بحث هذه المدونة الإلكترونية

الخميس، 28 نوفمبر 2024

عاصفة الصحراء


 


 لم تكن الرحلة إلى الكويت يومها مجرد تشجيع في مدرجات تصدح بالأهازيج الوطنية، بل كانت شيئًا أعمق، أشبه برحلةٍ إلى الذات... إلى الذاكرة. كنتُ في المقعد الخلفي من تلك الحافلة الصغيرة التي انطلقت من الرياض،أذكر صوت الإطارات وهي تلتهم الأسفلت نحو الشمال,أختبئ خلف علم أخضر يرفرف في يدي، لكن داخلي كان يرفرف باتجاه آخر. لم أكن أشعر بالانتماء فقط إلى المنتخب، بل إلى تلك المدينة التي طالما سكنت خيالي، مدينة الفن والكاميرا، مدينة عبدالحسين وسعاد وابتسامة حياة الفهد حين تنطق بالحقيقة.

الكويت، يا حلم طفولتي، كنتُ أقترب منك لا كمشجع، بل كعاشقٍ يعود إلى حبيبته بعد غياب.

وحين وصلتُ، كانت المدينة تستقبلني كأمٍّ تبتهج برؤية ولدها. لكن لم يطل الفرح. انسحب المنتخب. قيل: التعويذة أثارت الجدل. وما بين السياسة والرموز، اختلطت المفاهيم، وتبدد الجمهور. كان بإمكاني أن أعود، أن أحزم أمتعتي وأغادر كما فعل الجميع، لكن قلبي قال: لا.

ادعيت أن لديّ أقارب، لكن الحقيقة أنني كنت أهرب من عالمٍ خالٍ من الدهشة. أردت أن أعيش داخل الحلم، لا أن أكتفي بمشاهدته من بعيد.

تسللت إلى المسارح، تسرّبت بين الكواليس كطفلٍ يكتشف سحر الخشبة للمرة الأولى. أجريت حوارات مع من كنت أراهم على الشاشة، لم أصدق أنني أنصت إلى من صاغوا وجدان الخليج. وحين همس لي أحدهم: "اجمع هذه الحكايات، واكتب عنها"، شعرت أن الحياة تفتح لي بابها.

لكني نسيت أن للأحلام حراسًا.

عندما هاتفت رئيس التحرير، كان صوته قاسيًا كالرصاص. "هل ظننت أنك في نزهة؟ أرسل المقابلات! لا أحد يعمل من هواه!"

كلماته كانت صفعة، لكنها صفعة أيقظتني. قررت أن أختار طريقي. استقلت. كتبت. وشعرت لأول مرة أنني حر.

لكن الحرية لا تُمنح بسهولة.

خرجت من أحد المسارح في مساءٍ مشحون بالضوء والحلم، فوجدت الدبابات تمخر شوارع الكويت. السماء تكتظ بالدخان، وصوت يوسف مصطفى يتفجّر من المذياع: "الكويت تُغتصب، تناديكم، تحترق!"

أيقنت أنني لست في مسرحية. أنا في قلب العاصفة.

عدت إلى جاسم، رفيقي المسرحي، فوجدته رجلًا مختلفًا، عيونه متعبة، وصوته يرتجف بغضب. قلت له إنني باقٍ. رمقني بدهشة، ثم حضنني كمن يرى أخاه يعود من الموت.

ثم رأيت سعاد، امرأة في منتصف السوق، تصرخ: "جابر أميرنا وبس!". كانت صرختها رصاصة في وجه الصمت. اقترب منها جندي عراقي، فوضعتُ جسدي بينها وبينه. لم يكن لديّ سلاح، لكن كان لديّ شجاعة اللحظة.

مرّت الأيام، ودخلتُ في خيوط المقاومة. التقيت شبابًا يطبعون منشورات، وفتيات يخبئنها في عباءاتهن. وذات صباح، اختفت سعاد. ثم انفجار. ثم همس: "سعاد فجّرت المقر."

لكن المجد لا يحب التوثيق.

ذات فجر، كُسرت الأبواب. دخل الجنود. اعتقلوني.

رحلة طويلة في شاحنة رمادية، مليئة بوجوه شاحبة. أحدهم طبيب، آخر معلم، وثالث شاعر. كلنا مذنبون بجريمة واحدة: أننا نحب الكويت.

في سجن بغداد، لم تكن الزنازين سوى قبور مؤقتة. الصمت هناك ثقيل، والجدران تهمس بالحكايات. تعرفت إلى عبدالله، كويتي من البدون. قال: "لست مهمًا في الأوراق، لكنني ابن هذه الأرض."

ثم حسن، شيعي من الصوابر، وجابر السنّي من الفروانية. ثلاثتهم كانوا قناديل في ليلٍ حالك.

وفي الركن البعيد، رجلٌ نحيل، وجهه يشبه الخريف، يكتب على الجدار بحروفٍ دامعة:

"الكويت حرة... وإن طال الليل."

كان فائق عبدالجليل. الشاعر. النبض. كل ليلة، يبكي كمن يحمل وطنًا يغرق بين يديه. قلت له: "سنكتب معًا، سنبقي الكويت حيّة."

ثم جاءوا بي للتحقيق.

غرفة باردة، ضوء أصفر يهتز، وصوتٌ يقول: "أنت كاتب؟ اكتب الآن بأصابعك!"

صفعة. ضحكة. صمت.

عدت إلى الزنزانة وقلبي ينزف.

ثم ذات ليلة، سمعنا الرعد الحقيقي:

صوت إذاعة عربية، جندي يهمس: "التحالف بدأ الهجوم. القوات تتقدم. الكويت تتحرر!"

ارتفعت أصواتنا. عبدالله يبكي. حسن يسجد. جابر يغني.

وفائق؟ كتب على الجدار: "عادت الكويت. وعاد الحرف حرًا."

وفي الصباح، فُتح الباب. "أنت سعودي؟ ستُسلّم."

عدت إلى الكويت. بكيت على ترابها. ثم عدت إلى الرياض، لكن قلبي بقي هناك.

كلما كتبت، كنت أسمع صدى صرخات سعاد، أنين فائق، وضحكة جاسم.

وكان الجدار في بغداد لا يزال يحتفظ بكلماتنا، شاهدة على أننا لم نستسلم.

لم نُكسر.

بل كتبنا حتى آخر الدم.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

الخريطة التي تقودني إليك

 رواية الخريطة التي تقودني  إليك  بقلم  جوزيف مونينغر المقدمة يوم التخرج إنها والدتك، من بين الجميع، هي التي تلتقط الصورة المثالية لك ولصديق...