بحث هذه المدونة الإلكترونية

الأحد، 26 يناير 2025

ببغاء الفلاسفة

 
"ببغاء الفلاسفة"
 

كنت جالسًا في زاوية المقهى الصغيرة التي أرتادها كل يوم. تلك الزاوية التي تتيح لي مراقبة العالم من خلف زجاج النافذة، حيث يمتزج ضجيج المدينة بحميمية المكان. صوت الأكواب المتشابكة مع ضحكات عابرة، ورائحة البن الطازج التي تُثقل الهواء، كلها كانت جزءًا من يومي. ثم، دخلت سوسن.

كانت دائمًا تحمل في عينيها حيوية لا تخطئها العين، وكأنها تُحيي المكان بحضورها. اليوم، كانت أكثر نشاطًا من المعتاد، خطواتها واثقة وكأنها تسير في موكب انتصار. شعرت بأن شيئًا مختلفًا يحيط بها، طاقة لا أستطيع تفسيرها.

“أنت غاضب، أليس كذلك؟” قالت بنبرة مرحة وهي تلوح بيديها في الهواء، وكأنها ترسم كلماتها. نظرتها كانت تشع بتحدٍ، وكأنها تعرف الإجابة مسبقًا.

نظرت إلى كوب القهوة بين يدي، أشعر بدفئه ينساب إلى أصابعي. قلت بهدوء: “أنا لست غاضبًا لأنك كذبتِ عليّ، بل لأنني من الآن فصاعدًا لن أستطيع أن أصدقك.”

شعرت بنظرة استغراب تمر على وجهها. ظننت أنها ستجادلني، لكنها ضحكت، ضحكة خفيفة لا تخلو من السخرية. قالت وهي تجلس أمامي، تلقي بحقيبتها على الطاولة الصغيرة بيننا: “ألا تحب المزاح أبدًا؟ أنا مرحة وأحب الحياة، بينما أنت قاطب الجبين، متجهم الوجه. تحسب أنني لا أستطيع التحدث مع المثقفين. لكن، خذ عني هذه: ‘إذا حكمت على الناس، فلن تجد وقتًا لتحبهم’. هكذا قالت الأم تريزا. وأعتقد أنه يجب عليك قراءة الكتب المرحة مثل مارك توين بدلًا من نيتشه.”

كانت كلماتها كالشعاع الذي يخترق الغيوم الداكنة. لكنها لم تكن فقط تُمازحني. شعرت وكأنها تُلقي بتحدٍ على الطاولة، وكأنها تُجبرني على الخروج من قوقعتي.

نظرت إليها، وأدركت أن هذا ليس مجرد حديث عابر. أردت أن أرد، لكنني ترددت. كيف يمكنني اختصار ما في داخلي في بضع كلمات؟ لكن، قبل أن أتكلم، تابعت بسخرية لاذعة: “الآن ستبدأ في شرح وجهات نظر نيتشه وكيركيجارد وشوبنهاور. نيتشه يكره النساء لأنه فاشل في الحب. وشوبنهاور يكره أمه، وكيركيجارد يرى الزواج عارًا. أما الكندي، فهو بخيل! أليس هذا ما تقول كتبك الثقيلة؟”

كانت كلماتها كسياط، لم تُضحكني كما توقعت، بل جعلتني أفكر. لم تكن تُهاجم الفلاسفة بقدر ما كانت تُهاجم طريقتي في الحياة. شعرت كما لو أنها تخترق أعماقي، تبحث عن نقطة ضعف.

قلت بنبرة هادئة، أحاول كبح اندفاعي: “نيتشه لم يكره المرأة، بل كان شاعرًا أكثر من كونه فيلسوفًا. أما شوبنهاور، فقد كان يرى في أمه مصدر ألم، وهذا ليس غريبًا. والكندي لم يكن بخيلًا، بل كان حكيمًا. لكنك لا تهتمين لكل هذا، أليس كذلك؟”

رأيت الابتسامة الصفراء ترتسم على وجهها، لكنها لم تعقب. نظرت إلى خصلات شعرها التي بدأت تعبث بها، وكأنها تحاول إيجاد الكلمات المناسبة أو ربما تهرب من الرد.

في تلك اللحظة، شعرت أن الحوار بيننا تجاوز نيتشه وشوبنهاور. كان حديثًا عني وعنها، عن نظرتنا المختلفة للحياة. كانت نظرتها تقول: “استمتع بالمزاح، لا تأخذ الحياة بجدية.” بينما كنت أقول في داخلي: “الحياة أكبر من المزاح.”

تركت الصمت يتخلل اللحظة، وقلت بصوت منخفض: “‘لا يوجد ألم أعظم من أن تحمل قصة غير مُروية بداخلك.’” شعرت بأن كلمات مايا أنجيلو تتردد في أعماقي، تعبر عن حالتي.

نظرت إليها مجددًا. لم تكن سوسن مجرد شخص يقتحم يومي بالضحكات والمزاح، كانت مرآة تعكس ما أرفض رؤيته. ربما كانت على حق. ربما الحياة لا تكمن فقط في الكتب الثقيلة، بل في الضحكات العابرة والمواقف البسيطة.

لكن، كيف يمكنني أن أعيش بتلك الطريقة؟ كيف يمكنني أن أترك قصتي تخرج للعالم دون أن أخشى أن تتحول إلى أحاديث عابرة في هذا المقهى؟

تركتها تعبث بخصلات شعرها، بينما كنت أفكر: “ربما القصة التي أحملها في داخلي ليست بحاجة لأن تُروى. ربما يجب أن تبقى هناك، محفوظة من ضجيج العالم.”

كنت جالسًا في المقهى نفسه، ولكن اليوم كان الجو مختلفًا، وكأن الضحك الذي رافق حديثنا بالأمس لا يزال يتردد في الأجواء. سوسن كانت جالسة أمامي، كما هي العادة، لكن اليوم كان هناك شيء جديد في نظرتها. كأنها قد أصبحت أكثر انغماسًا في فكرة أنها بالفعل في المسرحية التي تصفها، والتي هي ليست إلا حياة لا تتوقف عن المفارقات.

قلت لها بسخرية، وأنا أراقب حركات يديها وهي تلاعب بكوب القهوة: "إذن، هل أضع الأنف الأحمر وأبدأ بتقليد المهرجين؟ هل أضحك في كل مرة تلتقي فيها نظراتنا؟"

ضحكت سوسن بحركات أكثر انطلاقًا من المعتاد، وكأنها قد أعادت اكتشاف ضحكتها على حساب جدية الحياة. نظرت إلي مبتسمة، وقالت: "نعم، الضحك هو أقرب إلى الحقيقة من أي فلسفة ألمانية ثقيلة. عليك أن تخرج من صمتك وتضحك على الأشياء التي تحاول أن تكون جادة، حتى لو كان ذلك يعني السخرية من نفسك."

استجمعت قواي، وحاولت أن أتماسك أمام كلماتها. كان كلامها يبدو سهلًا، ولكنه كان يضرب في عمق كل شيء أعتقده عن الحياة. ثم أردفت سوسن بجدية، وهي تعقد يديها على الطاولة: "لكن، حتى الضحك يحتاج إلى نوع من الاحترام. لا يجب أن يكون مجرد عبث، بل تعبير عن حرية الفرد في تحطيم القيود التي تفرضها الجدية الزائفة. نحن نعيش في زمن يُقدس القواعد، لكن الحياة أبسط من أن تُسجن في مظهر الجدية."

كانت كلماتها كالسياط على أفكاري التي بدأت تتهدم شيئًا فشيئًا. توقفت لحظة لأستجمع أفكاري وأخمد الحيرة التي بدأت تتسلل إلى ذهني. كيف يمكن للضحك أن يكون عميقًا إلى هذا الحد؟ كيف يمكن للفكاهة أن تُحرر؟

قلت أخيرًا، وأنا أحاول استيعاب ما قالته: "لكن هذا يعني أن الحياة ليست أكثر من لعبة. نحن مجرد ممثلين على خشبة المسرح، نؤدي أدوارًا؟ هل هذه هي الحقيقة؟"

ابتسمت سوسن، وبنبرة هادئة، قالت: "نعم، الحياة لعبة، لكن هناك فرق بين أن تكون لاعبًا في مسرحية شخص آخر وبين أن تخلق مسرحك الخاص. حتى في اللعبة، هناك لحظات من الوعي. الحياة ليست كما نراها، بل هي كيف نراها."

كان حديثها هذه المرة مختلفًا. شعرت وكأنها قد أزالت كل الحواجز بيني وبين فهم جديد للواقع. الضحك ليس مجرد تفريغ للهموم، بل هو طريقة لتحرير أنفسنا من القيود التي نضعها على حياتنا. كأنني بدأت أرى العالم كما تراه سوسن، ليس كمسلسل من الأحداث المملة، بل ككوميديا تحتاج فقط لأن نفهم كيف نلعب فيها.

وبينما كنت أغرق في تلك التأملات، قالت سوسن بهدوء، وهي تضع يديها على الطاولة: "أحيانًا نضحك لكي نرفض الجدية التي تفرضها الحياة علينا. لكن هناك شيء آخر، أن نضحك على أنفسنا. هذا هو أعظم تحدٍ."

كان صمتها يحفزني أكثر من كلماتها. شعرت أنني بدأت أرى نفسي في مرآتها، كما لو أنني أتأمل أفعالي من زاوية مختلفة تمامًا. سوسن كانت تبتسم، وكأنها قد فازت في تلك المعركة الفكرية. ولكنني شعرت بشيء آخر، شعرت بأنني قد أخرجت شيئًا كان مدفونًا في أعماقي، وهو الحاجة إلى الضحك، إلى أن أكون خفيفًا أكثر.

أخذت نفسًا عميقًا، ثم قلت بهدوء: "ربما علي أن أتعلم الضحك أكثر. ربما علي أن أخلع الجدية التي ارتديتها طوال حياتي."

ابتسمت سوسن، وقالت: "وأنا هنا لمساعدتك. لأن الضحك هو أول خطوة نحو الحرية."
 
قلت وأنا أستجمع أفكاري، متمهلًا في الإجابة:  
"لا أعتقد أنني ببغاء الفلاسفة، بل ربما أنا أبحث عن إجابات لأسئلة لم تطرح بعد. أعتقد أننا جميعًا نقتبس شيئًا من الآخرين، لكن يجب علينا أن نتحول إلى شيء مختلف بعد ذلك. هل تصدقين أنني في بعض الأحيان أخشى أن أكون مجرد نسخة مبتذلة لشيء آخر؟"

سوسن نظرت إليّ، وكان وجهها الآن يعكس مزيجًا من الجدية والحيرة. قالت بهدوء:  
"الحقيقة أنني لا أظن أن الفلاسفة هم من يملكون الأجوبة، بل هم من ساعدونا على طرح الأسئلة الصحيحة. لكنك على حق، تبني أفكارهم دون أن تضع لمستك الخاصة هو ما سيجعلك محاصرًا في أفكارهم."

فجأة، شعرت بشيء غريب في جو الغرفة، كأن كلماتها قد أغرقتني في بحر من التأملات. سألتها:  
"وماذا لو كانت الأفكار ليست مجرد وسيلة لفهم الحياة، بل هي طريقة للهروب منها؟ ماذا لو كان الفلاسفة كلهم يبحثون عن مخرج من عبء الوجود؟"

ابتسمت سوسن، ولكن ابتسامتها كانت مليئة بالشفافية، كما لو أنها قد قرأت أفكاري قبل أن أقولها.  
"هل تحاول أن تقول إن الحياة لا تحتاج إلى تفسير؟ ربما. لكن الحياة لا تُترك فقط للتفسير الفلسفي، بل هي مجموعة من اللحظات التي نعيشها، حتى ولو كانت عبثية. ربما الضحك هو أقرب طريقة لفهم كل ذلك."

قلت بنبرة أهدأ:  
"لكن الضحك ليس حلاً دائمًا. أحيانًا يكون مجرد تغطية لما في داخلنا من فراغ."

سوسن تابعت حديثها وكأنها لم تسمع اعتراضي:  
"وأحيانًا يكون الضحك هو السبيل الوحيد لبناء الجسر بيننا وبين الآخرين. الحياة ليست ثابتة، لذا لا يمكن أن نثبت على فكرة واحدة أو فلسفة واحدة. نحن نتطور، نضحك، نبكي، ونتعلم. هذا هو جوهر الوجود."

نظرت إليها وأنا أفكر في كلماتها. ربما كانت على حق. ربما كان التوازن بين الجدية والضحك هو ما يجعل الحياة تحتفظ بجمالها. لكن، ماذا عن الفلسفة؟ هل كنت أحاول الهروب إليها لأنها كانت وسيلتي الوحيدة لفهم تعقيد الحياة؟

قلت أخيرًا:  
"ربما الضحك هو الحل، لكنني أحتاج أيضًا إلى تلك اللحظات التي أكون فيها جادًا مع نفسي، تلك التي أستطيع فيها مواجهة العالم دون أن أكون مخدرًا بحماقة الحياة."

سوسن ربتت على يدي بلطف وقالت:  
"أنت لست مخدرًا بحماقة الحياة، بل أنت تبحث عن المعنى فيها. وأحيانًا، المعنى لا يكون في الكلمة، بل في الصمت بين الكلمات. ربما الضحك ليس عبثًا، بل هو الوسيلة التي نلجأ إليها عندما لا نعرف كيف نواجه واقعنا."

كانت تلك الكلمات كأنها فتحت أمامي بابًا جديدًا لفهم نفسي والحياة. ربما لم أكن بحاجة إلى أن أجد إجابة قاطعة، بل فقط أن أتعلم كيف أعيش اللحظة بكل ما فيها من ضحك وحزن، جديّة وعبث.

وضعت فنجان قهوتي جانبًا، وقلت:  
"ربما علينا أن نضحك أكثر، لكن من دون أن ننسى أننا نعيش، وأن الحياة تستحق كل لحظة فيها، سواء كانت مضحكة أم محزنة."

سوسن ابتسمت، وقالت:  
"أعتقد أن هذه هي بداية الفلسفة الحقيقية."
 
اقترب مني النادل وقال بابتسامة غامضة:  
"أراك يا سيد محمد، جالسًا هنا كل يوم، كأنك تنظر إلى شيء بعيد لا أحد يراه سواك."  
نظرت إليه بهدوء، كأنني أبحث عن إجابة داخل سؤاله:  
"ألا ترى سوسن كما أراها؟"  
قال النادل، وقد بدا على وجهه مزيج من الاستفهام والقلق:  
"أنت تأتي هنا منذ سنة، دائمًا وحدك. لكن اليوم، هناك شيء غريب في عينيك. كل العملاء شعروا بشيء غير طبيعي، ولا أعرف كيف أصفه. شعرت أنني أفقد الاتصال بك."  

حينها، توقف الزمن لحظة في عقلي. كنت أنظر إلى فنجاني المليء بالقهوة، وأحاول أن أتلمس حقيقة ما يحدث. هل كنت أعيش مع سوسن حقًا أم أنني كنت في عالم آخر، عالم من الخيال؟ هل كانت هي جزءًا من الحقيقة أم جزءًا من وحدتي التي بدأت تكبر يوماً بعد يوم؟  
فجأة، بدأ كلام النادل يتردد في رأسي، كما لو أنه نبضٌ يخفق بين جوانحي.  
"هل كانت سوسن مجرد خيال؟ هل كنت أعيش في عالم منفصل؟"  

انشغل عقلي في البحث عن إجابة. كانت تلك اللحظة التي أدركت فيها أنني ربما كنت قد فقدت اتصالي بالواقع، وأنني كنت أبحث في ظلال الأشياء عن شيء مفقود. وداخل صمت المقهى، الذي بدأ يشعر بثقل أفكاري، بدأت أتمعن في الكلمة التي قالها النادل. لماذا شعرت بنوع من الرعب في عيون الناس؟ لماذا تغيرت نظرتهم لي، كما لو أنني لم أعد أعيش في نفس العالم الذي يعيشون فيه؟  
هل كنت أختبئ خلف صورة سوسن في عقلي، وأهمل حقيقة وجودي؟  

حاولت أن أجد تفسيرًا لما أشعر به. كانت سوسن دائماً تشرق في ذهني وكأنها الطيف الذي يلاحقني، ولكن هل كان ذلك لأنني أحتاج إليها بشدة، أم أنني كنت أحتاج إلى الهروب من نفسي؟

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

الخريطة التي تقودني إليك

 رواية الخريطة التي تقودني  إليك  بقلم  جوزيف مونينغر المقدمة يوم التخرج إنها والدتك، من بين الجميع، هي التي تلتقط الصورة المثالية لك ولصديق...