بحث هذه المدونة الإلكترونية

الخميس، 2 يناير 2025

انما الحياة حلم (مترجمة)


 **انما الحياة حلم**

 


 


مسرحية بقلم 

بيدرو كالديرون دي لا باركا

 



**الشخصيات**

- **باسيليو**: ملك بولندا.  
- **سيجيسموند**: ابنه.  
- **أستولفو**: ابن أخيه.  
- **إستريلا**: ابنة أخته.  
- **كلوتالدو**: جنرال في خدمة باسيليو.  
- **روزاورا**: سيدة من موسكو.  
- **فيف**: خادمها المرافق.

- **رئيس الغرفة، لوردات في الانتظار، ضباط، جنود، وغيرهم في خدمة باسيليو.**

**مكان الأحداث**

- تقع أحداث المشهد الأول والثالث على حدود بولندا.  
- أما أحداث المشهد الثاني فتدور في وارسو.  

**ملاحظات تمهيدية**  
بما أن هذا الإصدار من مسرحية كالديرون ليس مخصصًا للتمثيل، يمكن تخيل مشهد جبلي أوسع وأكثر ارتفاعًا مما يمكن تمثيله فعليًا، ليُظهر نزول روزاورا في الفصل الأول وصعود الجنود في الفصل الأخير.  
أما عن الإهمال الواضح من الحراس المكلفين بمراقبة السجين السياسي، فضلاً عن كثير من الأمور الأخرى (لكن ليس كلها!) التي تتحدى المنطق في هذا العمل الدرامي العاصف، فإنني أترك كالديرون ليبررها. فقد كان جمهوره غير ناقد للتفاصيل أو المعقولية، طالما أن القصة قوية، سريعة، ومليئة بالإثارة والمواقف الخلابة.

 

**الفصل الأول**

**المشهد الأول**  
**ممر بين الصخور، فوقه تتراجع عاصفة، والشمس تغرب: في المقدمة، عند منتصف الطريق نزولاً، حصن.**  

*(تظهر أولاً "روزاورا" على قمة الصخور مرتدية زي الرجال وكأنها قادمة من على ظهر حصان، يليها "فيف.")*

**روزاورا**  
ها أنتِ هناك، أيتها الوحش ذو الأرجل الأربع،  
يا مخلوقاً نشأ من الغضب، بلا عقل  
ولا لجام يسيطر عليكِ،  
هل شبعتي أخيراً؟  
عندما رعدت السماء وومضت البرق،  
وقد أثرت أذنيكِ نحو العلى  
واندفعتِ تحطمين الصخور  
وتطلقين الشرر بحوافر قدميكِ،  
ألقيتِ بفارسِكِ المنكود الحظ  
إلى العاصفة مجدداً؟  
إذاً، ابقي هنا لتموتي جوعاً وعطشاً،  
أو لتجدي "فيثون" آخر متهوراً مثلكِ،  
أما أنا، وقد أرهقتني هذه الرحلة،  
سأكمل الطريق وحدي  
عبر هذا الجبل المظلم الذي يواجه الشمس.

**فيف** *(متحدثاً إلى بغلته)*  
ها أنتِ أيضاً، أيتها البغلة اللعينة،  
يا برقاً بأذنين طويلتين، إعصاراً بذيل،  
يا مخلوقاً كأنما اجتمع فيه كل غضب الطبيعة،  
(وأكاد أن أفقد صوتي من كثرة السباب)،  
لأن علية القوم قرروا أن يبدأوا في الركل،  
ففكرتِ، بذكائكِ العظيم، أن تثبتي  
نبل أخلاقكِ بإلقائي من الخلف  
نحو مركز الجاذبية الأكثر جذباً.  
إذاً، استلقي حيثما صنعتِ سريركِ،  
أياً كان الطقس—مطر أو شمس،  
دعيني وشأني!  
الجوع يلتهمكِ، الشياطين تركبكِ،  
والعواصف تضربكِ حتى تكتسي بالسواد والأزرق!  
*(ملتفتاً إلى روزاورا)*  
أعتقد أنني أستطيع أن أجاريكِ في هذا النوع من التوبيخ.

**روزاورا**  
آه، يا فيف الطيب، صاحب المزمار المرح والوفي،  
سواء جاءنا الحظ أو الشقاء، لا يخرج عن نغمه أبداً.  
ما بالك؟ أنت في نفس الموقف أيضاً؟

**فيف**  
نعم يا سيدتي—أقصد سيدي—وأتمنى،  
عندما تحكين مغامراتكِ في وقت آخر بنغمة سامية،  
ألا تنسي الساقي الوفي  
الذي رافقكِ في مغامرتكِ كـ"دون كيخوتي."

**روزاورا**  
حسناً، يا صاحبي العزيز، لندع "بيغاسوس" جانباً،  
الذي بالكاد كان نافعاً أكثر من خيولنا.  
يقال إنه لا ينبغي لأحد أن يحرم الآخر  
من اللذة الوحيدة المتبقية له:  
الغناء على أحزانه الخاصة.  
وهي لذة، كما يقول أحد الفلاسفة العظماء،  
تستحق مواجهة المصاعب فقط لتتمكن من البكاء عليها،  
أو كما وصفها شاعر ما: "ترف الأسى."

**فيف**  
لو كان الفيلسوف أو الشاعر بدلاً من البغلة التي ألقت بي،  
كنت سأختبر نظريته على ظهره.  
ولكن، هل كُسرت أي عظام، سيدتي—أعني سيدي؟

**روزاورا**  
خدش صغير يمكن لضمادة أن تشفيه—  
وأنت؟

**فيف**  
خدش في "النوع"، لا في "الجوهر"—  
لكن ليس على ظهري؛ فجراحي كلها خلفية.  
ولكن كما قلتِ، لنتوقف عن هذه النغمة،  
التي يبدو أنني كلما بدأت فيها  
عادت تلاحقني.  
ما الذي يمكننا فعله الآن؟  
نحن غارقان تماماً،  
وأكاد أختنق بالشعر الذي يبدو أنه  
كل ما سنعيش عليه هنا. 

 

**روز**:  
ماذا؟ هل نفد زادنا أيضًا؟  

**فيف**:  
نعم، ذلك الوحش  
حمل كل ما نملك،  
الملابس والطعام وكل شيء.  

**روز**:  
والآن الشمس،  
صديقنا الوحيد ومرشدنا، توشك أن تغيب  
خلف خشبة الأرض.  

**فيف**:  
وتأتي الليل،  
بردائها وقبعتها – وندعو الله  
أن تأتي ومعها فانوسها أيضًا.  

**روز**:  
آه، أشك  
أن الليلة ستكون مظلمة،  
أو ربما تنطفئ تلك الفانوس البالية  
بعد استهلاك شهر كامل.  
حسنًا! سواء كان جيدًا أو سيئًا،  
على ظهر حصان أو سيرًا على الأقدام،  
هذا هو الباب الذي سيدخلني بولندا.  
ورغم أنها تستقبل ضيوفها  
بأحجارها، وتجبرهم على كتابة وصولهم  
بدمائهم،  
إلا أن الموت على عتبتها الحجرية  
أفضل من العيش دون انتقام في موسكو.  

**فيف**:  
يا لها من روح عظيمة تملكها بعض النساء – أقصد  
بعض الرجال...  

**روز**:  
آه يا فيف، فيف، كما تحبني،  
أرجوك أن تتقن ذلك الجزء البسيط  
وإلا سينهار كل شيء!  

**فيف**:  
آه، سأفعل،  
لو وجدنا أحدًا لنؤدي أمامه.  
لكن حقًا، هل سيصدق أحد  
أن جنية ما استبدلتنا ونحن رضع،  
طفلين في نفس المهد؟  

**روز**:  
حسنًا، كما تشاء،  
هذا يذكرني بما كان علي التفكير فيه من قبل،  
ولكن الأفضل أن تأتي متأخرًا من ألا تأتي.  
أنت تعرف أنني أحبك،  
وأعرف أنك تحبني،  
وقد تبعتني بإخلاص حتى هذه اللحظة  
في مغامرتي الجنونية.  
حسنًا! الآن، وقد أوصلتني بأمان إلى هنا –  
آمنًا إن لم يكن سالمًا تمامًا –  
لماذا لا تعود أنت من حيث أتينا،  
الآن وقد زال العاصفة،  
وتترك لي هذا الجانب من الجبل،  
لتجد طريقك عائدًا إلى الوطن العزيز؟  

**فيف**:  
أن أتركك هنا  
وحدك، سيدتي – أقصد سيدي –  
في بلد غريب – بين البرابرة...  
آه، الآن أعرف... تريدين التخلص مني  
لخوفي من عثرات لساني...  

**روز**:  
لا، لا، لا!  
أريدك معي لآلاف الأسباب  
التي لا تعد تلك إلا واحدة منها.  
هيا، شجّع نفسك،  
وإن غنّيت مجددًا: "ما يأتي خيرًا أو شرًا"،  
فليكن ذلك شعارنا، لأننا لن نفترق  
إلا بإشارتك.  

**فيف**:  
اتفقنا.  

**روز**:  
لنبدأ الآن: "اتبعني،  
أيها الجنيات الصغيرة."  

**فيف**:  
نعم، وأكمل:  
"نتبع الظلام كما الحلم"،  
لأننا نسير في أثره.  

**روز**:  
لا، نسير خلف الشمس،  
في محاولة للإمساك بأذيالها البراقة  
التي تعلق بالجبل وهي تغرب.  

**فيف**:  
آه، هو نفسه يفلت دائمًا،  
كما لو أنه سمع حديثك،  
وغاص بعيدًا كطائر ماء مذعور.  

**روز**:  
حسنًا، علينا أن نتبعه كيفما أمكننا.  
بولندا ليست بلادًا واسعة،  
وبما أنها غنية بالرجال والوسائل،  
فلا تكاد تترك بضع فدادين  
على حدود جبالها بلا سكان.  

**فيف**:  
لعلها كذلك،  
ويا ليتنا نجد ما يليق بالبشر والدواب.  

**روز**:  
ابق قريبًا، ولا تدع قدميك تخدعك.  

**فيف**:  
أما الحيوانات،  
فلو لم نجد طعامًا لها،  
قد تجعل منا طعامًا لأنفسها –  
الدببة، الأسود، الذئاب...  

**روز**:  
لا تخف.  

**فيف**:  
أو ربما،  
إن لم نجد وحوشًا،  
رجالًا أشرس،  
آكلي لحوم البشر، برابرة عراة  
لم يعرفوا الخياط إلا بالطعم.  

**روز**:  
انظر، انظر!  
إلا إن كانت مخيلتي تخدعني مع الشفق –  
هناك، بين الصخور يا فيف –  
بعض المساكن البشرية، بلا شك،  
أم تظنها مجرد صخرة مزقتها الأرض  
في زلزال كهذا الذي شهدناه،  
ووضعتها بين الصخور كأنها بناء وهمي؟  

**فيف**:  
الأرجح ذلك، أخشى.  

**روز**:  
لا، لا—انظري!  
مربع من الظلام ينفتح هناك—  

**فيف**:  
آه، لا أحب مثل هذه الفتحات كثيرًا!  

**روز**:  
كأنها نول الليل،  
الذي يغزل منه عباءته المظلمة—  

**فيف**:  
سيدي، سيدتي، أرجوكما، كفا عن هذا الطابع المأساوي  
في وقت ومكان كهذا—  

**روز**:  
والآن، انظري مجددًا،  
داخل هذا المربع المظلم، هناك ضوء  
يخطو بخطوات مترددة،  
مثلنا تمامًا، يشق الظلام  
لكنه يزيد الليل سوادًا في البعيد.  

**فيف**:  
لو كنا نستطيع أن نحذو حذوه،  
كما يفعل أحد الإنجليز بمصباحه الأحمر،  
لكنا تحدينا غروب الشمس—اسمع! إنها سلسلة!  

**روز**:  
والآن مصباح، مصباح! ثم اليد  
التي تحمله.  

**فيف**:  
يا إلهي! تلك السلسلة المخيفة!  

**روز**:  
والآن حامل المصباح، حقًا  
أعجوبة كما في حكايات العرب،  
عملاق مخيف، مهيب،  
رغم الجلد الذي يلفه.  

**فيف**:  
إنه جلده!  
آه، إنه رجل بري من الغابة؛ سمعت  
أنهم يبنون ويحملون المشاعل—  

**روز**:  
لم يحمل قرد من قبل  
جبينًا كهذا أمام السماوات—  
ومقيد بالسلاسل كما قلت!—  

**فيف**:  
آه، تلك السلسلة المخيفة!  

**روز**:  
والآن يضع المصباح بجانبه،  
ويمسك بشعره المتشابك بيد واحدة  
ويتنهّد كأن قلبه سينفطر—  

*(في هذه الأثناء يدخل سيجيسموند من الحصن، حاملاً شعلة.)*  

**سيجيسموند**:  
مرة أخرى هدأت العاصفة،  
وهي تشق صخور الله وهي تنسحب؛  
لكنها تجنّبت ما كان يجب أن تدمره،  
هذه القطعة المشينة من عمل البشر،  
وكل من بداخلها. آه، كم من مرة،  
كم مرة، في الداخل أو هنا في الخارج، انتظرت،  
وصلّيت في سريرتي أن تمتد يد السماء  
لتسدد الضربة التي لم أجرؤ أنا على تسديدها،  
خشية ما هو أسوأ، كما يقولون، في الآخرة،  
وأظل أتحمل حتى يأتي يوم الخلاص،  
ليمسح في النهاية كل الحزن عن عيون البشر،  
ويجعل هذا الحكم الثقيل واضحًا.  

وهكذا تحملت حتى الآن، ولا زلت أصبر،  
منكمشًا في عجز قاتم يومًا بعد يوم،  
حتى تثيرني مثل هذه الانفجارات من العناصر  
مثل هذه، وتوقظ النار النائمة بداخلي؛  
وأقف هنا على عتبة  
ليلة أخرى تغلق الباب  
على يوم بائس لتفتح  
على يوم أكثر بؤسًا لأنه يوم جديد؛—  

مرة أخرى، أيها السماوات المتوحشة، أسألكم—  
أنا، أنظر إلى تلك العيون القاسية  
التي، بعدما غابت الشمس الكبرى،  
تبدأ في التجمع في السماء المستمعة؛  
في كل الدوائر البراقة التي سافرتوها  
حول هذا المسرح المليء بالآلام البشرية،  
ما هو الحزن الأعظم الذي شاهدتموه  
من خلال هذا الشق الضيق الذي تشهدونه الآن؟  

**فيف**:  
إنه شاعر بلا شك، يلقي قصيدة عيد ميلاد؛  
لا عجب أننا وقعنا في فخ القافية.  

**روز**:  
صمتًا! انظر الآن،  
ينهض ويتجول  
بقدر ما تسمح له سلاسله—  

**سيجيسموند**:  
وإن كانت السلسلة  
التي ساعدتم على تثبيتها حولي تضيق  
منذ طفولة بريئة خالية من الذنب،  
فبأي ذنب في الطموح أو الفكر  
أُدان؟

سوى في مقاومة ظلم  
يجلب الانتقام على خطأ لم أرتكبه.  
بالإقصاء من الإرث الحر  
الذي وُلدت له جميع الكائنات الحية،  
سواي؛ من أجنحة  
تحلق في زرقائكم اللامحدودة،  
إلى الكائنات الصغيرة الصامتة المقيّدة بالمقاييس،  
التي تبقى حرة تتجول، تنساب، وتعبر  
في ذلك الزفير الأزرق السفلي، حيث  
تعكسون أنتم أنفسكم فيه!  

**روز**:  
أي لغز هذا؟  

**فيف**:  
إنه مجنون،  
هذا هو اللغز كله. ولهذا هو مقيّد بالسلاسل،  
ولهذا أيضًا—

 

**سيجسموند**:  
ليست الحياة البريئة للطبيعة وحدها...  
بل تلك التي تعيش على الدم والنهب؛  
أعطيت حرية أكبر لتقتل  
بني جنسها الأبرياء، طغاة السماء  
يحلقون عاليًا مع فرائسهم الصارخة،  
يجعلون السماء النقية تسكب دماً  
على مسرح الأرض السفلى، حيث الأسد، والذئب، والدب،  
وتلك التي تلبس الغدر على حريرها،  
حاملةً أشكالًا ونجومًا كحالكم،  
تتسابق بسفك حيّ  
عبر حدود قفص الجبل،  
بينما أنا، البريء من الدماء،  
مملوء بالطموح والقدرة  
أصارع الجنون يومًا بعد يوم  
في غضب لا طائل منه!  

**فيفي**:  
يا له من تفسير لما يجري مع حماري المتمرد!  

**روزورا**:  
صه!  

**سيجسموند**:  
ولكن إذا كان القتل هو القانون،  
الذي به تزدهر المخلوقات،  
حتى البشر العميان ضميرياً،  
يُبقون رفاقهم المذنبين أحرارًا،  
تحت رعايتكم المشؤومة،  
يتحالفون في ميثاق غامض  
ضد رجل بريء ضعيف،  
يستخدمون حريتهم ليقتلوا حريتي،  
ويؤدون صمتًا كأسيادهم في السماوات،  
يلبسون قناع الظلام،  
ويشيرون إلى السماء حينما أسألهم  
عن الأوامر التي ينفذونها!  

**روزورا**:  
كما توقعت... مسكين! روح معذبة،  
ظُلمت من البشر، تعاني بلا انتقام، كحالي!  
بل أسوأ مني بكثير، إذ قُيدت يداه  
عن الانتقام ممن يستحقونه.  
أما أنا، التي سخرت من السماء قبل قليل  
لاتهامها بسكب كل غضبها علي،  
فها أنا أرى إنسانًا  
يجمع فتات ألمي ليجعل منه وليمة حزنه.  
يا للمسكين!  

**فيفي**:  
تحدثي بصوت منخفض؛ قد يسمعك.  

**روزورا**:  
وإذا سمعني، ماذا في ذلك؟  
حتى لو أراد إيذائي، لا أظنه يستطيع.  
وحتى لو استطاع،  
فلن أبالي بمجازفة حياة بالكاد أجد لها قيمة.  

**سيجسموند**:  
من هناك؟! كلوثالدو؟ من أنتم  
تجرؤون على دخول هذه الصخور المحرمة  
لتعبثوا بحياتي البائسة  
وحياتكم أيضًا؟  

**روزورا**:  
لن تؤذيني، أليس كذلك؟  

**سيجسموند**:  
ليس أنا، ولكن أولئك،  
مثل السلاسل الحديدية التي يقتلونني بها  
بموت بطيء، سيقتلونكم سريعًا.  
من أنتم؟  

**روزورا**:  
غريب من خلف الجبال،  
ضل طريقه في هذا البلد الغريب  
وحلول الليل قاده إلى ما بدا  
أنه مأوى بشري مختبئ بين الصخور،  
وحيث صوت الحزن البشري  
أكد له أنه كذلك.  

**سيجسموند**:  
أوه؟ اقترب إذن—اقترب أكثر—  
لأني عبر هذه النيران الضعيفة  
قد أرى للحظة فقط من يتحدث  
بصوت يفيض بالشفقة.  

**فيفي**:  
احترسي! احترسي!  

**روزورا**:  
آه، مسكين، وأنا التي بالكاد أستطيع  
أن أساعدك بأكثر من شفقة عقيمة  
أو حضور باهت—  

**سيجسموند**:  
ليت ذلك يكون كل شيء!  
لكن هذه اللحظات القليلة  
ويا للأسف! نعمة الحصول على شيء  
والخوف من فقدانه  
تخنق الكلمات حتى في اللحظة التي تحتاج إليها،  
فمن يأس محض  
للحفاظ عليك، ربما أُمزق نفسي إرباً!  

**فيفي**:  
أوه! يكفي كلماته كدليل على ذلك.  

**سيجسموند**:  
تخيل، إن كنت أنت، الذي يتحرك بحرية  
ويعيش بين أهله في حلاوة الوئام،  
تشعر بعد ساعة من الضياع  
بالجوع والعطش لصوت بشري  
أو وجه يغذي نظرك،  
فما بالك بمن يعيش في الصمت، أو القسوة،  
حيث حتى وجه القسوة العاري  
أفضل من قناعها؟  
ما وراء الجبل إذن! ما وراء الجبل!  
ماذا لو أن العالم الآخر الذي يتحدثون عنه  
لا يبعد إلا وراء الجبل،  
لكنني لن أراه إلا بالموت،  
وأنتِ ملاك منه؟  

**روزورا**:  
آه! آه!  
لست ملاكًا! والوجه الذي تظنه جميلاً  
ليس إلا إطارًا كئيبًا صنعته هذه الصخور،  
والعالم الذي أتيت منه...  
آه، آه، فيه الكثير من الوجوه  
ليست إلا أقنعة جميلة تخفي قلوبًا سوداء،  
أو تجلب لحاملها الويل!  
أما عنك—إذا كنتُ، بالصدفة،  
أستطيع مساعدتك فيما أبحث عنه.  
لقد سمعتك تلوم السماء على ما يحدث،  
والبشر لتنفيذ ما أرى أمامي الآن.  
ولكن لماذا، ومن هؤلاء  
الذين يفعلون، وأنت الذي تعاني—  

**سيجسموند** (مشيرًا إلى الأعلى):  
اسألهم،  
كما فعلت الليلة، وكما فعلت مرارًا،  
وسألت دون جدوى.  

**روزورا**:  
لكن، لا بد، لا بد—  

**سيجسموند**:  
اسمعي!  
إنه بوق الحراس لإغلاقنا.  
لو أنهم وجدوك!—أسرعي! خلف الصخور!  
إلى الغد—إذا كان هناك غد—  

**روزورا** (تلقي بسيفها نحوه):  
خذ سيفي!  

(تختبئ روزورا وفيفي بين الصخور؛ يدخل كلوثالدو)  

**كلوثالدو**:  
هذه الأيام العاصفة التي تحب رؤية نهايتها  
ليست سوى مسكنات رديئة، سيجسموند،  
تعد الليل بشيء أسوأ.  
ولكن هذه الليلة تبدو أكثر اضطرابًا.  
ماذا؟ سيف؟  
إلى الداخل!  

(يدخل الجنود بأقنعة سوداء ومشاعل)  

**فيفي**:  
يا لها من حفلة تنكرية ممتعة!  

**كلوثالدو**:  
أي حارس هذا  
سيدفع ثمن ذلك. في غضون ذلك،  
هذا السلاح كان له صاحب. أحضروه،  
حيًا أو ميتًا.  

**سيجسموند**:  
كلوثالدو! أيها الطيب كلوثالدو!—  

**كلوثالدو** (للجنود المحيطين بسيجسموند، وآخرين يبحثون بين الصخور):  
أنتم تعرفون واجبكم.  

**الجنود** (يُحضِرون روزورا وفيفي):  
ها هما اثنان منهما،  
ربما المزيد ليتبع—  

**كلوثالدو**:  
من أنتم،  
الذين، في تحدٍ للمرسوم المعروف،  
توجدون عند سقوط الليل في هذا المكان؟  

 

**فيفي**:  
يا سيدي، إنها—أعني، إنه—  

**روزورا**:  
اصمت يا فيفي،  
ودعني أتحدث عنا كليهما.—نحن رجلان أجنبيان،  
جهلان بقوانين بلدكم وإعلاناته،  
ولو عرفنا، لما استطعنا السيطرة على وحوشنا الجامحة  
التي، مذعورة من العاصفة بين صخوركم،  
ألقت بنا هنا على حسابنا.  

**فيفي**:  
حماري—  

**كلوثالدو**:  
أجانب؟ من أي بلد؟  

**روزورا**:  
من موسكو.  

**كلوثالدو**:  
وإلى أين متجهان؟  

**روزورا**:  
إلى هنا—إن كانت هذه هي بولندا؛  
ولكن بلا نية سيئة تجاهها، ولذلك  
نجد من غير اللائق أن يتم إيقافنا  
على عتبتها بهذه الطريقة غير المتمدنة.  

**كلوثالدو**:  
إلى أين في بولندا؟  

**روزورا**:  
إلى العاصمة.  

**كلوثالدو**:  
ولأي غرض؟  

**روزورا**:  
دلني على الطريق،  
وسأخبرك بجوابي.  

**كلوثالدو** (بصوت منخفض):  
شجاعة وسرعة في الرد،  
ومع ذلك شاب جدًا—و—  
(بصوت عالٍ):  
حسنًا،  
ولكن عملك لم يكن بالتأكيد مع الرجل  
الذي وجدناك معه؟  

**روزورا**:  
كان أول من رأيناه—  
وكغريبين تائهين كما كنا،  
كما كنت ستفعل في مثل حالنا،  
تحدثنا إليه فورًا.  

**كلوثالدو**:  
ولكن ماذا عن هذا السيف؟  

**روزورا**:  
ألقيته نحوه.  

**كلوثالدو**:  
ولماذا؟  

**روزورا**:  
ولماذا؟ سوى ليأخذ حقه  
ممن يعاملونه بهذا الظلم.  

**كلوثالدو**:  
هكذا إذًا!  
حسنًا، يبدو أن مثل هذه الشجاعة لا تزال تفتقر إلى لحية  
ولا أظنها ستنمو قريبًا.  
إذن، عليّ أن آخذكما، أنتما وسيفك،  
سجناء.  

**فيفي** (مقدمًا عصاه):  
تفضل خذ عصاي أيضًا، وسأكون سعيدًا يا سيدي؛  
لقد أعطيتها لحماري هذا  
بلا أي فائدة تُذكر.  

**روزورا**:  
أما سيفي، فقد أخذته،  
فلعله يجلب لنا بعض اللطف  
أكثر مما لقيناه حتى الآن.  

**كلوثالدو** (يفحص السيف):  
يا للغموض!  
من أين حصلت على هذا السلاح؟  

**روزورا**:  
من والدي.  

**كلوثالدو**:  
وهل تعرف من أين حصل عليه؟  

**روزورا**:  
أوه، نعم:  
من أحد أبناء هذه الأرض البولندية،  
الذي وعد بالعودة، لو أتيحت الفرصة،  
لرد الجميل الذي تلقاه في موسكو،  
وترك هذا السيف كرهينة لذلك—  
ولكن يبدو أنه لم يتحقق بعد.  

**كلوثالدو** (لنفسه):  
يا للصدفة العجيبة—أو ربما العناية الإلهية!  
السيف الذي تركته بنفسي في موسكو،  
عندما كانت هذه الشعيرات البيضاء سوداء، كذكرى  
امتنانًا لرجل أنقذني عندما كنت جريحًا  
أقاتل ضد بلاده؛  
أعادني إلى منزله،  
وعاملني كأخ حتى تعافيت،  
ربما لأعود لأقاتله مرة أخرى.  
والآن، يعود سيفي إلى يدي  
من خلاله—إن لم يكن هو ابنه—  
ولكن، بصفته كذلك،  
واجب عليّ أن أظهر الإيمان حتى  
يسقط القناع الزائف عن مرتديه.  
(بصوت عالٍ):  
حسنًا، لقد أوقفت هذه الصدفة العجيبة  
العقوبة السريعة والحادة  
التي كانت ستنزل بجرأتك أو مصيرك السيئ:  
جزءًا من ذلك يعود لصغر سنك—معذرة،  
ولا تمس حيث لا يجيب السيف—  
يجعلك تحت رعايتي؛ ليس حياتك فقط،  
التي كادت أن تضيع بسبب هذا الحدث المؤسف؛  
بل حتى مهمتك، التي لحسن الحظ،  
تتوافق مع عملي،  
وتقودني إلى النقطة التي تهدف إليها.  

**روزورا**:  
إلى العاصمة؟  

**كلوثالدو**:  
نعم، إلى العاصمة؛ بل حتى  
إلى عاصمة العواصم، إلى البلاط الملكي:  
حيث يمكنك أن تقدم قضيتك، وأعدك، أن تكسب  
العفو عن هذا التعدي الذي تدعي أنه غير مقصود،  
وتمضي قدمًا في ما لديك في قلبك،  
معي لدعمك بكل ما أستطيع؛  
شريطة أن يكون ذلك في إطار الولاء  
لأولئك الذين، بحكم الولاء الطبيعي،  
أرتبط بهم أولًا.  

**روزورا**:  
كما تقدم عرضك، أقبله؛  
مع وعد مماثل من جانبي  
بالولاء لك ولأولئك الذين تخدمهم،  
مع احتفاظ مماثل لما هو أقرب وأعز لدي.  

**كلوثالدو**:  
يكفي، يكفي؛  
يدك؛ هذا اتفاق بيننا. وفي الوقت نفسه،  
ستستريح هنا الليلة. وعند شروق الشمس  
سننطلق معًا في الطريق.  

**روزورا**:  
وهكذا، ما كنت ألومه على أنه سوء حظ،  
يقودني مباشرة إلى حيث تهدف رغباتي.  

(يخرجون.)  

 

**المشهد الثاني - القصر في وارسو**

يدخل من جانب أستولفو، دوق موسكو، مع موكبه: ومن الجانب الآخر، الأميرة استريلا، مع موكبها.

**أستولفو:**  
ابنة عمي الملكية، إن كنت قريبة الدم،  
حتى هذا اللقاء المبارك الذي لم يُعرف إلا قليلاً،  
حتى كل ما وعدت به الجمال في الزهور  
أصبح الآن قد تفتح ليصير أروع،  
فقد لُقِينا أخيرًا، ويا ليتنا نكون...

**استريلا:**  
كفى، سيدي،  
من المجاملات التي قد يتقنها بعض  
خياط البلاط لك، والتي، صدقني، لا تكفي أبدًا  
لتغطية القلب الذي يخبئه هذا الفم المزين بالكلمات.

**أستولفو:**  
لا، ولكن حقًا، ابنة عمي الجميلة...

**استريلا:**  
دع الأفعال  
تقيس كلماتك، فإن كلماتك، حقًا، لا تلائم  
درعك الحديدي الذي يرتدونه،  
إنها حقًا مجرد سخريات، ومجاملات فارغة.

**أستولفو:**  
حقًا، حقًا، أنتِ تسيئين إليَّ، ابنة عمي الملكية،  
وجميلة مثلما أنتِ ملكية، بتفسير خاطئ  
لما، حتى من أجل الغاية التي تعتقدين أنني أسعى إليها،  
إذا كان كذبًا عليكِ، سيكون كارثة عليَّ.

**استريلا:**  
لماذا، ما الذي يعنيه هذا الحديد اللامع، سيدي،  
الذي يتدفق في مؤخرة هذه الكلمات الرنانة؟  
ماذا يمكن أن يعني سوى، في حال فشلت في التملق،  
القتال أو فرض نفسي بعيدًا عن حقي الذي أدعيه؟

**أستولفو:**  
هل لا يمكنني أن أسأل نفس السؤال عنكِ،  
التي ترفرف خوذ جنودك على رأسهم  
تتجاوز الزينة التي تلبسينها في محكمة النساء؟

**استريلا:**  
ولكن فقط للدفاع عن شيء سيحاولون أخذَه مني.

**أستولفو:**  
ماذا لو قلت، سيدتي، الشيء نفسه عن جنودي؟  
لكنني لا آتي للقتال، حتى بالكلمات،  
مع سيدة جميلة وقرابتي؛  
ولا أريد أن أواجهكِ،  
عارياً، ومندحراً في خزيكِ،  
حتى يأتي الملك الحكيم ليصفي الأمر كله—  
هل تقبلين الاستماع إليَّ؟

**استريلا:**  
كما تريد.

**أستولفو:**  
أنتِ تعلمين أنه عندما كان جدنا الملك ألفونسو  
على وشك مغادرة هذا العالم، ترك  
ثلاثة أبناء؛ واحد منهم كان ابنًا، باسيل،  
الذي يلبس—أطال الله في عمره!—تاج بولندا؛  
وكانت له ابنتان: الكبرى كانت  
أمكِ، كلوريلينا، التي نالت مؤخرًا  
عرشًا أعظم من العرش البشري؛  
أما ريسيسوندا، أختي الأصغر،  
التي تزوجت أمير موسكو،  
وقدمت لي النور الذي أتمنى أن أراه  
في حياتها لسنوات عديدة.  
وفي هذه الأثناء، ملك بولندا الجيد، كما تعلمين،  
غارق في دراسات أعمق من هذا العالم،  
وأكثر انشغالًا بالنجوم من عيون السيدات،  
لم يعوض، كما طلبت بولندا،  
الوريث الذي جلبه زواج مبكر وأخذه؛  
فقدت زوجته الشابة وابنها الذي أنجبته؛  
وفي مثل هذه العزلة أصبح أكبر في السن  
مما جعل من غير الممكن أن يكون له وريث لبولندا  
سوى أطفال شقيقتيه؛ أنتِ، ابنة الأخت الكبرى؛  
وأنا، ابن الأخت الأصغر، لكن، كما يقولون،  
الحق الطبيعي للرجل لديّ  
يفوق الأولوية التي تملكها ولادتك.  
وهذا الانقسام الذي أصبح صاخبًا وخطيرًا،  
أمرنا، عمنا الملك باسيل، بتنبؤه وتقديم تدابير له،  
أن نلتقي اليوم في مجلس رسمي  
لنحل خلافاتنا.  
ولكن بفضل الزخرفة العسكرية التي تعلن  
عن وصوله، أصبح كل حديث آخر بلا فائدة،  
ما لم يكن صدري، الذي من خلاله فقط أتنبأ بحكمة،  
يخطئ في التنبؤ، ومن ثم ينتظر هذا الاتفاق السعيد  
الذي لا أجرؤ على الحديث عنه حتى يعلن الحكيم الملك.  

(ترانيم، وما إلى ذلك. يدخل الملك باسيل مع مجلسه.)  

 

**الملك**:  
كلكم هنا.  
الملك! حفظ الله الملك!

**استريلا** (راكعة):  
يا سيدي الملك!—

**أستولفو** (راكع):  
حفظ الله جلالتكم—

**الملك**:  
قوما، قوما إليَّ، أستولفو واستريلا؛  
كما أنتما أبناء أختيّ، فإنكما الآن أكثر من أي وقت مضى أبناء لي،  
خصوصاً بعد أن جعلتُ بولندا وتاجي،  
ينظران إليكما وحدكما كخلفاء.

والآن، استمعوا، أنتم وجميع فصائل الشعب،  
وأنت أيها النبلاء والأمراء في هذا المملكة،  
وأنا أُفشي إليكم غاية هذا الاجتماع،  
بكلام، أطول من المعتاد، آمل أن لا يُقبل إلا بنجاح تام.  
أنتم، والعالم أجمع الذين لقبوني "الحكيم"،  
اعلموا أنني مدين بهذا اللقب، إن كان لي حقاً،  
لتأملاتي الطويلة في الكتاب الذي  
يظل مفتوحاً فوق رأسي—  
أعني، كتاب السماء الذي لم يقرأه الكثيرون؛  
حروفه الذهبية على ورقه الياقوتي،  
التي تميز بين نهار وليل،  
وجميع تقلبات السنة؛  
وهكذا، مع تقلباته، حيثما كانت الحروف،  
تسجل مصائر البشر.  
حتى أصبحتُ، بعينين أضعفتهما السنون،  
أسرع في متابعة النجوم من حكمها،  
وأخذتُ من يد الزمن  
عصا الوحي المتأخر.  
يا ليت السماء نفسها كانت قد كتبت على صفحتها  
موعد وفاتي قبل أن أعيش حياتي،  
وكنتُ قد تنبأت بمصيري،  
لأصبح أنا الضحية لا الجاني  
في مأساة حياتي!—لكنكم ستسمعون.  
أنتم تعلمون كيف أنني، كملوك يجب عليهم أن يضحوا من أجل شعبهم،  
ولمرة واحدة فقط كما يفعل الحكماء من أجل أنفسهم،  
قد تزوجت: واعلموا أن ملكتي  
قد توفيت أثناء ولادتها؛ لكن ليس كما تعتقدون،  
فابنها الذي مات معها، لم يمت فعلاً.  
لأنها، عندما كان وقت ولادتها قد حل،  
حلمت أثناء المخاض بأنها ترى  
ثعباناً يفتك بأمعائها. وكان من المؤكد  
(فإن العلامات السيئة غالباً ما تكون حقيقية)  
أن الابن الذي وُلد من هذه الكارثة  
دفع حياته ثمناً لولادته:  
وهكذا، مع أحداث مأساوية فظيعة،  
وُلد هذا الابن في وقت كانت السماء فيه  
تمر بكسوف رهيب  
بين الشمس والقمر،  
حيث تجلى الدم على وجهيهما  
في صراع عنيف كما لم يشهد العالم من قبل  
منذ أن بكت الأرض على موت المسيح:  
حين مشى الأموات، وتحولت المياه إلى دم،  
وتزلزلت الأرض ومدنها،  
وكأن العالم على وشك الانهيار.  
في هذا الاضطراب الهائل وُلد هذا الابن؛  
ومن هذا العمل الأول، بدأ  
تسلسل الجرائم المنبئ بها في برج مولده؛  
فهو وحشٌ عظيم في تاريخ البشر،  
كما كان في طبيعته عند ولادته؛  
وحشي، دموي، فظيع، وآثم،  
الذي لو عاش لتمزق وطنه  
كما مزق أمه بولادته؛  
ومن ثم، بدءاً من هذه الجريمة،  
سيتمم قصة دموية،  
بأن يدوس على رأس والده الفضي.  
ومع كل هذا التنبؤ، وواقعة ولادته،  
كانت نجوم السماء قد أصدرت حكماً  
ينبئني بحياة مليئة بالأهوال؛  
لذلك، وأمام هذه النبوءة المرعبة،  
قررت أن أخفيه بعيداً في برجٍ عالٍ،  
مبنيٍّ في قلب الجبال، بعيداً عن البشر،  
تحت طائلة اللعنة التي تقتضي الموت  
لمن يقترب منه،  
إلا لأولئك القلة الذين ينبغي الوثوق بهم.  
وهكذا، بينما كانوا يؤمنون له الطعام والعلاج،  
كانوا يلقنونه العلم الذي لا بد أن يعلمه  
من الإيمان المقدس وغيره من العلوم  
التي قد تسلي حياته المغلقة،  
وتجعله أقل وحشية كما تنبأت النجوم.  
والآن، وبعد كل هذه المعاناة، قررت أخيرًا  
أن أضع هذا الأمر على المحك.  
لهذا دعوتكم، أيها النبلاء والأمراء،  
ولمن أثق بهم أكثر من غيرهم،  
شهودًا على ما أعتزم فعله؛  
وهكذا سأفعل. كوتالدو،  
الذي يحرس ابني بأمانة قديمة،  
سيحضره إليكم من برجٍ في الليل،  
مغمى عليه في نوم عميق كأنما لامس الموت،  
لكن لا، هو بعيدٌ عن الموت،  
وإنما ليصحو في صباح اليوم التالي  
على سرير الملك،  
مكتمل الوعي والقدرة،  
عندما يحضر جميع النبلاء  
ليقيموه الأمير سيغيسموند، أمير بولندا.  
فإن أبدى أي من الصفات الوحشية  
التي تنبأ بها الأبراج،  
فسيعود إلى نومه،  
ليظل في السجن الذي لا يمكنه الهروب منه مرة أخرى.  
وإن حدث هذا، فحينها سيكون لي حق النظر  
في خيار آخر للعرش.

 

**أستولفو**:  
تلك الأخبار، ومن هذه الشفاه، قد توقف  
اللسان عن الإجابة المخلصة، الأكثر استعدادًا للرد؛  
ولكن إن كان جلالتكم يتطلع إلى الإجابة مني  
كمتحدث باسم فصيلتي، فأجيب  
من أجل الجميع: فليظهر سيغيسموند، الذي نسمع عنه الآن  
كميراثكم الحي،  
ولننظر إن كان في عينيكم الكافية  
يُظهر نفسه جديرًا بأن يكون ابنكم،  
حينها سنناديه وريث بولندا الشرعي.  
ماذا تقول يا ابن عمي؟

**استريلا**:  
نعم، من كل قلبي.  
ولكن إن لم يكن شبابي وجنسي يقوضانني  
من أن أتجرأ على سؤال مثل هذا من ملك حكيم—

**الملك**:  
اسألي، اسألي، يا ابنة عمي! لا شيء، أنا متأكد،  
ألا يُنظر فيه بعناية؛ بل وإن كان، فليست سوى  
أمور يمكن العذر عنها من مثل هذه الشفاه.

**استريلا**:  
إذن، مع عذرك، سيدي—إن كان سيغيسموند،  
ابن عمي، الذي سأسعد أن ألقبه  
أمير بولندا أيضًا، كما تقترح،  
قادم إلى اختبار يتوقف عليه  
أكثر من، كما أظن، الحياة نفسها،  
لماذا، سيدي، في حالة اضطراب النوم التي جلبته  
إلى هذا الصراع غير المؤكد مع أبراجه؟

**الملك**:  
أحسنتِ السؤال! فليكن الجواب حكيمًا!  
لأن الأمر غير مؤكد، أترين؟  
لأني أظن أنني أستطيع أن أميز بين  
الضباب الذي يصيب الرجل المستيقظ فجأة  
والوحش الذي نخشاه؛  
إن كان مضطربًا، مذهولًا، وغير متوازن،  
كما قد يحدث لأكثر الناس عقلًا ومدنية  
في ظروف غريبة كهذه—بل وأكثر من ذلك،  
إن تحرك ليظهر أي انفجار غير الدم،  
فكل شيء سيكون على ما يرام معه؛ وكم سيكون أفضل،  
إن أظهر من وسط هذه الفوضى السحرية  
قرارًا هادئًا يكاد لا يهتز أمام ضربة كهذه!  
لكن إن أظهر شغفًا وحشيًا غير مسيطر عليه  
وضرب يمينًا وشمالًا كالوحش المتوقع،  
لابد من إعادة قيده على الفور؛  
حينها سيكون الألم واليأس المضاعف،  
من تلك اللحظات القصيرة من الحرية السعيدة  
التي تم سلبها منه، ولن تعود أبدًا.  
وهو أقل بكثير، إن دخل على مسرح المجد  
من خلال باب كهذا الذي يجعل من كل شيء بينه  
وما بينه حلمًا.

**استريلا**:  
أجابك بلطف، سيدي، عن سؤال  
قد يتطلب من البعض أقل حكمة عذرًا!  
ولكنني الآن سأنتظر، بفرح، ما كنت سأنتظره  
بدون تعليم.

**أستولفو**:  
جلالتكم لا تشك فيَّ،  
ولا في أن قلبي يتبع شفتَيّ ابنة عمي،  
أيًا كانت نتائج الميزان المشكوك فيه،  
لا زلت مخلصًا لأمرك.

**الجميع**:  
هكذا يقول الجميع.

**الملك**:  
كنت آمل، وتوقعت، من الجميع هذا  
ولا شك أن أي ملك لم يكن بحاجة  
إلى المزيد من حب وولاء شعبه أكثر من الآن.  
لأنني في حالة صعبة،  
حين أواجه هذا الاختبار، لا أحضر ابني الأمير فقط،  
بل أيضًا نفسي، ملككم:  
وأيًا كان ما سيحدث له،  
فسيكون لي من الشرف أقل من القليل.  
فإن أثبتت هذه المحاكمة  
أنني قد أخفيت حق ابني،  
أفليس القاضي نفسه مذنبًا في  
خزي الأب؟ وإن ثبت خطأ القاضي،  
وأن ابني قد حُرم من حقه،  
فسيكون الخزي والندم على القاضي والأب معًا:  
إلا إذا غمرهما الندم والخزي معًا  
بأن ما رميته كان لا يستحق.

لكن هيا—وقد أرهقكم السفر،  
ولم تجدوا الراحة من هذه القصة الغريبة،  
إلى أن تأتي الساعات التي تخرج الشمس فيها  
لنجتمع على المائدة المعتادة،  
كل إلى غرفته الخاصة: أنتم للراحة؛  
وأنا لأخطط مع كوتالدو القديم  
أفضل طريقة لشيء أغرب من أي شيء  
كان الزمن قد سجله.

**خروج الجميع.**

 

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

الخريطة التي تقودني إليك

 رواية الخريطة التي تقودني  إليك  بقلم  جوزيف مونينغر المقدمة يوم التخرج إنها والدتك، من بين الجميع، هي التي تلتقط الصورة المثالية لك ولصديق...