بحث هذه المدونة الإلكترونية

الثلاثاء، 19 نوفمبر 2024

سفر النصائح العظيمة

 ...سفر النصائح المثمرة...

من الأدب السنسكريتي



*الهتوباديشا*

Hitopadesa

https://franpritchett.com/00litlinks/hitopadesha_arnold/

 
كتاب كسب الأصدقاء!!

**حكاية الشِّغْبَرِ والظَّبْيِ والْغُرَابِ**

زَعَمُوا أَنَّهُ فِي غَابَةٍ تُدْعَى أَيْكَةَ الزُّهُورِ، بَعِيدَةٍ عَنْ بِلَادِ الْبَهَارِ، فِي غَيْضَةِ الشَّنْبَقِ، حَيْثُ يَعِيشُ غُرَابٌ وَظَبْيٌ فِي أُلْفَةٍ وَوُدٍّ. وَكَانَ الظَّبْيُ كَثِيرَ الْمَرَحِ، يَجُوبُ أَطْرَافَ الْغَابَةِ جَذِلًا سَعِيدًا، يَعْدُو كَمَا يَعْدُو أَبْنَاءُ جِنْسِهِ، غَيْرَ أَنَّهُ كَانَ مُكْتَنِزَ الْبَدَنِ، رَبِيلَ الْأَعْطَافِ.

 

صَادَفَ يَوْمًا أَن رَآهُ شِغْبَرٌ (ابْنُ آوَى) الَّذِي قَالَ فِي قَرَارَةِ نَفْسِهِ:
"كَمْ أَوَدُّ لَوْ تَسْنَحُ لِيَ الْفُرْصَةُ لِأَسْتَطْعِمَ هَذَا اللَّحْمَ الطَّرِيَّ الشَّهِيَّ، ذَلِكَ الَّذِي يُثِيرُ فِي النَّفْسِ شَغَفًا لَا يُوصَفُ. لَكِنَّنِي عَلَى يَقِينٍ بِأَنَّنِي لَنْ أَظْفَرَ بِمَا أَرْغَبُ إِلَّا بَعْدَ أَنْ أَكْسِبَ ثِقَتَهُ، فَحِينَئِذٍ فَقَطْ سَيَتَحَقَّقُ مُرَادِي."

وَعَلَى هَذَا الْمَنَوَالِ، أَخَذَ يَقْتَرِبُ مِنَ الظَّبْيِ، مُلْقِيًا عَلَيْهِ التَّحَايَا، وَمُجْزِلًا لَهُ الْإِحْتِرَامَ:


الشِّغْبَرُ: كَيْفَ صِحَّتُكَ؟ تَبْدُو مُوَفُورَ الصِّحَّةِ يَا صَدِيقِي!
الظَّبْيُ: وَمَنْ أَنْتَ؟ وَمَا بَالُكَ؟


الشِّغْبَرُ: أَنَا الْمِسْكِينُ الَّذِي يَعِيشُ فِي الْجِوَارِ مِثْلَ الْأَمْوَاتِ، بِلَا صَدِيقٍ يُؤْنِسُ وَحْشَتِي، أَوْ رَفِيقٍ يُبَدِّدُ كَآبَتِي. بَيْدَ أَنِّي أَشْعُرُ بِالْحُبُورِ وَالْبَشَاشَةِ حِينَمَا اِلْتَقَيْتُ بِكَ، لَكَأَنِّي حُزْتُ كُنُوزَ الدُّنْيَا، وَوُلِدْتُ مِنْ رَحِمِ الْحَيَاةِ مِنْ جَدِيدٍ بِمَعْرِفَتِكَ هَذِهِ! أَلَا تَتَّخِذُنِي لَكَ خَادِمًا مُطِيعًا وَصَاحِبًا وَثِيقًا؟


الظَّبْيُ: حَسَنًا، لِيَكُنْ مَا تُرِيدُ.

 

وَعِنْدَمَا سَحَبَ مَلِكُ النَّهَارِ الْمَهِيبُ ضَوْءَ تَاجِهِ، دَلَفَ الظَّبْيَ مُصْطَحِبَا ابْنَ آوَى إِلَى مَسْكَنِهَ. وَفِي نَفْسِ الْمَأْوَى الَّذِي يقطن فِيهِ الظَّبْيَ، يَسْكُنُ غُرَابٌ حَكِيمٌ، وَهُوَ الخل الوفي للظبي.

 

مَا أَنْ رَأَى الْإِثْنَيْنِ مُقْبِلَيْنِ، حَتَّى قَالَ لِلظَّبْيَ:


الْغُرَابُ: مَنْ هَذَا الْآخَرُ الَّذِي فِي صُحْبَتِكِ يَا صَدِيقَي؟


الظَّبْيُ: إِنَّهُ ابْنُ آوَى! يُرِيدُ صُحْبَتَنَا.


الْغُرَابُ الْحَكِيمُ: مَا كَانَ عَلَيْكِ أَنْ تُصَاحِب الْغُرَبَاءَ بِلَا سَبَبٍ. أَلَمْ تَسْمَعِ بِحِكَايَةِ النَّسْرِ الضَّرِيرِ مَعَ السِّنَّوْرِ؟ أَلَا تَعْلَمِ أَنَّهُ قَدْ قِيلَ فِيهِمْ مِنْ قَبْلُ؟


"اسْتَقْبِحْ مَبِيتَ مَنْ لَا تَعْرِفُهُ، فَقَدْ آوَى النَّسْرُ سِنَّوْرًا فَأَهْلَكَهُ."

 

الظَّبْيُ: لَا، وَكَيْفَ كَانَ ذَلِكَ؟

 

قال الغراب : 

على هذا النحو جرت احداث هذه الحكاية..



**

حكاية النسر الضرير و السنور و الطيور ؟


زَعَمُوا أَنَّهُ عَلَى ضِفَافِ نَهْرِ الْغَانْجِ، جَرَفًا صَخْرِيًّا مَنِيفًا يُدْعَى "حَالِقَ النَّسْرِ"، قَدْ نَبَتَتْ عَلَيْهِ شَجَرَةُ تِينٍ عَظِيمَةٍ مُجَوَّفَةٍ، كَانَ يَسْكُنُ فِيهَا نَسْرٌ مُسِنٌّ يُدْعَى "هَرْدَبَةَ". كَانَ النَّسْرُ قَدْ أَهْرَمَتْهُ الْأَيَّامُ، فَرَقَّ عَظْمُهُ، وَأَفَلَتْ صَلَابَتُهُ، حَتَّى أَصْبَحَ عَاجِزًا عَنْ الطَّيَرَانِ وَالْإِبْصَارِ، وَلَمْ يَعُدْ يَسْتَخْدِمُ مَخَالِبَهُ لِأَنَّهُ فَقَدَهَا.  

كَانَتِ الطُّيُورُ الَّتِي تَعِيشُ فِي عُشُوشِهَا عَلَى أَغْصَانِ الشَّجَرَةِ تَتَعَطَّفُ عَلَيْهِ، تُقَدِّمُ لَهُ الطَّعَامَ وَالشَّرَابَ. وَبِهَذَا الطَّرِيقِ كَانَ "هَرْدَبَةُ" يُدَبِّرُ أَمْرَهُ، يُكْمِلُ حَيَاتَهُ فِي سَكِينَةٍ وَرِضًا.  

فِي صَبَاحِ يَوْمٍ مِنَ الْأَيَّامِ، وَبَيْنَمَا الطُّيُورُ تَغَادِرُ أَعْشَاشَهَا لِتَقْضِيَ حَاجَاتِهَا، أَقْبَلَ سِنَّوْرٌ يُدْعَى "سَمْيع"، يَبْحَثُ عَنْ طَعَامٍ. رَاحَ يَتَلَصَّصُ بَيْنَ الْأَعْشَاشِ طَمَعًا فِي الْفِرَاخِ الصِّغَارِ، وَلَكِنْ، مَا إِنْ أَحَسَّتِ الْفِرَاخُ بِوُجُودِهِ حَتَّى طَفِقَتْ تُزَقْزِقُ بِصَوْتٍ مُدَوٍّ.  

تَنَبَّهَ "هَرْدَبَةُ" لِلضَّوْضَاءِ، وَصَاحَ بِصَوْتِهِ الْمُتَحَشْرِجِ:  
**هَرْدَبَةُ:** مَنْ هُنَاكَ؟  

رَمَقَ السِّنَّوْرُ "سَمْيع" النَّسْرَ، وَبَعْدَ أَنْ رَآهُ عَاجِزًا قَلِيلَ الْحِيلَةِ، قَرَّرَ أَنْ يَقْتَرِبَ مِنْهُ، وَقَالَ بِصَوْتٍ هَادِئٍ:  
**سَمْيع:** يَا سَيِّدِي الْمُبَجَّلَ، لَقَدْ جِئْتُ إِلَيْكَ لِأُقْرِئَكَ السَّلَامَ.  

قَاطَعَهُ النَّسْرُ، وَهُوَ يَشْتَعِلُ غَضَبًا:  
**هَرْدَبَةُ:** مَنْ أَنْتَ يَا هَذَا؟  

**سَمْيع:** أَنَا السِّنَّوْرُ.  

**هَرْدَبَةُ:** أَغْرِبْ عَنْ وَجْهِي، أَيُّهَا السِّنَّوْرُ اللَّعِينُ، وَإِلَّا مَزَّقْتُكَ إِرْبًا إِرْبًا!  

رَدَّ السِّنَّوْرُ بِهُدُوءٍ:  
**سَمْيع:** إِنِّي لَأَقْبَلُ الْمَوْتَ إِذَا كُنْتُ مِمَّنْ يَسْتَحِقُّهُ، وَلَكِنْ عَلَيْكَ أَنْ تَنْصِتَ لِي قَبْلَ هَذَا كُلِّهِ.  

**هَرْدَبَةُ:** اقْتَرِبْ إِذًا، وَهَاتِ مَا عِنْدَكَ.  

قَالَ السِّنَّوْرُ:  
**سَمْيع:** أَعِيشُ قُرْبَ نَهْرِ الْغَانْجِ، أَسْتَحِمُّ بِمِيَاهِهِ النَّمِيرَةِ، وَلَا أَسْتَطْعِمُ الْأَسْمَاكَ، وَأُمَارِسُ طُقُوسَ التَّوْبَةِ عَلَى نَهْجِ النُّسَّاكِ مِنَ الْبَرَاهِمَةِ. مَا فَتِئَتِ الْأَطْيَارُ، مِنْ بَنِي جِنْسِكَ، تُشِيدُ بِصَلَاحِكَ وَاسْتِقَامَتِكَ. جِئْتُ إِلَيْكَ لِأَتَعَلَّمَ مِنْك الشَّرِيعَةَ، فَهَلْ فِي الشَّرِيعَةِ وَالْآدَابِ قَتْلُ الضَّيْفِ؟  

وَقَالَ الشاعر: 
 
_"عَاشِرْ مَنْ النَّاسِ كِبَارَ الْعُقُولِ  
وَجَانِبِ الْجُهَّالَ أَهْلَ الْفُضُولِ  
وَاشْرَبْ نَقِيعَ السُّمِّ مِنْ عَاقِلٍ  
وَاسْكُبْ عَلَى الْأَرْضِ دَوَاءَ الْجَهُولِ".
 
**وممّا قيل في مَن لا يُكرمون الضيف:**  

لاَ أَشْتُمُ الضَّيْفَ إِلَّا أَنْ أَقُولَ لَهُ  
أَبَاتَكَ اللَّهُ فِي أَبْيَاتِ عَمَّارِ  
أَبَاتَكَ اللَّهُ فِي أَبْيَاتِ مُعْتَنِزٍ  
عَنِ الْمَكَارِمِ لاَ عَفٍّ وَلاَ قَارِ  
جَلْدِ النَّدَى زَاهِدٍ فِي كُلِّ مَكْرُمَةٍ  
كَأَنَّمَا ضَيْفُهُ فِي مِلَّةِ النَّارِ  

**وقيل في مدح الكرم:**  

وَلَيْسَ لَنَا عَيْبٌ سِوَى أَنَّ جُودَنَا  
أَضَرَّ بِنَا وَالْبَأْسُ مِنْ كُلِّ جَانِبِ  
فَأَفْنَى النَّدَى أَمْوَالَنَا غَيْرَ ظَالِمٍ  
وَأَفْنَى الرَّدَى أَعْمَارَنَا غَيْرَ عَائِبِ  
أَبُونَا أَبٌ لَوْ كَانَ لِلنَّاسِ كُلِّهِمْ  
أَبٌ مِثْلُهُ أَغْنَاهُمُ بِالْمَنَاقِبِ  

وما إنْ سمع "هُرْدَبَةُ" هذه الأشعارَ المُعَبِّرة، حتى هدأتْ ثائرته، لكنه قال بحكمةٍ واتزان:  

**"لا أعرف عن معشر السنانير سوى أنها تقتات على اللحم، وههنا صيصان صغيرة، لذلك أقول لك: ارحل."**  

قال "سَمْيع"، وهو ساجدٌ بين يدي "هردبة":  

**"أنا مَن قهرَ رغائبَه وشهواتِه، وأشهرَ توبتَه على رؤوس الأشهاد، وحفظَ دينَه وشريعتَه. لم أعبأ، مهما كلَّفني الأمر من عَنَتٍ وعناء، فلقد امتنعتُ عن إيذاء الآخرين، كما قال الشاعر:**  

الدَّهْرُ لا يُعْطِي الَّذِي نَأْمَلُ  
وفي سبيلِ اليأسِ ما نَعْمَلُ  
ونَحْنُ في الدُّنْيا على هَمِّها  
يسُوقُنا حَادِي الرَّدى المُعَجِّلُ  

وبهذا كسب السنور "سَمْيع" ثقة النسر "هردبة". دلف "سَمْيع" إلى عشِّ النسر في جوف الشجرة، وعاش معه كالخليل. ومع مرور الأيام، صار "سَمْعان" يختلسُ الفراخَ ويجلبها إلى عشِّ "هردبة" حتى يأتي عليها.  

وفي غضون ذلك، أحسَّت الطيورُ أنَّ الفراخ تختفي أو تُؤكل، فقامتْ بتحرٍّ، وجَدَّت في البحث عنها في الغابة. علم حينها السنور "سَمْيع" بالأمر، ففرَّ هاربًا.  

وبعدئذٍ تفحَّصت الطيور المكان لتجد عظام الفراخ الصغار في عشِّ النسر "هردبة"، واستنتجت الطيور أنَّ "هردبة" هو مَن يلتهم الفراخ عند غيابها عن الأعشاش. وكانت نهاية النسر "هردبة" الموت، حيث هجمت عليه الطيور وقتلته شرَّ قتلة. ولهذا السبب أنا أنذرتُك من معاشرة الغرباء."  

**قال الشُّغْبُر، في نبرةٍ دافئة:**  
"في اليوم الأول الذي تعرَّفتُ فيه على الظبي، كنتُ بالنسبة إليه غريبَ الشكيمة ومجهولَ النسب. وهكذا نشأت الصداقة بينكما، واعترشتْ مع الأيام كالشجرة التي يُستحيلُّ قطعُها! الحق أقول لكما: إني قليلُ الفطنة، لكنَّ هذا ما جاد به عليَّ فكري."  

ثم رفع الشغبر عقيرته قائلًا:  

لا تَظْلِمَنَّ إذا ما كُنتَ مُقْتَدِرًا  
إنَّ الظَّلومَ على حدٍّ من النِّقَمِ  
تَنامُ عَيناكَ والمظلومُ مُنْتَبِهٌ  
يَدعو عليكَ، وعينُ اللهِ لم تَنَمِ  

ثم أضاف الشُّغْبُر، قائلًا في ذُلٍّ ومهانة:  
"هذا الظبي لا أراه إلا خليلًا، وأنتَ يا سيِّدي الغراب، لَشَدَّ ما أتمنى أنْ أنتفعَ من فيضِ حكمتِك." 


تقطَّع نياطُ قلبِ الظبي لحالِ الشُّغْبُر الذليل، ومضى قائلًا: 
**"علامَ كلُّ هذا الجدال؟ نحن جميعًا معًا في هذا المكان، هَلُمُّوا لنصبحَ أشقاءَ وأحبَّةً نعيش في رغدٍ وهناء."**  
وقد قال الشاعر:  

ذو العَقلِ يَشقَى في النّعيمِ بعَقْلِهِ  
وَأخو الجَهالَةِ في الشّقاوَةِ يَنعَمُ  

**قال الغراب الحكيم:**  
**"حسنًا، كما تشاء. وإنَّ غدًا لناظره قريبٌ."**  

وعند انبلاج الصباح، مضى كلُّ واحدٍ إلى عمله بحثًا عن قوت يومه، ولا يعودون إلى البيت إلا عندما ترتدي الدنيا ثوب العتمة.  

وذات يوم، انتَحى الشُّغْبُر بالظبي جانبًا وهمس له قائلًا:  
**"يا أيها الظبيُ العزيز، في نهاية هذه الغابة، ثمةَ حقلٌ غنيٌّ بسنابلِ القمح المثمرة. هَلُمَّ معي أُطلعْكَ عليه."**  

مضى الظبي في معيَّته، فألفى الحقل عامرًا، فأعجبه أشدَّ الإعجاب. كان القوتُ فيه موفورًا ويسيرًا.  

كَرَّت الأيامُ وتعاقبت الليالي، صار فيها الظبي لا يأكل إلا من الحقل، يقتات من الذرة الخضراء اليانعة. إلى أنْ علم صاحبُ الحقل بأنَّ ثمَّةَ حيوانًا يأكل من مزرعته.  

نصب الفلاحُ شركًا مُحْكَمًا. وما أن أقبل الظبي حتى وقع في الشرك، وطَفِقَ يستصرخ طلبًا للنجدة:  
**"وقعتُ فريسةً في أُحبولةٍ مُحْكَمة، وإنْ لم أتخلَّص منها سأغدو في عِدادِ الأموات. هل من صديقٍ وفيٍّ يُنجدني؟"**  

خرج الشُّغْبُر من مكمنه الذي كان يكمن فيه قريبًا من المكان، وبَرَز واقفًا وراح قائلًا في نفسه وهو يضحك بخفوتٍ بين الفينةِ والأخرى:  
**"لقد آتتْ خطتي ثمارَها. فحينما يُقدِّد الفلاحُ اللحمَ ويكسر العظمَ ويبعثر الدم، سأنالُ حتمًا نصيبي! سأأكل وجبةً لا جوعَ بعدها!"**  

لمح الظبي الشُّغْبُر وهتف به في ابتهاج، لكأنه غريق يتمسَّك بآخر رمقٍ في حياته، وبدأ يقول:  
**"صديقي الوفي! يا لسعادة الغامرة! هلا قضمتَ هذه الأسلاك وخلَّصتني منها؟ فلقد قال الشاعر:**  

تَكثّر من الإخوانِ ما استطعتَ فإنَّهم  
عمـادٌ إذا استنجـدتهـم وظهيـرُ  

**واعلم أن الحكماء قد قالوا:**  

- لا خيرَ فيمن يهجرُ أخاهُ بغير جُرم.  
- لا خيرَ في صديقٍ ضنين.  
- لا تدومُ مع الغدرِ صحبةُ الخليل.  
- مَن لم يُبالِ بكَ فهو عدوُّك.  
- صديقُك مَن نهاك، وعدوُّك مَن أغراك."  

لم يُحر الشُّغْبُر جوابًا، بل اقترب من الشرك ليفحصه من كثب.  

تمتم الشُّغْبُر في نفسه:  
**"لا بد أنها قوية!"**  

ثم أقبل الشُّغْبُر على الظبي قائلًا:  
**"يا صديقي المُفدَّى! هذه الأسلاك مصنوعةٌ من العصب، وأنا اليوم صائمٌ لا أستطيع أن أَقْرضها وأُفْسد صيامي. أعدك في الغد أني سوف أخلِّصكَ من الشرك إنْ كان هذا يُبهجك."**  

ولما رحل الشُّغْبُر عن الظبي الأسير، افتقد الغراب الظبي، إذ ليس من عادته الغياب عندما يحل الظلام. أخذ الغراب يبحث عنه في كل مكان، وفي نهاية المطاف وجده واقعًا في ورطةٍ، وهو كئيبُ الحال مغمومُ النفس.  

هتف به الغراب الحكيم قائلًا:  
**"ماذا دهاكَ يا صاحبي؟"**  

رد الظبي قائلًا:  
**"هذا جزاءُ مَن لا يُنصتُ لنصحِ صديقه."**  

سأله الغراب قائلًا:  
**"أين الشُّغْبُر الوضيع؟"**  

قال الظبي:  
**"تجده مختبئًا في مكانٍ ما، يترقَّب حيني حتى يتذوَّقَ ما طاب له من لحمي."**  

تنهد الغراب الحكيم وقال:  
**"حسنًا! أنذرتُك، وقد قالت الحكماء: سبقَ السيفُ العَذَل."**  

وقد قال الشاعر:  

أعـدى عـدوَّك أدنى مَن وثقتَ به  
فـحاذر الناس واصـحبهم على دخـلِ  
وإنما رجــل الدنــيا وواحـدُها  
مـن لا يـعوّل في الدنـيا على رجـلِ  
وحسـنُ ظنّـك بالأيـامِ معجــزةٌ  
فظـنّ شـرًّا وكـن منها عـلى وجـلِ  

تنهد الغراب بعمقٍ، ثم قال:  
**"يا له من شغبرٍ كذوبٍ خائن! ما أقبح عمله الذي أقدم عليه! وقد صدق فيه قول الشاعر:**  

لا خـيـر في ودِّ امرئٍ مــتلـــــوّنٍ  
حلوِ اللســـــــان وقلبُه يتلهَّبُ  
يعطيكَ من طرفِ اللــســان حلاوةً  
ويروغ عنكَ كــما يروغ الثعلبُ  
يلقاكَ يحلفُ أنه بـــــك واثـــــــقـــا  
وإذا توارى عنــك فهو العقربُ  
واحذر مـــصاحــبــةَ اللئــــيمِ فإنَّهُ  
يُعدي كما يُعدي الـسليمُ الأجربُ."  

انبلجت شمسُ الصباح، والغراب ما زال في صُبْحَةِ صديقه الظبي. رمق الغرابُ الفلاحَ وهو يقتربُ من المكان، يحمل في يده هراوةً ضخمة.  

قال الغراب الحكيم لصديقه الطريح:  
**"تَمَاوَتْ، وانفُخ بطنَك بالهواء، واصلب رجليك، وكُن ثابتًا لا تُراوح مكانَك. وأما أنا، فسوف أكمن قريبًا منك. إذا نعبتُ بصوتي، فاعلم أن هذه إشارةٌ مني لك حتى تفرَّ بجلدك."**  

قام الظبي بفعل ما اقترح عليه صديقه الغراب. دنا الفلاحُ، والسعادة تشعُّ من عينيه. ولما رأى الظبي قال:  
**"يا للخسارة! لقد أمات الظبي نفسه!"**  

وهو يتكلَّم، كان يحلُّ الشرك عن الظبي ويحشد الأسلاك ويُبعدها عن الحيوان البائس. وعلى حين غرَّة، أخذ الغراب ينعب بصوتٍ عالٍ. على أثر الصوت، قفز الظبي وولَّى هاربًا ولم يعقب.  

رمى الفلاحُ مغضبًا الهراوة التي كانت معه إثر الظبي، لكنها ضربت الشُّغْبُر الذي كان كامِنًا بالقرب من المكان، فوقع صريعًا ميتًا. 
 
 
 ***
 
 **قصة الطريدة الميتة وابن آوى**

زعموا أن مدينة تدعى "رغد العيش" عاش فيها صياد عظيم كان اسمه "شتيم". ذات يوم، رغِب في أكل لحم ظبي، فاستل قوسه ونشابه، واتجه بهما صوب الأحراش الكثيفة حيث اصطاد ظبيًا. بينما كان يحمل الظبي على كتفه إلى منزله، صادف في طريقه خنزيرًا ضخمًا رهيبًا. وضع الظبي على الأرض، وجهز سهمه، ثم رماه فأصاب الخنزير الذي اندفع نحوه على حين غرة، ثائرًا مطلقًا هديرًا مدويًا يفوق صوت الرعد قوة. شرع في تمزيق جسد الصياد الذي سقط مثل شجرة قطعت بفأس، ليقع بالقرب من الخنزير الجبار، فضلاً عن ثعبان سقط ميتًا بجانبهما لأنهما سحقاه في أثناء القتال الذي دار بينهما.

لم يمضِ وقت طويل حتى أقبل شغبرٌ يجوب الغابة بحثًا عن القوت، وكان يُدعى "عويل الليل". وقع نظره على جثة الصياد، والظبي، والخنزير، والثعبان طريحين على الأرض أمواتًا، فقال:

"مرحى! يا له من حظ كبير! هاهنا مائدة عظيمة معدة لي!  
إلا أنني أرى أن الحظوظ لا تأتي دائمًا جيدة، فثمة حظ سيئ ,لأفكر في الامر مليا! 
الرجل سيغدو غنيمة وافرة لمدة شهر، وأما الظبي والخنزير، فسيدومان لشهرين أو أكثر. أما الثعبان، فسيكون كافيًا ليوم الغد؛ ولا سيما أنني جائع جدًا... سأكافئ نفسي الآن بقطعة اللحم المعلقة على رأس القوس."

قال ذلك، وطفق يمضغ اللحمة، الأمر الذي أدى إلى ارتداد وتر القوس عليه، فطرحه صريعًا محولًا "عويل الليل" إلى العناصر الأربعة.

---
 
 **حكاية الشغبر المسن والفيل**

زعموا أنه كان هناك فيل يعيش في غابة البراهمة يُدعى "وضاح". وكان أبناء آوى الذين يعرفونه جيدًا يقولون لبعضهم البعض:  
"لو مات هذا الوحش العظيم، سنتمتع بطعام يكفينا لأشهر، فجثته عامرة بلا شك."

وقف الشغبر المسن، وأقسم أن يجد حيلة للتخلص من الفيل وضاح. وبناءً على ذلك، مضى إلى الفيل وضاح وسجد أمامه على أعضائه الثمانية، وألقى عليه أعذب التحايا وأرقها.

قال ابن آوى المسن:  
"يا أيها المخلوق المقدس، ألا تتفضل على خادمك المطيع بنظرة؟"

حشرج الفيل وضاح من الغيظ وقال:  
"من أنت؟ ومن أين أتيت؟"

أجاب ابن آوى:  
"ما أنا إلا شغبر حقير، ولكن ضواري الغابة اقتنعت أنه لا ينبغي أن تبقى الغابة بلا ملك يحكمها ويأمر رعيتها. وقد تشاورنا في الأمر، وبعثوني إليك لأني أريد شرف معرفة سموك الكريم. لقد وقع اختيارنا عليك لأنك تمتلك العديد من الصفات الملكية النبيلة، ونرجو منك أن تبسط سلطتك على هذه الغابة." وأضاف مستشهدًا:  
 

إِنَّ الـشَـجـاعَةَ في القُلوبِ كَثيرَةٌ  
وَوَجَـدتُ شُـجعانَ العُقولِ قَليلا  
إِنَّ الَّـذي خَـلَـقَ الحَقيقَةَ عَلقَماً  
لَـم يُـخـلِ مِن أَهلِ الحَقيقَةِ جيلا  
أَوَكُـلُّ مَـن حامى عَنِ الحَقِّ اِقتَنى  
عِـنـدَ الـسَـوادِ ضَغائِناً وَذُحولا؟  

"لذا، يا جلالتك، دعنا نذهب إلى هناك على الفور، حتى لا تفوتنا لحظة التقاء الحظ السعيد."  
ثم قاد الطريق وهو يرشد الفيل، الذي كان حريصًا على بدء حكمه، بسرعة.

قاد ابن آوى الفيل إلى مستنقع عميق، حيث غاص فيه بشدة، ولم يستطع الخروج.

صاح الفيل قائلاً:  
"يا سيد شغبر، ما العمل الآن؟ أنا غارق في الوحل."

أجاب الشغبر، والضحكة الوقحة تملأ وجهه:  
"إذا تكرمت وامسكت بطرف المستحيل، فسوف تخرج من هنا!"

ثم علم الفيل وضاح أنه قد وقع فريسة للخداع، وغاص في الوحل أكثر حتى ابتلعه ابن آوى.



كتاب السلام: قصة الزوجة الوقحة

 

يحكى عن تاجر في "فاكرام بورا" كان لديه زوجة في غاية الجمال اسمها كهرمانة، إلا أنها لم تكن وفية بقدر ما كانت جميلة. اتخذت خادمين لها من خدم بيتها.

يالنساء!
دَعِ ذِكرَهُنَّ فما لَهُنَّ وفاءٌ
ريحُ الصَّبا وعُهودُهُنَّ سواءُ
يَكسِرنَ قلبَكَ ثمَّ لا يَجبُرنَهُ
وقلوبُهُنَّ من الوفاءِ خلاءُ

وقعت ذات يوم في شرِّ أعمالها، عندما فوجئ بها زوجها وهي تلثم ثغر احد الخدام. وولت هاربة قائلة:
"مولاي، إن هذا الخادم الصفيق استطعم من الكافور الذي صنعته خصيصًا لك، وكنت أشم رائحة فمه حينما دخلت."

أدرك الخادم المقصد وقال متأثراً بجرمه:
"كيف للمرء أن يبقى في منزل سيدته وتشم فمه لمجرد أنه أكل قطعة صغيرة من الكافور؟"

وبينما هم بالرحيل، أخذ الرجل الطيب يتوسل إليه بشدة للبقاء.
قال "مجازف":
"أعني أنني سأبقى هنا، وأستفيد بأقصى ما يمكن من ما يحدث، كما فعلت هي."
قال "حاضر":
"نعم، نعم، نحن جميعًا نعلم:
ما لا يكون، لا يكون، وما هو آتٍ سيكون.
فلماذا لا نشرب هذه الدواء السهل، الترياق للبؤس؟"

ولما أقبل الصباح، ألقى الصياد شبكته والتقط السمكتين معًا. فور أن خرج "مجازف" من الماء، تظاهر بالموت، وعندما ألقاه الصياد جانبًا، قفز مرة أخرى إلى الماء. أما السمكة "حاضر"، قبض عليها وأسرع في قتلها. هكذا اختتمت السلحفاة قصتها قائلة:
"هي السبب في أنني أرغب في وضع خطة للهروب."

قالت الأوزة:
"قد يكون ذلك ممكنًا إذا تمكنت من الذهاب إلى مكان آخر، ولكن كيف يمكنك عبور الأرض؟"

فأجابت السلحفاة:
"ألا يمكنكما حملي عبر الهواء؟"

فقالت الأوزة:
"مستحيل."

فقالت السلحفاة:
"لا على الإطلاق! سترتبطان عصا بين مناقيركما، وسأتمسك بها بفمي—وبذلك يمكنكما نقلي بسهولة."

قالت الأوزة:
"إنه ممكن، لكن تذكري:
الحكماء يدبرون خططهم، لئلا يصيبهم شر؛
معشر البلشون كسبوا صديقًا، فخسروا كل شيء."

سألت السلحفاة:
"كيف حدث ذلك؟"

فقصَّت الأوزة قائلة:
"يزعم أنه كان بين جبال الشمال مكان يدعى 'جرف النسر'، تحت شجرة تين، يقيم فيها سرب من طيور البلشون. إلا أنه في سفح الشجرة، ثمة حفرة يقطنها ثعبان، اعتاد على افتراس صغار البلشون. ارتفعت أصوات الآباء بالشكوى، حتى تدخل 'البلشون المسن'، وهكذا أسدى لهم النصح قائلًا:
'ينبغي عليكم جلب بعض الأسماك من البحيرة ووضعها واحدة تلو الأخرى في خط مستقيم من حفرة النمس هناك، حتى جحر الثعبان هنا. سيعثر عليه النمس حتمًا بعد أن يتبع أثر الأسماك، سيقتله شر قتلة.'
بدت النصيحة مثمرة، وعملوا بها، إلا أن النمس، بعد قتله الثعبان، سمع صيحات صغار البلشون، فصار يتسلق الشجرة ليفترس الصغار كل يوم، حتى جاء عليهم عن بكرة أبيهم."

اختتمت الأوزة قائلة:
"لا ينبغي عليك فتح فمك ونحن نحملك، وإلا سقطت ومُتّ."

صاحت السلحفاة قائلة:
"هل أنا خرقاء حتى أفتح فمي؟ هلما بحملي!"

 

****

 

 حكاية (القواع العجوز) و الفيلة

يحكى أنه في زمنٍ من الأزمنة، شحّ هطول المطر في أحد الفصول، فاشتد العطش على الفيلة حتى كاد يهلكها. فتقدمت إلى قائدها وقالت:

"سيدنا، كيف سنبقى على قيد الحياة؟ المخلوقات الصغيرة تجد ما يكفيها من الماء، أما نحن فلا نجد شيئًا، وقد أوشكنا على الهلاك. إلى أين نذهب؟ وماذا عسانا أن نفعل؟"

على إثر ذلك، قادهم ملك الفيلة إلى أرضٍ قريبة، حيث دلّهم على بركةٍ رائعة بمياهٍ صافية كالبلور، فاستراحوا هناك.

غير أن جماعةً من الأرانب كانت تقطن ضفاف البركة، فلم تسلم من وطأة أقدام الفيلة، التي داست الكثير منها ذهابًا وإيابًا.

على إثر ذلك، قادهم ملك الفيلة إلى أرضٍ قريبة، حيث دلّهم على بركةٍ رائعة بمياهٍ صافية كالكريستال، فاستراحوا هناك.

غير أن جماعةً من الأرانب كانت تقطن ضفاف البركة، فلم تسلم من وطأة أقدام الفيلة، التي داست الكثير منها ذهابًا وإيابًا.

حتى دمدم أحد الأرانب، واسمه "كنود"، قائلاً:
"ستأتي هذه المجموعة إلى البركة كل يوم، وكل فرد من عائلتنا سيتعرض للسحق."

فقال أرنب مسن يُدعى "مُغيث":
"لا داعي للقلق، سأجد حيلة لدرء ذلك."

ثم انطلق متفكرًا في نفسه، متسائلًا كيف يجب عليه الاقتراب من قطيع الفيلة، وقال:
"الفيلة تدمر باللمس،
والثعابين تقتل بأنيابها،
والملوك يهلكون بأمزجتهم،
والخونة يغتالون بابتسامةٍ قاتلة."

أسر مغيث في نفسه قائلاً: "سأصعد فوق التلة، وأخطب في الفيلة من هناك."

بعد أن أتم خطبته، نظر إليه سيد الفيلة بقلق وسأله:
"من أنت؟ ومن أين أتيت؟"

رد مغيث قائلاً:
"أنا مبعوث من إله القمر."

قال ملك الفيلة:
"لا تتدخل في ما لا يعنيك."

قال القواع سريعًا:
"مبعوث إله القمر يتحدث بالحق وباسم إلهه. يقول القمر: 'هؤلاء الأرانب كانوا حراس بركتي، لكن فيلتكم قد أثارت الرعب فيهم وأفزعتهم، وهذا ليس من الصواب. أليس أنا ساسانكا، الذي يحمل رايته الأرنب، أليست هذه الأرانب تابعي؟'"

توتر ملك الفيلة وقال:
"نحن نرضى إلهك العظيم، ولم نكن نعلم هذا جيدًا، وسوف نغادر المكان ولن نعود أبداً."

 


دَع ذِكرَهُنَّ فَما لَهُنَّ وَفاءُ :::ريحُ الصَبا وَعُهودُهُنَّ سَواءُ يَكسِرنَ قَلبَكَ ثُمَّ لا يَجبُرنَهُ

إقرأ المزيد على موضوع.كوم: https://mawdoo3.com/%D8%B4%D8%B9%D8%B1_%D8%B9%D9%86_%D8%BA%D8%AF%D8%B1_%D8%A7%D9%84%D9%86%D8%B3%D8%A7%D8%A1
دَع ذِكرَهُنَّ فَما لَهُنَّ وَفاءُ :::ريحُ الصَبا وَعُهودُهُنَّ سَواءُ يَكسِرنَ قَلبَكَ ثُمَّ لا يَجبُرنَهُ

إقرأ المزيد على موضوع.كوم: https://mawdoo3.com/%D8%B4%D8%B9%D8%B1_%D8%B9%D9%86_%D8%BA%D8%AF%D8%B1_%D8%A7%D9%84%D9%86%D8%B3%D8%A7%D8%A1

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

الخريطة التي تقودني إليك

 رواية الخريطة التي تقودني  إليك  بقلم  جوزيف مونينغر المقدمة يوم التخرج إنها والدتك، من بين الجميع، هي التي تلتقط الصورة المثالية لك ولصديق...