفهم لماذا ضاع العراق وضاع حلمه. ربما كان الفشل في أن نكون جزءًا من وحدة حقيقية هو سببًا رئيسيًا في ذلك. 

 

في يومٍ غير بعيد، وقفتُ أمام مرآة الوقت أتأمل التحولات التي تمر بها الأمم والشعوب. كنت أبحث في عمق التاريخ، حيث كانت الدولة كما يعرفها الجميع ترتكز على أساسيات أخرى، أساسيات قديمة، بائدة، لا تتماشى مع فكر العصر الذي نحن فيه. كان في ذهن سعدون فضل الله هذا السؤال المحير: كيف يمكن لجماعات دينية مثل "داعش" أن تخرج في هذا الزمان، وتصر على العودة إلى عصورٍ تجاوزها التاريخ بكثير؟

شعرت بحسرة في قلبي وأنا أتأمل هذه الظاهرة الغريبة. كيف يمكن لأولئك الذين يرفعون راية الدين أن ينكروا ما تحقق للبشرية من تقدم؟ كيف لهم أن يتجاهلوا أن الدولة الحديثة لا تُبنى على أسس دينية ضيقة، بل على قيم من المساواة والعدالة والمشاركة؟ تلك القيم التي جعلت من الإنسان، بغض النظر عن دينه أو عرقه، شريكًا في بناء وطنه، شريكًا في صياغة مستقبله. الدولة الحديثة هي تلك التي تضمن للجميع حق المشاركة في صنع القرار، دون أن يكون هناك مكان لعناصر متطرفة تشوه العدالة بشعارات قديمة لا مكان لها اليوم.

كان الحديث عن العلمانية يثير حفيظة الكثيرين ممن يظنون أنها ضد الدين. لكن سعدون فضل الله كان يعلم أن هذا ليس صحيحًا. علمانية هي ليست نقيضًا للدين، بل هي الحارس الذي يحمي الدولة من أي تطرف قد يهدد استقرارها. هي النظام الذي يضمن للديانات أن تعيش جنبًا إلى جنب في سلام، ويضمن للأقليات أن تكون لها حقوقها دون أن تتعرض للاضطهاد. أن تكون الدولة محايدة في شؤون الدين ليس لأن الدين عدو لها، بل لأن ذلك هو الأساس لبقاء الدولة قوية، عادلة، ومتماسكة.

في قلبي، كان هناك شعور عميق بأننا لا يمكن أن نرجع إلى الوراء. نحن في القرن الواحد والعشرين، حيث تطورت الدول وتبدلت. الدول الحديثة قد تخلت عن النظام الذي كان قائمًا في العصور الوسطى، حيث كانت السلطة السياسية والدينية مختلطة، وحيث كان هناك شخص واحد يمتلك الحق في الحكم وتقرير مصير الجميع. الزمن قد تغير، والشعوب قد تقدمت، والعالم يثبت يوماً بعد يوم أن الدولة التي تقوم على العدالة والمساواة لا تقتصر على الدين أو العرق، بل تكون مفتوحة للجميع، تحت حماية قيم العلمانية التي تضمن استقرارها.

وهكذا، ظل سعدون فضل الله يتأمل ما يحدث حوله، يتساءل كيف يمكن للبعض أن يغفل عن هذه الحقائق. لكن الأمل كان لا يزال ينبض في قلبه. ففي النهاية، كان يعلم أن طريق التطور هو الطريق الذي لا عودة عنه.

 

في الزمان الذي كنت أبحث فيه عن فهمٍ عميق للوجود، كان لي لقاء مع الحقيقة، وهي تلك الحقيقة التي، وإن كنا لا نراها في وجهها الصريح، إلا أننا نستشعرها في كل خطوة نخطوها في دروب الحياة. كنت أسير بين معالم مدينتي التي، كما بدا لي في ذلك الوقت، قد تشبعت بكلّ الأفكار والآراء من مختلف الأزمان. في زوايا تلك المدينة، حيث يتنازع الحُلم والخوف في أفق الفكر، كنت أفكر في معنى الدولة، في ماهيتها، في كيف نعيش فيها كأفراد، وكيف يختلط فيها دم المساواة بالظلم.

تعود بي الذاكرة إلى أيامٍ مضت، حينما بدأ التغيير يحوم في الأفق، محملاً بأفكارٍ وعقائد كانت تُردد على لسان كثيرين، تُنادي بتطبيق الشريعة كدستور، وحكمٍ يبدأ وينتهي عند القيم الدينية. كان هؤلاء الذين يرفعون رايات الجهاد قد وصلوا إلى معاقلهم في الزمان، زاعمين أن ما يطرحونه هو العودة إلى الأصالة، العودة إلى ماضٍ طواه الزمن، ماضٍ لم يعد يناسب العصر الذي نعيش فيه. كان هذا الصراع في داخلي – صراع بين البقاء على القديم الذي يعرفه الجميع، وبين القبول بما تقتضيه الدولة الحديثة من مفاهيمٍ جديدة، لا مكان فيها للانغلاق على فكرة واحدة.

كانت تلك الجماعات التي ظهرت، كداعش، تجسّد رغبةً مدمرة في محو كل شيءٍ حديث، وكل فكرة تنادي بحقوق الإنسان، بالعدالة والمساواة. كانوا يريدون العودة إلى قيمٍ أكل عليها الدهر وشرب، إلى زمانٍ كان فيه من يملك القوة يفرض أفكاره، بينما لا مكان فيه للحرية الفردية أو العدالة الاجتماعية. وكأننا نعود بذاكرة الشعوب إلى عصرٍ ساد فيه الاستبداد، وسكن فيه السيف على الرقاب.

لكنني، بصفتي من درس العلوم السياسية، كنت أعلم جيداً أن الدولة الحديثة لا تقوم على قيم دينية أحادية، بل على المساواة، والعدالة، والمشاركة. دولة تحترم جميع أديان ومعتقدات شعوبها، وتضمن لهم حقوقهم، بغض النظر عن خلفياتهم الدينية أو العرقية. الدولة الحديثة هي التي تؤمن بمبدأ حياديتها، تلك الحيادية التي تعني حماية حقوق الجميع دون التمييز بينهم. فالدولة لا يمكن أن تكون طرفاً في نزاعٍ ديني، بل هي الحامية لجميع الأطراف، بما فيها الأقليات، من أي نوع كان.

لطالما كنت أقول للذين لا يفقهون معنى "العلمانية" – ذلك المصطلح الذي يثير رعب الكثيرين – إن العلمانية ليست نقيض الدين، بل هي الدرع الذي يحمي الدين. العلمانية ليست رفضًا للديانة، بل هي حماية لها من تدخل السياسة فيها. إنها النظام الذي يضمن أن تكون الدولة قوية، عادلًة، وواقفة على مسافة واحدة من الجميع.

قد يظن البعض أن العلمانية تعني العداء للدين، ولكنهم في الحقيقة لم يفهموا جوهرها. العلمانية هي فصل بين الدين والدولة، لكن دون أن تُقلل من احترام الدين ذاته. هي نظام يضمن للجميع، من مختلف الأديان والعقائد، أن يعيشوا بسلام، دون أن يفرض أحدٌ رأيه على الآخر. فالدولة الحديثة، في جوهرها، هي بنيةٌ تقوم على فسيفساء من البشر، يتداخل فيها العرق والدين والفكر. وكل فرد فيها، مهما كان لونه أو معتقده، له مكانه الذي لا يمكن لأحدٍ أن يسلبه.

أعلم تمامًا أن كثيرين قد لا يعجبهم حديثي عن العلمانية، وقد يظنون أنني أغرد خارج السرب. ولكن، ومع تقدمي في الحياة، وتلك التجارب التي مررت بها، أقول لهم: لن تكون الدولة دائمة ولا قوية إلا إذا كانت تحترم المساواة. ولن تحيا الشعوب في سلام إلا إذا تخلت عن فكرة الدولة الدينية التي كانت سائدة في العصور الوسطى. نحن في القرن الواحد والعشرين، ومن الخطأ أن نعيش على ذكريات الزمن البعيد.

 

في لحظةٍ من تاريخ الشرق الأوسط، وفي قلب إيران العريقة، انفجرت الثورة الإيرانية، وبدأت تتشكل صورة جديدة لأمةٍ كانت تعد نفسها رائدةً في الحضارة والتقدم. كانت الثورة في بداياتها، كما يعرفها كثيرون، حركة شعبية عميقة الجذور، تُنادي بالحرية، بالعدالة، وبالتغيير الجذري. انطلقت تلك الثورة، بكل قوتها، من شوارع طهران ومدن إيران الكبرى، حيث كانت تجمع أطياف المجتمع الإيراني بمختلف خلفياتهم السياسية والدينية، من يساريين إلى إسلاميين، من طبقات فقيرة إلى طبقات مثقفة. كان الشعار الأكبر في تلك اللحظات: "إيران حرة، إيران عادلة".

لكن سرعان ما اكتشفنا، نحن الذين كنت أراقب عن كثب، أن الأمور لم تكن كما تبدو. الثورة التي قامت على أسس الحرية والمساواة سرعان ما انحرفت عن مسارها. كان هناك شيء ما في هذا التغيير، شيء غير مرئي كان يتشكل في الظلال. إذ تحولت تلك الثورة، التي كانت في البداية حلمًا جماعيًا للناس، إلى ثورة دينية خالصة، وكان زعيمها الجديد، آية الله الخميني، هو من سحب البساط من تحت أقدام جميع القوى الثورية الأخرى. أصبح هو الحاكم الأوحد، وابتكر فكرة ولاية الفقيه.

أتعجب حقًا حينما أتذكر ذلك اليوم الذي بدأ فيه الخميني يروج لفكرة ولاية الفقيه، تلك الفكرة التي لم تكن في بداية الأمر سوى مصطلح ديني يُستخدم في سياق الشؤون الدينية والشرعية، ليصبح فجأةً ولاية سياسية شاملة، تتحكم في مصير الدولة والشعب. كان هذا التحول، في أعيننا، تدميرًا لروح الدولة الحديثة بكل معانيها. من دولةٍ تقوم على المبادئ المدنية والعدالة والمساواة، إلى دولة دينية تتزعمها مؤسسة دينية واحدة، تستولي على السلطة بشكل مطلق، وتُلغى بذلك كل المعايير الحديثة التي كنت أؤمن بها.

كان في ذلك اختراعًا دينيًا في صورة حكم سياسي، أسس لنظامٍ استبدادي يقمع الحريات ويفرض إرادة رجل واحد على الجميع. كيف يمكن أن يكون لمثل هذا النظام مكان في القرن الواحد والعشرين؟ كيف يمكن أن نسمح لمفهومٍ ديني أن يطغى على فكرة الدولة الحديثة التي تحترم الجميع بغض النظر عن معتقداتهم؟ ولاية الفقيه، التي كانت مجرد أمر ديني متعلق بالأوقاف، تحولت إلى قلبٍ للنظام السياسي، لتسقط الدولة الإيرانية إلى أسفل السافلين.

وهكذا، تبددت تلك الأحلام التي حملها الإيرانيون في بداية الثورة، ووجدوا أنفسهم في ظل حكم ديني صارم، حيث اختفت أي فرصة لتعايش مجتمعي حقيقي أو نقاش سياسي مفتوح. كان ذلك هو الحذر الذي يجب أن نتعلمه جميعًا؛ كيف يمكن أن تتحول الثورة التي قامت من أجل الحرية إلى حكمٍ استبداديٍ مغلف بالدين، وكيف يمكن أن نضيع بين غياهب الأفكار التي تروج لدولة دينية في عالمٍ أصبح لا يتسع لهذه الأفكار إلا في قاع الزمان.

 

في تلك اللحظة التي تحول فيها الحجاب إلى شعارٍ سياسي، أصبحت الدولة تستخدمه كأداة لتأكيد سلطتها، لا كقيمة دينية من منطلق الاختيار الحر. كان الحجاب، الذي يفترض أن يكون تعبيرًا عن قناعة شخصية، يصبح شيئًا يُفرض بالقوة، لا فقط على المواطنات الإيرانيات، بل حتى على الزوار والسياح. غدت الشوارع والساحات ساحةً للمراقبة المشددة، يُجبر الجميع على الامتثال لقواعد صارمة تمليها الدولة. أصبح شعر المرأة المحرم الأكبر في هذا العالم الجديد، بينما الجوع والفقر يُعتبران شيئًا مقبولًا، بل ربما طبيعيًا، في ظل هذه السلطة التي تُعلّق جميع مشاكل الشعب على مشجب الحجاب والعادات التقليدية.

وتحت هذا الضغط، تتحول التنمية، التي كان يجب أن تكون مسارًا للرقي والتحضر، إلى ترويج للفوضى في المنطقة. بدلاً من بناء مستقبلٍ مستدام يركز على تعليم الناس وتطوير قدراتهم، باتت التنمية تقتصر على إحداث بلبلة، ونشر النزاعات، مع ترويج لفكرة أن الحضارة التي نعيشها اليوم مجرد عبث لا يمت للواقع بصلة. أصبح لباس العمائم والعباءات السوداء رموزًا تُستعمل أكثر من كونها تعبيرًا عن تقديس للآل أو ارتباط تقليدي.

أما العقل الإسلامي، الذي عُرف دومًا بميله إلى التفكر والتدبر، أصبح فجأةً يرى في الدولة مجرد تجسيد للقوة والجبر. صار التفكير في الدولة الحديثة يُعتبر خروجًا عن المسار الصحيح، واختلافًا مع النصوص الدينية التي تأمر بالرجوع إلى الخلف، حيث كان هناك تأكيد مستمر على مقاومة الفكر الحداثي. الدولة الحديثة، التي تقوم على العدالة والمشاركة، لم تُفهم على أنها وسيلة لبناء المجتمع، بل على أنها فخٌ في نظر كثيرين. فالعقل الذي نشأ في بيئةٍ تدعو إلى التحفظ والخوف من كل ما هو جديد، لا يمكنه أن يتقبل العلمانية أو أي مفهوم حديث آخر. تلك الكلمات التي تقول: "كل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار"، كانت تُسمع في كل زاوية، وكأنها حجر عثرة في سبيل التقدم.

وهكذا، تجدنا أمام معركةٍ فكرية حادة بين الماضي والمستقبل، بين من يرى أن العودة إلى الخلف هي السبيل للنجاة، وبين من يسعى لتحويل التاريخ إلى دافع لبناء الحاضر. لكن الحقيقة التي لا يمكن تجاهلها، هي أن هذا التمسك بالفكر القديم لن يصنع سوى المزيد من المأساة. عندما تصبح الفوضى هي التنمية، وعندما يصبح الحجاب هو الشعار الذي يُفرض على الجميع، نكون قد ضيعنا فرصتنا في بناء دولة حديثة، تقوم على الحرية، والمساواة، والتنمية الحقيقية.

 

النصوص المقدسة الدينية، كما تُفهم في الكثير من السياقات، قد تُعتبر عائقًا أمام البناء والتنمية في عالمٍ متغير. ولكن الحقيقة، التي ربما لا تُستوعب بالكامل، هي أن هذه النصوص ليست أبدًا عدوًا للتطور، بل يمكن أن تكون مرشدًا حكيمًا إذا ما فُهمت في سياقها الصحيح، وُرُؤِيت بعين العقل والتفكير المستنير. فالدين ليس مجرد حواجز، بل هو منظومة قيمية يمكن أن تُشكّل أساسًا قويًا لأي دولة ترغب في التقدم والنمو، إذا ما تمّ تحويره بعناية بحيث لا يُقيدنا في مفاهيمٍ جامدة، بل يفتح أمامنا آفاقًا واسعة للتحرر من القيود الفكرية التي تعيق تطور المجتمع.

إذا استطعنا تطويع هذه النصوص الدينية لتخدمنا في عملية بناء الدولة الحديثة، فإننا بذلك نضمن احترام هويتنا الثقافية والدينية، مع استمرارنا في بناء مجتمع يتسم بالحيوية والتطور. الدين، كما يمكن أن يعلّمنا التسامح والعدالة، يمكن أن يُحفزنا على التحلي بالقيم التي تدعم المشاركة والحقوق المدنية. إذا تمّ تطبيقه بشكلٍ منفتح، دون استغلاله لتحقيق أغراض سياسية ضيقة، سنجد أنه يمكن أن يعزز من قيم المساواة والعدالة الاجتماعية، ويشجع على العمل الجماعي من أجل الصالح العام.

من خلال إعادة تفسير هذه النصوص بطريقة لا تقتصر على الزمان والمكان القديمين، بل تنظر إلى جوهر الرسائل الدينية التي تدعو إلى احترام الإنسان، حماية حقوقه، وتحقيق العدالة، يمكن أن نصنع توازنًا بين الحفاظ على المعتقدات وتطبيق النموذج الحديث للدولة. هذه العملية تتطلب تفتح الفكر الديني على التغييرات الاجتماعية، والاعتراف بأن الدين لا ينبغي أن يُقيد في قوالب ثابتة، بل يجب أن يتفاعل مع العصر ويخدم القيم الإنسانية التي تدعم بناء المجتمعات المتقدمة.

إن الخوف من العلمانية أو من التحديث ليس هو الحل. بل يجب علينا أن نجد سبلًا للجمع بين القيم الدينية وبين متطلبات العصر، حتى نتمكن من بناء دولة تقوم على العدالة والمساواة، ولكنها أيضًا تظل متجذرة في معتقداتنا وهويتنا. إذاً، يجب أن نفهم الدين ليس كحاجز يقف أمام التقدم، بل كحافز يعزز من التطور المستدام في كافة المجالات، من التعليم إلى السياسة إلى الثقافة، بما يخدم مصلحة الجميع.

 

في عالم مليء بالتنوع الفكري والثقافي، تظل المفاهيم والتصنيفات التي نستخدمها لتحديد مواقفنا وآرائنا من أكبر مصادر الخلافات. فالليبرالي ليس عدوًا للدين، كما أن العلمانية ليست مرادفًا للإلحاد، والشيوعي ليس بالضرورة كافرًا. هذه التصنيفات تعد مجرد مواقف فكرية تُعبّر عن كيفية فهم كل فرد للحرية، الحقوق، والدولة، وليس بالضرورة أن تكون متناقضة مع القيم الدينية أو الروحية التي يعيش بها الآخرون.

العلمانية، على سبيل المثال، هي نظام سياسي يقوم على فصل الدين عن السياسة، ليس من باب العداء للدين، بل لضمان حيادية الدولة في تعاملها مع جميع الأديان والمعتقدات. هي ليست أيديولوجية عقيمة أو لا دينية، بل هي إطار يحترم حرية المعتقد ويسمح بالتعددية. العلمانية ليست إلغاء للدين من حياة الأفراد، بل هي تنظيم يضمن أن تبقى الدولة محايدة تجاه الدين وتمنح كل فرد الحق في ممارسة معتقداته بحرية، بعيدًا عن تدخلات السلطة السياسية.

أما الليبرالية فهي فلسفة تقوم على حقوق الإنسان، والحرية الفردية، والمساواة، والتسامح، وكل هذه القيم يمكن أن تتماشى مع الحياة الدينية إذا فهمناها بشكل معتدل. الليبرالي لا يُعارض الدين بل يصر على أن يكون الدين مسألة شخصية تخص الأفراد، وأن تكون الدولة مفتوحة لكل الأديان دون تمييز.

الشيوعية، من جانبها، لا تعني كفرًا أو حربًا على الدين بحد ذاته. الشيوعية كما تفهمها بعض المذاهب تشير إلى فكرة تحقيق المساواة بين الناس وتوزيع الثروات بشكل عادل. في بعض الأنظمة الشيوعية، قد يكون هناك تقييد على ممارسة الدين من باب السلطة السياسية، لكن هذا لا يعني أن الشيوعية جوهريًا تتناقض مع الدين.

التعصب لفكرة معينة دون الاعتراف بالتنوع الفكري يمكن أن يخلق حالة من التوتر الاجتماعي، حيث تُعتبر كل فكرة مهددة للأخرى. لذلك، من المهم أن نفهم أن العلمانية ليست خطرًا على الدين، وأن الليبرالية لا تعني القتال ضد القيم الروحية، وأن الشيوعية ليست بالضرورة عدوًا للإنسانية أو للحرية الدينية. إن الأيديولوجيات، حين تصبح متطرفة أو جامدة، تشكل تهديدًا حقيقيًا لأنها تفرض رؤى ضيقة على المجتمعات المتنوعة، لكنها في جوهرها يمكن أن تكون أدوات لتفسير العالم وتنظيمه بطريقة تتماشى مع تطلعات البشر في بناء حياة أفضل وأكثر عدلاً.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

الخريطة التي تقودني إليك

 رواية الخريطة التي تقودني  إليك  بقلم  جوزيف مونينغر المقدمة يوم التخرج إنها والدتك، من بين الجميع، هي التي تلتقط الصورة المثالية لك ولصديق...