بحث هذه المدونة الإلكترونية

الخميس، 2 يناير 2025

مسرحية حلم ولا علم


 

مسرحية "حلم ولا علم"

 



الفصل الأول – المشهد الأول

(الإضاءة خافتة، صوت أذان المغرب يتردد بعيدًا، يتناغم مع حفيف الرياح في سوق المقيبرة. يظهر التاجر أبو زيد جالسًا على حصير في متجره المكتوب عليه بخط عريض: "حفيز أبو زيد للأقمشة". أمامه دفتر حسابات مفتوح وكأس شاي نصف فارغ. يحدق في الفراغ، وقد بدا على وجهه القلق، وكأنه غارق في دوامة من الأفكار. فجأة يدخل سرور، رجل مسن بلباس تقليدي، يشتهر بحكمته وفراسته، وعصاه لا تفارق يده.)
 

سرور: (بصوت هادئ) السلام عليكم يا أبا زيد.

أبو زيد: (منتبهًا، يرد بصوتٍ مبحوح) وعليكم السلام ورحمة الله، أهلًا بسرور. هات يدك واجلس.

(يجلس سرور بجانبه، ينظر إليه نظرة تمعن، وكأنه يقرأ شيئًا لا يراه أبو زيد.)
 

سرور: وجهك ما هو بوجه تاجر هذا اليوم، أراك تفكر في شيء كبير، كأن الغيمات السوداء اجتمعت فوق رأسك.

أبو زيد: (يتنهد) في كل يوم، أفتح محلي وأبيع وأشتري، لكن قلبي... قلبي اليوم مثقل.
 

سرور: (بجدية) ما الخبر؟ أهو مال ضاع أم قماش لم يُبع؟

أبو زيد: (يهز رأسه) لا، لا هو المال ولا التجارة. بالأمس جاءني ذلك الشيخ الذي يقال عنه صاحب فراسة لا تخطئ.

 

سرور: (بفضول) وما قال؟

أبو زيد: (بتردد) نظر إلى ابني زيد، وقال لي كلامًا أقلقني... قال إن ابني هذا إن كبر، سيصبح طاغية، وإنه لن يترك لي أثرًا في هذا السوق أو الدنيا.

(يصمت المشهد لحظة، وكأن الزمن توقف. ينظر سرور إلى أبو زيد نظرة طويلة، ثم يضع عصاه أمامه.)
 

سرور: (بتروٍ) والفراسة أحيانًا تصيب، وأحيانًا تخطئ.

أبو زيد: (يصرخ فجأة، كأنما يهرب من فكرة مخيفة) لكن ماذا لو أصابت؟! كيف أنجب ابنًا يمحو ما بنيته بعرق السنين؟ لا أستطيع تحمل ذلك.
 

سرور (بصوت هادئ، لكنه مشوب بالحزم واليقين): "ماذا تفعل يا أبا زيد؟ أتنكر أن نبوءة ذلك الرجل قد أزاحت الستار عن ما يختلج في صدرك؟ بدا لك الهمسُ في كلماتِه صدى لنارٍ قد أضاءت قلبك، وأظنها قد ملأت قدح فؤادك حتى فاض، فتسكن فيك شكوك الزمان."

أبا زيد (بصوت خفيض، لكن تحمل نظراته حذرًا عميقًا وكأنها تلتمع من بين سطور الليل): "أترى أنني من أولئك الذين يركبون الموجة وراء كل كلمة؟ لا يا سرور، ما كانت نبوءته إلا همسات في ريح، تذهب وتغدو دون أن تترك أثرًا في قلب من لا يتبعها. حديثه قد لا يعدو كونه هباءً، أما ما نحن عليه فهو ما تكتبه الأفعال لا الكلمات. الطريق الذي أسلكه هو الطريق الذي أختاره بنفسي، لا ما يلقى علي من ظلال."

سرور (بصوت هادئ، لكنه يحمل ثقل التجربة والحكمة): "أنت في السوق، يا أبا زيد، كبير القوم وأميرهم. لكل طامع من هذا الزمان في الاتصال بك، وفي ظلالك يلتجئ من لا مأوى لهم. لكنني أقول لك، أنا من رجالك، وممن عملوا بين يديك منذ صغري، وعملت لدى أبيك الراحل، الذي ترك فينا بصمة لا تندثر. فلا تعطي من لا يستحق قدراً لم يكن له، ولا تصنع ظلالًا لمن لا يزال يجهل كيف يظلل نفسه في حر الشمس. فتلك الأقدار لا تُعطى إلا لمن يعرف كيف يحترمها."

أبو زيد: (ينهض بحماس ويدور في المتجر) فكرت كثيرًا. سأحبسه! أجل، سأحبسه حتى أعلمه كيف يكون رجلًا صالحًا. سأربيه بعيدًا عن السوق. سأمنعه من أن يكون كما قال الشيخ. لن أسمح له أن يكون طاغية!
 

سرور: (ينظر إليه بدهشة) تحبسه؟ هذا ابنك، وليس خصمك يا أبا زيد!

أبو زيد: (بإصرار) ابني، نعم، ولهذا السبب علي أن أتصرف. لن يفسد اسمي، لن يفسد إرثي.
 

سرور: (بنبرة فلسفية) لكن يا أبا زيد، ماذا لو كان الطغيان الذي تخشاه يولد من الخوف الذي زرعته في قلبك؟ ماذا لو كنت أنت من يدفعه لهذا المصير؟
 

أبو زيد: (يقاطعه) كفاك فلسفة يا سرور! القرار اتخذ. سأرسله معك إلى تلك القرية القريبة. علمه، وجهه، وبعدها سأعيده إلى السوق حينما أكون واثقًا من أنه لن يكون طاغية.
 

سرور: (ينهض ببطء، يمسك عصاه) وهل السجن ينشئ رجالًا يا أبا زيد؟
 

أبو زيد: (بصوت واهن) سأجعله درسًا، سيعرف يومًا أن ما فعلته كان لمصلحته...

سرور: إن العلم يقود إلى الحق، لكن كيف تفسر اختيارك أن تصغي لأقوال رجل، وهو يرسل كلامه في الهواء، بينما أنت تعلم أن الله هو الذي يكتب الأقدار؟ كيف يعقل أن يتوجه قلبك لتصديق كلام قد يكون محض خرافات؟

أبو زيد: نعم، تعلمت وحصلت على علم، لكنني كما قلت، أنا تاجر. والتاجر يظل دائمًا يراقب الواقع بعينيه ويسعى للعمل وفقًا له. أما ما يخص الرؤيا، فالأحلام عندنا في عالم التجارة ليست مجرد أضغاث، بل هي إشارات من واقع الحياة. حلمت منذ زمن بعيد أنني سأصبح تاجرًا، والآن تحقق حلمي. فأنا أؤمن أن ما رأيته في المنام ليس محض صدفة، بل هو شيء حقيقي يجب الانتباه له,رأيت ابني زيد صار طاغية في منامي و كان يحطم السوق كله بفأس في يده و هذه اشارات لواقع سيحصل حتما.

 

سرور: لكن كيف تفسر حلمك هذا؟ ألا ترى فيه مبالغة؟ كيف يمكن أن يكون ابنك زيد طاغية يحطم السوق؟ أليس في ذلك مجازفة كبيرة أن تأخذ من الحلم دليلاً لتصرفات معينة في واقعك؟ كيف يمكن لرؤيا أن تجرّك إلى التصرف بناءً على ما قد يكون مجرد خيال؟

أبو زيد: صحيح أن الحلم قد يبدو غريبًا، لكنني أؤمن أن الأحلام تحمل رسائل. في حلمي، رأيت ابني زيدًا يتحول إلى طاغية يحطم السوق، وكأن هذا الحلم يحمل تحذيرًا لي من أن الأمور قد تنقلب بشكل غير متوقع. ربما يكون التفسير هذا بمثابة دعوة لليقظة، ولأكون أكثر حذرًا في تعاملي مع الأمور. ربما لا يكون الحلم حرفيًا، ولكنني أرى فيه تنبيهًا لما قد يحدث إذا لم أكن متيقظًا.


(صوت أذان العشاء يقطع الحديث. يقف الرجلان في صمت، الإضاءة تخفت تدريجيًا بينما تتردد أصوات المآذن في المكان.)

خروج.


الفصل الأول – المشهد الثاني

(غرفة بسيطة في منزل أبو زيد. الأم تجلس على الأرض وتجهز حقيبة صغيرة لابنها زيد. في زاوية الغرفة، زيد الصغير يلعب بخشبة صغيرة كأنها سيف، يلوّح بها كالمحاربين. على وجه الأم تبدو ملامح الحزن والتردد. خلفهما، نافذة تُظهر جزءًا من سوق الرياض في المساء.)

الأم (وهي تضع الملابس في الحقيبة):
ابني، تعال هنا. أريدك أن تسمعني جيدًا.

زيد (يلوح بالخشبة):
أنا محارب يا أمي! سأقاتل كل من يريد أن يأخذني بعيدًا عنك.

الأم (تبتسم بحزن):
أنت محارب صغير، ولكن الحرب التي تواجهها ليست بسيف. إنها حربك مع الأيام... ومع والدك أيضًا.

زيد (يجلس بقربها):
ما هي هذه الحرب؟ أريد أن أفهم!

الأم (وهي تتنهد):
أبوك يقول إنك ستذهب إلى قرية قريبة، ستعيش هناك مع مسرور وزوجته غزيل. ستتعلم أشياء كثيرة، وتكبر وتصبح رجلًا.

زيد (باندهاش):
أتركك؟ أترك بيتي؟ لكن لماذا؟

الأم (تمسح على رأسه):
لأن أباك يبدو أنه يريد أن يفطر قلبي عليك. يقول إنك شخص إذا صرت مبلغ الرجال سيكون لك شأن. وأنا... أنا لست أدري هل ستكون مثل الحجاج بن يوسف الثقفي، أم مثل عمر بن عبدالعزيز؟

زيد (بتعجب):
من هؤلاء؟ هل هم مثل الأبطال في القصص؟

الأم (تضحك وهي تخفي دموعها):
بطريقة ما، نعم. الحجاج كان طاغية، عمر كان عادلًا. أبوك يخاف أن تكون الأول، وأنا أحلم أن تكون الثاني.

زيد (بحدة):
لكن لماذا يقرر أبي هذا؟ أنا لا أفهم! أريد أن أبقى هنا معك!

الأم (تتوقف عن العمل في الحقيبة وتنظر إليه بحنان):
يا بني، أنا أمك، وأريدك قريبًا مني. لكن أباك... أباك رجلٌ عنيد. يقول إن قلب الأم ضعيف، وإنني أتبع هواي. لكنه لا يعلم أنني لا أخاف إلا عليك.

(يدخل أبو زيد فجأة، يمسك عصاه كأنه القاضي في محكمة. يقف عند الباب وينظر إلى زيد وأمه بصرامة.)

أبو زيد (بصوت قوي):
يا زيد! قم فورًا واستعد للذهاب مع مسرور. هذا من أجل مصلحتك، ومن أجل مستقبلك.

زيد (ينظر إلى أمه بخوف):
يا أمي، لا تدعينه يأخذني. أريد أن أبقى معك.

الأم (تنهض وتواجه أبا زيد):
لماذا؟ لماذا تأخذه مني؟ تريد أن تكون مثل أولئك الآباء الذين يُقال عنهم إنهم لا يرون إلا أنفسهم؟

أبو زيد (يشير بعصاه نحوها):
هذا الكلام لا يُجدي يا امرأة. الخطر قادم، وأنا أريد أن أحميه... وأحمي السوق.

الأم (بعناد):
الخطر؟ الخطر ليس في زيد! الخطر في الخوف الذي تزرعه في قلبه.

أبو زيد (يضحك بسخرية):
أنتِ عاطفية، تتبعين قلبك الذي لا يرى إلا الدموع. أنا أرى أبعد منك. الخطر واضح أمامي!

الأم (تصيح بغضب):
غزيل، تلك المرأة التي تقول إنها ستربيه؟ غزيل لن تكون مثلي، لن تحبه كما أحبه. دعني أذهب معه إن كنت مصرًا، وأنت ابق هنا في الرياض تستمع إلى أحاديث الخرفيين في السوق.

(لحظة صمت مشحونة. زيد ينظر بين والديه بحيرة، ثم يمسك بيد أمه.)

زيد (ببراءة):
أمي، ماذا لو ذهبنا جميعًا؟ أنا وأنت وأبي؟

أبو زيد (بصوت هادئ لكنه حازم):
زيد، أنت لا تفهم الآن، ولكنك ستفهم يومًا ما. عليك أن تذهب.

الأم (تتمتم بصوت مكسور):
وهكذا... يُفطم الابن من حضن أمه قبل أن يعي معنى الغياب.

(الإضاءة تخفت تدريجيًا، بينما يمسك أبو زيد بيد زيد ويسحبه بلطف نحو الباب. الأم تجلس على الأرض وتنظر إلى الحقيبة بحزن. صوت الرياح يملأ المكان.)

إظلام.

الفصل الأول – المشهد الثالث

(غرفة شبه مظلمة، بسيطة الأثاث. فيها رفوف تحمل بعض الكتب، طاولة خشبية صغيرة، وسرير ضيق. زيد، وقد كبر قليلًا، يجلس وحيدًا على الأرض وسط الكتب المفتوحة. في زاوية الغرفة يقف مسرور، يحمل مصباحًا قديمًا ويحدق فيه وكأنه يقلب أفكاره. غزيل منشغلة في زاوية أخرى تحيك ثوبًا. الجو هادئ لكنه ثقيل، مليء بالكلمات التي لم تُقال. يبدأ زيد بالحديث مع نفسه، في مونولوج داخلي حزين ومليء بالفلسفة.)

زيد (يجلس بين الكتب، يحمل كتابًا في يده، وينظر عبر النافذة الصغيرة):
كل يومٍ أستيقظ في هذا المكان، أربعة جدران وسقف ونافذة صغيرة لا تكشف إلا جزءًا من السماء. كل يومٍ أبحث عن إجابة لأسئلةٍ تتكاثر كالنمل في رأسي... من أنا؟ ولماذا أنا هنا؟

(يتوقف للحظة، ينظر إلى الكتاب في يده، ثم يفتحه ويقرأ بصوتٍ منخفض، قبل أن يغلقه بحركة مفاجئة.)

زيد (يكمل حديثه):
الكتب... هذه الأوراق الصامتة. هي ملجئي الوحيد، حريتي التي لا تُقيد. لكنها أيضًا قضباني، تقيدني بما لا أفهم، بما لا أستطيع لمسه أو تجربته. يقول لي مسرور إن القراءة هي الطريق إلى العظمة، وإن العاقل لا يحتاج إلى شيء سوى العلم. لكن أي علم هذا الذي يجعلني أشعر بالوحدة؟

(ينهض، يسير في الغرفة جيئة وذهابًا، يحدق في النافذة الصغيرة.)

زيد (بحماسٍ يائس):
انظروا إلى الطيور! انظروا كيف تطير بلا قيود، بلا أسوار ولا حدود. هل تعرف الطيور إلى أي شجرة تنتمي؟ هل يهمها؟ هي تحلق من غصنٍ إلى غصن، تعيش لحظة حريتها.

(يمسك بزجاج النافذة وكأنه يريد كسرها، ثم يتراجع.)

زيد (بصوت أكثر هدوءًا):
والبهائم؟ تلك التي نسميها "حمقاء"، ترعى في الحقول، تعرف طريقها بلا دليل. حتى الأنهار... تلك المياه العجماء، تجري إلى مصيرها بلا خريطة، بلا أوامر. كل شيء من حولي، كل كائن حي، يبدو أكثر حرية مني.

(يجلس مجددًا على الأرض، يضع رأسه بين يديه، يتحدث بصوت مكسور.)

زيد:
وأنا؟ أنا الذي أُسمي نفسي "العاقل"، أنا الذي يقال إنني أميز بين الخير والشر، بين الصواب والخطأ... أنا سجنت نفسي في أفكارٍ لا تنتهي، وأسوارٍ لا أرى أبوابها.

(يمسك بأحد الكتب القريبة، يفتحه بعنف، وينظر إليه وكأنه يعاتبه.)

زيد (بصوت فلسفي):
أنتِ يا كتبي... يا صديقتي وعدوي في الوقت ذاته. هل أهرب منك؟ أم أهرب إليك؟ كيف أجد حريتي بين أسطرك، وأيضًا أجد قيودي؟ أنتِ تفتحين لي أبوابًا على عوالم لا أعرفها، لكنها أبواب من ورق، لا أستطيع عبورها.

(يتوقف لحظة، ينظر إلى الصفحة المفتوحة، يمرر أصابعه على الكلمات بحنان.)

زيد (بهمس):
ولكن... ربما الفكر هو الحرية الحقيقية. ربما السجن ليس هذه الجدران. ربما السجن هو أن أكون عاجزًا عن التفكير، عاجزًا عن التساؤل. أنتِ يا كتبي تقولين لي إنني لست وحيدًا... إن كل من عاش على هذه الأرض تساءل مثلي، خاف مثلي، ضاع مثلي.

(ينهض، يمسك الكتاب بيده كأنه درع.)

زيد (بحماس متصاعد):
الفكر! نعم، الفكر هو حريتي. حتى لو كنت أسيرًا هنا، حتى لو ظننت أنني ابن مسرور، حتى لو لم أعرف أبي الحقيقي، فإن فكري لا أحد يستطيع أن يأسره.

(يتجه إلى النافذة، يرفع الكتاب وكأنه يخاطب السماء.)

زيد (بصوت عالٍ):
يا سماء، يا طيور، يا أنهار، ربما أنتم أحرار في أجسادكم، لكني أنا حرٌ في فكري! وحتى لو كانت حياتي كلها قفصًا، فإن عقلي هو جناحي الذي يحلق بي.

(صوت مسرور يتدخل فجأة، يقاطعه.)

مسرور (بهدوء):
زيد... الحرية ليست هروبًا من الأسوار، بل هروبًا من الجهل. أنت الآن تملك سلاحًا لا يملكه كثيرون. ولكن... إلى أين ستذهب به؟

زيد (يلتفت إلى مسرور):
إلى الحقيقة. سأبحث عن حقيقتي. سأعرف من أنا.

مسرور (بابتسامة غامضة):
الحقيقة هي أثقل سلاسل الحرية.

(الإضاءة تخفت تدريجيًا بينما يعود زيد إلى مكانه بين الكتب، وعيناه تحملان بريقًا من التحدي. تظل غزيل في الزاوية تنظر إلى زيد بحنان وصمت.)

إظلام.

(يتوقف فجأة، ينظر إلى النافذة مرة أخرى، وكأنه أدرك شيئًا جديدًا. يعود صوته هادئًا، لكنه مليء بالعزم.)

زيد (بهدوء عميق):
حتى لو لم أستطع كسر هذه الجدران... سأكسر الجدران التي في رأسي. سأكون حرًا بما أفكر، بما أتعلم. لأن الحرية ليست مكانًا، وليست طريقًا مرسومًا. الحرية هي أن أكون أنا... أن أختار ما أكون.

(يدخل مسرور ببطء إلى الغرفة، يسمع الكلمات الأخيرة. يقف في زاوية الغرفة، يضع المصباح على الطاولة، وينظر إلى زيد بنظرة تأمل ورضا.)

مسرور: (بصوت هادئ)
كلماتك يا بني ليست كلمات طفل بعد الآن. أراك تكبر... ليس في جسدك، بل في عقلك.

زيد: (ينظر إلى مسرور، وكأن الكلام خرج منه بلا وعي)
وهل العقل يا عم مسرور يكفي؟ أليس العقل أيضًا سجناً إذا لم نعطه الحرية التي يحتاجها؟

مسرور: (يبتسم ابتسامة خفيفة)
وأي عقل هذا الذي لا يطرح الأسئلة؟ العقل يا زيد، هو سفينتك في بحر الحياة، لكنه يحتاج إلى الرياح، إلى الحرية التي تتحدث عنها.

زيد: (بنبرة حزينة)
ولكن أبي... أبي يريد أن يسلبني هذه الرياح. يريد أن يعلمني الطاعة فقط.

مسرور: (يضع يده على كتف زيد)
ربما والدك يخاف يا بني. الخوف أحيانًا يجعلنا نرتكب أخطاءً. لكنك، بعقلك هذا، تستطيع أن تفهمه يومًا.

زيد: (باندفاع)
وأنا أيضًا أخاف، يا عم مسرور. أخاف أن أفقد نفسي بين ما يريدني أبي أن أكون، وبين ما أريد أنا أن أكون.

مسرور: (بحكمة)
الخوف يا زيد هو جزء من رحلتك. المهم ألا تدعه يقيدك. ابحث عن الإجابة داخلك، وستجد طريقك.

(صمت قصير. غزيل تقترب منهما بحذر، تضع الثوب الذي كانت تحيكه على الطاولة.)

غزيل: (بابتسامة حنونة)
سيدي زيد... صنعت لك ثوبًا جديدًا. أظنك ستبدو فيه كما يليق برجلٍ بدأ يفهم العالم.

زيد: (بابتسامة خافتة)
شكرًا، يا خالة غزيل. لكنني لست رجلًا بعد.

غزيل: (بابتسامة غامضة)
الرجل لا يُقاس بسنه، بل بقلبه وعقله. وأنت... لديك من كليهما أكثر مما لديك من سنوات.

(المشهد ينتهي بإضاءة خافتة، يظهر زيد جالسًا بين كتبه، ينظر إلى النافذة الصغيرة كأنها أفق جديد، بينما مسرور وغزيل يراقبانه بصمت.)

إظلام.

نهاية الفصل الأول.

المسرحية: حلم ولا علم
الفصل الثاني: المشهد الأول

(الستار يرتفع ليظهر مشهد السوق: محلات متجاورة، أصوات التجار تعلو، زحام الناس في حركة دؤوبة. زيد يدخل متردداً بصحبة والده، شيخ السوق، الذي يملك هيبة وحضوراً قوياً.)

شيخ السوق: (بصوت جهوري) هذا هو السوق يا زيد... هنا تُبنى المجتمعات وتُهدم. انظر جيداً. هذه أرض الحِكم والقرارات، أرض التجارة والعيش.

زيد: (ينظر حوله بفضول) أبي... هل كل هذه الأرواح معلقة بهذا المكان؟

شيخ السوق: (بصرامة) نعم، وكل قرار تتخذه هنا كأنه مسمار يُثبت هذا السوق أو يهدمه. فهل أنت مستعد؟

زيد: (باندفاع) نعم، أنا مستعد! سأُظهر أنني أستحق النبوءة.

(تدور الأضواء لتُركز على زيد، الذي يبدو عليه الغرور. يبدأ بالتجول بين المحلات ويتحدث بصوت حازم.)

زيد: هذا المحل؟ ما فائدته؟ أُغلقوه! وصاحب الحرفة هذه؟ بضاعته بلا قيمة... ليخرج فوراً!

(التجار والمارة يهمهمون باستياء واضح، لكنهم يخشون الحديث. يزداد فساد زيد، والناس يغادرون السوق بحزن.)

(الإضاءة تخفت وتُسلط على شيخ السوق، الذي يقف في زاوية مظلمة يراقب ما يحدث بحزن.)

شيخ السوق: (يحدث نفسه) النبوءة... لقد تحققت. زيد عاث في السوق فساداً. لكن... هل كنت أعمى عن هذه النتيجة؟

(يقترب شيخ السوق من زيد، يمسكه من كتفه بعنف.)

شيخ السوق: (بحزم) انتهى الأمر يا زيد. سأعيدك إلى سجنك. لا تستحق الحرية بعد.

زيد: (باندفاع وغضب) ولكن أبي... كنت أحاول أن أصلح! كنت أحكم!

شيخ السوق: (يصيح بغضب) حكمتَ ولكنك أفسدت!

(زيد يُسحب من السوق، بينما يردد عبارات احتجاج. فجأة تظهر فتاة هاربة، بثياب ممزقة وبكاء مرير، تتعثر وتسقط أمام زيد.)

الفتاة: (تتوسل) أرجوك... أنقذني!

(زيد يتوقف فجأة، ينظر إليها بدهشة، وكأن الوقت تجمد للحظة. يتقدم نحوها بحذر.)

زيد: (بصوت خافت) من أنتِ؟

الفتاة: (تبكي) أنا نوره... هربتُ من عويس، ذلك التاجر الظالم. أراد أن يبطش بي!

(زيد يشعر بشيء مختلف. يمد يده ليُساعدها على الوقوف، وينظر في عينيها بعمق.)

زيد: (بهدوء) نوره... لن أسمح لأحد أن يُؤذيك.

(الإضاءة تخفت لتنتقل إلى مشهد جديد. منزل مسرور، الذي يظهر خالياً إلا من بعض الأثاث البسيط. زيد يدخل المنزل متعباً، فيجد غزيل تبكي بحرقة بجانب جثة مسرور.)

غزيل: (تصيح) رحل مسرور... رحل وتركنا بلا سند!

زيد: (بذهول) مسرور... مات؟!

(يزداد انكسار زيد. يجلس بجانب الجثة، يضع رأسه بين يديه، فيسقط ورقة من جيب مسرور. يلتقطها زيد ويقرأها بصوت مرتجف.)

زيد: (يقرأ) "في التأنّي السلامة... تذكر هذا يا زيد."

(يزداد بكاؤه، لكنه يحاول استجماع نفسه. يدخل شيخ السوق ومعه أم زيد.)

أم زيد: (بحزم) عد معي يا زيد. ما زال أمامك الكثير لتتعلمه.

شيخ السوق: (بصوت صارم) نعم، لا بد أن تعود إلى درسك. السوق لا يرحم من لا يعرفه.

(زيد يتبعهم بتردد، لكن في ذهنه سؤال يتكرر. يُطفأ الضوء ليُركز على وجه زيد المتأمل، ويتردد صوته في الظلام.)

زيد: (بهمس) هل كنت في حلم... أم في علم؟

*(الستار يُسدل على وجه زيد المُتسائل، والجمهور يُترك مع هذا التساؤل المفتوح.)

النهاية

 



 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

الخريطة التي تقودني إليك

 رواية الخريطة التي تقودني  إليك  بقلم  جوزيف مونينغر المقدمة يوم التخرج إنها والدتك، من بين الجميع، هي التي تلتقط الصورة المثالية لك ولصديق...