صبح الاندلس
اعترافات على ضفة شنيل
في زقاق ضيق من أزقة روما القديمة، حيث الجدران المتداعية تهمس بأسرار الزمن، كنت أركض بخطواتٍ مترددة كأنما أهرب من ظلٍّ يلتصق بي. الناس من حولي يعيشون حياتهم، يتحدثون، يبتسمون، لكنني كنت عالقًا في دوامة من الماضي. اسمي رفائيل، وقد اقترفت خطيئة لا أستطيع محوها: دفعت راهبًا من فوق سقالة كنيسة سانتا ماريا في أراشيلي. لم أقصد قتله، لكن يدي خانتني، والحياة انزلقت من جسده أمام عينيّ. مذّاك، وروحه تطاردني كأنها عدوٌ لا يكلّ.
هربت. تركت إيطاليا بأكملها، تركت الشوارع التي عرفتني والصوت الذي كان يناديني باسمي. سافرت إلى الأندلس، متخفيًا في ثيابٍ بسيطة، محاولًا نسيان كل شيء. لكن الذكريات كالندوب، تبقى محفورة في الروح. وصلت إلى قرطبة، مدينةٍ تبدو كأنها حلمٌ من الجمال والروحانية. كنت أتجول في شوارعها الحجرية، أتأمل عمارتها الإسلامية، وأبحث عن شيءٍ لم أكن أعلم ماهيته.
وفي أحد الأزقة المظلمة، صادفت رجلاً مسنًا، وجهه يشبه الحكمة ذاتها. عيناه تريان أكثر مما يجب، وابتسامته خفيفة كأنها تعرف سرّي. قال لي: "الفلسفة هي الحكمة، يا بني. إنها مرآة ترى فيها نفسك والعالم." عرفت لاحقًا أنه ابن رشد، الفيلسوف الذي تتحدث عنه قرطبة بأكملها. كلماته أصابتني في الصميم، لكنها لم تخفف وطأة الذنب الذي أحمله.
كنت أمضي أيامي بين التأمل في جامع قرطبة، وبين صراعي الداخلي. الأعمدة الرخامية والقباب الشامخة كانت تأخذني لعالم آخر، لكن شبح الراهب كان يعيدني كل مرة إلى تلك اللحظة التي غيرت حياتي. الليل كان لي خصمًا شرسًا، ينزع عني النوم ويتركني وحيدًا مع أفكاري.
ثم جاءت صبح. لا أعرف كيف بدأت الحكاية معها، لكنها ظهرت كأنها قدرٌ مكتوب. كانت جميلة إلى حدٍّ مربك؛ بشرتها بيضاء كضوء القمر، وعيناها تشبهان نافذةً مفتوحة على سماء جديدة. قالت لي إنها من مجريط، مدينة لم أسمع بها من قبل، وإن الإسلام غيّر حياتها. صوتها كان ناعمًا، لكنه مليء بالقوة. تحدثت عن الفقه والرياضيات والفلك، وعن عشقها للموسيقى التي قالت إنها لغة الروح.
كانت صبح كل ما لم أكنه؛ قوية، مؤمنة، متصالحة مع ذاتها. لكنها كانت تعرف أنني لست كذلك. قالت لي ذات مرة: "لا يمكنك الهروب من ماضيك. لكن يمكنك أن تواجهه وتجعله جزءًا من رحلتك." كنت أنظر إليها وأتساءل: هل يمكن أن تكون هي طريقي إلى الغفران؟ أم أنها اختبارٌ جديد لروحي الممزقة؟
مع كل لقاء، كنت أضيع أكثر بين عالميْن: عالمي القديم الذي يعج بالذنب، وعالمها الذي يدعوني للسلام. كنت أشعر أن السماء تهمس لي كل ليلة، تطلب مني الاعتراف بحمل الماضي، وأن أتركه خلفي.
الآن، بينما أجلس هنا على ضفة نهر شنيل، أشعر أنني أقف عند مفترق طرق. هل أختار الحب؟ أم أختار الإيمان؟ أم أن الحكمة الحقيقية، تلك التي تحدث عنها ابن رشد، هي أن أجد حلاً وسط بين الاثنين؟ لا أعرف. لكنني أدرك شيئًا واحدًا: هذه الرحلة ستغيرني إلى الأبد.
اعترافات على ضفة شنيل
في زقاق ضيق من أزقة روما القديمة، حيث الجدران المتداعية تهمس بأسرار الزمن، كنت أركض بخطواتٍ مترددة كأنما أهرب من ظلٍّ يلتصق بي. الناس من حولي يعيشون حياتهم، يتحدثون، يبتسمون، لكنني كنت عالقًا في دوامة من الماضي. اسمي رفائيل، وقد اقترفت خطيئة لا أستطيع محوها: دفعت راهبًا من فوق سقالة كنيسة سانتا ماريا في أراشيلي. لم أقصد قتله، لكن يدي خانتني، والحياة انزلقت من جسده أمام عينيّ. مذّاك، وروحه تطاردني كأنها عدوٌ لا يكلّ.
هربت. تركت إيطاليا بأكملها، تركت الشوارع التي عرفتني والصوت الذي كان يناديني باسمي. سافرت إلى الأندلس، متخفيًا في ثيابٍ بسيطة، محاولًا نسيان كل شيء. لكن الذكريات كالندوب، تبقى محفورة في الروح. وصلت إلى قرطبة، مدينةٍ تبدو كأنها حلمٌ من الجمال والروحانية. كنت أتجول في شوارعها الحجرية، أتأمل عمارتها الإسلامية، وأبحث عن شيءٍ لم أكن أعلم ماهيته.
وفي أحد الأزقة المظلمة، صادفت رجلاً مسنًا، وجهه يشبه الحكمة ذاتها. عيناه تريان أكثر مما يجب، وابتسامته خفيفة كأنها تعرف سرّي. قال لي: "الفلسفة هي الحكمة، يا بني. إنها مرآة ترى فيها نفسك والعالم." عرفت لاحقًا أنه ابن رشد، الفيلسوف الذي تتحدث عنه قرطبة بأكملها. كلماته أصابتني في الصميم، لكنها لم تخفف وطأة الذنب الذي أحمله.
كنت أمضي أيامي بين التأمل في جامع قرطبة، وبين صراعي الداخلي. الأعمدة الرخامية والقباب الشامخة كانت تأخذني لعالم آخر، لكن شبح الراهب كان يعيدني كل مرة إلى تلك اللحظة التي غيرت حياتي. الليل كان لي خصمًا شرسًا، ينزع عني النوم ويتركني وحيدًا مع أفكاري.
ثم جاءت صبح. لا أعرف كيف بدأت الحكاية معها، لكنها ظهرت كأنها قدرٌ مكتوب. كانت جميلة إلى حدٍّ مربك؛ بشرتها بيضاء كضوء القمر، وعيناها تشبهان نافذةً مفتوحة على سماء جديدة. قالت لي إنها من مجريط، مدينة لم أسمع بها من قبل، وإن الإسلام غيّر حياتها. صوتها كان ناعمًا، لكنه مليء بالقوة. تحدثت عن الفقه والرياضيات والفلك، وعن عشقها للموسيقى التي قالت إنها لغة الروح.
كانت صبح كل ما لم أكنه؛ قوية، مؤمنة، متصالحة مع ذاتها. لكنها كانت تعرف أنني لست كذلك. قالت لي ذات مرة: "لا يمكنك الهروب من ماضيك. لكن يمكنك أن تواجهه وتجعله جزءًا من رحلتك." كنت أنظر إليها وأتساءل: هل يمكن أن تكون هي طريقي إلى الغفران؟ أم أنها اختبارٌ جديد لروحي الممزقة؟
مع كل لقاء، كنت أضيع أكثر بين عالميْن: عالمي القديم الذي يعج بالذنب، وعالمها الذي يدعوني للسلام. كنت أشعر أن السماء تهمس لي كل ليلة، تطلب مني الاعتراف بحمل الماضي، وأن أتركه خلفي.
الآن، بينما أجلس هنا على ضفة نهر شنيل، أشعر أنني أقف عند مفترق طرق. هل أختار الحب؟ أم أختار الإيمان؟ أم أن الحكمة الحقيقية، تلك التي تحدث عنها ابن رشد، هي أن أجد حلاً وسط بين الاثنين؟ لا أعرف. لكنني أدرك شيئًا واحدًا: هذه الرحلة ستغيرني إلى الأبد.
بينما كنتُ أجلس في أحد أركان جامع قرطبة، حيث الأعمدة الشامخة تمتد كأنها جسور نحو السماء، ظهر ابن رشد مجددًا. كان وقوفه هادئًا، لكن حضوره طغى على المكان كأنه روح الحكمة ذاتها. عينيه الحادتان تسللت إلى أعماقي، وكأنهما تبحثان عن أسرارٍ دفينة لم أبح بها حتى لنفسي.
قال بصوت يفيض بالوقار:
"يبدو أن روحك قلقة، يا بني. تحتاج إلى السلام. عيناك تبوحان بشيء غامض، وكأنك تحمل أثقالًا لا تُرى."
لم أستطع أن أنكر، وكلماته اخترقت صمتي كأنها صدى لما يدور داخلي. حاولت أن أجد ردًا، لكني بقيت صامتًا. فأكمل، وكأنه يقرأ أفكاري:
"الحكمة ضالة المؤمن، وهي وحدها التي تفتح لك أبواب السكينة. لكنها ليست شيئًا يُلقن أو يُمنح؛ بل تُكتسب بالصبر، وبالصدق مع الذات. هل أنت صادق مع ذاتك؟"
أحنيت رأسي قليلاً، وشعرت بالحرج. سألته:
"وكيف أبدأ، يا حكيم قرطبة؟ كيف أصل إلى هذا الصدق الذي تتحدث عنه؟"
ابتسم ابتسامة خفيفة، ثم قال:
"البداية تكون في مواجهة مخاوفك، في طرح الأسئلة التي تخشى الإجابة عنها. كثيرون يعيشون في وهم الراحة لأنهم يخافون الحقيقة. لكن الهروب من الذات لا يؤدي إلا إلى مزيد من الضياع. الحكمة تبدأ من المعرفة، والمعرفة تبدأ من الشك. تشكك، تفكر، ثم تؤمن. تلك هي طريق السكينة."
توقفت كلماته في الهواء للحظة، وكأنها تنتظر مني أن أستوعبها. شعرت بثقلها، لكنها كانت ثقلًا مريحًا، كتلك الحجارة التي تبني أساسًا قويًا. نظرت إليه وسألته:
"لكن الشك، أليس طريقًا للخوف والضياع؟ كيف أضمن ألا أضيع وأنا أسير فيه؟"
ضحك ابن رشد ضحكة قصيرة، وقال:
"الشك دون علمٍ أو رغبة في الفهم، هو ضياع. لكنه مع العلم والبحث، طريقٌ إلى اليقين. الشك كالرياح؛ يمكنها أن تطفئ شعلة صغيرة، لكنها تزيد النار اشتعالاً إن كانت قوية. فاجعل من نفسك نارًا تبحث عن الحقيقة، ولا تخشَ الرياح."
ثم أضاف، وهو يشير إلى الأعمدة المحيطة بنا:
"أترى هذه الأعمدة؟ كل منها قائم بمفرده، لكنها جزء من بناء عظيم. هكذا هي الحكمة؛ قطع متفرقة تجمعها لتصل إلى المعنى الأكبر. لا تتعجل، يا بني. كل سؤال تجيب عنه يقربك خطوة إلى السكينة."
تركني مع أفكاري ورحل , شعرت أن كلماته تنزع عني أقنعتي، وتكشف عُري روحي , خطواته كانت كصدى خفيف يتلاشى مع نور المسجد. شعرت بشيء يتغير داخلي، كأن روحي بدأت تفك قيودها شيئًا فشيئًا. ابن رشد لم يعطني إجاباتٍ مباشرة، لكنه منحني مفتاحًا؛ مفتاحًا يفتح أبواب العقل والقلب معًا.
بعد أيام، التقيت صبح مرة أخرى، في السوق. كانت تقف بين مجموعة من الرجال والنساء، بثوبها القرمزي المطرز بخيوط ذهبية. شعرت أنها كانت ترصدني بنظراتها دون أن أقترب. عندما حاولت الاقتراب، رفعت يدها كأنها تمنعني، وقالت بصوت حازم:
"لا تقترب مني حتى لا تدخل في شجار مع سيدي ابن بلنسية."
شعرت بالخجل وتراجعت، لكن فضولي دفعني لسؤالها لاحقًا. وعندما التقينا في زاوية هادئة بعيدًا عن أعين الناس...
جلستُ مع "صبح" في زاويةٍ هادئة على ضفاف نهر شنيل، حيث الهواء كان يعبق برائحة النسيم العليل. كانت تتحدث بهدوء، صوتها مثل هذه النهر المتدفق بسلاسة، يحمل معه حكاياتٍ لا تنتهي. سألتها عن قصتها، كيف انتهى بها المطاف هنا، في قلب الأندلس. نظرت إلي بعينيها العميقتين كأنها تبحث عن الكلمات التي يمكن أن توصل حقيقةً عاشت معها طويلًا.
قالت:
"ذات يوم كنتُ على دين عيسى، لكني اليوم على دين محمد. أنا قوطية الأصل، نشأتُ في أسرة أريوسية، مذهب يرى الله واحدًا، لا شريك له. في طفولتي، كنت أستمع لوالدي يتحدث عن الإيمان بوحدانية الله، وكيف أن المسيح رسولٌ وليس إلهًا. كان ذلك المعتقد يشبه النور في زمنٍ تسيطر عليه عقيدة التثليث التي فرضتها الإمبراطورية. لكن صوت الأريوسيين خفت مع الوقت، وقمعتهم الكنيسة حتى كادوا يُنسون."
كنتُ أستمع بانبهارٍ، فهي لا تحكي قصةً فقط، بل تعيد رسم مشهدٍ من الصراعات الدينية والسياسية التي عرفها العالم. سألتها:
"وكيف وجدتِ طريقك إلى الإسلام؟"
ابتسمت ابتسامة خفيفة، وقالت:
"عندما وصلت جيوش المسلمين إلى هذه الأرض، كنت أعيش في مجريط. كان القوط يعتقدون أنهم سيجدون العدل في الكنيسة، لكنها خذلتهم كما خذلت أريوس وأتباعه. عندما دخل المسلمون، رأيت فيهم عدلًا لم أره من قبل. كانت كتبهم تذكرني بما سمعته عن أريوس. القرآن يتحدث عن الله الواحد، الذي ليس كمثله شيء، وعن المسيح كرسولٍ من عند الله. وجدتُ في الإسلام الحقيقة التي كانت تغيب عني، والتي قُمع أريوس بسببها."
صمتت قليلًا، كأنها تلتقط أنفاسها أو تتذكر لحظة التغيير. ثم أضافت:
"لكن الإسلام لم يكن مجرد فكرة لاهوتية بالنسبة لي. لقد كان دعوة إلى المساواة. في ظلّ المسلمين، رأيت اليهود والمسيحيين والمسلمين يعيشون جنبًا إلى جنب. الأندلس لم تكن مثل ممالك القوط التي مزقتها الصراعات الداخلية والطغيان. كان هناك تسامحٌ هنا، وكان الدين وسيلةً لتهذيب النفوس لا أداةً للسيطرة."
أدهشتني رؤيتها الواضحة والعميقة. سألتها:
"وهل تجدين السلام الآن، بعد كل هذا؟"
هزّت رأسها برفق وقالت:
"السلام ليس محطة تصل إليها، بل طريقٌ تسير فيه. وما وجدته في الإسلام كان البوصلة التي توجهني. لكن السلام يتطلب منا أكثر من ذلك؛ يتطلب منا أن نسامح أنفسنا، وأن نعيش في توافق مع ماضينا وحاضرنا."
استمر حديثنا طويلًا. تحدثنا عن الأريوسية، وكيف أنها كانت تُعتبر هرطقةً في أعين الكنيسة الكاثوليكية، لكنها ظلت تمثل دعوةً إلى الإيمان البسيط غير المعقد. حدثتني عن القوط الذين تحولوا إلى الإسلام بعد أن وجدوا فيه صدى لعقيدتهم القديمة. وعن كيف أن الإسلام، بمرونته وتسامحه، استوعب هذا التراث المختلف وصنع منه جزءًا من حضارته.
في تلك اللحظة، أدركت أن قصتها لم تكن مجرد رحلة دينية، بل كانت قصة سياسية أيضًا. الإسلام في الأندلس لم يكن دينًا فقط، بل قوةً تُعيد صياغة المجتمعات وتجمع الشتات تحت مظلةٍ واحدة. صبح كانت تمثل هذا التحول، هذا الجسر الذي يربط بين عالمين مختلفين.
وحين غادرت، تركتني مع سؤالٍ يتردد في أعماقي:
هل كان الإسلام الذي التقته صبح مجرد عقيدةٍ جديدة، أم أنه كان قدرًا مكتوبًا لجمع شتات الأرواح التي أنهكتها صراعات السلطة والإيمان؟
كلماتها ضربت أوتارًا عميقة في نفسي. كنت أستمع إليها كمن يستمع إلى لحن قديم يعرفه لكنه لا يتذكر مصدره. سألتها:
"وهل هذا الإيمان منحك السلام؟"
ابتسمت وقالت: "السلام لا يأتي دفعة واحدة. إنه طريق، وأحيانًا يكون مليئًا بالشكوك. لكن الإيمان يمنحك البوصلة لتجد نفسك وسط هذا الطريق."
مع مرور الوقت، أصبحت صبح مرآتي، ترى ما لا أجرؤ على مواجهته في نفسي. لكنها بقيت على مسافة، كأنها تعرف أنني لم أكن مستعدًا بعد للغفران أو السلام.

كانت فلورنس أشبه بحلمٍ في يقظتي، مدينةٌ يتخللها ضوء الشمس كأنه يبارك كل زاويةٍ منها. كانت الجدران المزخرفة تحكي حكاياتٍ أقدم من الزمان، وجسور الأنهار تعكس وجوه العابرين كأنها مرايا عتيقة. أحببت فلورنس كما أحببت عينيّ أبي. كان أبي رجلاً بسيطًا، لكنه حفر في نفسي حب الجمال؛ كنا نمشي معًا في شوارع المدينة، ونتأمل الأعمال الفنية القوطية، وخصوصًا تلك التي تزين كنيسة سانتا ماريا نوفيلا أو كاتدرائية فلورنسا القديمة، والتي كانت تتوهج بروح القرون الوسطى.
كانت الطقوس في الكنيسة دائمًا مناسبة مهيبة. العشاء الرباني، أو الأفخارستيا، كان لحظة يجتمع فيها الإيمان مع الجمال. التراتيل، شموع المذبح، وصوت الجوقة الرخيم، كانت تأخذني إلى عوالم أخرى. لكنني أتذكر أيضًا مشهدًا لن يُمحى من ذاكرتي: حرق راهبٍ أمام أعين العامة. كان الراهب شجاعًا، يقف في مواجهة محاكم التفتيش، رافعًا صوته بحقيقة لا تقبل المساومة: "الأرض تدور." لم يبالِ بالنيران التي أعدوها له، بل كان كأنه يعانقها، كأن كلماته هي الشعلة التي ستستمر حتى لو انطفأت حياته.
حينما غادرت إيطاليا، حملت معي هذه الذكريات، الجمال منها والوجع. وعندما وصلت إلى قرطبة، شعرت أنني أتنفس عالمًا مختلفًا تمامًا. الأزقة هنا تتحدث العربية، لغة لم أفهمها في البداية، لكنني وقعت في غرامها. كنت أجلس في الأسواق، أستمع إلى التجار وهم يتحدثون، وفي المساجد، حيث الأئمة يلقون الخطب بصوت رخيم. كان كتاب العقد الفريد لابن عبد ربه أول نافذتي إلى هذا العالم الأدبي. قرأته مراتٍ عديدة، وكل مرة كنت أكتشف فيه كنزًا جديدًا. إنه الكتاب الذي هذّب لساني وجعلني أشعر بجمال الكلمة العربية وأنا أرتلها.
لكن قرطبة لم تعلمني العربية فقط؛ تعلمت فيها الموسيقى أيضًا. التقيت بعازف عودٍ علمني عزف الكُترة، العود الأندلسي، الذي أصبحت أنامله طريقًا إلى روحي. الموسيقى هنا ليست مجرد أنغام؛ إنها لغة تترجم المشاعر التي تعجز الكلمات عن وصفها.
ومن أروع ما رأيت في الأندلس، كان التسامح الذي جمع الناس بمختلف أديانهم وأعراقهم. التقيت بيهودي يدعى دانيال بن موشيه، كان شاعرًا ينظم الموشحات الأندلسية ببراعة مذهلة. حكى لي عن حسداي بن شبروط، الطبيب اليهودي الذي عاش قبل قرن، وكان رمزًا للتسامح في البلاط الأموي. قال لي إنه اهتم بشؤون اليهود في كل مكان، حتى إنه راسل مملكة الخزر اليهودية، وسعى لتخفيف معاناة يهود بيزنطة بالتواصل مع الملكة هيلينا البيزنطية.
في الأندلس، شعرت بمعنى الدين الحقيقي. الدين هنا لم يكن أداةً للفرقة، بل كان رابطًا قويًا بين البشر. كان الدين يصنع ما لا يصنعه العرق؛ يوحّد القلوب ويهذّب الأرواح. في هذا العالم الجديد، بدأت أفهم أن التسامح ليس ضعفًا، بل هو القوة الحقيقية التي تبني المجتمعات.
أيها القارئ، قد تتساءل لما هربت؟ ولماذا تشاجرت مع الراهب الذي كان يومًا رفيقًا لطريقي؟ سأخبرك، وإن كانت الحقيقة أثقل على لساني من الجمر.
كنت عضوًا في جماعةٍ سرية تُدعى "روما السوداء"، جماعة وُلدت من رحم الفضول، منبوذة في أعين رجال الكنيسة، لكنها كانت بالنسبة لي شعلة نورٍ في ظلام الجهل. كنا نسعى لتحصيل العلوم مهما كان مصدرها، نجمع الأشعار والأدب، ونستكشف عوالم جديدة تخشاها عقول رجال الدين.
حين انضم إلينا الراهب، بدا في البداية كواحدٍ منا، رجلاً عطِشًا للمعرفة. لكنه لم يكن كذلك. كنت أنا أول من اشتبه فيه، ربما بسبب نظراته التي كانت تراقبنا أكثر مما تشاركنا. شيئًا فشيئًا تكشفت نواياه: كان جاسوسًا، أرسله رجال الكنيسة لاختراق جماعتنا وإيقاعنا في فخ الحرق الذي لطالما تهددنا به الظلال.
اكتشفت خيانته بالصدفة. وجدته ذات ليلة في إحدى زوايا الدير المظلمة، يخبئ أوراقًا كتب فيها تفاصيل عن اجتماعاتنا وأفكارنا، كأنه يُعد ملفًا لمحاكمتنا. واجهته على الفور، فلم ينكر. قال لي بصوتٍ هادئ، لكن أشد برودة من الموت: "أنتم خطرٌ على العالم، خطرٌ على الإيمان." حاولت أن أشرح له أننا لا نسعى إلى هدم الإيمان، بل إلى بناء جسر بين العقول والقلوب، لكنه لم يكن يستمع.
تصاعد الشجار بيننا في تلك الليلة المشؤومة، على السقالة التي تطل على نهر المدينة. كان الظلام يغلفنا، إلا من ضوء شاحب ينعكس على مياهه. دفعني، فاندفعت نحوه في غريزة للدفاع عن نفسي. لم أكن أريد إيذاءه، لكن خطواتنا المرتبكة وقوتي الغاضبة دفعته إلى الخلف. انزلقت قدماه... وسقط.
لحظة سقوطه، شعرت أن الزمن تجمد. لم أسمع سوى صوت ارتطامه بالماء، ورأيت جسده يختفي بين الأمواج. كان ذلك خطأ، هكذا أقول لنفسي حتى اليوم. لكن هل كان حقًا خطأً؟ أم أن الغضب الذي غلى في داخلي كان ينتظر هذه اللحظة ليتحرر؟
هربت بعد تلك الليلة، إلى قرطبة، حيث كان يمكنني أن أبدأ من جديد، بعيدًا عن نظرات الاتهام وألسنة الجحيم التي كنت أعلم أنها ستلاحقني. لكن السؤال الذي لا يتركني: هل كانت تلك السقطة قدرًا، أم اختيارًا دفينًا في أعماقي؟
لم أكن أتصور أن لقاءً عابرًا على ضفاف نهر شانيل قد يضعني في مهب العاصفة. كنت أبحث عن سكينة في وجوه العابرين، عن ظل للحكمة في الكلمات التي تخرج من أفواه من تبقى في هذه المدينة التي تضج بأسرارها. لكنني لم أكن أعلم أن الجارية صبح، التي كنت أراها كطيف مضيء وسط الظلال، ستصبح شراكًا يكاد يطبق عليّ.
عندما بلغ مسامع ابن بلنسية أن جاريته صبح تجالس رجلاً كافراً يدعى رفائيل على نهر شانيل، استشاط غضباً وأمر بوضع عليها جنداً وحراساً، مقيداً حريتها بقبضة حديدية. كانت الشمس لا تزال تلقي بآخر خيوطها على المياه المتماوجة، حين رأيت ظلّ الحراس يتحركون عند بوابة منزلها، أدركتُ حينها أنني فقدت الاتصال بها. لا شك أن الوشاة نقلوا إليه تفاصيل ما جرى، لا يُعقل أن تُترك الألسن دون أن تلوك سيرتنا. لكنه لم يكن ليكتفي بالاستنكار، بل قرر أن يقتص. أقفل الأبواب عليها، أرسل إليها مرسولًا يحمل تهديدًا صارمًا، وأما أنا... فقد وجدت نفسي مطاردًا.
ابن بلنسية ليس رجلًا يكتفي بالتحذير. سمعته تسبقه، وهو لا يعرف للرحمة طريقًا. كان يترصدني، لكنه لم يكن يبحث عني لأجل صبح وحدها، بل كان في أثر رجل مطلوب في روما، رجل فر من قبضة العدالة. كنت أنا ذلك الرجل.
في اللحظة التي عرفتُ فيها أن ابن بلنسية رئيس الشرطة، أحسستُ أن الأرض قد ضاقت عليّ بما رحبت. لم يعد الأمر يتعلق بجارية أسرتني كلماتها أو بنظراتها التي كانت تحمل وعودًا لا تنبغي. بل أصبح أكبر، أعمق، أكثر خطورة. كان هناك من جاء من روما ليبحث عني، وكان ابن بلنسية هو من يتولى المهمة. ماذا يعرف؟ ماذا أخبروه؟
حارت بي السبل. هل أذهب إلى ابن رشد؟ الرجل الذي تدور في مدينته حكايات عن حكمته وعدله، لعلني أقنعه بأن يشتري صبح من سيدها؟ أم أبحث عن موشيه الشاعر، اليهودي الذي له صلات في قصور الخلفاء، عله يتمكن من حمل قضيتي إلى الخليفة ذاته؟ لكن كيف السبيل إلى ذلك وأنا في قلب العاصفة؟
كنت أعلم أن الوقت ليس في صفي، وأن كل دقيقة أقضيها مترددًا تقربني من قبضتهم. لم يكن أمامي سوى الاختفاء، لكن إلى متى؟ وابن رشد، هل أضعه في هذا المأزق؟ وموشيه، هل أثق به؟ الأعداء يلبسون أوجه الأصدقاء، والخيانة تباع في الأسواق كما تباع التوابل.
أصبحتُ كمن يسير على خيطٍ مشدود فوق هاويةٍ بلا قرار. لم أعد أعلم أين أفر، وأين أجد ملاذي. في الليل، جلستُ عند ركنٍ مظلم في إحدى الحانات المهجورة، أبحث عن إجابة، عن مخرج. لكن صوت خطوات الجنود على الطرقات، وصدى اسمي الذي بدأ يهمس به الناس، جعلني أدرك أن الوقت ينفد. وأن الظلام، هذه المرة، قد لا يكون ملجأً لي.
ابن بلنسية ليس رجلًا يكتفي بالتحذير. سمعته تسبقه، وهو لا يعرف للرحمة طريقًا. كان يترصدني، لكنه لم يكن يبحث عني لأجل صبح وحدها، بل كان في أثر رجل مطلوب في روما، رجل فر من قبضة العدالة. كنت أنا ذلك الرجل.
في اللحظة التي عرفتُ فيها أن ابن بلنسية رئيس الشرطة، أحسستُ أن الأرض قد ضاقت عليّ بما رحبت. لم يعد الأمر يتعلق بجارية أسرتني كلماتها أو بنظراتها التي كانت تحمل وعودًا لا تنبغي. بل أصبح أكبر، أعمق، أكثر خطورة. كان هناك من جاء من روما ليبحث عني، وكان ابن بلنسية هو من يتولى المهمة. ماذا يعرف؟ ماذا أخبروه؟
حارت بي السبل. هل أذهب إلى ابن رشد؟ الرجل الذي تدور في مدينته حكايات عن حكمته وعدله، لعلني أقنعه بأن يشتري صبح من سيدها؟ أم أبحث عن موشيه الشاعر، اليهودي الذي له صلات في قصور الخلفاء، عله يتمكن من حمل قضيتي إلى الخليفة ذاته؟ لكن كيف السبيل إلى ذلك وأنا في قلب العاصفة؟
كنت أعلم أن الوقت ليس في صفي، وأن كل دقيقة أقضيها مترددًا تقربني من قبضتهم. لم يكن أمامي سوى الاختفاء، لكن إلى متى؟ وابن رشد، هل أضعه في هذا المأزق؟ وموشيه، هل أثق به؟ الأعداء يلبسون أوجه الأصدقاء، والخيانة تباع في الأسواق كما تباع التوابل.
أصبحتُ كمن يسير على خيطٍ مشدود فوق هاويةٍ بلا قرار. لم أعد أعلم أين أفر، وأين أجد ملاذي. في الليل، جلستُ عند ركنٍ مظلم في إحدى الحانات المهجورة، أبحث عن إجابة، عن مخرج. لكن صوت خطوات الجنود على الطرقات، وصدى اسمي الذي بدأ يهمس به الناس، جعلني أدرك أن الوقت ينفد. وأن الظلام، هذه المرة، قد لا يكون ملجأً لي.
مرت ساعات الليل ثقيلة وأنا أتحدث إلى مسعود الكندي، كل كلمة أقولها كانت محورية، وكل قصة أرويها تحمل في طياتها رائحة النفي واللجوء. كنت أخشى أن ينقض عليّ ظلام الليل قبل أن أتمكن من إقناع هذا الرجل الرحيم بقبول جواري.
قلت له، "لقد فررت من قرطبة بعد أن أحاط بي الخوف والشكوك، وقررت أن أبحث عن مأوى بعيدًا عن الأنظار. لكنني لا أطلب إلا الأمان، وكأني في ساحة بين الحياة والموت. شعرت أنني لن أجد مكانًا إلا حيث يسكن الرحمة والاحتواء."
كان مسعود يستمع إليّ بهدوء، ثم سألني، "لماذا اخترت أن تصبح عبدالبرؤوف؟"
أجبته، "لأنني لا أريد أن أكون شاهداً على ماضيي، لا أريد أن يلاحقني ظلاله حيثما ذهبت. الاسم مجرد قشرة، أما الروح فهي التي ستظل هنا، تبحث عن مأوى في عالم لم يعد يعرف الرحمة."
وقف مسعود ونظر إليّ للحظة طويلة، ثم قال: "لقد أخبرتني عن معاناتك، ولكن ما يجذبني حقًا هو قصتك... قلة من الناس يملكون الشجاعة ليعيشوا كما أنت، لتروي تفاصيل حياتهم بكل صدق."
جلس مسعود إلى جانبي وأخذ نفسًا عميقًا. "بما أنك هنا وكنت في حاجة، فأنت في أمان بين يديّ. لكن تذكر، سأكون أول من يطلب رأسك إذا شعرت أنك تكذب."
كنت أشعر وكأنني دخلت في عالم آخر، عالم من الأمان حيث يمكنني أن أتنفس بحرية من جديد. وما لبثت الشمس أن بدأت تشرق، لكنها لم تشرق على يوم آخر من الخوف، بل على بداية جديدة.
هل سيظل الأمان هو الذي سيرافقني؟ أم أنني سأظل في دائرة الهروب؟ هذا ما ستكشفه الأيام.
قلت له، "لقد فررت من قرطبة بعد أن أحاط بي الخوف والشكوك، وقررت أن أبحث عن مأوى بعيدًا عن الأنظار. لكنني لا أطلب إلا الأمان، وكأني في ساحة بين الحياة والموت. شعرت أنني لن أجد مكانًا إلا حيث يسكن الرحمة والاحتواء."
كان مسعود يستمع إليّ بهدوء، ثم سألني، "لماذا اخترت أن تصبح عبدالبرؤوف؟"
أجبته، "لأنني لا أريد أن أكون شاهداً على ماضيي، لا أريد أن يلاحقني ظلاله حيثما ذهبت. الاسم مجرد قشرة، أما الروح فهي التي ستظل هنا، تبحث عن مأوى في عالم لم يعد يعرف الرحمة."
وقف مسعود ونظر إليّ للحظة طويلة، ثم قال: "لقد أخبرتني عن معاناتك، ولكن ما يجذبني حقًا هو قصتك... قلة من الناس يملكون الشجاعة ليعيشوا كما أنت، لتروي تفاصيل حياتهم بكل صدق."
جلس مسعود إلى جانبي وأخذ نفسًا عميقًا. "بما أنك هنا وكنت في حاجة، فأنت في أمان بين يديّ. لكن تذكر، سأكون أول من يطلب رأسك إذا شعرت أنك تكذب."
كنت أشعر وكأنني دخلت في عالم آخر، عالم من الأمان حيث يمكنني أن أتنفس بحرية من جديد. وما لبثت الشمس أن بدأت تشرق، لكنها لم تشرق على يوم آخر من الخوف، بل على بداية جديدة.
هل سيظل الأمان هو الذي سيرافقني؟ أم أنني سأظل في دائرة الهروب؟ هذا ما ستكشفه الأيام.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق