بحث هذه المدونة الإلكترونية

الثلاثاء، 12 نوفمبر 2024

ما لم يقله قلبي

 

 


 

ما لم يقله قلبي
 

 حتى أنتِ يا عواطف؟
كنت أقولها في داخلي، ثم أتردد في همسها، فتتحول إلى صدى يردد سؤالًا يستعصي على الفهم. أتراني أعاني من خذلان أم من حبٍ لا يشبه غيره؟ سبع سنوات من هذا العشق، كأنها سبعُ عصور نحتت على قلبي أثرًا، وعندما أطلّت اللحظة التي انتظرتها طويلاً، لم تأتِ بيديكِ إلا بأسى مفاجئ كطعنة باردة.

أحببتها كطفل يلتقط أولى خطواته وسط ضباب الحياة. عارية كحقيقة، وجميلة كتمثال إغريقي يقف هناك ثابتًا في صمت. أشرأبّ قلبي نحوها، وانجذبتْ روحي كزهرة تواقة إلى ضوء شمس لم تُدرك بعد قسوة الحريق. لسبع سنوات، كنت أعيش حبًا يتوهج بين أضلعي؛ حبًا يروي ظمأً لا يروى، يلامس طفولة كلماتي ويسابق خطى أيامي. كنت طفلًا رضيعًا بين يديها، متعلّقًا بها، لا أعي سوى عطائها الذي لا يشبع، وتلك النظرة التي تملأ روحي بالدهشة.

لكنها كانت تعلم، وربما كانت تشفق عليّ دون أن أدرك. ومثلما يلوح البحر لمرتاده بأنه ملاذٌ، كانت تلوح لي بأنها الأمان، لكن ها هو الأفق يختفي رويدًا، ويتحول الحلم إلى سرابٍ بعيد. أردت منها قُربًا، لكنها فطمتني من عاطفتها فجأة، كأنما قررت أن تجعلني أستفيق من هذا الحلم. تركتني أغرق في صمتٍ مرير، أحاول أن أفهم هل خذلتني بدافع الحب أم خشية الغرق؟

الآن، أتساءل: هل كان حبي واقعًا أم مجرّد سراب؟ هل كانت تلاعبني أو كانت ترافقني بصدق؟ أأنتقم منها لأشفي غليلي، أم أتذكرها بتلك الرقة التي عرفتها فيها؟ بين الحب والانتقام يقف قلبي على حافةٍ حادة، ولا أملك جوابًا شافيًا. ربما الحب بذاته لا ينتقم، لكن العاشق حين يُخذل، يتبدل كل شيء داخله؛ يصير الانتقام حزنًا، ويصير الحزن ذكرى خالدة.

هل كنت ضحية لخيالات رسمتها أم أنني كنت أحبّها حقًا؟
لم أفطر بعد صومي إلا على بصلة!

كذلك بدأت حكايتي، كصائم انتظر لحظة الفطور، فإذا بيد القدر تهديني شيئًا يلسع، حُبًّا أقرب إلى البصل برائحته النفاذة، تدمع له عيني بقدر ما يثير شوقي. كانت "عواطف" هي تلك البصلة، حبًّا ذا طعم حاد، يأسرني بألم ممتزج بلذة، يدمع عيني من قربه وحنيني إليه. كنت أقف كل يوم عند باب منزلها، أنتظر خروجها إلى الحديقة المجاورة، أراقبها من بعيد كالمحكوم عليه بالحب، متسللًا في خفّة أتابع خطواتها دون أن تدرك، وربما كانت تدرك، لكنها لا تبالي.

تخرج بعباءتها السوداء، حضورها هادئ، لكنه يضيء كالبدر وسط عتمة الروح. أراها تسير بشيء من التوتر، تُخرج هاتفها، تضع السماعات، وتُغرق في عالمها الخاص. كنت أتخيلها تستمع لأغنيات أم كلثوم، تلك الأغاني التي تُغني الشوق وتجعله نبيذًا نتجرعه، أغنية كأنها كتبت من أجلنا: "هل رأى الحب سكارى مثلنا؟" وكأنها تحتسي كلماتها، وأنا احتسي نظراتي إليها، كأننا في سُكْرٍ يجمعنا ولو من بعيد.

كنت أعلم أنها تعلم بوجودي، لكنني كنت أغذي قلبي بخيال أنني أراقبها سرًا، وأنها تتمرد في سرٍّ موازي. تلك الفتاة التي كبتت عليها والدتها كل أشكال الحرية، كانت تبحث عن نافذة للهواء النقي، عن لحظات تهرب فيها من قيودها، ومرة وجدتها تبكي على طرف مقعد. لم أنسَ كيف بدت حينها: وجهٌ متورد بالحزن، وعينان تنهمر منهما الدموع كما تنهمر السماء بالمطر.

اقتربت منها، مددت يدي بمنديل بسيط، جفّفت دموعها، وما إن لمست يديها حتى شعرت كأنني أقترب من غيمة، من شيء عذب لكن لا يدوم؛ فمن يعرف المطر يدرك أنه لا يبقى، ومن يعرف "عواطف" يدرك أنها ستمضي يومًا.

كمن يقاد إلى منصة الإعدام، هكذا كنت أنا؛ مقيدًا بأثقال لا مرئية، تسحبني نحو نهاية لم أختَرها. هي لم تسلمني سكينًا، لكن كلماتها كانت كافية؛ كأنها تقود قلبي المثقل إلى حتفه. أعلنت لي بوجهٍ مبتسم، لكنها قاتلة: "أنت تأخرت، لقد انتظرت عريسًا آخر." وعلى الرغم من وقع كلماتها، تابعت بهدوء، كأنما تسدل الستار على مسرحية حياتي: "لكن، يا محمد... لم أنكر يومًا حبي لك، بل أحببتك حتى أنساني وجودي."

لا أعرف إن كان ما قالت حبًا أم فخًا خفيًا، لكنني سقطت في هاوية من الظنون. بئر من الأسئلة العميقة بلا قعر، تبتلعني شيئًا فشيئًا. تساءلت وأنا أراقبها في ضوء ذلك المساء الرمادي: أكان حبنا نسجًا هشًا كشبكة عنكبوت؟ أكان مقدرًا لهذا الخيط أن ينقطع؟ هي نفسها تتساءل بنظرة لا أعرف لها تفسيرًا: "إذا كان اللقاء نسيج هذا الحب، فلماذا نسج له الفراق؟ هل هما جزءان من خامة واحدة؟"

ما قالت كان نغمًا مكسورًا، ولكنه جميل. صوتها يحملني بين السؤال والتساؤل؛ كلماتها عميقة كأنها من حكمة قديمة، لكنها تُلقي بي في متاهات من الشك والضياع. العشق سمه الفراق، والحب دواؤه الوصل—كلمات تبدو متناقضة، كأنها تعترف بجمال الشيء رغم سواد نهايته.

ثم، كأنما أرادت أن تخفف عني، قالت: "لقد رسمتك في خيالي بلونين فقط، كالأفلام القديمة بالأبيض والأسود. كنا كفيلم يروي قصص حب خالدة، كأبطال محمود ياسين ونجلاء فتحي." لم أدرك إن كانت تلك صورة تسكّنني أم تؤلمني أكثر. أدركت فقط أنني كنت معها مشهدًا من الماضي، نسجتني في زمن ليس لي، في قصص أُعجبنا بها يومًا ولكن لا نعيشها حقًّا.

في لحظة وحي قصيرة، فهمت. ربما كانت تلك النظرة الأخيرة التي ألقتها عليّ، تلك الكلمات التي قالتها، هي فصلنا الختامي. الواقع يمسك بنا، يرسم حياتنا بألوان قاسية وحادة. نحن لسنا أحلامًا ملوّنة، ولسنا أفلامًا بيضاء وسوداء. نحن مجرد شظايا تعيش في واقع لم يكتب قصتنا كما كنا نتمنى.

نعم، لطالما كان التمني مسكنًا مؤقتًا للواقع، والخيال هو الملاذ الذي يغلف الحقائق بألوان ناعمة. كنت أقول لها دائمًا إن الخيال قد يُلطّف قسوة الحياة، لكنه لا يستطيع محوها. وكانت تبتسم ابتسامة باهتة، قبل أن تُلقي عليّ كلماتها، وكأنها تفتح لي بابًا لقصتها: "قسوة حياة أمي وأبي علمتني ألا أثق بأحد. أمي صارمة، وأبي متسامح."

لكن في عينيها كانت هناك أسرار. عرفت فيما بعد، بعد سنوات من الصمت والترقب، أن سبب طلاق والدتها من والدها لم يكن مجرد خلافات بسيطة، بل كان قصة أعمق وأكثر قتامة. والدها كان تاجر مخدرات، يعيش تحت ظلال المال الملوث والخطر المتربص، مطاردًا من الشرطة في كل زاوية. أما والدتها، فقد كانت امرأة ترفض العيش في ظلال تلك الأموال، فاختارت الانفصال لتنجو بنفسها.

الغريب أن عواطف لا تعرف تلك الحقيقة، بل كانت ترى والدها بطلًا لا مثيل له، بطلاً في عينيها كأبطال الأفلام الخارقة، كبطل من عالم الخيال العلمي. تراه كشخصية عظيمة، تحمل قناعًا من القيم المزيفة، لكنها تشع في مخيلتها كرمز للحنان والقوة.

ربما كانت تحبه كما تحب كل فتاة أباها، بغض النظر عن ظلال الماضي وسيرة الواقع. وهنا أدركت، أننا كبشر نصنع من الشر خيرًا إذا أردنا، ومن الخير شرًّا إذا قست علينا الظروف. لا الجوانب الخيّرة ولا الشريرة في الناس، بل الأفكار هي التي تنسج القصص، تقلبها وتطوّعها.

كانت عواطف تجلس أمامي، ملامحها متوترة، وكأنها تنتظر لحظة من الفراغ لكي تفرغ كل ما في صدرها. تبادلت نظراتنا، وعينيها غارقتان في لجة التساؤلات. ثم، وكأنها قد حملت وزن العالم على عاتقها، نظرت إليّ وقالت بصوت مختنق بالخوف:

"هل تؤمن بحقيقة الأديان؟ وهل ترى أن النهاية المحتومة للإنسان هي جزء من هذه الحقيقة؟"

توقفت قليلاً، ثم أضافت، وقد بدا عليها تردد غريب: "وأنت، هل تعرف إله سبينوزا؟"

أسئلتها كانت وكأنها سلسلة من الخيوط المتشابكة، تدور حول عالم من الأفكار المتناقضة. لحظات من الصمت امتدت بيننا، كأن كل كلمة منها تفتح أمامي أبوابًا من الأسئلة التي لا نهاية لها. أسئلة من العيار الثقيل، تتراقص بين الإيمان والكفر، بين اليقين والشك.

كان حديثها عن الإنسان ككائن ثابت بلا شعور، بلا تداخلات فكرية معقدة، يسلبه من الوعي العميق بما يحيط به. كان كأنما تبحث عن شيء ما داخل أعماقها، شيء غير مرئي، لا يمكن لأي إجابة أن تمنحه السلام. ولأول مرة، شعرت بأن حديثها يتعدى حدود الكلمات، ليصل إلى جوهر ما يعنيه أن تكون إنسانًا في هذا العالم المربك.

"السؤال، يا عواطف، هو المفتاح"، قلت لها بعد لحظة صمت. "السؤال وحده يفتح المدارك ويحرّك الفكر. أما الجواب، فهو قيد، يقف ليغلق كل أبواب الإبداع والتأمل. فمجتمعنا، الذي تعوّد على تلقين الإجابات، لا يعرف كيف يعيش مع الأسئلة. الجواب يشل الخيال ويوقف الفكر، بينما السؤال هو الذي يخلق التوتر ويسمح للأفكار بأن تتحرر."

لكنها لم تكن لتوافقني بسهولة. غضبها كان يتسلل بين الكلمات، كما لو أن الجليد الذي كان يغطي عقولنا لسنوات قد بدأ ينكسر. قالت، وقد تردد في صوتها كل مرارة الرفض:

"لقد جمدت السلفية عقولنا، وجعلتها كتلة من الجليد تحطم كل شيء. لقد اخترقوا حياتنا كجبل جليدي ضخم، وعشنا في ظل الصحوة، كأننا في مجمدة لا نعرف طريقنا للخروج منها. يا له من عبء حملناه في أعماقنا، عُقدة بسطت أجنحتها وأطبقت علينا!"

قلت في نفسي: كم هي محقة، وكم هو مرير هذا الصراع الداخلي الذي تحياه. كأنها تجسد حلمًا ضائعًا بين طرفي الوجود، تبحث عن إجابة قد لا تأتي أبدًا. وقفت أمامها، وأنا أعي أن أسئلتها ليست مجرد كلمات؛ إنها صرخة تبحث عن الحقيقة بين أمواج الشك.

وأضافت، وكأنها تحاول أن تكشف عن جزء آخر من نفسها: "لم أتمكن من الراحة، ... لم أتمكن من أن أجد سلامي بين كل هذه الأشواك. كل سؤال يغذي قلقًا أعمق، وكل جواب يزيدني تضاربًا."

أخذت نفسًا عميقًا، وقلت لها بصوت منخفض، مفعم بالحقيقة: "الوجود مليء بالأسئلة، وأنت، في داخلك، تحمل هذا الصراع الفلسفي الأبدى. ربما لا تكون هناك إجابة واحدة، لكن في طرحك للأسئلة، تجدين كل شيء... وربما لا شيء."

 

جلسنا في المقهى، حيث طلبت عواطف كوب "لاتيه" بينما اخترت أنا قهوة إسبريسو؛ كانت تفضل القهوة بالحليب، ربما رغبةً منها في تبييض ظلال الأيام الثقيلة، أما أنا، فقد أردت أن أبقى يقظًا، فقد شعرت بأن مشاعري بدأت تنسحب نحو التخدير.

رفعت الكتاب الذي كنت أقرأه، لمؤلف عربي يتناول فكرة الأديان، وقلت لها: "الإنسان كائن متدين بطبيعته، وكأن الدين جزء من نسيج حضارته، شيء من المحال أن يعيش بدونه، دون أن يغرق في بحر من التساؤلات." ترددت للحظة، ثم أكملت: "لن يعرف المرء طعم الإيمان الحقيقي حتى يختبر طعم الكفر. نحن مخلوقات تتغذى على المتناقضات؛ فالدين هو عزاء الإنسان في مواجهة اللايقين، بدونه، يغيب طمأنينة الروح. ننام بملء عيوننا بعد أن تتضرع جوارحنا."

نظرت إليّ بعينين متسائلتين، ثم قالت بنبرة متحفظة: "هل تقصد أنه لا بد لي من التقيد بدين ما لأكون إنسانة سوية؟"

ابتسمت وأجبتها: "لم أقل إن الدين وحده هو طوق النجاة للإنسان، لكني أراه معول بناء، حاجة للروح، مثلما يحتاج الجسد إلى غذائه. ليس من السهل بناء الروح؛ فالبناء صعب ومعقد، أما الهدم فهو أسهل الطرق. الدين ليس موجود بالأمس، بل هو نهر متدفق يرفدنا منذ بدايات طفولتنا البشرية."

حركت عواطف كوبها بملعقتها وهي تبتسم بتلك الابتسامة التي تمزج بين المكر والاستفهام العميق، ثم سألتني: "ما قولك في الحروب الدينية الضارية؟ لقد تقاتل البشر من أجل عقائد وطقوس."

صمتُّ لوهلة، أبحث عن إجابة وسط خضم أفكار تضج في عقلي حول مغزى كلامها وصدقه؛ نعم، الأديان قامت، ونمت، وكثير منها صارع في ظل حروب دامية. وهنا خطرت لي فكرة: صراع البقاء، الإنسان لا يستطيع أن يعيش دون أن يكون مقاتلاً، فقد صنع من الحجر سكينًا وسلاحًا، ومن أول خطوة له في سلم الحضارة أدرك أن الأمان لا يأتي إلا بأسوار وجدران تحميه، وبأرواحٍ مستعدة للدفاع عنه. الحرب، بكل تناقضاتها، تبدو كأنها جزء من بقاء الإنسان، كأنها قدر محتوم.

قطعت أفكاري بصوتها وهي تضيف: "السلام مؤقت دائمًا... من أشعل نار الحروب؟ هل تنكر أن جذوتها الأولى كانت الأديان؟ هناك مثل فرنسي يقول: فتش عن المرأة، أما أنا فأقول: فتش عن الدين!"

نظرت إليها، بين رغبة في دحض كلماتها وإعجاب بطريقة تفكيرها الجريئة.

كنتُ أفكر في كلماتها، كما لو كانت مفاتيح لغزٍ صعب، وأردتُ أن أشرح لها كيف أن الدين ليس هو السبب في الحروب، بل ما يقف وراءه من أهواء بشرية، من رغبات في السلطة أو تصورات عن الحقيقة المطلقة. لكنني وجدتُ نفسي صامتًا، أتأملها، وأرى في عينيها ذلك التوهج الذي يجعل كل كلمة تبدو كحجر يرمى في بحيرة مشاعرنا.

نعم، كانت عواطف تطرح أسئلة أكبر من الأجوبة، وتفتح نوافذ لم تُفتح من قبل، كأنها كانت تسحبني إلى دوامة من الشكوك والتساؤلات التي طالما تجنبنا مواجهتها. ربما كانت محقة في كل شيء. ففي كثير من الأحيان، نشهد الحروب تُشن باسم الدين، ولكن هل هي حقًا معركة بين الآلهة؟ أم أن الصراع يدور بين البشر الذين يرتدون الدين كدرعٍ لحماية مصالحهم؟

**"فتش عن الدين"،** قالت ذلك بنبرة تحمل الكثير من التأمل، كأنها تقول لي: "هل نبحث في الدين عن تفسيرات للبشرية؟ أم أن الدين نفسه هو مجرد مرآة تعكس كل ما بداخلنا من صراع داخلي؟" نظرت إليها قليلاً، وأجبت:

**"أنتِ محقة في نقطة واحدة. الحروب، التي تمحور الكثير منها حول الدين، لا تختلف في جوهرها عن أي حرب أخرى. البشر يقتلون بعضهم البعض لأسبابٍ أعمق، وبطرقٍ قد تتغير الأغطية، لكن الجوهر يظل نفسه: الصراع على السيطرة، على النفوذ، على الحق المطلق."**

كانت عواطف تجلس أمامي، والابتسامة ما تزال على شفتيها، لكنها لم تكن تلك الابتسامة العادية. كانت ابتسامة تحمل الكثير من الأسئلة التي لم تطرح بعد. كان واضحًا أن ما قلته لم يشفِ غليلها، لكنها لم ترد. ربما كانت تراقبني، تدرس فكرتي، كما لو أنها تبحث عن نقطة ضعف في تلك الأفكار التي كانت تتسابق داخل عقلي.

ثم قالت، وكأنها اكتشفت شيئًا ما في قلبها: **"لكن، هل تعرف، يا محمد، أن كل صراع على السلطة يبدأ بكلمة، ويُختتم بكلمة؟"**

كان حديثها يكشف عن عمق تفكيرها، وكأنها تبحث عن شيء أكبر من مجرد أفكار تقليدية، شيء يتجاوز العقل المتأثر بالثقافات والأديان. كان حديثها يلامس أعماقنا، حيث تلتقي الأسئلة الكبرى: لماذا نؤمن؟ وكيف نبحث عن السلام؟ وهل يمكن للإنسان أن يكون صادقًا في مسعاه نحو الحقيقة؟

قلتُ لها بهدوء: **"الكلمات هي بداية الطريق ونهايته، لكنها في النهاية لا تملك قوة تغيير الواقع إلا إذا آمن بها الناس. وأنتِ، يا عواطف، تبحثين عن الأجوبة بين الكلمات... لكن الأجوبة ليست دائمًا واضحة، كما تعلمين."**

كان المقهى مكتظًا، لكن بيننا كان هناك نوع من العزلة، كما لو أن كل شيء حولنا قد تلاشى. كانت الأسئلة، تلك الأسئلة التي طرحناها طوال حديثنا، تدور في دوائر لا نهاية لها. وكأننا في عالم من الأفكار، حيث لا أحد يملك الحقيقة كاملة، وحيث كل سؤال يؤدي إلى مزيد من الغموض.

وعندما تبادلنا النظرات في النهاية، أدركت شيئًا غريبًا. ربما كان ما تراه عواطف حقيقة بالنسبة لها، وربما كانت تلك الحقيقة نفسها تكمن في سؤالها عن الله، عن الدين، عن الحرب والسلام. هي كانت تبحث عن جواب في هذا البحر الواسع من الأسئلة.

في النهاية، شعرتُ أن هذه اللحظة بيننا كانت بمثابة وقفة في منتصف الطريق، حيث كان كل منا يخطو خطوة نحو فهم أكبر. ربما لا يوجد جواب قاطع، ربما لا يوجد سوى الأسئلة التي نتركها للزمن ليجيب عليها.

**"أنتِ تسألين عن الحقيقة، وأنا أسأل عن الطمأنينة"،** قلتُ وأنا أراقب تحركات يدها وهي تُحرك كوب اللاتيه برفق. **"لكن أحيانًا، يا عواطف، نجد الراحة في أسئلتنا أكثر مما نبحث عن إجاباتها."**
لم ترد، لكن ابتسامتها كانت كافية.

 

شعرتُ وكأن نشوة النصر تتراقص داخلي بينما نظراتها تجوب ملامحي؛ عواطف، كانت تتأمل فمي كأنه عش طائر خيّاط، استقر على حافة البوح، يختبئ فيه الصمت عن العالم. لوهلة، بدا صمتي في عينيها تفكيراً لا هزيمة، ملاذاً عميقاً حيث لا يسكن سوى ذاك التأمل الهادئ الذي يُفسح للروح طريقها عبر كثافة الكلام المزدحم.

آمنتُ دوماً أن الإنسان كائنٌ منطقي، مع ذلك، لا يعيش في حدود المنطق وحدها. فنحن - في أعماقنا - نجاور عالماً آخر، عالماً يتجلى فيه اللامعقول بكل ثقله وأسراره. وبينما أمضيتُ ليالي في محاولة الربط بين المعقول واللامعقول، بدا لي خطٌّ خفيٌّ ينسج ذاته على ضفاف التأمل، خطٌّ لا يُرى إلا لمن يتجرأ على التفكير خارج منطق المادة.

سألت نفسي بصمتٍ: إن كنتُ أبحث في المادة وحدها، بلا روح، ماذا سأجد؟ فقط الفراغ، برودٌ جاف، جسدٌ بلا نبض. حينها، أدركتُ أن الحياة ليست مسرحاً للعبثية فقط؛ فهي مليئة بأسرار لا يُجليها إلا ذلك الحب المتصوف للحياة، ذاك الذي يرى وراء المحسوس ويتخطى الحواجز. في النهاية، العبثية لا تعني شيئاً إلا عندما تظلّ متشبثاً بالظاهر؛ أما حين تحتضن أسرار الوجود، ستكتشف أن الحب الخالص هو الحقيقة الوحيدة التي تجعل كل هذا الكون متماسكاً، وكل لحظة حاضرة، وذاتك مملوءة بكل ما يستحق التجربة والعيش.


شعرتُ وكأن نشوة النصر تتراقص داخلي بينما نظراتها تجوب ملامحي؛ عواطف، كانت تتأمل فمي كأنه عش طائر خيّاط، استقر على حافة البوح، يختبئ فيه الصمت عن العالم. لوهلة، بدا صمتي في عينيها تفكيراً لا هزيمة، ملاذاً عميقاً حيث لا يسكن سوى ذاك التأمل الهادئ الذي يُفسح للروح طريقها عبر كثافة الكلام المزدحم.

آمنتُ دوماً أن الإنسان كائنٌ منطقي، مع ذلك، لا يعيش في حدود المنطق وحده. فنحن - في أعماقنا - نجاور عالماً آخر، عالماً يتجلى فيه اللامعقول بكل ثقله وأسراره. وبينما أمضيتُ ليالي في محاولة الربط بين المعقول واللامعقول، بدا لي خطٌّ خفيٌّ ينسج ذاته على ضفاف التأمل، خطٌّ لا يُرى إلا لمن يتجرأ على التفكير خارج منطق المادة.

سألت نفسي بصمتٍ: إن كنتُ أبحث في المادة وحدها، بلا روح، ماذا سأجد؟ فقط الفراغ، برودٌ جاف، جسدٌ بلا نبض. حينها، أدركتُ أن الحياة ليست مسرحاً للعبثية فقط؛ فهي مليئة بأسرار لا يُجليها إلا ذلك الحب المتصوف للحياة، ذاك الذي يرى وراء المحسوس ويتخطى الحواجز. في النهاية، العبثية لا تعني شيئاً إلا عندما تظلّ متشبثاً بالظاهر؛ أما حين تحتضن أسرار الوجود، ستكتشف أن الحب الخالص هو الحقيقة الوحيدة التي تجعل كل هذا الكون متماسكاً، وكل لحظة حاضرة، وذاتك مملوءة بكل ما يستحق التجربة والعيش.

كانت لحظة من تلك اللحظات النادرة التي تنبثق فيها الأسئلة كأنها وجوهٌ نائمة استيقظت فجأة. استدركتُ حينها أن حديثنا لم يكن عن الدين وحده؛ بل عن حاجتنا نحن – نحن البشر - إلى الشعور بالانتماء، إلى شيء أكبر من ذواتنا. حاجتنا لأن نحتمي من تيه هذا العالم، بقبسٍ ينير لنا درباً يعيدنا إلى ذواتنا. أدركت أننا، في الحقيقة، نتحدث عن جوهر الإنسان، عن تلك الروح التي تسكنه وتبحث عن معنى، عن سببٍ في خضم حياةٍ قد تبدو أحيانًا كأنها تستلذ بإغراقنا في أسئلتها.

عواطف، بنظرتها الحادة وابتسامتها المتحفظة، بدت وكأنها تلامس شيئًا من هذا الحنين العميق. هي أيضًا لم تكن تبحث عن إجابات نهائية. كانت، مثل كثيرين، تتساءل بلا يقين. ربما كانت تدرك أن الدين، أو على الأقل روح الإيمان، ليس شيئًا نكتسبه بالمعتقدات وحدها، بل هو تلك النزعة إلى الامتلاء، إلى الشعور بأننا على صلة بشيء خفيّ يدعونا للتأمل.

حركت كوب قهوتي، وأجبتها برفق: "الحياة ليست يقينًا، ولن تكون كذلك يومًا. الدين، الإيمان، الفلسفة، كلها محاولات لترسيخ ذلك الطمأنينة في بحر لا حدود له من الشكوك. كل منا لديه دينه، فلسفته، حتى ولو لم يعترف بذلك. فهل نحتاج إلى الإيمان؟ أظننا نحتاج إلى شيء يُعطينا أملًا في مواجهة هذا المجهول الذي نسكنه ويُحيط بنا."

أضاء وجهها بتلك الابتسامة الماكرة ثانية، وتساءلت بلهجة ساخرة: "إذاً، ما الفرق؟ ألسنا جميعاً مؤمنين بفكرة ما، أو كفرانين بها؟"

نظرت إليها، وشعرت، لوهلة، أن الحديث تحول إلى نوع من التحدي المألوف بيننا، تحدٍّ يحمل بين طياته ودًا لا يمكن تجاهله. قلت لها بصوتٍ خافت: "الفرق، ربما، في الطريقة التي نسعى بها خلف ذلك المعنى. قد نجد الدين، وقد نجد فلسفة ما، أو حتى فكرة نرى فيها الخلاص. لكن الحقيقة أن ما نحتاجه هو أكثر من ذلك – هو أن نعيش بعمق، أن نحمل معنا التواضع أمام المجهول، وألا نتوقف عن طرح الأسئلة."

ضحكت، وكأنها وجدت في كلماتي استراحة مؤقتة في مواجهة متاهة التفكير العميق، ثم قالت: "ربما أجد طريقي في كوب اللاتيه هذا."

 

حيث الضوء الخافت يغمر المكان، وأمامي كوب قهوةٍ إسبريسو ينبضُ بالدفء. كنتُ أراقب تلك اللحظة التي تحولت فيها أفكاري إلى معركة بين العقل والقلب، وبين يقيني وسؤال عميق يلوح في الأفق.

نظرتُ إلى عواطف، كانت تضع فمها على كوب اللاتيه وكأنها تنتظر الكلمات لتكشف عن سر ما في أفكارها. قلتُ لها بصوت هادئ، محاولاً أن أضفي عمقًا على ما سأقوله: "العطشان في الصحراء لن يبتغي شيئًا سوى الماء. في تلك اللحظة، يصبح الماء أغلى من أي شيء آخر. الدين بالنسبة إلى الإنسان في لحظة ضعفه مثل الماء؛ شيء لا غنى عنه، هو الأساس."

رفعَت عواطف عينيها إليَّ ببطء، وكأنها تلتقط دقات قلبي وهي تفكر في كلماتي. ثم قالت، بشيء من التحدي: "وإذا وجد الإنسان شيئًا غير الماء، هل يعني ذلك أن يترك الدين على الرف؟"

كأن كلماتها أصابتني بموجة من الأسئلة التي تلاحقني دائمًا. كان سؤالها، على الرغم من بساطته، يحمل عمقًا غير عادي. لم يكن مجرد استفسار، بل دعوة للتأمل في معركة الإنسان مع ذاته، مع دينه، ومع ما يؤمن به.

أخذت رشفة من قهوتي، ثم أضفت وأنا أراقب كأس الماء الشفاف أمامي: "نعم، إذا توفرت المشروبات الأخرى، فإننا ما زلنا نعود إلى الماء كأصل. ، هذا يعني ان الدين بالنسبة لنا مثل الماء في هجير الصحراء؛ مصدر الحياة."

صمتت قليلاً، ثم أضافت، بنبرة هادئة ومتفهمة: "أنت تقول إن الدين هو الأساس، لكن ماذا عن الخيارات الأخرى؟ هل يظل الإنسان دائمًا محتاجًا لهذا الإيمان في كل لحظة من حياته؟"

كان حديثها يميل إلى البحث عن إجابة تقنع قلبها وعقلها في آن واحد. لم يكن مجرد حديث عن الدين كما يعرفه الناس، بل عن جوهر وجود الإنسان في هذا العالم اللامتناهي.

"الدين" قلت لها، "ليس مجرد عقيدة أو طقوس. هو القوة التي تدفعنا للاستمرار، وهو الموجه في وقت الضياع. نحن لا نتخلى عن هذا الموروث لأنه يمثل جزءًا من كياننا. ولكن الحياة، في بعض الأحيان، تمنحنا الكثير من الخيارات؛ فحين نجد ما يروي عطشنا الروحي، قد نعتقد أننا نملك الحل، ولكن في النهاية، يبقى الدين كالماء في الصحراء، هو الأصل الذي لا يمكن أن نحيد عنه."

لم ترد، بل ابتسمت ابتسامة تكاد تكون معجزة، تعبيرٌ عن فهم عميق، وكنتُ أعلم أن هذا الحديث لن ينتهي هنا. 

 

في تلك اللحظات التي كانت الأسئلة تُضيء العتمة كما تُضيء النجوم سماء ليل صامت، وجدت نفسي غارقًا في أعماق التفكير. كنت قد نسيت ما كنت أفكر فيه تمامًا، لكنني كنت أعلم أنني كنت قد بدأت التساؤل عن الإنسان، هل هو كائن ديني بطبعه؟ أم أن هناك جانبًا آخر في طبيعته يجذب إلى الشهوات كما قال سيغموند فرويد؟ بين الدين والشهوة، بين الروح والجسد، كانت تلك الأسئلة تتساقط عليَّ كحبات المطر.

في صباي، كنتُ كالمصباح الذي يضيء ليلًا بكل قوته. تيار كهربائي قوي كان يجري في عروقي، كالفولتات التي تحاول أن تجد لها مسارًا في عالم لا يحتمل التردد. كان ذلك الانجذاب إلى الحياة، إلى الرغبات، إلى ما هو مادي، كالتيار الذي لا يمكن إيقافه بسهولة. نعم، كنتُ أبحث عن معنى، عن غاية في بحر من الأسئلة، وكان كل سؤال يولد في داخلي معركة جديدة بين ما أريد وما يجب.

لكن في النهاية، وبينما كنت أسير على هذا الطريق المضيء والمظلم في آنٍ واحد، أدركت أن الإنسان لا يُختزل في كونه متدينًا أو شهوانيًا. هو أكثر تعقيدًا من أن تُحصر حقيقته في تلك المساحات الضيقة. نعم، قد يكون في داخله صراع مستمر بين الروح والجسد، ولكن في كل مرة أعدت فيها التفكير، وجدت أن هذا الصراع هو ما يمنحه الوجود قيمة، ما يجعله يتأرجح بين الرفض والقبول، بين السؤال والإجابة، وبين الظلام والنور.

 

 كنت أبحث فيها عن راحتي في أحلامي، وجدت الكتاب الذي حلمت به منذ زمن بعيد، كتاب قديم احتفظت به ذاكرتي كأنه مفتاح لأبواب مجهولة. كان الكتاب مغمورًا بأجواء ضبابية، كما لو أنه جاء من عالم آخر، حيث تتداخل الحقائق مع الأوهام، ويصبح كل شيء مشبوهًا بشغف.

النوم الذي أغشى جفني كان قد نقلني إلى مكان آخر، مكان كانت فيه الأحلام أشبه بمرايا مشوهة تعكس نفسي على ضوء رغباتي المدفونة. أما عن الكتاب الذي كان في يدي، فقد وجدته مليئًا بأجساد تسطع بالنشوة، مشبعة بروائح الشهوات، تتراقص بين أسطره وكأنها ترسم لوحات من لحم وروح. وفي خضم ذلك، شعرت أنني أعيش بين تفسيرين: أحدهما يقول لي إن الأحلام ما هي إلا تمثيلات مكبوتة لرغباتنا المكشوفة، كما يفترض فرويد، وأن هذه الأجساد ليست سوى تعبيرات عن شهوانية لا يمكن إخفاؤها. بينما يقول الآخر، تلميذ فرويد، كارل يونغ، بأن الأحلام أكثر عمقًا، وأنها ليست مجرد تمثيل لشهواتنا، بل هي رموز تحمل في طياتها أبعادًا نفسية وروحية أكبر.

كنت أتساءل، هل كنت أعيش في عالم يسوده التحليل الفرويدي، حيث لا شيء يتجاوز الرغبات؟ أم أنني كنت أرى فقط وجهًا آخر من الحقيقة، وجهًا يتجسد فيه معنى أعمق للأحلام والشهوات؟ الكتاب في يدي كان يبدو وكأنه يحمل كل الإجابات التي أبحث عنها، لكنني كنت أعلم أنني لن أتمكن من إدراكها في تلك اللحظة.

 

في ذلك المساء، الذي كان يعجُّ بأصداء أفكارٍ مجتمعة، نقلت لي عواطف رؤياها، حلمًا كان كالفيلم الهندي الذي تداخلت فيه العواطف والخيالات. أخبرتني أنها قبل أن تغفو، شاهدت نفسها في الحلم، حيث كنت أنا البطل، وهي البطلة. وتبادلنا القُبَل والعناق، يرافقنا نشيد حب هندي، "محبت كرتا هيه"، بينما كان العالم حولنا يذوب في ضوء العاطفة، ونحن نسابق الرياح على دراجة هوائية.

لحظات من الألفة التي تلتها فوضى مأساوية. كما يحدث في الأفلام التي يكتنفها الحظ الساخر، انشقّت الأرض فجأة بيننا، فاصطفا بيننا جدارٌ من الزلازل والبراكين. فُجعت عواطف بالانفصال عني في تلك اللحظة، وكأنها تهوي إلى عالمٍ آخر، وها هي الآن تُخبرني وهي تبكي، وقد ضمّتها أمها لصدرها، واحتضنتها أختها، تطلب مني تفسير الحلم، بنظرة نفسية تتراوح بين فكرين متناقضين، بين فرويد ويونغ.

هنا بدأت الحيرة. إذا نظرنا إلى الحلم من خلال عدسة فرويد، كان كل شيء مُختزلًا في رغباتٍ شهوانية مكبوتة، محاولة العقل الباطن إخفاء حقيقة عاطفية قد تكون عميقة، ولكنها تتجسد في صورة جسدية مفرطة. الحلم يصبح فنيًا، بمثابة محاولة غير واعية لإشباع رغبة كان يُحتفظ بها بعيدًا عن النظر. أما إذا نظرنا إليه من خلال فكر يونغ، فإن الحلم يتحول إلى رمزية للبحث عن التوازن الروحي. فالشخصيات والأحداث تتحول إلى أبعاد داخلية تبحث عن التوحد، والتكامل بين الجوانب المتناقضة من الذات. الأرض التي تنشق، والزلازل التي تشتعل، قد تكون تمثيلًا لهذا الصراع الأبدي بين الأنا والآخر، بين الرغبة والتحقيق، بين الفقد والاتصال.

وفي تلك اللحظة، كنت أعرف أن تفسير الحلم لن يكون نهائيًا، وأنه مهما كانت العدسة التي ننظر من خلالها، ستظل هذه الأحلام مرآة تنعكس فيها رغباتنا العميقة وأسئلتنا الوجودية. فكل تفسير هو مجرد محاولة لفهم جزء من الصورة الأكبر التي تلتبس بين العقل والجسد، بين الروح والمادة، وبين الواقع الذي نعيشه والعالم الذي نرغب في الوصول إليه.

 

لن أدع القصة تُسرد من عدستك فقط، فالنظر بعين واحدة يعوّج الفهم. كما تقول عينك الأخرى، لكنني سأسرد لك الحكاية بطريقتي. أبدأ الآن بكلماتٍ موجهة إليك، "حتى أنت يا محمد!" نعم، أنت، الذي حملتني في رحلةٍ فلسفية حبٍ عميقة، لكنها كانت ناقصة، وكأنني ضعت في دهاليز فكرك، أبحث عن معنى يربط بين الروح والجسد، بين السماء والأرض.

المرأة، كما تعلم، تسعى إلى الارتباط الجسدي والروحي معًا، فهما لا يمكن أن يكتمل أحدهما دون الآخر. الروح قد تحمل الأحلام، ولكن دون الجسد، لا يمكن لهذه الأحلام أن تتحقق. قد يسكن العقل عالمًا من الأفكار الفلسفية العميقة، ولكن في النهاية، تبقى هناك حاجة ملموسة إلى الأرض لتكمل الصورة.

أخرج إلى الحديقة، حيث يمتزج هواء الصباح برائحة العشب الرطب، أسير بين الأشجار وكأنني أبحث عن شيء ضائع. في أذنيّ بودكاست يملؤني بالحياة، يعلمني أن الحياة ليست فقط في الأغاني التي تلامس الوجدان، بل في الأفكار التي تثير العقل. العالم الذي أعيش فيه ليس مجرد لحنٍ حزين أو صخبٍ عابر، بل هو لعبة حب معقدة تلعبها المرأة. أما حياتي، فمكتوبة بقلم المأساة، بلونٍ أحمر لا يمحوه الزمان، كأنه دمٌ سال من جرحٍ عميق لا يندمل.

تلك الكلمات التي تتدفق مني الآن، هي خلاصة ما تركته فلسفتك في روحي. وفي النهاية، سأظل أسيرًا بين الجسد والروح، بين الألم والحلم، بين الوجود والعدم.

 

كنتُ أراهُ غارقًا في ترددٍ لا طائل منه، وكأنما أُحكمت عليه الأغلال، رغم أنني أعي جيدًا مدى عمق فكره وسعة علمه. كان عقلهُ يشعُّ بأفكارٍ براقة كأحجارٍ كريمة مطمورة، ينتظرها الخروج إلى النور، لكن شيئًا ما يكبّله؛ جبنٌ خفيّ، ربما، أو ترددٌ مستمر يجعله يبتعد عن الخطوة الأولى. قد قلتُ له ذات مرة: "أيها العالِم، ألا ترى أن العمر يتصاعد، وأن اللحظات تتآكل من حياتك كأوراق الخريف تتساقط بلا رجعة؟"

نظر إليّ يومها بتلك النظرة الباردة، لا مبالٍ، كما لو كنتُ أُلقي على مسامعه محاضرةً مكررة لا تثيره، وقال، مستهزئًا كعادته، وكأنما يعرضني لسخرية خفية: "أتمنى أن أصاب بحالة بنجامين بتن المحيرة؛ أن أتراجع في العمر، فأُعاود الشباب وأهرب من ثرثرتك!"

حينها، أضحكني قوله، ولكن ضحكتي تلك كانت مشوبة بالأسى. ألم يدرك بعدُ الفرق الجوهري بيننا؟ بين الرجل والمرأة، بين الحماس والرغبة في الإنجاز والتفاصيل؟ فالرجل، حينما يضمن الحب، يغرق في طمأنينة زائفة، يسترخي في فراشه الوثير، كمن رُمي به في عسلٍ دافئ، بينما المرأة، إن هي لمحت حبًا، تراه منبع إلهام لا ينضب، فتطالب وتلمح وتدفع، تنتظر الأفعال، تنتظر أن يُنقش الحب على أرض الواقع، لا أن يُسجى في الأحلام كنسخة واهية من الحقيقة.

آه، كم تمنيت لو يتخلى عن هذا السكون؛ لو ينفض عنه غبار التردد، ليحيا كما يليق بعمقه، ليخرج من هذه القوقعة المريحة التي صنعتها له الأيام، حتى يرى الحب بعيوني؛ فيرى معي العالم كما أردته، لا كما رضيه هو.

 

كأس الغرام دار بيننا ذات يوم، وتلونت أحاديث الهوى بعبق المشاعر ونبضات القلب، لكن شيئًا فشيئًا، خبا ذلك الشغف الكبير بداخلي، وكأن اللهفة التي كانت تجمعنا تسربت مع الوقت.

كنتُ أراقبك يومًا تسير في الطريق، تحمل كتابك ككنز عزيز بين يديك، ثم جلستَ على مقعدك المفضل، وارتديت نظاراتك بتركيز، ورسمت على شفتيك ابتسامة واثقة وأنت تقرأ. ولما أخرجت قلمك لتعلّم بعض الكلمات، أدركت أن هذا ما كنت أراه دومًا ساحرًا فيك؛ ذلك العالم الداخلي العميق الذي يجعلك تلتقط المعاني كما يلتقط الصياد أثمن لؤلؤة.

لكن فجأة، جلست بجوارك فتاة لم أكن أعرفها، ولا حتى أنت، وتوقعت أنك ستكتفي بصمتك المعتاد، ولكنك خالفت كل تصوراتي؛ تحدثت معها مطولاً، ثم أخرجت هاتفك ولوّحت به في اتجاهها، كما لو كنت تهمس لها بطلب، برقم، بإشارة ما.

كانت تلك اللحظة كاشفة، لحظةً أدركت فيها ما كنت أهرب من رؤيته: الرجل، حين يضمن امتلاكه للحب، يميل للملل، يريد التجديد؛ يجتاحه الشعور بأنه يبحث عن قطعة أخرى ليكتنزها، مغامرًا كطفل شغوف، ولو كانت مجرد امتداد جديد لأحلامه القديمة.

 

لذلك، وجدت نفسي أفكر ملياً في أمرٍ يراه الكثيرون جُرأة، وربما خيانة: أن أسمح لنفسي بأن أُحبَّ كل رجل أرى فيه جزءًا من ذاتي، وأعيش معه شغف الحب ما دام متقداً، خمس سنوات، ربما، ثم أرحل عنه وأتركه خلفي. لقد تعلمت من الحب أن وهجه يأبى إلا أن يتلاشى بعد عامٍ من اشتعاله، كشرارةٍ تضيء ثم تنطفئ، وأنه من النادر أن يبقى على حاله، محتفظاً بروعته الأولى.

قد تقول إنني حرباء، أو إنني أخون عهدي للحب، لكنني أدركت أنني لست هاربة من الحب، بل من الزيف الذي يعلوه عندما يخبو ويذبل. إنني، ببساطة، أريد أن أكون صادقة مع مشاعري المتقلبة، مع قلبٍ يُنادي كل خمس سنوات بروح جديدة، بعالم جديد. لست حرباء، إنما مسافرة تبحث عن النقاء في كل محطة، وتسكن الحب حتى ينضب منه معنى السكون، ثم تواصل مسيرها، باحثةً عن حياة تحملها النبضات، لا قيود الوهم.

ير أني أحببتك أنت كثيراً، حباً لم أعهده من قبل، حباً أشقى قلبي وأحرق روحي، حتى صرت أذرف الدموع طويلاً في صمت الليالي. نعم، يا محمد، كنت أنت الاستثناء، كنت الحلم الذي بنيته طوبةً طوبة، وارتفعت به حتى صار صرحاً شامخاً في خيالي، وحين مددت يدي لألمسه، شعرت به يتهاوى كأنما لم يكن.

لا تقل لي، "أين الهوى؟" فقد كان حقاً صرحاً من خيال، وحين سقط، أسقط معه قلبي، وما تبقى لي منه إلا الذكرى وبعض الكلمات التي تلتهمني بصمت.

 

استمر الحال طويلاً بين محمد وعواطف، حيث تداخل الفكر مع الحب، وأصبح التردد جزءًا من استقرار العلاقة بينهما. كانت عواطف ترى في الحب فخًا، بينما كان محمد يراه قيدًا. رغم اختلاف رؤيتهما للحب، كانا متقاربين روحياً وعقلياً، وهو ما جعل العلاقة بينهما تتسم بنوع من التفاهم والتشابك الفكري.

لكن في عالم سريع، يرفض التفلسف ويتبنى السرعة في كل شيء، يبرز السؤال: هل يكفي الحب في مثل هذا الزمن؟ في هذا السياق، يُستحضر كلام عالم الفيزياء ستيفن هوكينغ، الذي طرد الفلسفة من حياته وقال إننا في غير حاجة إليها لأنها ترف فكري. في عصر تُقدس فيه السرعة والإنجازات العلمية، يبدو أن الفلسفة لا تجد لها مكانًا، بل تُعتبر عبئًا فكريًا لا يقدم حلولًا عملية للمشاكل.

أما فيما يتعلق بتجربة هوكينغ الشخصية، فقد أثرت بشكل كبير في رؤيته للأشياء. بعد أن أصبح معاقًا بسبب مرضه، تركته زوجته جين وايلد. كانت تلك التجربة قاسية عليه، سواء على الصعيد العاطفي أو النفسي. فبعد أن كانت جين جزءًا أساسيًا من حياته، تركته في وقت حاجته إليها، ما أضاف بعدًا جديدًا في نظرته للحب والعلاقات. من المحتمل أن هذه التجربة قد ساهمت في تغيير رؤيته نحو الحب، إذ أصبح يرى فيه عبئًا أو قيدًا، بدلاً من كونه شيئًا يعطي للحياة قيمة.

إن رحيل جين كان له تأثير عميق على هوكينغ. في الوقت الذي كان فيه يعاني من تحديات جسدية شديدة، أضاف غياب شريكته بعدًا نفسيًا آخر للصراع الذي كان يخوضه. بذلك، قد يكون هوكينغ قد ربط الحب بعدم الاستمرارية في ظل الظروف القاسية، فالحب بالنسبة له أصبح غير ثابت أو مستمر في مواجهة المعاناة.

هذه التجربة قد تكون قد ساهمت في نظرته للأشياء بشكل أعمق، حيث أصبح يتوجه أكثر نحو التفكير العلمي والمنطقي، ويبتعد عن الفلسفة، التي رأى فيها شيئًا لا يقدم حلولًا عملية للواقع. في نهاية المطاف، أصبحت الحياة بالنسبة له تدور حول البحث عن إجابات علمية ملموسة، بعيدًا عن التأملات الفلسفية التي كانت تُعتبر ترفًا فكريًا في عيون البعض.

في هذا السياق، يُطرح سؤال: هل يبقى الحب كما هو في زمن سريع يرفض التفلسف؟ الإجابة قد تكون معقدة، فالحب في هذا الزمن السريع قد يصبح عبئًا، أو حتى ترفًا فكريًا بالنسبة لبعض الأشخاص، في حين أنه بالنسبة للآخرين، قد يظل حلاً يواجهون به تحديات الحياة.

 

محمد كان يرى أن التصوف هو الحل لهذه المعضلة العويصة التي تواجهه وعواطف في تفسير معنى الحب في هذا العصر. بالنسبة له، كان التصوف يشكل المسار الروحي الذي يتجاوز حدود العقل والمنطق، ليصل إلى اتصال أعمق مع الذات والعالم من حوله. كان يؤمن أن الدين هو رمز من رموز الحب، حيث يُعتبر السعي نحو الله والتقرب إليه تعبيرًا عن الحب الأسمى، الذي يمكنه أن يجلب الطمأنينة ويخفف من وطأة التوترات والشكوك. في تصوره، كان الحب يتجاوز حدود العلاقات البشرية ليصبح حالة من التوحد مع الكون، ونسقًا روحيًا يمكن أن يفسر تلك المتناقضات العاطفية.

أما عواطف، فكانت نظرتها مختلفة تمامًا. كانت تعتبر الحب والتفكير في القيم من منظور أكثر تحديًا، حيث كانت تنزل على كل شيء برغبتها الخاصة، تتجاوز الأعراف والتقاليد، وتُظهر نوعًا من التمرد الفكري الذي يصفه البعض بالتطرف أحيانًا. لم يكن الفكر الذي تحمله مجرد تساؤلات فلسفية، بل كان يشمل أيضًا رفضًا للمفاهيم التقليدية التي يفرضها المجتمع والدين. في نظرها، كانت القيم مثل الحب والحرية لا تقتصر على الإيمان بتعاليم دينية ثابتة، بل كانت تتعلق بفهم ذاتي قد يكون غير تقليدي. كانت تؤمن بأن الحب ليس مجرد فعل رومانسي أو شعور، بل هو تحدٍ مستمر للمعتقدات والأنظمة التي تحد من حرية الفرد.

هذا التباين بين محمد وعواطف يعكس الصراع الدائم بين التفكير التقليدي والتوجهات الحداثية التي تميل إلى فتح الأفق لأفكار جديدة. فمحمد، الذي يرى في الدين والتصوف ملاذًا روحانيًا، يقاوم تدفق الفكر النقدي والتحدي الذي تحمله عواطف، التي لا تكترث بالقيم الاجتماعية السائدة، بل ترى أن التمرد عليها هو الطريق الوحيد لتحقيق الحرية الداخلية.

إن هذا التناقض بين رؤيتيهما يعكس التوتر الذي يعيشه الناس في العالم المعاصر، حيث تلتقي الأفكار القديمة التي تمجد الروحانية والتمسك بالقيم التقليدية مع تطلعات جديدة تسعى لتحرير الذات من قيود الماضي.

 

واطف يبتسم وهو يسترجع كلمات ستيفن هوكينغ التي طالما ألهمته، فقد كان دائمًا يرى في فكره تحديًا للإعاقة البشرية والإيمان بالعقل. ثم يضيف بنبرة متفهمة:

"صحيح، يا عواطف، ستيفن هوكينغ يمثل لي مثالًا على القوة العقلية والمثابرة في مواجهة التحديات. أما عمر الخيام، فشعره وفلسفته تجمع بين الشك والإيمان، وهذا ما يعكس بعض من تفكيرنا في هذه الحياة المليئة بالتساؤلات والبحث عن المعنى. أما في ولعي بالشراب، فهو مجرد تعبير عن الرغبة في الهروب أحيانًا، والتغلب على الواقع الذي قد يكون مرهقًا."

ثم يسكت لحظة، مستغرقًا في تأملاته، قبل أن يضيف بابتسامة خفيفة:
"لكن، لا أعتقد أنني سأصل إلى شجاعة الخيام في مواجهة الدنيا. على الأقل، لا في مواقف كثيرة!"

 

ستيفن هوكينغ، ذلك الرجل الذي لم يره أحد يمشي على الأرض دون أن يترك أثرًا. كان عقله لا يقل قدرة عن قدرات الكون نفسه، يرفض أن يُقيد في جسده المعاق ليصل إلى حدود الفكر التي تقودنا إلى أفق لا يُرى. أنا أراه مثالًا للإنسان الذي تمكّن من تحويل التحديات إلى فرصة عظيمة، ففكره بالنسبة لي كان مرآة عكست داخلي، تلك العقلية التي تنحت الأفكار في الصخر، تلك الفلسفة التي ترى في العلم والإيمان معركة مستمرة بين المجهول والمعلوم، وبين الواقع والخيال. في عقله، لم يكن هناك شيء مستحيل.

أما أنت يا محمد، فأنت تخالفني في كل شيء وتؤكد لي في ذات الوقت أن الإيمان والشك وجهان لعملة واحدة، لكنك تجد في الشك أداة تقودك إلى يقين لم تكتشفه بعد. عمر الخيام، ذلك الرجل الذي شرب من كأس الحياة بجرعات من الفلسفة والشك، لم يكن مجرد شاعرٍ عاش في زمن بعيد، بل كان مزيجًا من الحكمة والتمرد، بل وكان دائمًا في سعيٍ لا ينتهي عن الجمال الذي يراه في كل زاوية مظلمة. ولكن، في ولعي بالشراب، لا أنكر أنني وجدت عزائي بين تلك الجدران التي ضاقت بالأفكار، فلربما هو الهروب الوحيد في عالم يعج بالأسئلة، وفي رغبتي في تجاهل الواقع لبرهة.

لكن هناك شيء ما، أليس كذلك؟ شيء غريب يجمعنا بين فكري وتفكير الخيام. ربما هو بحثنا المستمر عن الحقيقة المفقودة، أو عن لحظات سعادتنا القليلة التي ندفع ثمنها غاليًا. ربما، فقط ربما، نحن نبحث عن الفهم في كل تلك الأشياء التي لا نجرؤ على تسميتها خوفًا من أن تختفي من حياتنا إن نحن تجرأنا على رسمها.


أردد تلك الأبيات وكأنها صدى لحالة تسكنني، كلمات عمر الخيام، التي لا زالت تُحرك فيّ ذلك الصوت الخفي الذي يدفعني للتأمل في معنى الحياة وجوهرها. "عاشر من الناس كبار العقول وجانب الجهّال أهل الفضول" — تلك الحكمة التي تعلمت أن أحتفظ بها، فأنا لا أريد أن أضيع وقتي مع أولئك الذين يثرثرون بلا فائدة، بل أود أن أظل قرب أصحاب الفكر الرفيع، أولئك الذين يضيئون الطريق حتى في أحلك اللحظات. ولعمر الخيام فلسفته الخاصة في الشك والإيمان، في البحث المستمر عن الحقيقة في لحظات الشك، حيث لا يمكن أن تكون الحقيقة مطلقة، بل تتشكل في كل لحظة.

ثم تأتي كلمات الخيام الأخرى التي عايشتها في داخلي: "اشرب نقيع السمّ من عاقل، واسكب على الأرض دواء الجهول." هنا يكمن عمق فكره؛ فحتى السم الذي قد يبدو ضارًا، قد يحمل في طياته درسًا عميقًا، بينما لا فائدة من معالجة الجهول بغيره. هذا التمييز بين ما هو نافذ وما هو زائف هو ما علمني إياه الخيام، ما جعلني أرى الحياة من خلال عدسة مختلفة.

لقد دخلت في مدرسة الخيام لا عن طريق الكلمات فقط، بل عن طريق الفارسية، لغة الرباعيات التي كنت أدرسها بشغف حتى أتمكن من فهم كنه تلك الأشعار كما فهمها هو. فكل كلمة كانت بالنسبة لي مفتاحًا لعالمٍ أكبر، لا تحكمه القيود ولا الزمان. وجدت في الخيام أكثر من شاعر، بل مرشدًا وأبًا روحيًا يأخذني إلى أماكن مظلمة في الذات، ليجعلني أرى النور فيها.

وفي قلب تلك الرحلة كانت الكلمات التي غرزت في روحي، "القلب قد اضناه عشق الجمال، والصدر قد ضاق بما لا يقال." الجمال، هذا العشق الذي لا ينتهي، هو ما يجعلني أسعى دائمًا إلى الفهم، إلى الاكتشاف، إلى العثور على جزء من هذا الجمال في كل لحظة أعيشها. ومع ذلك، يعلمنا الخيام أن البحث عن الجمال قد يأتي بثمن، فقد يضيق الصدر بحمل الأفكار التي لا تجد كلمات تعبّر عنها، ولا أمل في أن تصل إلى القلوب.

هكذا، وأنا أردد كلمات الخيام، لا أجد نفسي فقط في أفكاره، بل أكتشف نفسي أكثر، وأبحث عن توازن بين الفكر والشعور، بين الشك واليقين. 

 

لبست ثوب العيش لم اُسْتَشَرْ
وحِرتُ فيه بين شتى الفِكر
وسوف انضو الثوب عني ولم
أُدْرِكْ لماذا جِئْتُ أين المفر

في وسط حيرتي، لاحت لي ابتسامتها. عواطف... كانت تنظر إليّ بعينين تختزنان من اليقين أكثر مما أملكه. قالت بنبرة هادئة، لكنها تشي بمعرفة قديمة: "تدرك، يا محمد، أن هذه الرباعيات للخيام هي ما أؤمن به، أجد فيها ما يمثلني ويجسد تساؤلاتي. أراك قد بدأت تبتعد عن خطى العلماء وتقترب من دروب التصوف؛ صرت تميل إلى سبر أغوار الروح، تبحث عن نور داخلي يضيء عتمة الأسئلة التي تؤرقك."

نظرت إلى عواطف، وجهها الباسم يشع بالثقة، تلك الثقة التي لطالما بحثت عنها في رحلتي. تأملت عينيها، ثم قلت: "ربما، ربما أجد نفسي بين الشك واليقين. لكن لا يمكن للحياة أن تكون تشكيكًا مطلقًا، يا عواطف؛ نحتاج يقينًا، ولو ضئيلاً، لنتكئ عليه. إن الشك المطلق طريقه مسدود، مملوء بالفراغ؛ لا يبلغ المرء فيه وجهته، بل يعود إلى نفسه من حيث بدأ، يتوه ويعود، وكأنه يدور في حلقة لا تنتهي."

نظرت إليّ مرة أخرى، وفي عينيها بريق فَهِمَت فيه ما لم أستطع قوله.

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

الخريطة التي تقودني إليك

 رواية الخريطة التي تقودني  إليك  بقلم  جوزيف مونينغر المقدمة يوم التخرج إنها والدتك، من بين الجميع، هي التي تلتقط الصورة المثالية لك ولصديق...