مرافئ النار و الضباب
في صباح غائم، كانت الشمس تتسلل بصعوبة عبر السماء الضبابية، وأنا، حكم بن يحيى الغزال، وقفت على شاطئ الأندلس، أراقب الأمواج تتلاطم على الصخور كما كانت أفكاري تتلاطم في رأس. لم أكن أدرك في تلك اللحظة أن هذا اليوم سيكون بداية المغامرة التي ستغير مصيري إلى الأبد.
قبل أيام قليلة، كنت في القصر، في مجلس الأمير محمد بن عبد الرحمن الأوسط. كان الجو مشحونًا بالهدوء الذي يسبق العاصفة. ها أنا ذا أمام الأمير، الذي لم أكن أراه غاضبًا هكذا من قبل. عينيه، اللتين طالما رأيت فيهما الحكمة، أصبحتا حدقتين غارقتين في لهيب الغضب. السبب كان حديثي عن زرياب، هذا الاسم الذي يسطع في سماء الأندلس كالنجم. ليتني لم أفعل ذلك. ليتني لم أجرؤ على التحدث عن زرياب بهذه الطريقة.
قال الأمير بنبرة خالية من العاطفة:
"يا حكم، لقد تطاولت على زرياب، تاج الأندلس. ومن يمسّه فكأنما مس دولتي. لكنني أرى في قلمك موهبة عظيمة ولسانك فصيح. لهذا سأستثمر مهاراتك في خدمة الأندلس. سأوفدك إلى ملك القراصنة في بلاد الدنمارك. هناك سيكون امتحانًا حقيقيًا لشجاعتك ووفائك لبلادك."
صُدمت، ولكن لم يكن لدي خيار. على عجل، تركت الأندلس وراءي، وكان البحر يحاصرني بسكونه الغامض. سفينتي كانت تسير على المياه كأنها لا تحملني إلى مكان، بل إلى مصير مجهول. ومع كل ميل كنت أبتعد عن شواطئ الأندلس، كان شيئًا غريبًا يتسرب إلى أعماقي، وكأن البحر يحمل رسالة مجهولة.
عندما وصلت إلى الدنمارك، كان كل شيء مختلفًا. الجو بارد، مريب، كأن العالم هنا مغلف بضباب كثيف من الغموض. قابلني ملك القراصنة هوريك، وجهه عابس، كأنما يحمل آلام العالم على كاهله. كانت عينيه، تلك العيون التي كانت مفعمة بالحكمة، تحمل شيئًا أكثر من الحزن.
قلت له بصوت هادئ: "لم أكن أتوقع أن أكون هنا."
قال بصوت متقطع، وهو يطوي يديه أمامه: "ابنتي هيلينا اختطفتها قبيلة غروتير المعادية، وأحتاج إلى مساعدتك لاستعادتها. لا مجال للخطأ، ولا وقت للندم."
في تلك اللحظة، شعرت بشيء عميق في داخلي، شيء لا أستطيع تفسيره. ربما كان هذا هو الاختبار الذي كنت أبحث عنه. لم يكن الأمر مجرد نزاع بين قبائل، بل كان شيئًا أكبر من ذلك. كان اختبارًا لنفسي، لمفاهيم الشجاعة، والولاء، والإيمان.لاحت امامي صورة الامير عبدالرحمن الاوسط و هو يتحدث عن الولاء.
انطلقنا في رحلة محفوفة بالمخاطر عبر الغابات المظلمة والأراضي الجليدية، حيث كان الظلام يلفنا كعباءة سحرية تخفي خطواتنا. الطريق كان وعرة، محفوفة بالعواقب التي تنتظرنا في كل زاوية، لكن أعيننا كانت معلقة بهدف واحد: الوصول إلى هيلينا واستعادتها. كنت أراقب الملك هوريك، ورأيت في عينيه أملًا هشًا، وكأنه يخشى أن يكون سعيه مجرد وهم.
حين وصلنا إلى تخوم معسكر الخاطفين، رأيت ما كنت أتوقعه: حراس مدججون بالسلاح، نيران تشتعل وسط الساحة، وأصوات صاخبة توحي أنهم لا يشعرون بأي تهديد. ولكننا كنا هناك، في العتمة، نخطط لتحطيم هذا الإحساس الزائف بالأمان.
الخطة كانت واضحة، لكنها محفوفة بالمخاطر. كان علينا أن نحفر طريقنا تحت الأرض، أن نصنع ممراً خفياً يصل بنا إلى الخيمة التي تحتجز فيها هيلينا دون أن نثير الشبهات. لم يكن لدينا سوى السكاكين والخناجر الصغيرة، لكن الأرض هنا كانت رخوة، مشبعة بالمياه المتجمدة، مما جعل الحفر أقل صعوبة مما تخيلنا. بدأنا العمل بصمت، نتناوب على الحفر بينما يتولى الآخرون مراقبة الحراس، كل نفس نأخذه كان مختنقًا بالترقب.
مع مرور الوقت، بدأ الخندق يأخذ شكله. أصابعنا تجمدت من البرد، لكن لم يكن هناك خيار آخر. تسللت التربة تحت أظافرنا، وعرقنا اختلط بالطين، لكن مع كل حركة كان الهدف يقترب أكثر. كنت أستطيع تخيل هيلينا هناك، وحدها، وسط الخيمة، لا تعلم أن الأرض تحتها تتحرك لتنقذها.
عندما وصلنا أخيرًا إلى نقطة قريبة من الخيمة، أوقفت رجالي بإشارة من يدي. صوت الحراس كان لا يزال مسموعًا فوقنا، حديثهم تخلله ضحكات وعبارات متفرقة عن الفدية التي سيطلبونها مقابل الفتاة. شعرت بالغضب يشتعل في صدري، لكنني كبحته—لم يحن وقت القتال بعد.
بهدوء، دفعت التربة المتبقية بيدي، صنعت فجوة صغيرة تسمح لي بالنظر إلى الداخل. رأيت هيلينا جالسة في زاوية الخيمة، مقيدة اليدين، عيناها تحدقان في الأرض بشرود، لكنها لم تكن مستسلمة. كان هناك شيء في ملامحها يوحي بأنها تقاتل، حتى لو كان صمتها يوحي بالعكس.
خرجت ببطء من الحفرة الى داخل الخيمة، حتى أصبحت خلفها. وضعت يدي على كتفها بلطف وهمست:
"لا تصرخي. جئت لأخرجك من هنا."
شهقت بخفوت، وعندما التفتت ورأتني، لمحت في عينيها دهشة امتزجت بالأمل. لم يكن لدينا وقت، قطعنا الحبال بسرعة، وأشرت إليها بالنزول إلى الخندق. أخذت نفسًا عميقًا قبل أن تتبعني، وأثناء ذلك، سمعت صوت أقدام تقترب. قلبت نظري إلى الأعلى، فرأيت ظل حارس يتوقف أمام باب الخيمة.
حبست أنفاسي. ثوانٍ فقط، وكانت تعني الفرق بين الحياة والموت.
الليل كان كثيفًا، والهواء باردًا كأنفاس الموتى. لم يكن لدينا وقت للتردد. ألقيت نظرة سريعة حولي، فأدركت أن الحراس لم يكونوا بعيدين، لكنهم لم يتوقعوا منا التحرك بهذه السرعة. أمسكت بيد هيلينا، وشعرت برجفانها، ليس خوفًا، بل توترًا من المجهول الذي ينتظرنا.
خرجنا من الخيمة بخفة الذئاب، لكن لم تمر سوى لحظات حتى دوّى صوت إنذار، وصوت الأبواق مزّق سكون الليل. ركضنا بين الأشجار، والقراصنة من خلفنا كأنهم أشباح خرجت من أعماق الجحيم. كنت أعلم أننا لن نصل بعيدًا إن استمر الأمر على هذا النحو.
"هناك!" صرخت هيلينا وهي تشير إلى قارب صغير كان مربوطًا على ضفة النهر. لم أفكر، قفزت أولًا ثم سحبتها معي. دفعت القارب بعيدًا عن الشاطئ، لكن سهام الأعداء بدأت تنهال علينا كالمطر. واحدة منها مزّقت طرف ردائي، وأخرى استقرت في الماء بجانبي.
"لن ننجو هكذا!" صرخت هيلينا، وأنا أمسك المجدافين وأدفع القارب بكل ما أوتيت من قوة. كان الظلام حليفنا الوحيد، فقد اختفينا بسرعة وسط الضباب الكثيف. لم أسمع سوى صوت أنفاسي اللاهثة، وارتجاف الماء تحت القارب.
حين وصلنا إلى الجانب الآخر من النهر، نظرت إلى هيلينا. كانت عيناها تشعّان بشيء جديد، شيء يشبه الحياة التي كادت تُسلب منها. "أنت شجاع، و بطل"، قالت وهي تحاول تهدئة أنفاسها. لكنني لم أشعر بالشجاعة، بل بشيء آخر... شيء لا أستطيع تسميته بعد.
حين عدنا إلى قصر الملك هوريك، كانت نظراته تحمل مزيجًا من الدهشة والامتنان. "لقد وعدتني بالنجاة بها، وها أنت قد فعلت." قال بصوت خافت. لكنني كنت أفكر في شيء آخر... في الأمير محمد بن عبد الرحمن، وفي الأندلس التي تنتظرني.
لم أكن أعلم أن هذه الرحلة لن تنتهي عند هذا الحد، بل كانت البداية فقط.
قال الملك هوريك، وهو ينظر إليّ بعمق: "لقد أثبت لي الليلة أن الشجاعة لا تعرف وطنًا، ولا دينًا. لكنني أيضًا أرى أن الكلمات قد تكون سلاحًا أقوى من كل شيء. ربما هذا هو درسنا جميعًا."
صرفتُ أنظاركم عن البدايات، وأخذتكم إلى قلب الصراعات، والآن سوف أُسهب في قصتي وأُدخلكم في معمعة رحلتي، حيث تلاطمت الأمواج بي كأنها وحوش البحر الغاضبة، وحيث نازعت الرياح أشرعتي حتى كادت تمزقها، لكنني ظللت متمسكًا بالدفة، أقاوم التيارات وأتقدم وسط ظلام الليل العاصف، لا يضيء دربي سوى وميض البرق وصوت المحيط الهادر.
بعد أسابيع من الإبحار المضني، لاحت أمامي اليابسة، شريطٌ ساحلي يمتد كحد السيف، تصطف عليه القوارب الطويلة، منتظمة كحراس الزمن الذين لا ينامون. حين وطأت قدماي الأرض، شعرتُ ببرودتها تتسرب عبر جلدي، لكنها لم تكن برودة موحشة، بل كانت تحمل هيبة هذه الأرض وأهلها.
الناس هنا ليسوا كغيرهم، أجسادهم صلبة كالصخور، ووجوههم تكاد تكون منحوتة من الحديد، لكن في أعينهم وميض دفين، كجمرةٍ تختبئ تحت الرماد. لم يكن هناك وقت للترحيب الطويل، فقد اقتادني الحراس عبر ممرات حجريّة، أصوات خطواتنا تتردد كصدى في كهوف الزمن، حتى وصلتُ إلى قلب القلعة، حيث يجلس الملك في مجلسه العريق.
رجلٌ ضخم الجثة، لحيته الكثيفة متشابكة كأغصان شجرةٍ قديمة، وملابسه مرصعة بجلود الوحوش التي اصطادها بنفسه. عيناه كانتا كسيفين مسنونين، تحدقان بي بثبات، تحاولان سبر أغوار رحلتي قبل أن أنطق بحرف.
بصوتٍ جهوري دوّى في القاعة كالرعد، قال وهو يرفع كأسه:
"أيها الغريب، من أي بحر جئت؟ وهل تحمل لنا أخبارًا لم نسمعها؟ هل جلبتَ لنا قصص العواصف والمغامرات، أم أنك مجرد مسافرٍ ضلّ طريقه؟"
شعرتُ بحرارة النيران تتراقص على وجهي، وتقدمتُ خطوةً إلى الأمام. كان هذا هو الوقت المناسب لسرد حكايتي، لإنزال حمولة الأسفار من صدري، ولجذبهم إلى عالمي، حيث البحار تهمس بأسرارها، والمغامرات تُروى لا تُنسى...
كان المجلس يعج بالضوضاء، لكن صوت الملك جعل الجميع يصمتون. أمرني بالجلوس، و من هنا بدأت الحكاية.
ليلتها جلسنا حول النار، حيث كان الجو يشبه الأساطير نفسها، غامضًا ومليئًا بالأسرار. بدأ الملك يتحدث عن ديانتهم. قال:
"هل سمعت عن حرب الإيسر والفانير؟"
هززت رأسي نفيًا. ابتسم وقال:
"الإيسر والفانير هم آلهة عظيمة، لكنهم تقاتلوا لسنوات. الإيسر يمثلون النظام والقوة، بينما الفانير رمز الطبيعة والخصوبة. انتهت الحرب بمعاهدة سلام، وأصبحوا حلفاء."
كانت قصتهم أشبه بلغز. سألت نفسي: كيف يرون في هذا الصراع حكمة؟ لكن الملك أكمل حديثه عن أودين، رب الحكمة والمعرفة:
"لقد ضحّى أودين بعينه ليشرب من بئر ميمير، حيث الحكمة المطلقة. أودين يعلمنا أن لا شيء يُنال دون تضحية."
لم أستطع منع نفسي من التفكير: تضحية بالعين؟ كيف يمكن لعقل إنسان أن يقدس مثل هذا الفعل؟ لكن يبدو أن (المجوس) يرون في ذلك ذروة السعي نحو المعرفة.
ثم تحدث الملك عن ثور، إله الرعد، الذي يمسك بمطرقة تُسمى ميولنير. قال بفخر:
"ثور ليس مجرد محارب، بل حامي العدالة. نحن نؤمن أن مطرقته تحفظ التوازن في العالم."
رغم شكوكي، استمعت بإمعان، محاولًا أن أرى العالم من عيونهم.
و في اليوم التالي، دعاني الملك لحضور طقس جنائزي. كان المشهد مهيبًا. قارب خشبي كبير يحمل جثة أحد قادتهم، مزينًا بالسيوف والدروع، وحتى خيول وعبيد ميتين.
"لماذا القارب؟" سألت المترجم.
قال: "إنه ليعبر إلى فالاهالا، ديار الأبطال."
رأيت الحزن في أعينهم، لكنه كان مزيجًا من الفخر أيضًا. أُضرمت النار في القارب، وصعد الدخان كثيفًا إلى السماء. كانوا يغنون أغنية حزينة، صوتها يحمل شيئًا من وداع وشوق.
في المساء، جلست مع أحدهم، مزارع يُدعى إريك. كان بسيطًا، لكنه حدثني عن زراعة الشعير وكأنها معركته الخاصة. أخرج من جيبه سكينًا مزخرفًا، وقال:
"هذا صنع يدي. نحن لا نحارب فقط، نحن نصنع الحياة أيضًا."
تلك اللحظة شعرت أني أمام تناقض لا يمكن فهمه بسهولة. كيف يجمع هؤلاء الناس بين القسوة والإبداع، بين الحرب والحب؟
ذات ليلة، وبينما كنت أتلو سورة الإخلاص بصوت خافت، ساد المجلس صمت مفاجئ. نظر الملك إليّ وسأل:
"ما هذه الكلمات؟"
قلت: "إنها من كتابنا، القرآن. تصف الله الواحد الذي لا شريك له."
تأملني مليًا وقال:
"كلماتك جميلة، لكنها غريبة علينا. نحن نؤمن بآلهة تعيش بيننا، لها حياتها وصراعاتها. نحتاج إلى هذه القصص لنفهم العالم."
شعرت أن حديثه صادق، لكنه أبعد ما يكون عن حقيقتي و ديني السمح و شريعتي الغراء.
مرت الأشهر، وكنت قد تعلمت الكثير عنهم. ليس كلهم محاربين متعطشين للدماء. كانوا يحترمون الفن والحياة، حتى في خضم صراعاتهم.
كان العيد قد حلّ، و ليس عيد المسلمين الذي نعرفه بل عيد لدى المجوس وكل شيء كان على ما يرام، هكذا ظننت وأنا جالس على المائدة التي عُبِّئت بأنواع الطعام التي يندر أن تراها إلا في مثل هذه الاحتفالات الكبرى. "يول" كان اسماً يعرفه الجميع، عيد الشتاء الذي يُحتفل به من أجل قدوم الظلام ليطول ليلاً، ومن أجل بداية دورة جديدة في الحياة، إذ كان في النهاية مرحلة التحول، وبداية الفرح بعد المعاناة. المجوس، هؤلاء المحاربون الذين لا يعرفون الراحة، يعيدون تشكيل أنفسهم في الولائم المدهشة. كان لحم الخيول والخنازير، بالإضافة إلى خمرة العسل "الميث"، حاضراً في هذا العيد بما يكفي ليملأ البطون والأرواح.
جلست هناك أراقبهم. كان الجميع يتناولون الطعام بشهية، والوليمة كانت تحتفل بنجاح المحاربين في البحر والغزو. كنت أتذوق كل لحظة، طعم العسل يزدهر في فمي بينما كنت أراقب الموكب من الجنود والشيوخ والموسيقيين والسكالدز الذين كانوا يرويّون الأساطير. العيون تلمع بالشراب، والضحكات تعلو، لكن بين كل هذه الحماسة كان هناك شيء يثير فضولي.
بينما كانت النيران تعيث في الحقل القريب من القرية، لمحت أنا، بشكل غير متوقع، كيف التهمت النيران بيت الرجل الفقير. كانت النيران تتساقط كالسوط على الخشب الجاف في ذلك المكان، وكلما ارتفع لهبها، ارتفعت أصوات الذعر من القرويين الذين هرعوا إلى المكان. كان الجو الحار والضباب الكثيف يغلف كل شيء، في حين كانت الشمس تغرب بسرعة خلف الجبال البعيدة.
توجهت بسرعة مع الملك وبعض القادة إلى موقع الحريق، وقد كنت أركب حصاني بسرعة، وكان قلبي ينبض بشدة، لكن كل تفكيري كان ينصب على أن أجد طريقة لحماية أهل القرية من هذه الكارثة. كلما اقتربنا، كان الخوف يتصاعد مع كل ثانية تمر، ولكن ما لفت انتباهي لم يكن الحريق، بل شخص كان يظهر لي لأول مرة في هذا اليوم الحافل بالأحداث. كانت نود، المرأة التي أسمع عنها دائمًا لكنها اختارت أن تكون غائبة عن عيوننا. كان جمالها يفوق الوصف؛ عيونها التي كانت تتنقل بين الحشد كأنها تبحث عن شيء، والشعر الأسود الذي كان يلمع تحت ضوء النار.
لم أستطع منع نفسي من التحديق فيها. كانت أنفاسها تتسارع، مثلما تتسارع نبضات قلبي. هي أيضًا كانت تتنقل بين الجموع، كأنها تبحث عن شيء فقدته للتو، أو ربما كانت تشعر بشيء أكثر من مجرد فضول. كانت مشاعر غريبة تساورني حين رأيتها، وتلك اللحظات التي أمضيتها في مراقبتها جعلتني أكثر حيرة.
ثم، في تلك اللحظة الحرجة، انفجرت النار بشكل أكبر. كان اللهب يلتهم ما تبقى من البناية، ولم يكن أمامنا سوى الانتظار والتأكد من أن الجميع في الأمان. تصاعدت الألسنة النارية، وفي تلك الأثناء لم يعد أحد يهتم بالوليمة أو الخمر. كل شيء تحول إلى فوضى.
وقفت نود هناك، وأنا لا أزال أراقبها عن كثب. في وسط الفوضى، كانت هادئة، عيونها تشير إلى شيء لا أعرفه، وربما كانت تعلم أكثر مني عن تلك اللحظات التي كانت تنبض فيها الحياة والموت معاً. كانت لحظة غريبة، أعيشها وأنا أفكر فيما ستحمله الأيام القادمة، وفيما تراه نود من هذا الحريق الذي ما زال يعيث في القرية.
حين أُطفئت النيران، هدأ كل شيء ظاهريًا. عادت الأجساد إلى أماكنها، واختفت صرخات الهلع بين أنقاض البيوت المدفونة. لكن داخلي، لم يكن هناك ما يُطفأ.فالنار الحقيقية لم تكن في الحقل، بل في قلبي.
كنت أقف على حافة شيء لا أستطيع تسميته: هل هو الهوى؟ هل هو ضعف؟ أم أنها مجرد لحظة افتتان عابرة بشخص لا ينبغي أن أُفكّر فيه؟
لكن الحقيقة كانت أوضح من كل هذا: لقد دبّ لهيب الغرام في صدري، لا تجاه نود، تلك الملكة الغامضة، بل تجاه هيلينا، ابنة الملك، تلك التي أنقذتها من رماد القبيلة كما يُنقذ المرء كتابًا من حريق مكتبة مقدّسة.
كنت أراها في صمتها، في عينيها اللتين لا تنطقان كثيرًا، لكنهما تفصحان عن شيء أعمق من الكلمات.
كانت تبتسم لي أحيانًا بخجل، لكن خلف تلك الابتسامة كان سرٌ دفين، كأنها تعرف أنني سأرحل، أو أنني لا أنتمي إلى هذا الثلج ولا إلى هذا القصر.
أما نود... فكانت شيئًا آخر.الملكة التي يتحدثون عنها كمن يعرف سحر الغابات، والتي يشاع أنها لا تنام إلا حين تتأكد أن الريح لم تخن الأشجار.أدركتُ متأخرًا أن نود بدأت تقترب مني أكثر من اللازم، نظراتها كانت تقيس قلبي لا كضيفة، بل كصيّادة.
وفي إحدى الليالي، تحت ضوء نار خافتة، وضعت يدها على كفي وقالت بنبرة لا يشوبها سوى الرماد:
> "أنت غريب... لكنك أتيت في زمنٍ يفتقد الصدق.
هيلينا تشبهك في الحلم، لكنها لا تعرف من الحياة إلا السطح. أما أنا... فأنا المرأة التي تعرف كل شيء."
سحبتُ يدي، كأن نارًا أخرى اشتعلت فيها.كنت أعلم أن هذا مسار لا أطيقه، لا أريده، ولا يليق بي.أحسست بالخيانة تهمس في أذني، لا خيانة نود لابنتها فقط، بل خيانتي أنا لنفسي، لعهد قطعتُه بيني وبين السماء، حين قررت أن أكون رجلًا يسافر من أجل المعنى، لا من أجل لذّات عابرة.
لهذا، عزمت على الرحيل.لم أكن أهرب من نود وحدها، بل من رجفة القلب التي كانت تنتابني حين تمر هيلينا بقربي، من الغيم الذي صار يثقل رأسي كلما همست روحي باسمها.في مملكة تُقدّس الأساطير، كان الحب جريمة من نوعٍ آخر.
لم تكن المأدبة مألوفة في شيء، ولا الزمان زمن احتفال. مع ذلك، دُعيتُ إلى قاعةٍ عظيمة من خشب السنديان الأسود، تتدلى من سقفها رؤوس الذئاب المحنطة، وتنفث المشاعل ظلالًا راقصة على وجوه القوم. كنت الضيف الأندلسي، جالسًا في المقعد العاشر، لا أدري من أين خرج الرقم، ولكنهم رقّموا المقاعد كما يُرقّمون ضحايا القرابين في معابد الوثن القديمة.
كان حولي اثنا عشر رجلًا وامرأة، رموز القوة، وألسنة البلاط، وزُعماء السيف. وما إن قدّموا كؤوس الشراب وقطع اللحم المقدّد حتى انفتح الباب فجأة، كأن ريحًا شمالية دفعته، ودخل رجل نحيل، عيناه تلمعان كأنهما من جليد. لم يكن مدعوًا، ولم يكن غريبًا تمامًا.
همس إليّ المحارب العجوز بجانبي، وكان صمته حتى تلك اللحظة مطبقًا:
'لقد صاروا ثلاثة عشر... وقد دخل لوكي.'
لم أفهم تمامًا، لكنني شعرت بشيء يتحول. ارتجف لهب المشاعل، وانكمش الملك في جلسته، كأن الضيف الغريب سحب من القاعة روحها. تبادل الحضور نظراتٍ قصيرة، كما يتبادل الطير إشارات الخوف قبل العاصفة.
ذلك الرجل... هنريك، متمرد من سلالة الملوك، وصاحب طموح لا يعرف قيدًا. كنت أظنه منفيًّا إلى الظلال، فإذا به يجلس بيننا بلا وجل، في المقعد الثالث عشر، كأن المأدبة خُلقت له.
أما نود، الملكة، المرأة التي خُلقت من تناقض العاصفة والندى، فقد جلست على يمين الملك، ولم ترفع نظرها عنّي إلا حين دخل هنريك. آنذاك، رأيت وجهها يتبدل، كأن قناعًا من الجليد انكسر ليكشف عن جمرة دفينة. عينها لم تكن تنظر إلى هنريك، بل إليّ أنا، وكأنها تعتذر سلفًا عما ستفعله الليلة أو غدًا.
علمتُ أن الحب الذي ظننتُه ملاذًا صار سلاحًا، وأن نود، التي كانت تميل إليّ، اختارت طريقًا آخر: طريق السلطة، طريق هنريك.
في تلك الليلة لم يُسفك دم، ولكن سُفكت الثقة. وبدأت الحكاية تتشقق كأنها قشرة جليد فوق بحرٍ يغلي.
هوريك، الملك الذي أرسل في طلبي مستغيثًا، كان يجلس بجسده، بينما روحه كانت تغادر ببطء، تتسلل من بين أصابعه، ومن بين أصابع الملكة التي أمسكت بكأسها كأنها تمسك برقبة التاج. وما علمته لاحقًا كان أفظع: أن المؤامرة التي خاف منها هوريك، قد بدأت في بيته... وعلى وسادة نومه.
"من تلك الليلة، بدأت النهاية. كانت المأدبة خاتمة عهدٍ قديم، ومقدمة لحريقٍ وشيك. حين تكشفت خيوط المؤامرة، وظهرت الأدلة والوشايات، أمر الملك هوريك – بصوت يشبه همس الريح في شتاءٍ قارس – بسَجن نود في حجرتها، لا محاكمة، لا نفي، فقط عزلة... تليق بمن خانت قلبه قبل عرشه.
أما هنريك، فلم يكن بالإمكان سَوقه إلى السيف، فدمه من نسل الملوك، وتقاليدهم لا تسمح بمرأى الدم في قاعات القلاع. لكن الجبل يتحدث حين يصمت القانون. وفي صباحٍ باهت، وبينما كان يسير بين جنوده، تهدّلت من علٍ صخرة عظيمة، انزلقت من غير يدٍ ظاهرة، وطوته إلى الأبد. لم يُعلن أحد أنه أمر بقتله، لكن الصمت كان أبلغ من أي اعتراف.
وبذلك انتصر الملك الشيخ، انتصار العجوز على الطامع، والتجربة على الجنون.
ثم قال لي، بعد أيام:
'يا حكم، لقد وفيت بالعهد، ونظرتَ في عيني الريح ولم تَجْبُن. خذ ابنتي هيلينا، ولتكن بلادنا بلادك.'
لكنني رفضت، وابتسمتُ كما يبتسم العارف الذي ذاق من العاطفة طَعمها ومُرّها، وقلت له:
'مولاي، جئت في مهمة واجب، لا لأهدر ما تبقّى من عواطف قلبي. لو أني وافقت، لقتلتُ في داخلي شيئًا أعز من الحب... الوفاء للمسافة.'
ومن حينها، ما زلت أكتبُ في الليل، على خشب سفينة ستبحر قريبًا، وفي قلبي ظلّ وجه، نصفه نود... ونصفه لم يولد بعد."
"ما إن هدأت العاصفة في الشمال، حتى حملتني الرياح نحو الشرق. كانت سفينتي تمخر بحر الشمال متجهة إلى بحر إيجة، إلى قصر القيصر، حيث تنتظرني أوراق جديدة لم تُكتب بعد، ومؤامرات بلون الرخام والذهب.
أرسلني الخليفة وقال:
'لا أريدك أن تعود إلا وأنت مثخن. مثخن لا بالجراح فقط، بل بالتجارب التي تنزف منها دماء الحب والحرب معًا. ليكن قلبك سيفًا، ولسانك جناحًا، وعينك ميزانًا.'
وهكذا، لم أعد سفيرًا فقط، بل ظلًا يحمل في صدره ذكريات نود، وخرائط المؤامرة، وأحلامًا لا تعرف النوم. كنت أعلم أن قصر القيصر لن يكون كقصور الفايكنغ، وأن الحب هناك قد يلبس قناعًا آخر، أخطر، وأشد بريقًا.
لكنني لم أعد أخشى الوجوه المتقنعة، فقد عرفت من قبل كيف يخونك مَن أحبك، وكيف ينقذك مَن لا تعرف اسمه."
فما إن رفضت الكأس حتى تبدّلت نظراتهم. رأيت في عيني القيصر توفلس نظرةً لا أفهمها، مزيجًا من خيبة ودهشة، كأنما ظنّ أنني سأتخلى عن مبادئي عند أول امتحان، أو ربما كان يتوقع مني مجاملةً شكلية تدخلني في دائرة الرضا الملكي. أما زوجته، فقد انسحبت بصمت، وعيناها تتابعاني كما يتابع نسرٌ جريح فريسةً أفلتت من مخالبه. أما الفتى، ابن القيصر، ذاك الشاب الوسيم ذو الشعر الأشقر المجعّد، فقد رمقني بنظرة مستترة، فيها شيء من السخرية الهادئة، ثم مال نحو أبيه وهمس بكلمات لم أسمعها، لكني أحسست بها في عظامي.
كنت أدرك أن بلاط القسطنطينية ليس كغيره، وأن كل حركة وكل نظرة هناك تُحسب، وكل رفض يُؤوّل، وكل كلمة تُسجَّل وتُستخدم لاحقًا. لم أكن جاهلًا بما يحيط بي، لكنني كنت تائهًا بين ولاء قلبي لديني وولاء عقلي لنجاح مهمتي. ولأول مرة، شعرتُ بثقل الغربة يضغط على صدري لا كحزن بل كقرار.
في تلك الليلة، حين عدت إلى الغرفة التي خصصوها لي في أحد أجنحة القصر، جلست قرب نافذتي أتأمل السماء، وكانت ملبدة بسحب رمادية كأنها جيوش معلقة بين الأرض والنجوم. وهناك، وسط تلك العتمة، تذكرت.
تذكرت كيف هربت بجلدي من قبضة العباسيين العاتية، يوم كانوا يضربون رقاب كل من وُشِي بأنه مناصر لبني أمية. كيف دسستُ الكتب في تجاويف الحائط، ودفنتُ خاتم والدي تحت شجرة الرمّان قرب بئرٍ قديم. كيف بكيت لأول مرة دون أن أصدر صوتًا، وأنا أركض في الظلام بين البيوت الطينية، أبحث عن درب لا يعرفني فيه أحد.
لم أكن فقط أهرب من العباسيين، بل من ظلالي القديمة، من خيانات الصحبة، من ماضٍ شعرتُ فيه أنني وُلدت في زمنٍ لا يناسب روحي.
حين وطئت قدمي أرض الأندلس، ظننت أنني وصلت، لكنني كنت فقط أبدّل قيدًا بقيد، وسورًا بسور. هناك وجدت زرياب، ذاك الطائر الغريب الذي شغل الناس فنًّا وأدبًا. حاولت أن أشاركه الضوء، لكنه ابتلع المجد كله وحده. وبدل أن نكون رفيقين في الكلمة، كنت خصمًا في نظرهم، لأنني ببساطة، لم أكن زرياب.
ثم دفعتني خطايا لساني، وسوء تأويلي للقلوب، إلى هذا الشتات. إلى شمال الأرض حيث الثلج دين، والدماء لغة، والنساء يحملن السيوف كما يحملن أطفالهن. وهناك، في ظلال النار والدخان، أنقذتُ هيلينا، تلك الفتاة التي لم يكن لي بها شأن، لكنها أنقذتني أيضًا من وهمٍ قديم بأنني غريب في كل أرض.
والآن، في القسطنطينية، أنا ما زلت غريبًا. السجاد الناعم لا يغري قدميّ التي اعتادت خشونة المراكب. والكؤوس المتلألئة لا تروي عطشي لحقيقةٍ واحدة. حقيقة أنني — حكم بن يحيى الغزال — سفير، لا فقط للأندلس، بل للإنسان في وجه المجهول.
تأملتُ شعري المتشابك، وجسدي المتعب، وقلمي الذي جفّ حبره منذ أسابيع، وقلت لنفسي: "يا غزال، كم وطنًا تحتاج حتى تعرف نفسك؟ وكم بحرًا يجب أن تعبر حتى ترسو؟"
لكن الجواب، كما دائمًا، لم يأتِ.
ففي بلاد الآلهة، لا تجيبك السماء، بل تختبرك الأرض.
.jpeg)


ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق