بحث هذه المدونة الإلكترونية

الخميس، 7 نوفمبر 2024

"طائر في سماء ضيقة"




 
أنفاس عبير في العتمة
 

في عام 2016، كان المكتب في المعادي يمر بأجواء هادئة نسبياً في تلك الساعات الأخيرة من النهار. الشمس، التي كانت تغرق في الأفق، كانت تنساب من النوافذ وتغمر المكان بضيائها الذهبي، وكأنها تذوب في الهواء الحار الذي يحيط بنا. كانت القاهرة، كالعادة، لا تهدأ أبداً، لكن في هذا التوقيت المتأخر من بعد الظهر، كانت قد بدأت تخلد إلى سكون نسبي، وكأنها تستعد ليوم جديد.

كنت جالساً على مكتبي أكتب بسرعة على الحاسوب المحمول، وتحت يدي ورقة بيضاء، حيث كانت أفكاري تتسارع في عقلي، وتحاول أن تجد مكانها على الصفحة. كان كل شيء يسير بسلاسة، وأنا أتحاشى النظر إلى الساعة، ولا أرغب في أن تسرقني أفكاري عن الكتابة.

لكن، في لحظة غير متوقعة، انقطع ذلك الإيقاع الذي كنت أعيشه. نغمة الهاتف الجوال ارتفعت فجأة، مما ملأ المكان بالضجيج. نظرت إلى الشاشة، ورغم أنني كنت في حالة تركيز عميقة، إلا أن الفضول دفعني لفتح التنبيه. كانت رسالة من فتاة لم أسمع بها من قبل، اسمها "عبير".

عيني توقفت عند الاسم للحظة، وكأنني كنت أبحث في ذاكرتي عن أي رابط قد يربطني بها، لكن لا شيء كان يأتي. لم أكن أعرفها. كان اسمها غريباً، ووجهها كان مجهولاً بالنسبة لي. فكرت للحظة أنني ربما قد قابلتها في مكان ما، أو ربما كانت رسالة عابرة من شخص أضافني على الفيسبوك عن طريق الخطأ.

كتبت بسرعة: "من أنتِ؟"

ردت على الفور: "اسمي في الأعلى."

تركتها تكتب هذه الجملة، وأبقيت الهاتف في يدي، مستغرباً من الإجابة الغريبة. كان الرد عميقاً بطريقة غير مفهومة. لم أستطع فهم المغزى من الكلمات، لكن شيئاً ما في هذه الرسالة، في تلك الصيغة البسيطة، جعلني أشعر بشيء غير مريح. شعرت وكأنها كانت تراقبني من مكان بعيد، وكأنها تعرف شيئاً عني لم أكن أعلمه.

بدأت أفتش عن أي دليل على وجودها في حياتي. فتحت حسابها على الفيسبوك، أبحث عن أي صورة أو منشور قد يربطني بها. لكن كل شيء كان غامضاً. الحساب خالي من التفاصيل. صورتها غير واضحة، والاسم "عبير" كان يظل يثير في نفسي تساؤلات دون إجابة.

أعدت النظر في رسالتها مرة أخرى: "اسمي في الأعلى." تلك الكلمات كانت تكاد تلاحقني. ماذا تعني؟ لماذا كتبتها بهذه الطريقة؟ لم يكن هناك شيء واضح في الملف الشخصي. كل شيء بدا غامضاً.

شعرت بشيء غريب يتسرب إلى أعماقي، وكأن تلك الكلمات قد نزلت على عقلي وكأنها ضربت وترًا حساسًا. هل كان هناك مكان التقيت بها فيه؟ هل كانت لحظة ما في حياتي قد اختفت من الذاكرة؟ لماذا أشعر بهذه الدهشة؟

كنت أبحث عن إجابة في ذاكرتي، أحاول أن أسترجع كل لحظة قد تكون جمعتني بها، لكن لم أتمكن من العثور على شيء. هل قابلتها من قبل؟ هل هناك حدث مشترك بيننا قد نسيت تفاصيله؟

المسألة أن "عبير" لم تكن مجرد اسم غريب. كانت شيئاً يعكر صفو أفكاري، وكأنها كانت في مكان ما داخل ذكرياتي، تطل برأسها الآن لتعيدني إلى لحظة ما.

لكن أي لحظة؟ أين ومتى؟

لم تنطوِ صفحة النهار بعد، وما زالت الشمس تودع الأفق بهدوء، حين تلقيت رسالة على الواتساب. كانت مقاطع صوتية من صديقي عماد، الذي بدا وكأنه في حالة غير عادية، صوته مشوش، وكأن الكلمات تخرج منه بصعوبة، أو ربما كان الصوت يتنقل عبر مسافة طويلة جداً بيننا، عبر الزمان والمكان.

قال في المقطع الأول، وهو يقصدني مباشرة:  
"طالما حلمت بعبير... وتريدها الآن، اظفر بها!"  

توقفت عند هذه الكلمات للحظة. شيء ما في نبرته كان غريباً. أريج؟ من هي عبير؟ لماذا يتحدث عنها بهذه الطريقة؟ وماذا يقصد "بالظفر بها"؟ شعرت بالارتباك يملأني. هل هو يمازحني؟ أم أن هناك شيئاً خفياً خلف هذه الكلمات؟ لم أتمكن من فك اللغز، لكن شيئاً ما في تلك الرسالة جعلني أشعر بأنني على وشك أن أكتشف شيئاً مهماً.

أرسل عماد مقطعاً آخر، وثالثاً، وكلها تحمل نفس الحيرة والغموض. كان صوته يزداد توتراً، وكأنه يحاول أن يقول شيئاً دون أن يكتمل. قال:  
"خذها... لا أريدها... خذ الفضلة."  

في الخلفية، سمعت صوتاً أنثوياً ضعيفاً يهمس في مكالمة أخرى، يبدو أنه كان صوت امرأة تقول:  
"محمد لا يدري عن شيء... عن شيء."  

تجمدت أصابعي على الشاشة. من هذه الأنثى؟ ماذا تعني كلماتها؟ ولماذا تذكر اسمي؟ أنا... لا أملك أية فكرة عن هذا الموضوع، ولا أستطيع فهم ما يجري. كلما حاولت أن أحلل الموقف، زادت الأسئلة وازدادت الحيرة. كان الأمر كما لو أنني قد تم إدخالي في لعبة معقدة دون أن أكون مستعداً لها.

بدأت أفكر بجدية: هل كان مجاهد يقصد تحذيري؟ أو ربما كان يخبرني بشيء لم أكن أعرفه بعد؟ وأريج، تلك الفتاة التي تكرر اسمها في الرسائل، من هي؟ هل كانت مجرد حلم أو ذكرى عابرة؟ هل كان صديقي يشير إلى شيء مخفي في الماضي؟

كنت في حاجة ماسة إلى مفتاح لفهم كل هذه الألغاز. كلمات مجاهد التي لا تحمل تفسيراً، صوت المرأة الذي يزداد غموضاً، وكل هذا يجعلني أحتاج إلى قدرات شارلوك هولمز كي أضع يدي على الحل. في قاموسي الخاص، لا توجد كلمات تشرح هذا الجنون، ولا توجد طريقة لفهم الرسائل المبعثرة.

أغلقت الهاتف في يدي، لكن تساؤلاتي كانت تتضاعف. لماذا تم اقحامي في هذه الدوامة؟ من هذه الفتاة؟ ما الذي يجعلني جزءاً من هذا اللغز؟ يجب أن أعرف، يجب أن أبحث عن الحقيقة. وضعت الهاتف على أذني، واتصلت مجدداً بصديقي. كنت بحاجة إلى التفسير، أريد أن أفهم ما الذي يجري.

لكن في أعماقي، شعرت بأنني قد دخلت في عالم لا أعرفه، وأنا في حاجة ماسة لمعرفة كيف سأخرج منه.

---

ذُهِلَت يدي و أنا ممسكا بهاتفي، وعيني لم تبارح شاشة المحادثة على الماسنجر. كانت تلك اللحظة التي لم أكن أتوقعها، لكنني أدركت الآن أنها الحقيقة التي طالما تمسكنا بها جميعًا، حتى وإن كانت غير مرئية لنا إلا في هذه اللحظة البائسة. حساب عبير كان أمامي، وكنت في حوار مباشر معها، وفي قلب المحادثة كانت المفاجأة: "عبير هي حبيبة عماد"، ذلك الذي لطالما تحدث عن حبها، ذلك الشاب الذي كنت أرى فيه الصديق والرفيق.

عادت الذكريات لتسحبني إليها فجأة، وتذكرت كيف كنت أكتب له الأشعار بكلمات مترفة، أختار بعناية كل حرف، محاولًا أن أرى ابتسامتها في ذهنه، علّها تُلفت انتباهها، أو تذيب قلبها الذي كان أسيرًا في حب مجاهد. كل ذلك كان يبدو ترفًا، وكنت أعيش ذلك الدور عن طيب خاطر. لم أكن أملك شيئًا أكثر من الكلمات، ولم أكن أطمح لشيء سوى أن أراهما معًا في سعادة.

لكنها قطعت تلك الذكريات فجأة بصوتها الذي كان أشبه بنداء بعيد، يتخلله الحزن والمرارة:  
"محمد، أنا حامل في الشهر الثالث... وعماد تخلى عني."

توقفت أصابعي على لوحة المفاتيح، والحروف تجمعت في صدري وكأنها ثقل لا يحتمل. لم أستطع الرد فورًا. كان الصمت بيننا أطول من أي كلمة. رفعت نظري بعيدًا، وعيني كانت تائهة في الفراغ. بعدها، نهضت من مكاني واتجهت نحو النافذة. فتحتها ببطء، كمن يسعى لاستنشاق هواء جديد، لكن ما جال بخاطري لم يكن سوى تيار من الذكريات الذي تدفق فجأة، كما لو أنه شلال هائل لا يمكن إيقافه. وكنت، في تلك اللحظة، ضائعًا بين الماضي والمستقبل، أسائل نفسي إن كانت الحياة قد اختارت أن تكون بهذه القسوة.

كان صوتها عبر الهاتف يثقل على قلبي. نبرة باكية، تكاد تكون مستغيثة، تحمل مزيجاً من الضعف والحيرة. لم أستطع أن أتجاهل تلك الكلمات التي خرجت منها بسرعة، كأنها كانت تبحث عن طوق نجاة في بحر من الأوجاع.

قالت: "محمد، هلا ساعدتني في التخلص من الجنين الذي أحمله بين أحشائي؟ أهلي لا يعلمون، وعماد ذهب ليتزوج وتركني في دوامة الأوهام."

شعرت بصدمة مفاجئة. لم أكن أتوقع هذا الموقف منها، ولا من الحياة نفسها. لم أكن في الرياض حينها، بل كنت في القاهرة، بعيدًا كل البعد عن ما كان يحدث. لكنني كنت أعرف جيدًا أن هذا لم يكن مجرد طلب عادي، بل كان بداية لشيء أكبر. شيء مريب، يدفعني نحو التورط في قصة لا أملك مفاتيحها.

أضافت، وبصوت يملؤه الحزن: "لقد كتبت لك عبر الماسنجر. كنت أريد إبلاغك عن تصرفات عماد، الذي اتصل بأبي من رقم هاتف مجهول، وقال له: 'اذهب وافحص ابنتك، بنت الحسب والنسب، فابنتك حامل!' والدي، الذي كان دائمًا ما يُعتبر رمزًا للهيبة، انهال عليّ ضربًا لأول مرة في حياته. أنا لا أعرفك، لكنني عرفت أنك صديق عماد المقرب. فلا أدري إن كان تصرفي صح أم خطأ حين تحدثت إليك وأشركتك في قصتي، لكنني كنت في تلك اللحظة في متاهة. في بطني جنين يركل، يريد الحياة."

شعرت بأن هذه الكلمات كانت أكثر من مجرد اعتراف، كانت دعوة للانخراط في معركة لا أملك فيها إلا الحيرة والألم. إنها لم تترك لي خيارًا. وضعتني في مكان لا أستطيع الهروب منه. حاولت أن أكون حياديًا، أن أحتفظ بمسافة، ولكنها أدخلتني في لعبة لم أكن أريد أن أكون جزءًا منها.

تابعت، وبصوت أقرب إلى الهمس: "لقد ورطت نفسي في مغامرة مجهولة... وفي النهاية، ماذا أفعل؟ هذا الجنين في بطني، وأنا لا أستطيع أن أعيش بلا قرار. لقد ضاع كل شيء في حياتي، ولم يعد لدي سوى خيار واحد، وهو أن أبحث عنك. أعتقد أنني كنت في حاجة إليك. أنت الفجر الذي يبدد العتمة."

كانت الكلمات تتسلل إلى أعماقي، وحاولت أن أجد إجابة. لكنني كنت عالقًا في دوامة الأسئلة. كيف وصلت إلى هنا؟ كيف أصبحت جزءًا من هذه القصة؟ كان من المفترض أن أكون مجرد شاهد، لا أكثر. لكن الآن، أصبحنا فريقًا واحدًا في معركة غير متكافئة.

كان الموقف يزداد تعقيدًا، وبينما كنت أحاول أن ألتقط أنفاسي، شعرت بشيء يتسرب في داخلي، شيء ليس مجرد تعاطف، بل شعور بالمسؤولية. كأنني قد دخلت إلى ملعبها، وأصبحت لاعبًا في فريقها رغماً عني. كنت أريد أن أكون مجرد متفرج، لكن الأحداث دفعتني إلى أن أكون جزءًا من اللعبة. لعبتها هي.

كانت تلك اللحظة التي انحرفت فيها حياتي عن مسارها المألوف. تلك اللحظة التي ألقيت فيها نفسي في مكان لا أستطيع الخروج منه بسهولة. وبالرغم من كل ذلك، كنت أدرك في أعماقي أنني قد وقعت في فخها، وأنني لن أستطيع أن أهرب الآن.

---

هبطت الطائرة في مطار الملك خالد بعد رحلةٍ دامت ساعتين، قادمة من القاهرة. كنت أجلس بجانب النافذة، أراقب الأرض التي تقترب في صمتٍ، بينما كانت أفكاري تتنقل بين المشاهد التي عشتها في القاهرة، لكن عقلي سرعان ما عاد إلى تلك اللحظة التي كنت أعيشها في سماء عبير. في السماء نفسها، حيث كانت هناك قصة حب تتشابك فيها خيوط الأمل واليأس، وتنقلب على نفسها في مشهدٍ كان يبدو في البداية وكأنه حلمٌ جميل، لكنه انتهى سريعًا ليصبح كابوسًا محكومًا عليه بالفشل الذريع.

لم أكن قد أدركت بعد كيف حدث ذلك. كيف تحولت تلك اللحظات السعيدة بين عماد وعبير، تلك اللحظات التي كانت أشبه بالأنغام العذبة في أذنينا، إلى شتاتٍ وانكسار. لكنني كنت أعلم في أعماقي أنني كنت جزءًا من تلك القصة، بطريقة ما. ربما كانت مسرحية كتبها عماد، ولكن من يدري؟ ربما كتبها كلاهما معًا، بينما كان البطل ينسحب في اللحظة الأكثر أهمية، تاركًا وراءه عبير، الممثلة الوحيدة في هذا المشهد، تبكي وسط المسرح. الأضواء كانت مسلطة عليها، والعيون تراقب كل خطوة من خطواتها، حتى أنها لم تعد قادرة على الوقوف، كما لو أن المجتمع نفسه كان يراقبها، ويعدّ كل لحظة من ضعفها خطيئة.

كانت أفكاري تتقاطع في صمتٍ، تتسابق دون أن أستطيع الإمساك بها، عندما قطع الصوت المفاجئ للموظف في المطار صمتي قائلاً: "الجواز، لو سمحت...". عاد عقلي إلى الواقع، بعيدًا عن تلك السحب التي كنت أعيش فيها، ولكنني لم أستطع أن أتخلص من التفكير في عبير، وفي مصيرها.

كيف لي أن أساعد هذه الفتاة المغبونة؟ كيف لي أن أنقذها من براثن المأساة التي كانت تحيط بها، تلك المأساة التي كنت أعلم جيدًا أنها لن تنتهي بسلام؟ هل كنت قد لعبت دورًا في هذه المسرحية؟ هل كان عليّ أن أفعل شيئًا أكثر؟ أكانت تلك اللحظة التي كنت فيها مجرد متفرج، أم أنني كنت شريكًا في الأحداث التي أودت بها إلى تلك النهاية المحزنة؟ تذكرت المثل الذي كان يردده عماد دائمًا: "الرجال يشيل عيبه"، لكن ماذا عن النساء؟ في المجتمع، لا يُسمح للمرأة أن تسقط أو تُخطئ، بل يلاحقها اللوم والعار إلى الأبد، رغم أنها قد تكون ضحية لمجموعة من الظروف التي لم تتح لها الفرصة لمواجهتها.

أسئلة كثيرة دارت في رأسي، ولكن إجابتها كانت تغيب في ضبابٍ كثيف. لم أعد أعرف كيف أتعامل مع هذا الوضع. هل كنت أحتاج إلى أن أكون أكثر جرأة في تلك اللحظات؟ أم أنني كنت مجرد شخص أراقب من بعيد، بينما كانت الحياة تأخذ مجراها؟ أكنت أمتلك القدرة على إنقاذها؟ أسئلة تطاردني، وأجيب نفسي: "هل من الممكن أن تكون النهاية قد كُتبت قبل أن نبدأ؟".

فكرّت مجددًا في عبير، تلك الفتاة التي كانت تحلم بحياةٍ أفضل، لكن الحظ لم يكن في صفها. لم أعد أدرك ماذا علي فعله بعد الآن، لكن في داخلي كان هناك شيءٌ ما، شعورٌ عميق، كان يقول لي إن هذه القصة، كما كل القصص الأخرى، لا يمكن أن تنتهي إلا بطريقة واحدة: بالنهاية، تلك التي لا مفر منها.

كنت جالسًا في زاوية مطعم كنتاكي، أتأمل تلك اللحظات التي كانت تعصف بها عبير، وأنتظر بفارغ الصبر أن يهدأ نحيبها. لكن الكلمات التي قالتها كانت كأنها سكين غارز في عمق قلبٍ كان يتوق لفهم سرها، سر الوجع الذي تحاول إخفاءه وراء دموعها. كانت تلك الكلمات قد جاءت فجأة، مثقلة بكل ما تحمله من مرارة وخوف، جعلتني أشعر كأنني أواجه مخلوقًا آخر في جسد عبير.

"محمد، أنا لا أريد أن أبقى حبيسة في قفص هذا الحب، عليك أن تخرجني ولو بالقوة من هذه العلاقة."

كانت تتقطع أنفاسها بين كل كلمة وأخرى، وصوتها يغرق في بحر من النحيب. لم أكن أتصور أبدًا أن عبير، تلك الفتاة التي كانت تبتسم أمام الجميع، ستكشف عن هذا الألم الذي كان يستهلكها في صمت.

ثم قالت، وكأنها تتحدث عن شيء أكبر من حياتها: "أنا حامل بجنين جاء من علاقة سفاح... يجب أن أنزله. السبب من أبي، الذي رفض زواجنا لأنه عماد أسمر اللون، وليس قبيليًا. وأنا، أنا فتاة من قبيلة معروفة."

لم أكن أعرف ماذا أقول. الصدمة كانت عميقة، وكأن الأرض تحت قدمي بدأت تتناثر، تُشهر أوجاعًا لم أكن أستعد لها. كانت هذه عبير، التي تظن اني سأكون مصدر الأمل لها، الآن تخرج عن صمتها وتكشف عن معركة غير مرئية كانت تدور في أعماقها.

في لحظات كهذه، يسقط الزمن أمامك، وتصبح كلماتك أقل بكثير مما تتطلبه المواقف. حاولت أن أمسح دموعها، لكن كلماتي كانت أقل من أن تخفف من وزن الجروح التي تحكي عنها. كيف يمكنني أن أخبرها بأن الألم لا يُقاس بدموعٍ تُذرف؟ وأن الحب لا يتوقف عند أسوار القبائل؟ تلك التي تحاصرنا وتكسرنا بحجج واهية.

نظرت في عينيها، وحاولت أن أجد فيها ذلك الشيء الذي ما زلت أؤمن به، أملًا في أن يكون هناك مخرج. لكنني، في تلك اللحظة، لم أكن أعرف إن كان بإمكاني أن أكون ذلك المخرج لها، أو أن تكون هي نفسها هي السبيل إلى خلاصها.

كنت أشعر بثقل الغيم الذي يلف الأفق، وكأن قلبي يثقل تحت وطأة سؤال واحد لا ينفك يتكرر في ذهني: كيف يمكن لإنسان أن ينقذ نفسه من نفسه؟ عبير كانت قد وصلت إلى نقطة اللاعودة في علاقتها مع عماد، وأنا كنت قد دخلت في هذه المعركة إلى جانبها، لا لشيء سوى أنني شعرت بأنها بحاجة لمن يمد لها يده. لكنها كانت تبذل كل جهدها لتنفصل عن هذا الشخص الذي كان، في نظرها، قد غزا حياتها بلا رحمة. كانت سريعة العطب، أخطاء مكررة، مثل جروح تُفتح مرة بعد مرة، ولا يكاد الزمان يشفيها.

"أنا رهن إشارتك"، قالت لي عبر الهاتف بصوت ضعيف كان يفضح ألمها. لكنها فجأة توقفت، وتنهيدة ثقيلة أطلقتها في سماعة الهاتف، كأنها تسللت من أعماقها لتملأ المكان بحزنها. ثم قالت، كلماتها مشبعة بالندم والحيرة: "كم كنت غبية؟ صدقت عماد في كل كلمة، جعلت من التافه بطلاً، نسجت حوله قصة حب مهلهلة. لكن تلك الخيوط لم تلتف حوله، بل كانت مثل حبل المشنقة الذي التفت حول رقبتي وأحكم انشوطته. لا أستطيع الخلاص منه، أنا من فتح له الباب ليغزو حياتي، سكن في زواياها حتى في ثيابي. أتصدق يا محمد؟ كان يجبرني على لبس العباءة التي توضع على الرأس، وكان يغار علي من كل شيء. لقد كنت اضحوكة بين أهلي والناس من حولي. غيرت ملابسي وطريقتي. كل هذا من أجل إنسان لا يستحق كل هذا! كم كنت حمقاء؟"

أغلقت عيني لحظة، كأنني شعرت بظلالها تخيم على المكان. الألم الذي سمعته في صوتها كان صادقاً لدرجة أنني شعرت وكأنني أعيش معها هذا الجرح. لطالما كان عماد يبدو في البداية كما لو أنه هو الفارس الذي سيحميها، لكن المدى الذي بلغته تلك العلاقة كان مرعباً. كانت تظن أنه حب، بينما هو في الواقع كان مجرد سجن مسور بالوعود الزائفة والكلمات المعسولة.

"عبير"، قلت بصوت هادئ قدر المستطاع، لكن كلماتنا كانت تتسابق في الهواء كما لو أنها كانت بحاجة لإيجاد الحقيقة في هذه اللحظة الفارقة. "الحب في بداياته سهل، كما تعلمتُ من تجاربي، لكن في نهاياته يصبح عسيراً، والتخلص منه أحياناً يكون مريراً. لكن عليك أن تعرفي شيئاً، لا أحد يمكنه إنقاذك إلا أنتِ. كل ما فعلته هو أنني وجهتك للطريق الذي يجب أن تسلكيه، ليس لأنني أملك حلاً سحرياً، بل لأنك أنتِ من يجب أن تجد حريتها."

لحظة صمت. ثم، فجأة، أضافت عبير، وقد بدا صوتها أكثر تماسكا: "أنت محق، محمد. كنت أظن أن الحب يعني التضحية بكل شيء، لكن ما نسيتُه هو أنني فقدت نفسي في تلك التضحية. لم أعد أعرف من أكون بعيداً عن هذه العلاقة. كنت أظن أنني أعطي، لكنني في الواقع كنت أفرغ من ذاتي."

سكتُّ للحظة، أفكر في كلماتها التي بدت وكأنها جاءت من أعماقها، تحمل في طياتها فهما جديدا. كنت أعرف أنها على أعتاب مرحلة مفصلية في حياتها. لم يكن الأمر مجرد حب مكسور، بل كان بمثابة بداية لرحلة طويلة نحو التعافي.

"يجب أن تقومي الآن بخطوة نحو نفسك"، قلت. "بداية جديدة، بكل قوتك. لا تتصلي به، ولا تتركي له مجالاً للعودة إلى حياتك. أنتِ أقوى من أن تعيشي في ظل شخص آخر."

كان الصوت في سماعة الهاتف يتهدج قليلاً، لكنه لم يكن يحمل ضعفاً بقدر ما كان يحمل حزمًا نوعاً ما. 


عند أفول شمس النهار، حينما بدأت أطياف الغروب تغمر السماء بتدرجاتها المائلة إلى الاحمرار، كنت أراقب بتمعن، وكأنني أبحث عن شيء مختبئ بين ظلال الأفق البعيد. السماء كانت تحترق، كأنها تنبئ بشيء ما على وشك الحدوث. وجدت نفسي متجهًا إلى المطعم، حيث كنت أطلب طعامي في صمت، منتظرًا أن تسقط الشمس وراء الأفق كي يستلم الليل زمام الأمور. ومع أن الليل كان يلف الكون بعباءته السوداء، كنت أشعر في الأعماق برهبة غريبة، وكأن الليل في هذا المساء يحمل أكثر من مجرد سكون. كان يشع ضوء النجوم، يلمع عشوائيًا، وكأنما لا غاية له سوى تذكيرنا بتفاهة الإنسان في خضم هذا الكون الفسيح.

بينما كنت غارقًا في تلك الأفكار، إذ فجأة، وقف أمامي مثل سحابة من الغضب. كان عماد. هذا الرجل الذي كنت أظن أنه لا يعدو كونه ظلا يتبع نفسه. كان يحمل في عينيه شررًا لا يمكن إنكاره، وعروقه على رقبته انتفخت كالديدان في ساعة الظهيرة. وجهه كان محتقنًا، كمن ألقى ثقلًا في قلبه لا يستطيع التخلص منه. وضع إصبعه أمامي كأنما يرشقني برمح، وصوته كان يهدر كما لو كان محاصرًا في زجاجة عطر قديمة. قال لي، بصوت يكاد يخرج من بين أسنانه:

- "اترك عبير. لا تتحدث معها. هذه الفتاة تخصني أنا، وأنا من أملك أمرها."

ابتسمت ابتسامة هادئة، تغلفها مرارة الحياة. لا أذكر متى تعلمت أن أبتسم في وجه الألم، لكنني كنت على يقين أن هذه اللحظة تستحق. لم يكن الرد صعبًا، فقد عرفت ما وراء كلماته أكثر مما قد يظن. قلت له وأنا لا أزال أحتفظ بتلك الابتسامة الباردة:

- "هل هي من بقايا أهلك؟ هل بينكم صلة أو مواثيق تثبت هذه العلاقة المشبوهة؟"

انفجر أمامي كالبركان، وعيناه كانتا تكادان تشعلان نارًا. تملكه الغضب بشكل لا يوصف، كأنني حفرت جرحًا عميقًا في ذاكرته، أو ربما كان الجرح قديمًا، لكنه لم يزل ينزف.

- "يا محمد! لا تدخل نفسك في هذه الأمور! لا تلعب معي هذه الألاعيب القذرة... أعرف أنك تريد امتلاك ناصيتها... لا تستغرق في أحلامك. أنا أحذرك."

أما أنا، فلم يكن تهديده سوى زخة من ماء بارد. كنت قد تجاوزت هذه اللعبة منذ زمن. على الرغم من أنني كنت أدرك أنه كان يحاول أن يضعني في خانة الخصم الذي يخشى مواجهته، إلا أنني لم أعد أخاف شيئًا. كانت كلماتي تتناثر بيننا وكأنها رياح صيفية باردة، باردة بما فيه الكفاية لكي تحرق ما تبقى من كبريائه. قلت له، بلغة لم تخلُ من استهزاء:

- "لا تهدد! افعل ما بدا لك. إلا زلت تذكر من تكون؟! الشخص الوحيد الذي يعرف تاريخك هو أنا... حتى عبير لا تعرف عنك سوى أنك الشخص النذل، الذي لبس ثوب المحب، لكنها أدركت، في النهاية، أنك أقذر من مشى على هذه الأرض."

الصمت بيننا كان ثقيلًا، كأن الزمن نفسه قد توقّف ليشاهد ما يحدث بيننا. عماد كان يقف في مكاني، يتنفس بصعوبة، وعيناه كانت تغليان بالغضب. وبالرغم من ذلك، لم يفعل شيئًا سوى أن تركني ومضى، وهو لا يزال يلعن ويشتم، وكأن لعنه صار جزءًا من لحن الحياة الذي يعزفه لنفسه.

وكان الناس يراقبون المشهد. أعينهم تراقب الرجل الذي أضاع عقله بين الكلمات والتهديدات، ولم أستطع إلا أن ألاحظ تلك اللمحة من الجنون التي كانت ترفرف فوقه كما لو كانت الشياطين نفسها قد استحوذت عليه. شعرت بشيء من الارتياح، رغم أنني أعلم أن الحقيقة قد تكون أحيانًا أكثر مرارة من السكين.

تركت المكان، ولم ألتفت خلفي. كنت أعرف أن تلك اللحظة كانت بمثابة نقطة مفصلية في حياتنا جميعًا. كنت قد وضعت خطوطًا حمراء لا يمكنه تخطيها. وكما أن الليل قد بدأ ينقض على السماء ليأخذ مكان الشمس، فقد كنت أنا أيضًا في لحظة تحوّل، في مفترق طريق.

لا أحد يعرف الغد، ولكنني كنت على يقين أن العلاقة بيني وبين عماد قد انتهت عند تلك اللحظة.

كان ذلك اليوم الذي أسأل فيه نفسي أحيانًا: هل كان عليّ أن أقول شيئًا آخر؟ وهل كانت تلك الكلمات التي خرجت مني هي الأكثر صدقًا، أم أنني كنت مجرد شاهد غريب على معركة كانت تحدث في قلب عبير؟ عبير... هذا الاسم الذي ظل يطرق جدران ذاكرتي لأيام قلائل يشبه اللغز الذي لا يكتمل إلا في لحظات اليقظة المتأخرة. لا أستطيع أن أقول إنني نسيت تفاصيل تلك اللحظة، رغم أنها كانت مليئة بالحيرة والشتات.

قالت عبير :
ا تعرف يا محمد و برغم من كل ما حصل لازلت احبه و اشتاق اليه هل هذا طبيعي؟ هب اني رجعت له ؟ 

خيم الصمت علي و خضت حربا من الافكار المتلاطمة في ساحة الحياة من سنيتصر في هذه المعركة الوجودية الفاصلة.


حينما اتصل بي عماد، كان صوته يتهدج كأنما ينضح من بئرٍ عميقةٍ من الخيبة. بدا وكأن ثقل الدنيا قد اجتمع فوق كاهليه، وكأن الكلمات التي خرجت من فمه كانت تحاول أن تخترق عتمة اليأس الذي تسلل إلى روحه. قال لي بصوت متحشرج: "لقد قبضوا عليّ، يا محمد، رجال الهيئة وضعوني تحت رحمتهم... ذهبت إليهم طوعًا، حملت معي عبير، تلك الروح التي أريدها زوجة، أمًا لأبنائي، وحياة بأكملها. ذهبنا إليهم لنطلب الدعم، ليكونوا اليد التي تربت على كتفينا في وجه الرفض الذي زرعه والدها، لكن ما وجدته كان شيئًا يفوق الخيال، شيئًا لم أتوقعه، ولم يخطر لي على بال."

تألمت من كلماته، كأنما جرحٌ عتيق قد انفتح أمامي من جديد. حاولت أن أهدئه، لكن صوته اشتد غضبًا، واستطرد متحدثًا كأنما ينفث سمه: "لقد وضعوني في غرفة وألقوا بها في أخرى، ثم دخلوا عليّ بكل صفاقة، وقالوا لي بكل قسوة: 'كيف تتزوج من حملت منك حملًا سفاحًا؟ كيف لك أن تثق في فتاة تحدثك من الوهلة الأولى عبر الهاتف؟' كانوا يرتدون لباس الطهر، وجوههم كأنها أقنعة لبشر، وما هم إلا شياطين تستروا بالدين. دسوا في أذني السموم، كذبوا وافتروا، مدّعين الفضيلة بينما قلوبهم عامرة بالسواد."

كنت أشعر بحرارة غضبي تتصاعد، وشيء ما في داخلي يدفعني إلى النهوض سريعًا لأكون بجانبه، لانتشله من براثن ذلك الفخ الذي وقع فيه. قدته بالصوت، كأنما أمسك بيده عبر الهاتف، قائلًا: "عماد، سأكون هناك فورًا."

لم أحتمل تأخيرًا؛ أسرعت إلى المكان وكأن الشوارع تتسع لي، تحملني وتختصر المسافة. عندما وصلت، كنت ممتلئًا بغضب أشدّ من ذلك الذي يغلي في دم عماد. دخلت المكان وألقيت نظرة ثاقبة على مَن وقفوا أمامي، أولئك الذين أخذوا من الدين مظهرًا، وتركوا جوهره خلف ظهورهم. واجهت مدير المركز بحدة لم يعرفني بها من قبل، وقلت له: "كيف لكم أن تستغلوا الثقة التي وُضعت فيكم؟ كيف تسمحون لأنفسكم بأن تشوهوا دينكم، وتضعوا أيديكم في الطين، باسم الطهر والشرف؟".

صمت الجميع، إلا عينَي عماد اللتين تفيضان بالامتنان والتعب. وفي تلك اللحظة، عرفت أنني هنا ليس فقط للدفاع عنه، بل لأعيد له ثقته التي كاد يفقدها، ليس في الآخرين فقط، بل في نفسه وفي اختياراته.

نظرت عبير إليّ وعينيها متقدتان كأنها تسترجع كل شيء، تلك الأيام التي جمعتها بعماد، والقرارات التي اتخذتها بروح شابة ظنّت أن التمرد هو السبيل الوحيد. قالت بصوتٍ هادئ لكنه يختبئ بين طياته وجع لا يوصف:

"هذا ما حدث بالفعل، يا محمد. كنت حاملاً في الشهر الثاني عندما أوقفوني في غرفة منفصلة، كأنني متهمة، كأنني ارتكبت جرمًا لا يغتفر. لم أكن أتصور أنني سأصل إلى هذا الموضع، لكن حين رفض أبي زواجي من عماد، شعرت أنني أمام جدار لا يمكنني تجاوزه. قررنا أن نكسر هذا الحاجز، أن نصنع واقعًا جديدًا، ليصبح والدي أمام خيار لا رجعة فيه. ظننا أننا بحملٍ مني لعماد سنفرض إرادتنا، كنت مفعمة بإصرار الشباب، أدرس في الجامعة وأحلم بمستقبل مليء بالحب. عماد كان يوهمني أن هذه خطوة جريئة ستغيّر كل شيء."

توقفت قليلاً، وكأنها تلتقط أنفاسها بين أوجاع تذكاراتها، ثم تابعت بصوت متحسر:

"لكن الأمور، يا محمد، ليست كما يحلم بها المرء. قد نظن أن التمرد يقودنا إلى الحرية، وأن الحلم سيحملنا إلى جنة من السعادة، لكننا كنا في يقظة مؤلمة. أحلام اليقظة، كما أدركتُ اليوم، أكثر قسوة من أحلام الليل. كنا نظن أننا سنحصل على مفاتيح جنة الحياة، لكن بدلاً من ذلك، انفتحت أمامنا بوابة جهنم... حملنا الأمل بأننا نستطيع فرض سعادتنا على العالم، ولم ندرك أن العالم يستطيع في لحظةٍ واحدةٍ أن يحطم كل شيء، أن يعيدنا إلى أرض الواقع بقسوة، ويتركنا نواجه عواقب أحلامنا."

كان صوتها مليئًا بالندم والحسرة، كأنما تخرج من بين أنقاض قلب مُثقل بالآلام.

سؤال عميق كهذا، "هل يموت الحب في مهده؟" لا يغادر فكر المرء بسهولة؛ فهو يثير التأمل في جوهر العاطفة البشرية وأسرار دوامها أو تلاشيها. كنت أفكر طويلاً في الأمر، أتساءل إن كانت مشاعر عماد تجاه عبير ستظل متقدة كما هي، أم أن مزيج الظروف والخيبات سيطفئها في النهاية. عماد كان يردد اسمها دومًا، وكأن ذكرها أصبح جزءًا من نبضه. ذلك النوع من الحب الذي نسميه العذري، ذاك الذي لا يتلامس فيه الطرفان ولا يختلط جسد بأخر، هل هو الحب الأصدق، الأبقى، لأنه مجرد من شهوة الجسد؟ أم أنه هش أمام رغبات الروح والجسد عندما تلتقي؟

ولكن، عندما يصل الإنسان إلى مبتغاه، ويبلغ مراده، هل تتغير الصورة؟ هل يصبح المحبوب باهتًا في عينيه، كأنه ماضٍ منسي؟ ذلك هو السؤال الذي يعيد نفسه كل مرة يتملكني التأمل في الحكايات التي انتهت بخيبة، في الحكايات التي أصابها الفتور بعد أن حقق المحبون كل شيء. أيمكن أن يكون الشوق، ذاك الحنين الذي لا يُشبع، هو الترياق الذي يحفظ الحب من الذبول؟ لأن الإنسان، كما يقولون، يحتاج إلى الرغبة أكثر من الحاجة، إلى أن تظل مشاعره معلقة بين الوصول والحرمان.

وفي صميم هذا التساؤل، تظل العلاقة بين الرجل والمرأة محط نقاش لا ينتهي. من أحب أكثر؟ من كانت مشاعره أعمق؟ هل المرأة، بتوقها الذي يشبه انسياب النهر، أم الرجل الذي كثيرًا ما يقف على حافة الرغبة، ثم يتبدد بريقه؟

أعلم أن عماد كان قد تعرض لصدمة لا تُحتمل، وأتساءل إن كان هذا ما جعله ينقلب في داخله، فيتحول من عاشق إلى شخص مثقل بالكراهية والأسى، عندما أطلقوا سراحه من مركز الهيئة. يبدو أنه ترك جزءًا من نفسه هناك، وأن ذلك الحب الذي كان يؤججه بذكر اسم عبير، لم يعد هو ذاته؛ فقد لُوِّثت الصورة الجميلة، وسرت الشكوك في عروقه كسم بطيء، يحول الحب إلى خيبة، ويفتح بابًا لجروح لا تندمل.



**عبير** كانت تجلس أمامي، عيناها مليئتان بالشوق والألم معًا. كانت قد أعلنت بشكل غير مباشر ما كنت أعلمه منذ زمن: *أنها لا تزال تحبه*. ورغم كل ما حدث بينهما، رغم الندم، ورغم الحواجز التي جعلت قلبها ينكسر، لا تزال تلك الشعلة القديمة تتوهج في أعماقها. كانت تجلس هنا، في مكانها المعتاد، تغرق في أفكارها، كمن تبحث عن إجابةٍ في بحرٍ من الغيمات.

قالت بصوتٍ خفيض، يكاد لا يُسمع:  
"أتعرف يا محمد؟ وبرغم كل ما حصل، لازلتُ أحبه... أشتاق إليه. هل هذا طبيعي؟ هل لو رجعتُ إليه، ستكون عودتي مبررة؟"

سألتني هذا السؤال وكأنها تضع ثقل العالم على كاهلي. كانت عيونها تراقبني، تنتظر الجواب، لكنني شعرت أنني في تلك اللحظة مجرد ريشة تتقاذفها الرياح. ماذا يمكنني أن أقول لها؟ هل يمكنني أن أخبرها بأنها على خطأ؟ أن الحب لا يعود إلى المكان نفسه بعد أن تعصف به الرياح؟

حينها تذكرت لحظة كنت فيها جالسًا مع **عماد**، الذي كان يتكلم عن عبير بكل تلك الحماسة التي يخبئها الرجل حين يحب بقوة. كان يحكي لي عن حبه العميق لها، وكيف كان يحاول أن يثبت لها أنه الأفضل. هو الذي لم يبخل عليها بشيء، كان دائمًا يظهر لها حبه من خلال الهدايا، يعتقد أنه يمكن أن يشتري قلبها كما يشتري الجواهر، مثل تلك الجوهرة التي اشتراها لها في ماليزيا ذات يوم. يذكرها دائمًا، وكأنها كانت الحل النهائي لتلك المعركة القاسية التي خاضها ليحظى بحبها.

"تذكر حين كنا في ماليزيا؟" قال لي عماد في تلك الجلسة، عينيه تلمعان بحماس الماضي. "اشتريت لها جوهرة من الألماس... قدمت لها كل شيء، أتعرف؟ حتى أبيها رفضني فقط بسبب لون بشرتي... لكن عبير، هي في قلبي، في خيالي، لا تبرح."

حينها لم أكن أستطيع أن أخبره بما كنت أعلمه: أن عبير لم تكن تهتم بتلك الجوهرة أو الهدايا، بل كان قلبها يفتش عن شيء أعمق، عن حب يلامس الروح، لا مجرد رموز مادية. كان واضحًا لي في ذلك الوقت أن عماد لم يكن يفهم ما كانت عبير تحتاجه حقًا. لم يكن يعي أن الحب الحقيقي لا يُقاس بما نشتريه، بل بما نقدمه من مشاعر وإخلاص.

لكن ما فاجأني في تلك اللحظة كان حديث عبير عن عماد. كانت في حالة غرق تام في بحرٍ من الندم والحب المحطم. قالت لي بصوتٍ خافت، كأنما تريد أن تهمس لي بسرٍ خفي:

"سرق وجودي، هل يظن أن بالهدايا يمكن أن يشتري ضميري أو قلبي؟ الحب ليس هدايا فقط... الحب أعمق من ذلك بكثير. الكلمات قد تكون هدية أثمن من الهدايا المغلفة! لكنه، مع الأسف، كان يظن أنني سأقع في حب كلامه الفارغ. ما كان يقوله لي يشبه السم الزعاف... يقول لي: 'أشتهي أن ألمس جسدك... أن أحتضنك'... وكأن الحب يتحقق من خلال تلك الكلمات، لا من خلال أشياء أخرى، أشياء أعمق بكثير."

تلك الكلمات كانت تلسعني، كأنني أرى أمامي شخصًا يُحطم حلمًا كان من الممكن أن يكون عظيمًا لو كانت الظروف قد سمحت. كانت عبير، في تلك اللحظة، ترفض أن يُستبدل قلبها بهدايا أو كلمات فارغة. كانت تقول لي، دون أن تعي، ما الذي يشعل قلب المرأة الحقيقية: **أن الحب، أحيانًا، ليس في الكلمات بل في الأفعال، في الاحترام، في الفهم العميق لما يختلج في القلب.**

**ولكن، هل كانت هذه عودتها إلى الحب أم فقط إلى الجراح؟** هذا هو السؤال الذي كنت أحاول أن أجيب عليه داخل نفسي، ولكنني لم أستطع. كيف لي أن أكون حكماً في معركة بين قلبين؟ وكيف لي أن أختار بين الأمل والندم؟ بين العودة إلى الماضي وبين المضي قدمًا في طريق جديد؟

جلست صامتًا، لا أملك أن أقول لها ما كانت تريد سماعه، ولا أن أقول لها شيئًا يقنعها بأن ما تشعر به ليس غريبًا أو غير طبيعي. لأنني، في الحقيقة، كنت أرى في عينيها ذلك الخوف الذي يسكننا جميعًا، خوف العودة إلى شخص كان يعني لنا الكثير، حتى لو كان هذا الشخص قد ترك جروحًا لا تلتئم بسهولة.

لم أكن أملك سوى أن أكون هناك، مستمعًا، شاهدًا على هذا الصراع.

بينما كنت أغوص في صمت طويل، لم أكن أعلم كيف أجيب على سؤالها. كان سؤالها يحمل في طياته تناقضات الحياة كلها، كأنه مشهد مسرحي حيث يتلاقى الحب مع الألم والندم، وتستمر الأسئلة في الدوران بلا نهاية. حاولت أن أبحث عن الكلمات، لكن كل ما وجدته هو نظرة شفقة تسكن عينيّ، وكأنها تتوسل أن أجد لها جوابًا يجعلها تشعر ببعض الطمأنينة.

"عبير، الحب ليس أمرًا تستطيعين حذفه أو نسيانه بقرار. الحب، وإن كان مؤلمًا، يظل جزءًا من ذاكرتنا. إنسان لم تعرفين فيه سوى مشاعر الشوق والراحة، قد يصبح أشبه بجرح قديم، يظل يؤلمنا بين الحين والآخر، لكن تعلمي أن تتجاوزيه، أن تتعلمي من تجربتك معه."

أخذت نفسًا عميقًا، ثم أضفت بصوت هادئ، كمن يحاول أن يزرع بصيصًا من الأمل: "لكن يا عبير، الشوق وحده لا يكفي. إن كان هذا الشخص قد خذلك...ثم عليكِ أن تتعلمي كيف تضعين حدودًا لهذا الحنين. الشوق قد يكون شعورًا جميلًا، لكنه يصبح سجنًا إذا تمسكنا به ونحن نعلم أنه لن يعود علينا بشيء سوى الألم. أحيانًا، يا عبير، يكون الجزء الأصعب من الحب هو معرفة متى يجب أن نتركه، متى نتوقف عن التمسك بأشخاص لم يعودوا يرغبون في أن يكونوا جزءًا من حياتنا.

نظرت إلى عينيها، ورأيت الحيرة والألم يختلطان كبحر مضطرب. حاولت أن أوصل لها فكرة أن التجربة، مهما كانت قاسية، تظل وسيلة للتعلم، وطريقًا نحو النضوج العاطفي. قلت: "الحياة ليست عادلة دائمًا، ولكننا نتعلم منها. ستجدين في يوم ما السكينة، وستتذكرين هذا الألم كذكرى قديمة، لا كجرح ينزف."

لم ترد عبير، لكنني رأيت انعكاسًا بسيطًا للهدوء في عينيها، كأنما بعض كلماتي قد لامست شيئًا في داخلها. وفي تلك اللحظة، فهمت أنني، ربما لأول مرة، تمكنت من إعطائها قليلًا من الطمأنينة، ولو كانت مؤقتة.

لقد قصفت عبير كياني بقذائف حبها، وكنت في مواجهة هذه القذائف لا أملك سوى نفسي المتهالكة، التي تلاشت تحت وطأة ذلك الحب الذي لا يرحم. كان ذلك الحب كالعاصفة التي لا تترك خلفها سوى الركام، وما كنتُ إلا جزءًا من هذا الركام. دكت أركان خيالي واحدة تلو الأخرى، فلم يعد لدي شيءٌ سوى أطلال أفكاري التي كانت تشيّد عالمي بعناية. أصبح كل ما أعرفه من هذا الوجود هو هدمٌ مستمر.

حين وقعتُ تحت تأثير حبها، سويت عبير عالمي بالأرض، كما لو أنها مدّت يدها لتدوس على كل أحلامي، تُطمس معالمها في غياهب المجهول. كنت أشعر وكأنني فقدت كل شيء. كان حلمي بأفقٍ مفتوح قد انهار تمامًا. لم أعد أملك شيئًا. كيف لي أن أملك شيئًا؟ وأنا الآن ركام إنسان. إنسان تلاشت كيانه وهويته أمام تلك القوة العمياء التي تسمى الحب، والتي تجرف كل ما يعترض طريقها.

وفي اللحظة التي ظننت فيها أنني قد أستعيد توازني، اكتشفت أنني لا أملك شيئًا سوى الشظايا. شظايا إنسان ضاع في الحطام، بين أنقاض أحلامه المكسورة، وفي فوضى المشاعر التي لا تترك له سوى الفقد.

كنتُ أعيش في حالة من الخمول، كما لو أن الحياة قد غادرت جسدي منذ زمن طويل، وتركتني في صمتٍ مطبق. كان الزمن يمر ببطء، كأنه يقف على أطلال أيامٍ قديمة، تبحث عن مسارها الضائع في بحرٍ من النسيان. ثم جاءت هي. لم تكن مجرد شخص، بل كانت طوفانًا أزال كل الركام الذي تراكم في نفسي. كانت هي الحياة التي افتقدتها، وكان حبها المجهول أول شعاعٍ يخترق الظلام الذي كانت نفسي تغرق فيه.

دخلت إلى حياتي كما تدخل أشعة الشمس عبر نافذة مغلقة، فوجدت نفسي فجأة أتنفس هواءً مختلفًا. كل شيء حولي تحوّل، وكأنها أضاءت جوانب قلبي التي كنت أظنها ميتة. عادت الدماء إلى جسدي، وأصبح القلب ينبض مجددًا، وكأن كل أوجاعي القديمة قد تم معالجتها. لم أكن بحاجة إلى وقتٍ طويل لأدرك أنني قد تغيرت تمامًا.

وفي تلك اللحظة، كما لو أن القدر قد قرر أن يمنحني شيئًا لم أكن أتوقعه، أمامي أُتيحت طاولة مفتوحة، بوفيهٌ مليء بكل أنواع الأطايب. لكن لم تكن تلك أطايب الطعام العادية، بل كانت أطايب الحياة نفسها. كانت أطباق الحب تتوالى أمامي، بعضها من الذهب، بعضها من الفضة، وبعضها الآخر من اللدائن. لا شيء في هذه الحياة كان يقدر على إشباع روحي كما فعلت هي، ولا شيء كان يمكن أن ينافس هذا الجمال الذي لامس أعماقي.

شعرت وكأنني كنت أبحث عن الحب في كل مكان، دون أن أجد ما يشبعني، ولكنها جاءت لتظهر لي أن الحب ليس مجرد شعور، بل هو حياة كاملة، مليئة بكل أنواع النعم التي لم أكن أدركها. قد تكون الحياة قد أسرفت في حرماني، ولكنها الآن تعيد لي كل ما ضاع في غفلةٍ مني.

لكن هذا البوفيه المفتوح، الذي بدا لي وكأنه وعد بحياة جديدة، لم يكن سوى سراب. حلمٌ جميل اختلطت فيه الرغبات والأوهام، سرعان ما تبخرت عندما اصطدمت بالحقيقة. الحقيقة التي كانت تقترب مني بشكل مروع، كما تقترب العاصفة من سفينة غارقة. كان والد عبير، هو المتعهد الذي أدار حفلة الحب، لكنه لم يدعني أبدًا أن أكون جزءًا منها. طردني من هذه الأرض الموعودة، فقط لأنني كنت أملك بشرة داكنة، وهو أمرٌ يبدو أنَّه كان العائق الوحيد أمام أن يُعترف بي كإنسان.

في تلك اللحظة، كانت أسئلتي تتوالى بسرعة، تتصارع في عقلي، تتسارع كل واحدة منها حتى تختنق الأخرى. هل أنا من خلقت نفسي؟ هل أنا من بنى هذا الجدار الذي يحيط بحياتي؟ وهل من الممكن أنني فقط كنت أسيرًا لظروف لا أملك تغييرها؟ كنت أبحث في نفسي عن أجوبة، لكن الإجابة الوحيدة التي وجدتها كانت صوتًا داخليًا يقول لي: أنت مجرد منتج لظروفك، مجرد ضحية لهذا العالم الذي لا يعدل بين أبنائه.

أما الحُب، ذلك الذي توهمت أنه يمنحني الراحة والطمأنينة، فتبين لي أنه لم يكن سوى مجرد وهم آخر. ملعون أبو الحب، قلتها في نفسي، وهو شعورٌ شبيه بالخيانة. الحب الذي تم تقديمه لي، كان مشروطًا باللون والطبقة، وكان في أساسه بعيدًا عن المعاني الحقيقية التي ظننت أنها جوهره. الحب ليس سوى قناعٍ يضعه العالم على وجهه، ليخفي حقيقته المرة. في لحظة من اليأس، شعرت أنني لم أكن أستحق هذا الوعود، وأنني مجرد شخصٍ لا مكان له في هذا البوفيه الفخم، الذي تم ترتيب موائده لأولئك الذين يملكون القبول في هذا المجتمع العجيب.

هل يمكنني أن أخلق نفسي من جديد؟ هل هناك مكانٌ لي في هذا العالم الذي يرفض أن يعترف بوجودي؟ هذه أسئلة لا نهاية لها، لكنني بدأت أتقبل الإجابة الوحيدة التي أمتلكها الآن: أنا من أقرر من أكون.

كانت لحظة مواجهة عماد لحظة ثقيلة، مليئة بالصراع الداخلي والاتهامات الصامتة. لم أكن أتوقع منه ذلك، لا هذا الانحدار في الأخلاق ولا تلك القسوة التي أظهرها. كان قد أتى لي بكيس من الهيروين المخدر، لا لشيء سوى ليتسبب في تسمم والد عبير، ليجعل منه مدمنًا كي يُصبح غير مؤهلًا لعقد القران. كانت خطته أن تتدخل المحكمة لتكون هي المسؤولة عن عقد القران، في تلك اللحظة التي يصبح فيها الأب غير قادر على اتخاذ القرار. "من أجل الحب؟" تساءلت في نفسي، لكنني لم أستطع أن أحتفظ بصمتي أكثر، فواجهته.

قلت له بغضب: "كيف بلغت بك القسوة؟ حتى بدأت تسمم الناس من أجل الحب؟ أي حب هذا الذي يقتل البشر؟"

كان جوابه باردًا، كما لو أنه يبرر ما فعله بشيء غير قابل للتراجع عنه: "كنت مضطرًا، من يحب لا يرى أمامه..."

لكنني لم أكن أحتاج إلى تبرير. هذا لم يكن حبًا، بل جنونًا، وتهورًا قاتلًا. كيف يمكن أن يصل المرء إلى هذا الحد من التدمير ليلمس شيئًا لا يمكن أن يلمسه إلا من يراهن على حياة الآخرين؟

ثم جاء ما صدمني أكثر: عبير، الفتاة التي ظننتها بريئة في كل هذا، كانت قد استجابت لعماد. كانت قد وضعت الهيروين في طعام والدها، على غرة منه. كان هذا الفعل بمثابة طعنة في قلبي، لكنها في نفس الوقت كانت جزءًا من خيوط لعبة كانت أكبر منها. حملت الطبق من أمام والدها، كأنها تُنهي فصلًا مظلمًا في حياتها، ولا تدرك ما الذي كان سيحدث.

أثناء حديثنا، قالت لي عبير، صوتها مليء بالحزن والمرارة: "كان شعورًا قاتلًا أن تسم من أوجدك!!" 
كان كلامها يجرح أكثر من أي شيء آخر، وكأنها تتحدث عن عبء ثقيل كان يثقل قلبها. كان هذا الشعور قاتلًا بحق، شعورٌ لا يمكن للآخرين أن يفهموه إلا إذا عاشوه.

لقد كانت تلك اللحظة تكشف لي عن حقيقة أعمق من مجرد قصة حب مكسورة. كانت تكشف عن علاقة معقدة، عن أعباء ضمتها قسوة القدر.

كانت لحظة مواجهة عماد لحظة ثقيلة، مليئة بالصراع الداخلي والاتهامات الصامتة. لم أكن أتوقع منه ذلك، لا هذا الانحدار في الأخلاق ولا تلك القسوة التي أظهرها. كان قد أتى لي بكيس من الهيروين المخدر، لا لشيء سوى ليتسبب في تسمم والد عبير، ليجعل منه مدمنًا كي يُصبح غير مؤهلًا لعقد القران. كانت خطته أن تتدخل المحكمة لتكون هي المسؤولة عن عقد القران، في تلك اللحظة التي يصبح فيها الأب غير قادر على اتخاذ القرار. "من أجل الحب؟" تساءلت في نفسي، لكنني لم أستطع أن أحتفظ بصمتي أكثر، فواجهته.

قلت له بغضب: "كيف بلغت بك القسوة؟ حتى بدأت تسمم الناس من أجل الحب؟ أي حب هذا الذي يقتل البشر؟"

كان جوابه باردًا، كما لو أنه يبرر ما فعله بشيء غير قابل للتراجع عنه: "كنت مضطرًا، من يحب لا يرى أمامه..."

لكنني لم أكن أحتاج إلى تبرير. هذا لم يكن حبًا، بل جنونًا، وتهورًا قاتلًا. كيف يمكن أن يصل المرء إلى هذا الحد من التدمير ليلمس شيئًا لا يمكن أن يلمسه إلا من يراهن على حياة الآخرين؟

ثم جاء ما صدمني أكثر: عبير، الفتاة التي ظننتها بريئة في كل هذا، كانت قد استجابت لعماد. كانت قد وضعت الهيروين في طعام والدها، على غرة منه. كان هذا الفعل بمثابة طعنة في قلبي، لكنها في نفس الوقت كانت جزءًا من خيوط لعبة كانت أكبر منها. حملت الطبق من أمام والدها، كأنها تُنهي فصلًا مظلمًا في حياتها، ولا تدرك ما الذي كان سيحدث.

أثناء حديثنا، قالت لي عبير، صوتها مليء بالحزن والمرارة: "كان شعورًا قاتلًا أن تسم من أوجدك!!" كان كلامها يجرح أكثر من أي شيء آخر، وكأنها تتحدث عن عبء ثقيل كان يثقل قلبها. كان هذا الشعور قاتلًا بحق، شعورٌ لا يمكن للآخرين أن يفهموه إلا إذا عاشوه.

لقد كانت تلك اللحظة تكشف لي عن حقيقة أعمق من مجرد قصة حب مكسورة. كانت تكشف عن علاقة معقدة، عن أعباء ضمتها قسوة القدر.

قالت عبير، وعلى محياها ابتسامة صفراء، كأنها تزدرد ماضيًا مريرًا لا تستطيع أن تبتلعه، وقف في حلقها، فلم تستطع التخلص منه. كانت كلماتها ثقيلة، تحمل بين طياتها مرارةً وتذكارات من محطات مظلمة في حياتها.

"لقد طرقنا أبواب السحرة والعرافين!" قالت ذلك بصوتٍ منخفض، كما لو أن اعترافها هذا يشكل جزءًا من عبء ثقيل كان يضغط على قلبها، قلبها الذي كان على وشك الانهيار. لم يكن من السهل أن تبوح بهذا السر، لكنها كانت قد وصلت إلى مرحلةٍ لا تستطيع فيها إخفاء أي شيء.

ثم أضافت وهي تسترجع الذكريات: "ذات يوم قابلت عماد في شقة مفروشة. كان يقترب مني، وكأن في عينيه شيئًا يريد قوله. حدجته باستغراب، كان يطلب الأمور مني كنوع من الفرض، لكن الآن كان يطلب مني بود واهتمامٍ غريبين."

توقفت للحظة، ثم تابعت: "قال لي: عبير، ملابس والدك المتسخة في سلة الملابس، هل تستطيعين جلب منها سروالًا وفانيلة؟"

نظرت إليه بدهشة، وأجبت بابتسامة صفراء تتسلل على شفتي: "ما لك وملابس أبي؟ هل ستسحره؟"

كان صوته هادئًا، لكنه كان يحمل شيئًا من الإصرار: "فعلاً! كلمت عرافة من دولة عربية مجاورة، قالت لي الوصفة، يا عبير. لقد جربنا الحمل، لم ينفع مع والدك. جربنا الهيروين، وتراجعنا. الآن السحر هو الحل. إذا تم الأمر، استغفرنا واعتمرنا، وإذا تريدين، نذهب للحج."

كانت هذه الكلمات بمثابة صاعقة. لم أكن أصدق ما أسمعه، لكن صوته كان يحمل حتمية، كما لو أنه قد وصل إلى مرحلةٍ لا رجعة فيها. عبير لم تكن تجيب، ولكن قلبها كان يعلم ما الذي سيحدث، وربما كانت قد قررت أن تكون جزءًا من هذا الظلام.

قالت عبير، وقد بدأت تنظر إلى الطاولة التي تفصل بيننا، محاولة إخفاء وجهها بالغطاء الذي غلى رأسها، كأنها تحاول تغطية سرٍ لا تريد كشفه: "بالفعل صنعت ما يريد! أعطيته السروال والفانيلة."

عندما سمعت ذلك، تذكرت حينها حديثًا كنت قد دار مع امرأة عبر الواتساب. كان عماد قد أخبرني أنها امرأة تحل مشاكل المحبين، لكن الحقيقة كانت أن تلك المرأة كانت ساحرة، وهي من وضع عماد في هذا الطريق المظلم. أخبرتني عبير أن الساحرة قد أخذت نقودًا من عماد، ولكنها لم ترد علينا أبدًا.

كل تلك اللحظات، كل تلك التورطات التي تجدها عبير نفسها في قلبها، كانت قد أفرزت هذا الوضع البائس، حيث كانت تظن أن السحر هو الحل الوحيد. ولكن هل حقًا هناك حلول؟ أم أن الحب، بتعقيداته، كان قد أخذهم إلى هاوية لا مخرج منها؟

كنتُ أعيش في دوامةٍ من المشاعر المتناقضة، قلبٌ متخم بالألم وعقلٌ مشتت بين الرغبات والندم. عماد لم يغفر لي ما فعلت، رغم أنه هو من بدأ القصة برمتها، حينما ألقى بالاتهام على عاتقي، متهمًا إياي بأنني أبحث عن عبير وأريدها. كان ذلك الادعاء محط خلاف طويل بيننا، ولم أكن في الواقع طرفًا في تلك المعمعة الفوضوية. لكن، كما هي عادة الحياة، كانت الأمور تأخذ مجراها بطريقة مغايرة تمامًا.

حين رأيت عبير لأول مرة، كانت صورتها في ذهني لا تزال حية، وكأنها لوحة سريالية نحتها الزمن بأيدٍ خفية. جمالها كان يستحوذ على كل شيء، يغني عن كل وصف. جسمها كان ريانًا، لم تكن نحيلة ولا سمينة، بل كان توازنها يعكس عافيةً غير عادية. كانت ذات قوامٍ يلفت الأنظار، وعجزٍ بارزٍ لا يمكن تجاهله، بينما صدرها يكاد يخرج عن حدود جسدها. كان جسدها ثورة من الشباب، ولكن ما أسكن قلبي كان ما لا يُقال، هو ذاك الشعور الذي اعتصرتني به، شعورٌ يخلط بين النشوة والضياع، وكأنني أرى أمامي صورة من الجمال الذي لم أتوقعه. ومع ذلك، كانت هناك شيئًا آخر في ملامحها، شيء غريب يحيرك حين تفكر فيه. بطنها المنتفخ، ذلك الذي حمل في جوفه حياةً أخرى، كانت حاملًا.

ومنذ تلك اللحظة، لم يكن لدي خيار سوى أن أمد يدي لها بكل ما أستطيع. قررت أن أساعدها، وقلت في نفسي إنني لن أكون سوى الرفيق المخلص لها في هذه الرحلة التي لم أكن أتخيل أنني سأدخل فيها. كان اللقاء الأول في ذلك اليوم، يومٌ لن أنساه ما حييت.

أما عماد، الذي كان يظن أنه قد يدير كل شيء بيده، حاول الاتصال بها مرارًا، لكنها كانت لا ترد عليه. كنت أدرك جيدًا أن خلف محاولاته شيء من الألم، وكان الأمل في قلبه يتناثر مع كل مكالمة، لكنه كان ينكر ذلك. هو كان يعمل في دائرة حكومية حساسة، وله من الواسطة ما يتيح له فتح أبوابٍ مغلقة، لكنه لم يدرك أن الأمور ليست دائمًا على ما يرام.

ثم حدث ما لم يكن في الحسبان. وجدت نفسي وراء القضبان، بتهمةٍ لا أستطيع أن أفهم كيف وصلت إلي. تهمة التهديد بالقتل، والقذف في العرض والشرف! كيف لي أن أكون متهمًا بذلك؟ كيف يمكنني أن أصف نفسي بهذا الشكل أمام مرآة العدالة؟ ما الذي حدث؟ كل شيء صار ضبابيًا في لحظة، ولم أعد أعرف أي درب أسلك. لم أكن سوى شخصٍ يحاول البقاء، يحاول البقاء في وجه أمواجٍ عاتية، ولأنني لم أفهم اللعبة تمامًا، كنت أنا الخاسر الوحيد فيها.

ثم مرت الأيام، وتعلمت أن العواطف ليست دائمًا مرشدة، وأن أحيانًا ما يبدو على السطح ليس سوى غلافٍ رقيق يخفي ما في الأعماق من أسرار.

في داخل التوقيف بقسم الشرطة، حيث كان الزمن يتدفق ببطء والأصوات تتردد في الزوايا المعتمة، قابلتُ شخصًا غريبًا، كان يبدو لي في البداية مجرد اسم عابر في حياة منسية. كان اسمه أبو الريش، ممثل مغمور، يبدو أنه أمضى حياته في الظل بعيدًا عن الأضواء. استقبلني بابتسامة لم تكن تحمل أي ملامح من الندم أو الحزن، بل كانت نوعًا من اللامبالاة التي اعتدت أن أراها في وجوه الناس الذين مروا بتجارب مشابهة لتجربتي. كان يحمل ترموسًا للقهوة السعودية، وحين صب لي فنجانًا، قال بنبرة هادئة:

– "ما قصتك؟"

سردت له قصتي، بل ربما لم يكن هناك خيار آخر سوى أن أفتح فمي وأروي كل شيء. أخبرته أن سبب دخولي إلى هنا هو وقوع في صف فتاة حامل كانت ضحية لصديقي العزيز. صديقي الذي رغم أنه كان يملك علاقات مع مسؤولين، لم يقدر على حجز لي مكان في فندق فخم، بل اضطررت لأن أكون هنا، في قسم الشرطة. كانت كلمات هذه الجمل تتدفق من فمي كأنها أوراق مهملة، تذبل في الهواء.

لكن، بدلًا من أن يكتفي بالاستماع، رد عليَّ أبو الريش، كأنما قد ألهمته قصتي شيئًا يعبر عنه هو الآخر. قال لي:

– "أنا معلم، لكني متهم بالتحرش في طالب عندي في المدرسة. الطالب هو من تحدث معي على تطبيق السناب... أنا لست مثليًا."

استمعت إلى كلماته، وكنت أحاول أن أفهم. كان يضع يديه على ترموس القهوة في حركة توحي وكأن هناك ما يثقل قلبه. نظرت إليه مليًا. كان شخصًا مريبًا في نظر، لكنني لم أستطع أن أُقرر إن كنت أحكم عليه فقط من مظهره، أم أن هناك شيئًا في شكله يحكي قصة أكثر تعقيدًا من الكلمات التي نطق بها. هل هو بريء؟ هل هو ضحية؟ أم أن هنالك شيئًا آخر يخفيه عن الجميع؟

الأمر بالنسبة لي كان يشبه فحص مشهد غامض، حيث تتداخل فيه الأدلة والشكوك، وكلما تعمقت أكثر، أصبحت الحقيقة أكثر تعقيدًا من أن تُكتشف بسهولة.

كيف رمت بي الأقدار إلى هنا؟
كأنما كنت على مسرح لا أعرف له بداية ولا نهاية، ومهما كان أداءي بديعًا، فإن الجمهور لا يصحح أخطاءي، ولا يصفق لي على أي إنجاز، بل يكتفي بنظرات احتقار وشتائم تقطع كل خيط من أمل. هكذا كانت الأقدار، تصطف لي عوائق وأهوال، وكأنني مجرد بطل في مسرحية بلا مشاهدين، ولا حتى قبلة دعم. لا شيء سوى الخواء والظلم.
 
الشرطي الذي نادى على اسمي بعنف ودفعني نحو مبنى الادعاء والتحقيق العام، كان الوجه الأول لهذا الجحيم الذي يترصدني كان هناك شيء غير عادي في تعامله معي بصم كل السجناء أمامه، لكني كنت الوحيد الذي نجا من هذا الفخ. حين أدخلوني إلى مكتب الضابط، توقعت أن يكون اللقاء عادياً. لكن يبدو أن القدر كان يخبئ لي مفاجآت أخرى.

"محمد" هكذا ناداني الضابط بغضب
بينما كان يمسك بملف مغلق بإحكام. "لماذا هددت عماد بالقتل ؟ لماذا قذفته ؟ أتظن أن هذا البلد بلا قانون ؟

كنت أراقب حركاته، أتأمل في تعبيراته وكأنها شيء غريب لم أعهده. ثم رفعت رأسي، وأجبت ممتعضًا: "متى قلت له ذلك؟ وأين الدليل الذي يدينني؟"

كان الضابط يلوح بورقة مصورة أمامي وقد كتب عليها بعض الكلمات التي لم أكن أذكرها. الكلمات كانت صادمة: "عماد، أنت لست رجلاً، أنت مخنث.... سوف أقتلك في يوم ما...
 
ابتسمت وأنا أجيبه، ربما كي أقاوم الضغط الذي بدا أنه يطبق علي من كل جانب.

هذه مجرد رسائل جوال يا سيدي. وهذا الرقم ليس رقمي. كيف لكم أن تجلبوني إلى هنا بناءً على شبهة كهذه ؟"

ولكن الأغلال التي كانت تقيد يدي ورجلي كانت أكثر من مجرد حديد ثقيل. كانت تشبه تلك القيود التي يفرضها المجتمع على كل من يجرؤ على السقوط في دائرة الشبهة. شعرت وكأنني محكوم بالذنب رغم براءتي وكأنني ألام على علاقة عماد وعبير،وكأنني الأب الذي منع زواجهما ووقف حجر عثرة في طريقهما.الظلم كان يعصف بي، ولم يكن لي سوى أن أتمتم في نفسي: "ليس مكاني هنا... هذا مكان عماد هو الذي حاول قتل والد عبير، وهو من هددنا جميعًا، لأنه كان يملك السلطة والنفوذ. أما أنا، فلا أملك سوى وجهي الذي أصبح مشوها في نظرهم...... 
 
أفكاري تتشابك بينما أصمت في مواجهة واقع لا يرحم. 
 

لطالما تساءلت عن حقيقة ما أعيشه، أهو قدرٌ مفروض عليّ أم أنني أنا من دفع بنفسه إلى هذه الأوضاع؟ لكن أسوأ ما في السؤال ليس في البحث عن الإجابة، بل في فهم الطريقة التي يتنكر بها الزمن ويخبئ الإجابات بين طياته، مَدفونة في ركام الذكريات التي بدأت تتلاشى شيئًا فشيئًا.

أنا محمد، والآن، وأنا في هذا الزنزانة، كل شيء يبدو ضبابيًا في ذهنِي. كيف لي أن أفسر ما جرى؟ وكيف لي أن أضع الأمور في نصابها الصحيح؟ هل كان ما فعلته في الماضي خطأً جسيمًا؟ أم أنني مجرد ضحية لمؤامرة نسجت خيوطها بعناية لتوقعني في شراكها؟

أسمع همسات الزمان من حولي، وصوت عبير يتردد في أذني، تلك الفتاة التي لم يكن لها ملجأ إلا أنا. كانت محطمة، مغلوبة على أمرها، تائهة بين حلمٍ مكسور وآمالٍ ضائعة. جئتني، وأخبرتني بحذرٍ واضح: "داخلة على الله ثم عليك يا محمد، تساعدني." كان في كلماتها شيء من الاستغاثة، شيء من الانكسار الذي لا يمكن تجاهله. ولم يكن بوسعي إلا أن أستجيب.

لكن يا ليتني لم أفعل! ليتني تجنبّت ذلك الطريق المظلم الذي أعدته لي الحياة على طبقٍ من أسى. فعلاً، في لحظة تردد واحدة، أخذت على عاتقي عبئًا كنت غير مستعد له. كانت عبير في محنةٍ حقيقية، وكانت بحاجةٍ إليّ بطريقةٍ أعمق من مجرد مساعدتها. لكن الأمور لا تسير كما نخطط لها، أليس كذلك؟

أما عماد، ذلك الطاغية، فقد تخلّى عنها، كما تخلّى عن نفسه. لماذا لم يتُب عن خطاياه؟ لماذا لم يجد في قلبه مجالًا للندم؟ سيرة عماد، تلك التي أصبحت كالرائحة العفنة التي تملأ الأرجاء، دخلت في قلبي، وسممَت كل شيء. وبدلاً من أن أجد الراحة، تلوّثت أيامي بفعل أفعاله، وبات اسمه يكاد يصبح أكثر ثقلاً من أي تهمة وجهت إلي.

وفي إحدى تلك الليالي، جاء المحقق، يراقبني بعينيه الجادّتين. صوته كان حادًا كالموسى، وكأنما يشرّح كل كلمة أقولها. قال لي بنبرةٍ تحمل تهديدًا غير مباشر: "محمد! هل تعلم عقوبة القذف والتهديد بالقتل؟" وكانت تلك الأسئلة تتساقط عليّ مثل ركامٍ من الحجارة.

لم أستطع أن أخفي جواهر الحيرة في قلبي، فقلت له: "هل ستسمع مني بأذانٍ مصغية؟"

قال لي: "تفضل، لست هنا إلا لكي أسمعك."

وفعلًا، بدأت أحكي له كل شيء، من مصر إلى هنا، كل خطوة، كل لحظة. سردت له ما حدث، لكنني توقفت عند لحظة عبير. وتساءلتُ بصوتٍ منخفض: "أترى، لو جاءك أحد وقال لك ما قالته لي تلك الفتاة، ماذا كنت ستفعل؟ هل كنت ستلتفت إليها أم تتركها تواجه مصيرها وحدها؟"

ثم نظرت إليه، في عينيه بعض الفضول، وبعض القسوة. أكمل حديثي قائلاً: "أقدمت على ما أقدمت عليه، لأنني لم أستطع أن أتخلى عنها. كنت في ذلك الوقت كالطائر الذي يهبط على أرضٍ غريبة، لا يعرف كيف يطير ولا إلى أين يتجه. لكنني كنت أنا الرغيف الذي خرج من الفرن ليُلقى في سجنٍ مغلق."

كانت تلك كلماتي التي لم تكن مجرد دفاعٍ عن نفسي، بل كانت محاولة لفهم ما جرى. هل كنت ضحية الظروف؟ أم أنني كنت جزءًا من خطيئةٍ أكبر من أن أراها في ذلك الوقت؟ ربما كان الجميع ضحايا، لكن ليس كل الضحايا يرتكبون نفس الأخطاء.

وأنا هنا الآن، في هذه الزنزانة، أواجه أسئلةً أكثر مما أملك من إجابات. أتساءل إن كنت قد فعلت الصواب أم أنني مجرد ضحية لخياراتٍ لم أكن أعي حجمها حينها. هل من حقّنا أن نسمح لأنفسنا بالندم؟ أم أن الحقيقة، مثلما تلوح في الأفق، تختبئ خلف زجاجٍ معتم لا نملك مفتاحه ؟
 
كان ذلك اليوم، يوم الانتظار الطويل، محملاً بأثقال لا تنتهي، كأنما الزمن كان يتثاقل على كتفيَّ، يمر ببطءٍ لا يوصف، كل ثانية فيه كانت كأنها دهرٌ كامل. لم يكن حولي سوى جدران باردة، وقضبان حديدية تنتظرني كما لو أنها كانت تحدد مصيري. حينها، لم يكن هناك سوى صدى أفكاري التي تجول في نفسي الحائرة، وقلب يصرخ في عمقٍ مظلم، لكنني كنت في صمتٍ مطلق، فقط أعيد في داخلي عبارات هاملت، التي كنت قد حفظتها عن ظهر قلب في تلك الأيام التي لا تُحتمل.

"أوه، ليت هذا الجثمان، وما أصلبَهُ على الرزايا والكوارث..." كانت الكلمات تردد نفسها كأنها جزء من كينونتي، كأنها هي الأخرى سجينة داخلي. كنت أقف هناك، ممسكًا بقضبان الزمان والمكان، وتلك الكلمات تلحُّ في نفسي: "أيهما أفظع، أن أعيش في هذه السجون أم أن أرحل عنها؟"

"أيييييها الهمَّ، أيها الألم، كيف أطيق البقاء في هذا المكان؟"

كانت جدران السجن تتنفس بأدنى تفاصيل حياتي، كأنها كانت جزءًا مني، وكأن هذا الحديد البارد قد صار ناعماً على راحة يدي، وكأنني كنت أسير في حلقة لا نهاية لها من اليأس. لا مفر من أوجاع الحياة، ولا مهرب من الوجود ذاته.

ولكن في تلك اللحظات، كنت أرتدي ثوب هاملت، المجنون بنظره للعالم، الكئيب بعمق الحياة. كلما تذكرت تلك الكلمات، شعرت وكأنني كنت قد انزلقت في فخها، مثلما وقع هاملت في فخِّ أفكاره المتشابكة. كنت أردد لنفسي: "أه، ليت بارئ الإنسان لم يُحَرِّمْ عليه قتل نفسه"، كانت هذه الأفكار تسحبني نحو أعماق اليأس، لكنها في ذات الوقت كانت تُوقِظُني. كيف لا؟ إن الإنسان في حالة من الضعف البشري، يظن أن الفكرة الأخيرة ستكون هي الحل، لكنه في النهاية يدرك، كأي بطل درامي، أن العيش هو الخيار الوحيد، حتى وإن كان بألم.

وفي تلك اللحظة، من بين أصوات الزنازين البعيدة، وصخب العالم الذي كان يبدو في غفلة عني، وجدتني أتساءل: أإلى هذا الحد وصلت الأمور؟ أإلى هذا الحد فُرضت عليَّ هذه الحياة؟! ما جدوى هذه الأرض؟ هذه الحديقة الموحشة التي تنمو فيها الأعشاب السامة ولا يفلح فيها شيء؟ وهل من معنى لهذا الألم الذي لا ينتهي؟

لكن شيئًا ما في داخلي، كأنما كان الأمل يتسلل بخجل عبر نافذة مغلقة، جعلني أتوقف عن التفكير في النهاية. لم أكن أعرف متى سيأتي أخي، لكنني شعرت أن اللحظة المقبلة ستكون بداية جديدة. كأنني كنت أستشرف أفقًا آخر من الوجود، ربما خارج القضبان، أو ربما في أعماق نفسي. في تلك اللحظة، اكتشفت شيئًا لم أكن أدركه من قبل، ربما كان الجنون هو الجسر الذي يعبر بنا نحو الحقيقة، نحو الفهم. 
 
 كنت أعرف أني في النهاية سأخرج، لكن لم أكن أعلم أي شكل سأكون عليه بعد ذلك. هل سأكون نفسي؟ أم سيكون السجن قد أضاع مني تلك الهوية؟

المهم الآن أنني أعود، لكن من غير أن أكون كما كنت. أعود بمعنى جديد، برؤية جديدة، ربما من خلال تلك الكلمات، كلمات هاملت، التي كانت تعيش داخلي في الساعات الطويلة التي قضيتها بين القضبان.

النهاية
 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

الخريطة التي تقودني إليك

 رواية الخريطة التي تقودني  إليك  بقلم  جوزيف مونينغر المقدمة يوم التخرج إنها والدتك، من بين الجميع، هي التي تلتقط الصورة المثالية لك ولصديق...