في ذلك اليوم الذي كنتُ فيه غارقًا في روتين عملي المعتاد، لم أكن أتوقع أن أُزَجّ فجأة في قلب أحداث غريبة تُشبه كوابيسًا تتسلل من دهاليز الخيال. كنت أعمل في المسبح الأولمبي كجزء من فريق الصيانة، حيث نقضي الساعات بين الأنابيب، والآلات، والأصوات الرتيبة للمضخات. المكان دائمًا مشحونٌ برائحة الكلور ورنين المعادن، ولكن حديث ذلك اليوم حوّل هذه الأصوات إلى شيء أقرب إلى الهمسات المخيفة.
بدأت القصة عندما دخل أحد العمال إلى غرفة الصيانة، شاحب الوجه وكأنه قد رأى شبحًا، وقال بصوتٍ مرتعش:
"وجدنا هيكلًا عظميًا في الوادي القريب!"
تبادلنا النظرات. كان ما قاله كفيلًا بأن يضع ثقلاً خانقًا على أجواء الغرفة. أخبرنا أن العمال في الموقع اكتشفوا الهيكل بينما كانوا يحفرون، وأنهم هربوا من المكان بمجرد أن رأوه، غير راغبين في معرفة قصة الموت الذي ترك صاحبه هكذا، بلا قبر ولا اسم. لكن الأسوأ لم يكن هنا.
بدا الأمر وكأن هذا الاكتشاف قد أطلق شيئًا قديمًا من سباته. أحد الموظفين الأكبر سنًا، والذي يُعرف بقصصه الغريبة، تحدث همسًا عن "اللعنة" التي تطارد المكان منذ زمن طويل. أشار إلى السرداب السفلي حيث آلات تشغيل المسابح، محذرًا من شيء لا يريد أحد تسميته.
لم أكن أصدق أيًّا مما قيل، حتى جاءني ذلك الموظف الشاب وأخبرني بصوت منخفض:
"هناك ثعبان يسكن السرداب... ضخم جدًا، كما لو كان حارسًا قديمًا لهذا المكان."
ضحكتُ حينها محاولًا تخفيف الأجواء المشحونة:
"أفعى أناكوندا؟! في الرياض؟ يا رجل، هذه قصص أفلام!"
لكن وجهه لم يتحرك، لم يبتسم. ظل ينظر إليّ بنفس العينين المرتعبتين، وقال:
"أقسم لك، لقد رأيته بنفسي. عيناه باردتان كالجليد، وجسده ملتف حول الأنابيب، وكأن المكان بيته الحقيقي."
مرَّت الليلة التالية بصعوبة. كنت المسؤول عن تفقد السرداب بعد انتهاء العمل، وهو أمر كنت أفعله دائمًا دون قلق. ولكن هذه المرة، كانت الظلال أطول، والهدوء أشد وطأة.
عندما نزلت إلى السرداب، كان كل شيء في البداية يبدو طبيعيًا. صوت المضخات يُغطي على أصوات قدميّ فوق الأرضية المعدنية. ولكن فجأة، سمعت شيئًا... همسة خافتة، ثم صوت احتكاك، كما لو أن شيئًا ضخمًا يتحرك في الظلام.
أضاءت مصباحي اليدوي، وأخذت أنظر حولي بقلق. كانت هناك آثار غريبة على الأرض، خطوط ملتوية وكأن شيئًا ثقيلاً قد زحف هنا. قلبي بدأ ينبض بجنون، حتى رأيت ظلًا يتحرك في نهاية الممر.
عندما اقتربت، شعرت بالهواء يصبح باردًا، وكأن شيئًا يسحب الحياة من المكان. وفي لحظة خاطفة، رأيت عينين تتوهجان في الظلام، باردتين كما وصفها ذلك الرجل. الثعبان كان هناك، يحدق بي وكأنه يدرسني، يتساءل إذا كنت أستحق الخروج من هذا السرداب حيًا.
لم أستطع الصراخ. وقفت مشدوهًا، قدماي مغروستان في الأرض كجذور شجرة ميتة. ثم بدأ يتحرك ببطء، جسده ينزلق بين الأنابيب وكأنه جزء منها. لم أنتظر أكثر. ركضت بأسرع ما يمكنني، وكل خطوة كنت أشعر وكأن شيئًا يلاحقني، يوشك أن يلتف حول قدميّ.
عندما خرجت إلى السطح، كان الليل قد سقط، وهدير الرياح بدا وكأنه همسات خافتة تحذرني من العودة إلى هناك أبدًا.
منذ تلك الليلة، لم أعد نفس الشخص. أستيقظ في منتصف الليل وأنا أسمع أصواتًا تشبه الاحتكاك، وأشعر وكأن عيونًا باردة تراقبني من الظلال. السرداب أصبح مكانًا محرّمًا بالنسبة لي، وأنا الآن أؤمن أن هناك أشياء في هذا العالم يجب أن تظل مجهولة... تمامًا كالثعبان الذي يسكن تحت المسبح.
بدأت أرتب أفكاري، محاولًا أن أربط بين كل ما سمعته في الأيام الأخيرة وما مررت به بنفسي. منذ أن بدأت العمل في المسبح الأولمبي، كان الجميع يروون لي قصصًا غريبة عن السرداب وعن هذا الثعبان الغامض. بعضهم أقسم أنه رآه، وآخرون وصفوه بشكل مختلف، وكأن كل شخص كان يحمل صورة خاصة لهذا المخلوق. هل يمكن أن تكون هذه مجرد أوهام غذتها الخرافات والقصص الشعبية؟ أم أن هناك حقيقة غامضة تختبئ في الظلال؟
قررت أن أتوقف عن التهكم والبحث عن الحقيقة بنفسي. كان المسبح في الليل يبدو كلوحة قاتمة، تتحرك فيها الظلال وكأنها أرواح حية. شعرت بشيء يتحرك في الماء، ربما كان خيالًا، وربما كان شيئًا آخر. لكنني أدركت أن البحث عن الإجابات لن يكون هنا.
في اليوم التالي، توجهت إلى مكتبة الملك عبدالعزيز في حي المربع. كنت أبحث عن أي شيء يمكن أن يساعدني على فهم ما يحدث. ربما كتب عن الثعابين، أو أساطير شعبية عن حراس الظلام. وبينما كنت أتجول بين الأرفف، صادفت رجلاً يبدو عليه الهدوء والوقار، كان يجلس على طاولة قديمة بين كومة من الكتب.
قال لي عندما لاحظ اهتمامي:
"تبدو وكأنك تبحث عن الهامة."
توقفت عند كلماته، ونظرت إليه بدهشة. كيف عرف؟
ابتسم بهدوء، ثم تابع:
"الهامة... تحرس الكنوز. إنها أسطورة قديمة، لكن البعض يقول إنها حقيقية. ثعبان ضخم، ضخم جدًا، يحرس مكانًا مليئًا بالأشياء الثمينة. ربما المسبح الذي تعمل فيه ليس مجرد مسبح."
سألته بحذر:
"وكيف عرفت عن الهامة؟"
ضحك ضحكة خفيفة وقال:
"منذ سنوات طويلة، قلّ من يأتي إلى المكتبة ليسأل عن هذه الأمور. ولكنك تبدو مختلفًا، ملهوفًا، تبحث وكأنك تطارد ظلاً. الهامة ليست في كتب العلم، بل في ذاكرة الناس وقصصهم. هل سمعت عن 'خشم فردة' في وادي الدواسر؟ هناك، في ذلك الوادي، يزعم الناس أن هناك هامة ضخمة، يسمونها 'اليم'."
قلت له بحذر:
"لكن... هناك من أخبرني أن ما رأيته يشبه أناكوندا."
عندها، تغيرت ملامح وجهه، وكأن ذكرى قديمة عادت لتطارده. قال بصوت متقطع:
"رأيتها بنفسي... منذ سنوات طويلة، كانت عينها باردة جدًا، كأنها تنظر في أعماق روحك. كادت أن تنقض عليّ، لكنني هربت بأعجوبة."
ثم أضاف بعد لحظة صمت:
"ربما ترغب في سماع المزيد. لكن لن أخبرك القصة هنا، تعال معي. سأعزمك على فنجان قهوة... أو بيالة شاي إن كنت تفضل ذلك. هناك الكثير مما يجب أن تعرفه."
نظرت إليه بفضول ممزوج بالخوف. شعرت أنني على وشك الدخول في عالم آخر، عالم مليء بالأساطير والظلال. تبعته، ولم أكن أعلم أن ما سيخبرني به سيغير كل شيء.
لم يكن حديث بنيان عاديًا، بل كان أشبه بمفتاحٍ لبابٍ غامض لم أجرؤ على طرقه من قبل. كان الرجل يحمل شيئًا لا يمكن تجاهله، خليطًا من الثقة والغموض، وكأن العالم لديه يتأرجح بين الواقع والخيال. حين أخبرني أنه سمعني أتحدث مع أمناء المكتبة عن الثعابين، شعرت للحظة بأنني مكشوف، وكأن فضولي كان طُعمًا يقودني إلى هذا الرجل.
قال لي وهو يشير إليّ بإصبعه كمن يوجه دعوة:
"أنا بنيان، باحث في الأساطير الشعبية، وأكتب عن هذه القصص على منصات التواصل الاجتماعي. لقد خمنت أنك تبحث عن الهامة، لأن السراديب دائمًا ما تكون ملاذها. الحقيقة، أنني لا أبحث عنها فقط، بل أريد أن أصطادها. رأيتها مرة وكادت أن تقضي عليّ، لكنني هربت. إذا كنت قد رأيتها أنت أيضًا، فعليك أن تدلني على مكانها، أو تأخذني إلى هناك."
نظرت إليه بشك، وقلت له متهكمًا:
"وأنت تقول إنك باحث، وتعد نفسك من أهل العلم والعقل، ومع ذلك تصدق هذه القصص؟"
ابتسم، وكانت ابتسامته مختلفة، ابتسامة من يعرف أكثر مما يقول. قال بصوت هادئ، لكن كلماته حملت ثقلًا غريبًا:
"ليس كل ما نعرفه حقيقة، وليس كل ما نجهله خيال. الحقيقة قد تكون انعكاسًا لما نراه، وقد يكون الخيال الذي نرفض تصديقه هو الحقيقة التي لم نصدقها يوما."
توقفت للحظة أمام كلماته، شعرت وكأنها ألغاز مغلفة بحكمة قديمة. كان بنيان يتحدث وكأنه يضع أمامي مرآةً أرى فيها انعكاسًا مشوشًا لنفسي. هل كان يحاول أن يخبرني أنني أقف على عتبة عالم آخر؟ أم أنني مجرد فريسة لبلاغته وفلسفته التي يدسها في حديثه؟
حاولت أن أتماسك، وقلت له:
"كلماتك أشبه بلغز. يبدو أنك لا تتحدث فقط عن ثعبان، بل عن شيء أعمق."
ضحك بخفة وقال:
"الألغاز أحيانًا هي ما تقودنا إلى الحقيقة. لكن دعني أسألك، هل أنت مستعد لتتبّع هذا اللغز معي؟ أم أنك ستكتفي بالبقاء على السطح، بعيدًا عن السرداب وعن الهامة التي تنتظرك هناك؟"
شعرت أن كلماته كانت اختبارًا، وأن قراري سيحدد المسار الذي سأسلكه. هل أرافقه في رحلة البحث عن شيء قد يكون خيالًا؟ أم أنني أترك هذه القصة تموت هنا في المكتبة؟


ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق