بحث هذه المدونة الإلكترونية

الاثنين، 30 ديسمبر 2024

أمي العودة

 أمي العودة




أنا "م"، الوريثة الصغيرة لتلك العائلة الكبيرة التي كانت تحيا في ظلال جدتي هيا، تلك المرأة التي جمعت بين القوة والهيبة، وبين الرقي والعنفوان. كانت جدتي محور عالمنا، امرأة تجسد الماضي بكل ما فيه من أصالة وعراقة، وكانت حياتنا تدور حولها كما تدور الكواكب حول شمس لا تغيب.

كبرنا في بيتٍ بين العز والهيبة، لكنه كان يكتنف تناقضات غريبة؛ الحب يرفرف في الأركان أحيانًا، والكراهية تنسلّ بين الثنايا أحيانًا أخرى، كأنما نحن في حرب خفية بين الحنان والأنانية. وبين تلك التناقضات، كانت جدتي هيا تقف كجبل شامخ، تسكنه الرياح لكنها لا تهزه.

جدتي لم تكن عادية. كانت واحدة من "إخويا" الأميرات، مزيجًا من البروتوكول والمهابة. أتذكر إحدى العزائم التي كنا نحضرها. ما إن تنهض واقفة، حتى تقف معها الأجساد، كبارًا وصغارًا، كأنما تُطلق أمرًا عسكريًا لا يُرد. لم تكن تقبل أن ينسى أحدٌ أننا جئنا لتأدية الواجب، لا لإشباع جوع البطون. كانت تقول لنا دائمًا: "من لا يعرف قدر نفسه، لا يعرف قدر أهله". كانت كلماتها كالسيف، تقطع الشك وتترك في النفس أثرًا عميقًا.

كنا خلفها مثل البطات الصغيرة، نقتفي خطواتها، نحاول تقليد هيبتها وسلوكها. لكنها كانت عصية على التقليد، شامخة كالنخيل في أرض لا تطأها الأقدام إلا بإذنها. علّمتنا أن العز ليس في الذهب ولا في الفخامة، بل في كرامة النفس واحترام الآخر.

أذكر جيدًا ذلك اليوم المشؤوم، يوم رحلت جدتي. كانت السماء دامعة كأنها تشاركنا الحزن، المطر ينهمر بغزارة، كأنما الأرض تود أن تغسل نفسها من وطأة هذا الفقد. ذلك اليوم لم يكن كأي يوم آخر. غاب فيه نور البيت، وتحولت ضحكاتنا إلى صمت، وصار المنزل الكبير موحشًا، كأنه يفقد روحه تدريجيًا.

جدتي التي كنا نراها جبلاً، غادرت. ليس في الأمر استعارة، بل حقيقة تقصم الظهر. ماتت، وتركت خلفها فراغًا لا يملؤه أحد. كنا نظن أننا نكره صرامتها أحيانًا، لكننا اكتشفنا أنها كانت الحبل السري الذي يربطنا جميعًا. حين رحلت، تفككنا، انفصلت أرواحنا كما تنفصل أوراق الخريف عن الأغصان اليابسة.

الموت ليس فقط في الأجساد. في عائلتنا، الموت كان يسكن القلوب أيضًا. كلٌ منا عاش في عالمه الخاص بعد رحيلها. الحب الذي كان يجمعنا تآكل، والمشاعر أصبحت متحجرة كأنها حجارة لا يلينها حتى الزمن. لكنني، رغم كل ذلك، أعود بذاكرتي إلى جدتي، إلى حضورها الطاغي، إلى صوتها الذي كان يملأ أرجاء البيت، وإلى نظرتها التي كانت تشبه صقور السماء.

في كل زاوية من حياتي، أشعر بخيوط الماضي تشدني نحوها. جدتي هيا لم تكن مجرد امرأة، بل كانت وطنًا. وطنًا نفتقده، نحبه، وربما نخشى الاعتراف بأنه كان أعظم مما ظننا.

 تلك المرأة التي جمعت بين القوة والحكمة، وبين الرقي والشجن. لم تكن جدتي مجرد امرأة عادية، بل كانت كتابًا مفتوحًا من القصص والحكم، موسوعة حية تروي فصولاً من ماضٍ لم نعشه، لكنه يعيش فينا.

نشأت جدتي هيا في الأحساء، في بيت تعبر نوافذه عن تراث البادية، لكنه لا يخلو من نكهة الحضر. كانت تحدثنا عن الأيام التي رأت فيها الأتراك العثمانيين يرتدون الطرابيش، وكيف كانت تلك المشاهد تثير في قلبها فضول الطفولة، وحنينًا إلى زمنٍ لم تفهمه إلا بعدما كبرت. كانت تقول: "كانوا يمرون وكأنهم يحملون على رؤوسهم أقدار الأمم، أما نحن فكنا نحمل أقدارنا في قلوبنا وعلى ظهورنا".

كانت تحب الشعر وتنظمه، لم تكن شاعرة بالمعنى الأكاديمي، بل كانت شاعرة الروح. عندما تتحدث، كان صوتها يشبه نسيم الصحراء الذي يحمل معه رائحة الزهر البري وألم الرمال الحارقة. كثيرًا ما نظمت أبياتًا عن حبها للحياة، عن معاناة الغوص في البحر، وعن البحارة الذين كانوا يتركون خلفهم أحلامهم الصغيرة في قاع الخليج. كانت تقول: "أيام الغوص كانت صعبة، لكن الأمل كان مثل اللؤلؤ، يُخلق في عمق المعاناة".

وكانت تعشق رواية قصص البادية. تحكي لنا عن جمال الحياة رغم قسوتها، عن ليالي السمر حول النار، حيث النجوم ترقص في السماء، وعن الدروب الضيقة التي كانت تسير فيها وهي صغيرة، تحلم بسماء أوسع وأفق بلا حدود. رغم تلك الأحلام، كانت دائمًا تقول: "عيشتكم اليوم أفضل من عيشتنا بالأمس. مع أن المعاناة كانت كبيرة والدروب ضيقة، إلا أن الماضي كان يحمل في طياته جمالًا لن يفهمه جيلكم المرفه".

لم تكن جدتي فقط حكاءة أو شاعرة، بل كانت رؤية في الحياة. علمتنا أن المعاناة ليست سوى جزء من النسيج الذي يصنعنا، وأن السعادة الحقيقية تكمن في القدرة على تقدير الأشياء الصغيرة. كانت تردد: "يا بناتي وأحفادي، في الماضي كنا نملك القليل ونفرح بالكثير. أما أنتم، فأنتم تملكون الكثير وتبحثون عن القليل". كلماتها كانت كجرس يرن في أرجاء الذاكرة.

عندما رحلت جدتي، شعرت وكأنني فقدت جناحي الذي كنت أطير به، كأنني نزلت من فوق سحابة بيضاء إلى أرض قاحلة، أو بالأحرى إلى أسفل سافلين. كنت أحلق في سماوات المعرفة والحب، لكن بفقدانها أصبحت عديمة الجنسية، مثل أولئك الذين يُطلق عليهم "بدون" أو "نازحين". لقد كنت بدون جدتي، وبدون روحها، وبدون تلك الحكايات التي كانت تحملني فوق كل هموم الدنيا.

الآن، أنا "م"، بلا عنوان. أخفي اسمي الحقيقي كي لا يهاجمني قطيع العائلة، لأنني كسرت جدار الصمت، وفتحت الأبواب المغلقة التي كانوا يريدون إبقاءها طي الكتمان. ربما أغضبتهم، لكنني وجدت في الكتابة ملاذًا. فهي طريقتي الوحيدة لاسترجاع هيبتها، صوتها، وحكمتها.

جدتي كانت الوطن الذي نفتقده، والبوصلة التي تعطلت بعد رحيلها. أما أنا، فما زلت أحاول أن أجد طريقي بين ضجيج هذا الزمن المرفه.

 

كانت جدتي هيا تجلس على كرسيها المعتاد في ركن المجلس، وحولها أحفادها يصغون بخشوع إلى حكاياتها التي تنبض بالحكمة والهيبة. بدأت تسرد لنا قصة الشيخ محمد بن سرار، قائلة:

"كان ابن سرار فارسًا مغوارًا، لا يهاب الموت، ولا يخشى جموع الأعداء، عاش في وادي بيشة، وحفر اسمه في ذاكرة الرجال. لكنه لم يكن قويًا فقط بسيفه، بل بحكمته وكرامته. تزوج امرأة سبيعية من آل محمد، ولكنها طلبت العودة إلى أهلها بعدما أخصبت الأرض، فلم يمنعها. بل قال لها إن أنجبت ولدًا تسميه عمر وتقص إبهامه الأيسر، وإن كانت بنتًا تسميها رمادة وتقص إبهامها اليمنى، وكأنما كان يترك أثره في أبنائه حتى عن بعد.

ومرت السنين، واشتعل رأسه شيبًا، ووهن جسده. جاءه نبأ أن قومًا أخذوا إبل جاره، وكان هذا عنده أعظم من الموت. حاول استردادها، لكنه كان عجوزًا، ولم يكن أبناؤه الآخرين في تلك الساعة يعادلون سطوته ولا هيبته. عاد إلى بيته مهزومًا، وحزنه أعمى عينيه، لكن قلبه ظل معلقًا بأمل واحد: ابنه عمر، الذي لم يره قط، لكنه كان يوقن أنه سيعود.

كان يقول: 'إن عاش ابني عمر، فلن يترك حقي ولا حق جاري.' وهكذا، تركنا مع هذه القصة نتأمل حكمة الرجال وكبرياءهم، وكيف أن الفروسية لا تُورث إلا لمن يستحقها."كانت جدتي هيا تجلس على كرسيها المعتاد في ركن المجلس، وحولها أحفادها يصغون بخشوع إلى حكاياتها التي تنبض بالحكمة والهيبة. بدأت تسرد لنا قصة الشيخ محمد بن سرار، قائلة:

"كان ابن سرار فارسًا مغوارًا، لا يهاب الموت، ولا يخشى جموع الأعداء، عاش في وادي بيشة، وحفر اسمه في ذاكرة الرجال. لكنه لم يكن قويًا فقط بسيفه، بل بحكمته وكرامته. تزوج امرأة سبيعية من آل محمد، ولكنها طلبت العودة إلى أهلها بعدما أخصبت الأرض، فلم يمنعها. بل قال لها إن أنجبت ولدًا تسميه عمر وتقص إبهامه الأيسر، وإن كانت بنتًا تسميها رمادة وتقص إبهامها اليمنى، وكأنما كان يترك أثره في أبنائه حتى عن بعد.

ومرت السنين، واشتعل رأسه شيبًا، ووهن جسده. جاءه نبأ أن قومًا أخذوا إبل جاره، وكان هذا عنده أعظم من الموت. حاول استردادها، لكنه كان عجوزًا، ولم يكن أبناؤه الآخرين في تلك الساعة يعادلون سطوته ولا هيبته. عاد إلى بيته مهزومًا، وحزنه أعمى عينيه، لكن قلبه ظل معلقًا بأمل واحد: ابنه عمر، الذي لم يره قط، لكنه كان يوقن أنه سيعود.

كان يقول: 'إن عاش ابني عمر، فلن يترك حقي ولا حق جاري.' وهكذا، تركنا مع هذه القصة نتأمل حكمة الرجال وكبرياءهم، وكيف أن الفروسية لا تُورث إلا لمن يستحقها."

لست أدري إن كانت جدتي هيا تشجعنا حقًا، أم أنها كانت تريدنا أن نستوعب الحياة بطريقتها الخاصة، عبر هيبتها التي لم يكن لها مثيل. كانت صوتًا لكل من لا صوت له، وكأنها الجدار الذي نستند إليه حين تضيق بنا الدنيا، وحين يطغى صمتها على أي عاصفة.

أتذكرها بوضوح، وهي تضع "الدريم" على شفتيها برفق، كأنه ختم من الوقار، وتلف "الشيلة" على رأسها بحذر وكأنها تاج لا يُمس، وتزين جسدها بـ"النشل" النجدي المطرز، وكأنها جزء من لوحة تراثية لا يبهت جمالها أبدًا. وجهها، بنوره الفريد، كان يحمل مزيجًا عجيبًا من الحنان والحزم، كأنه يروي قصصًا دون أن تنبس شفتيها. أما ضحكتها، فكانت عابرة للزمن، تُشبه أغنية قديمة تحيا رغم كل شيء، تملأ المكان دفئًا لا يوصف.

لم تكن جدتي بحاجة إلى خطب طويلة أو كلمات كبيرة. حضورها وحده كان كافيًا ليبني فينا معنى الكرامة. لم تكن تخبرنا ما نفعل، بل كانت تجعلنا نكتشفه بأنفسنا. ربما كانت تشجعنا بصمتها المهيب، وربما كانت تعلّمنا أن القوة الحقيقية تكمن في الأفعال، في المواقف، وفي نظرة لا تُخطئ مقصدها.

 

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

الخريطة التي تقودني إليك

 رواية الخريطة التي تقودني  إليك  بقلم  جوزيف مونينغر المقدمة يوم التخرج إنها والدتك، من بين الجميع، هي التي تلتقط الصورة المثالية لك ولصديق...