بحث هذه المدونة الإلكترونية

السبت، 16 نوفمبر 2024

سجن مكتب المدير




سجن مكتب المدير

 

جلستُ في مكتب المدير، المكان الذي يشبه معبدًا للهيبة، تحفُّه الفخامة من كل جانب. رفوفٌ ممتدة تحتضن كتبًا في القانون ونظام العمل، ومكتبٌ خشبي فخم يتوسط الغرفة كعرش غير معلن. علبة أقلام من ماركات عالمية مصفوفة بعناية تُخبرك بأن كل شيء هنا خُلق ليعكس السلطة والانضباط.


كانت الساعة على الحائط، فوق رأس المدير، واقفة كأنها تعلن عن موت الزمن في تلك الغرفة. عقاربها تشير إلى الثانية عشرة، لا تتزحزح، وكأنها تتهكم على كل شيء حولها. لم تكن ساعة سندريلا، تلك التي تقرع لتعلن تحولاً، بل ساعة جامدة، باردة، تُلقي بظلّها الثقيل على كل من يجلس تحت سطوتها.

جلستُ هناك، أراقبها بلا هدف، لكن شيئاً في داخلي أقنعني أنها تتحرك ببطء لا يُرى. ربما كان وهماً، أو ربما كان الانتظار الطويل يُثقل عينيّ حتى بدأت ترى ما لا يُرى. الظلال خلف النافذة لم تسعفني؛ كانت الستائر سميكة، تعزل الغرفة عن العالم الخارجي، تُخفي الشمس وتطرد أي نداء للحياة. شعرت أن الظلال نفسها تترنح، كأنها ترقص بخفة تحت تأثير الضوء الذي لا يدخل.

الغرفة كانت كالقبر، لا صوت سوى نَفَس عقارب الزمن التي لا تدق. بدا لي أن المكان كله صنع ليُبقي الزمن معلقاً، كأن لا شيء يتحرك هنا سوى الأفكار التي تثقل الرأس، والأوهام التي تملأ الفراغ.

كان الانتظار طويلاً. طويلاً لدرجة أنني رأيتني في تلك الساعة، جامداً، متوقفاً عند لحظة ما لا أملك أن أتحرر منها.

 بين الكتب المصفوفة برتابة، كان هناك كتابٌ مختلف، غريبٌ بلونه الأسود وغامضٌ بعنوانه: نهاية العالم. لم يحمل غلافه اسم مؤلف، وكأن كاتبه أراد أن يتركه رسالة مفتوحة، كفصل ناقص من كتاب الكون.

مدفوعًا بفضول غريب، مددتُ يدي. شعرتُ أني على وشك أن أفتح نافذة إلى المجهول. لكن اللحظة قُطِعت كوتر عود، إذ دخل المدير فجأة. خطوته الثقيلة وكأنها تعلن نهاية اللعبة.

رأيت عينيه تنتقلان بسرعة بين يدي والكتاب، ثم بابتسامة غامضة، دون أن يقول شيئًا، التقط الكتاب بحذر وأخفاه في درج مكتبه. أغلق الدرج بإحكام وكأنه أغلق بوابة سرٍّ دفين. عاد بعدها ليخاطبني بكلماتٍ بدت لي بعيدة، كأنها صدى ضبابي لا أفقه منه شيئًا.

كان يتحدث، وأنا غارقٌ في أفكاري. صورة الكتاب الأسود لا تفارق مخيلتي. ما الذي يمكن أن يحتويه؟ هل يتحدث عن نبوءة مخيفة؟ سيناريو لنهاية العالم؟ أم أنه يحمل أسرارًا يخشى المدير أن تُكتشف؟

تناسجت الأفكار في رأسي، وبدأت أرى المدير بصورة مختلفة. ماذا لو كان هو ذاته يحمل سرًا أكبر مما يبدو؟ نوستراداموس عصري، ربما، يخطط لأمر لا يجرؤ أحد على الحديث عنه.

كنت أريد أن أسأله عن الكتاب، أن أكسر حاجز الكلمات المعتقلة في سجن فمي، لكنّ الجرأة خانتني.

خرجت من مكتب المدير، وعيني تقع على موظف يسير الهوينى، يحمل بيده الكتاب الأسود ذي العنوان الغريب: "نهاية العالم". لم تكن نظراته، التي تائهة بين السطور، تعكس سوى اهتمام عميق بما يقرأ، كأنما هو في رحلة داخلية بين الصفحات، بعيدًا عن ضوضاء المكان وأحاديث الزملاء.

جلس على مكتبه، وضع نظاراته، وبدأ يقرأ، كأنما في عالمه الخاص، غير آبهٍ بشيء مما يحيط به. الكتاب في يده كان أشبه بسر دفين، يحمل في طياته سؤالًا قديمًا يتردد في عقلي: لماذا ينجذب الجميع إلى فكرة النهاية؟ ما الذي يجعلنا نتخيل نهاية العالم وكأنها دعوة لبدء حوار فلسفي عن الحياة والموت، عن الخوف والمجهول؟ لماذا نجد الراحة في قراءة نهايات الأمور، بينما لا نكاد نجد وقتًا للتفكير في بداياتها؟

تملكني الفضول، وراودني سؤال حيّ، كان يطن في رأسي: "لماذا نخاف من النهايات؟" هل هي سمة بشرية، أن نخشى الختام مهما كان؟ أم أن جاذبية البداية هي ما يشدنا دائمًا، في حين تبقى النهاية غامضة، موغلة في الظلام؟ كيف تحولت فكرة "نهاية العالم" إلى موضة يركض الجميع خلفها، كأنها كانت رسالة غير معلنة لتأملات الوجود؟

كنت أتمنى لو كنت أستطيع أن أتكلم مع ذلك الموظف، أن أسأله عن سر اقتناء هذا الكتاب تحديدًا، وعن مغزى انجذابه إلى فكرة النهاية، التي تخيف معظم الناس، لكنها تغري البعض الآخر. ربما كانت تلك النهاية هي التي نبحث عنها جميعًا، بوعي أو بغير وعي، على أمل أن نجد فيها نوعًا من الراحة، أو ربما كانت مجرد هروب من أسئلة أكبر: ما هو مصيرنا؟ وأين يقودنا الطريق؟

الأسئلة كانت تتقافز في عقلي، متسارعة، تلاحقني كلما ابتعدت عن المكتب. في النهاية، ربما كان الكتاب بالنسبة لهذا الموظف أكثر من مجرد ورق وطباعة. كان دعوة للغوص في عمق المجهول، للاقتراب من تلك النهاية التي يخشى الجميع مواجهتها، ولكنهم في نفس الوقت لا يستطيعون التوقف عن التفكير فيها.

خرجتُ من المبنى، ولكنني لم أغادر ذلك الكتاب. بقيت صورته تلاحقني، وظله يتبعني في كل خطوة. كان الأمر أشبه بنداءٍ من عالم آخر، يخبرني أن سرًّا ما ينتظرني، وأن النهاية قد تكون أقرب مما أظن.

ظهر أمامي فجأة، كأنما انبثق من صفحة مظلمة من كتب النبوءات. المسيح الدجال، ذو العين الواحدة التي تشبه حفرة عميقة تبتلع كل نور. خلفه، قطيع من الأتباع، ملامحهم ضائعة، عيونهم جوفاء، يسيرون كأنهم مقيدون بسلاسل خفية. بدا المشهد كقطار من الزومبي، يقودهم إلى جنة مزعومة، سرابٍ يتوهّمونه الفردوس.

صوته أجش، فيه رهبة غريبة، لكن الأكثر غرابة أنه يتحدث العربية بطلاقة. كيف تعلمها؟ ألم يكن حبيسًا في بحر الظلمات؟ هل كانت الجساسة، تلك الجنية الغامضة، معلمه وسرّ فهمه للعالم؟

الأرض تحت قدمي تهتز كقلبٍ مذعور. الزلازل تزمجر في كل مكان، البراكين تثور كأنها صرخة الأرض الأخيرة. السماء مشحونة، كأنها تراقب هذا المشهد المروع بصمتٍ عاجز. وفي الأفق، دابة تسير بسرعة خارقة، تنقضّ على الناس، توسم جباهم بكلمة واحدة: "كافر". الهلع في أعينهم كان يكفي ليملأ الكون كله بالخوف.

كنتُ وحيدًا، واقفًا فوق قمة جبل، متشبثًا بصخره، كأنني ابن نوح الذي اختار أن يعاند الطوفان، ظنًا منه أن الجبل حصن. لكن هل كان الجبل حقًا ملجأً؟ أم أنني كنتُ أعيش وهمًا آخر، مثل أولئك الذين تبعوه إلى جنته الوهمية؟

المشهد لم يكن مجرد رؤية. كان امتحانًا، اختبارًا لم أكن مستعدًا له. وبينما كنت أراقب الجنون من حولي، أدركت أن الاختيار كان أقرب مما أظن. كنت معتصمًا بالجبل، لكن روحي كانت تائهة، تبحث عن سفينة نجاة قد لا تأتي أبدًا.

"لست أدري إن كان ما رأيته من أهوال مشاهد واقعية حفرت في أعماق ذاكرتي، أم أنها مجرد كوابيس نسجها خيالي. تلك الوجوه الغريبة، والصيحات التي شقت السكون، والألم الذي امتزج بالخوف... كلها تبدو حقيقية بقدر ما هي مستحيلة."

خرجتُ من بيتنا، أحمل أفكاري كما يحمل البحر أمواجه الغاضبة، تتلاطم داخلي بلا هوادة. كان الهواء مثقلاً بشيء لا أستطيع تسميته، شعورٌ غامض بأن العالم يترقب حدثًا لا سبيل لتفاديه.

عند الإشارة، وقفتُ وحيدا وسط حشد السيارات، أُمعِن النظر في زجاج النافذة، حين ظهرت تلك المرأة. عباءة سوداء مغبرة، وجهها غارق في ظلال غموض مريب. كانت عيناها كفتحتَي بئر مظلمتين، نظرة عابرة منها أشعلت نار الخوف في داخلي. للحظةٍ، بدا لي أنني أمام الجساسة، تلك التي قيل إنها طليعة الدجال.

صرختُ باندفاع: "ابتعدي!"، لكنها لم تُجب، تراجعت بخطوات بطيئة، ثم اختفت وسط الجموع.

عادت كلمات المدير ترنُّ في رأسي كناقوس خطر:
"في الساعة الثالثة، عليك الحضور... وإلا وقع ما لا يُحمد عقباه!"
كانت كلماته غامضة، مُحمَّلة بثقل تنبؤاتٍ لا أفهمها، لكن تأثيرها كان ساحقًا.

بينما كنت أقود، سيطر عليَّ إحساسٌ بأن العالم على شفا هاوية. "ربما فيروسٌ جديد يكتسح المدن كالإعصار، أو شهابٌ يخترق السماء ليبيد الحياة. ربما الطوفان سيعود ليغمر الأرض." تخيلاتي كانت شريطًا سينمائيًا لا يتوقف.

وحين بلغت العمل، كنت قد تحصَّنت بكل ما أملك من طمأنينة زائفة. لكن عند الظهيرة، حين خرجتُ لأستنشق الهواء، رأيتهم.

الناس...جموعٌ متجمّدة، رؤوسهم مرفوعة نحو السماء. عيونهم متسعة كأنها تحاول أن تسبر أغوار الغيب. وقفوا كتماثيل خشبية، لا صوت سوى أنفاسهم المتقطعة.

ترددتُ للحظة، لم أملك شجاعة النظر إلى الأعلى. ماذا لو رأيتُ ذلك الشهاب الذي تصورته؟ ماذا لو كانت النهاية تلوح فوقنا؟

ثم جاء الصوت.
أزيزٌ يشبه زئير وحش معدني، يقطع الهواء كطعنةٍ باردة. كانت طائرة، ضخمة بحجمٍ يخطف الأنفاس، تحلّق على ارتفاع منخفض.

هل هذه سفينة الخلاص؟ هل جاءت لتنقذنا قبل الكارثة؟

فتحتُ المذياع، إذ لا مجال للانتظار. صوت المذيع كان حادًا ومباشرًا:

"أعزائي المستمعين، اليوم هو عيد الوطن. الطائرات تشاركنا الاحتفال بتحليق استعراضي يزين سماء البلاد."

صُدمتُ. لم أصدق أذني. تحولت الهواجس إلى سراب، والقلق إلى لحظة من السخرية الباردة. الطائرة التي خشيتها كانت مجرد رمز احتفال. الجموع التي تصورتها مذهولة كانت فقط منبهر بالمشهد.

عدتُ إلى مكتبي مثقلاً بشعور عجيب. لم يكن الخوف هو عدوي الأكبر، بل عقلي الذي أفرط في حبك سيناريوهات النهاية. حين غادرتُ المكتب في المساء، أدركت أن العالم لا ينتهي بالصراخ. إنه ينتهي حين ننغمس في أوهامنا، نسمح لها بأن تحكم مصيرنا.

هكذا كان ذلك اليوم... يومًا علَّمني أن الخوف ليس في السماء، بل في أذهاننا.

حين عدتُ إلى منزلي ذلك المساء، وجدتُ أخي ينتظرني عند الباب، عينيه متقدتان بقلق غريب، كأنما يحمل في قلبه سرًّا لا يحتمل التأجيل. ما إن وضعتُ حقيبتي حتى قال بصوت مرتعش:
"هناك خبر أفزعني... علماء الفضاء يقولون إن كويكبًا ضخمًا في طريقه إلى الأرض!"

توقف لحظة، كمن يلتقط أنفاسه أو ربما ينتظر أن يُترجم وقع الكلمات على وجهي. لكنه لم ينتظر طويلًا. أردف، وقد تسللت إلى صوته نبرة أشبه بالهمس:


"أليست هذه علامات الساعة؟"

ثم رفع بصره إلى السقف، كأنما يخشى أن يهبط عليه شيء فجأة. تابع كلامه وكأن الفزع هو من يتحدث بلسانه:


"هل ترى ما يحدث في العالم؟ تلك الحفلات الماجنة، الأضواء التي ترقص على أجساد شبه عارية... كلها صرخات صامتة تنادي المسيح الدجال ليخرج. إننا، نحن البشر، نكتب النهاية بأنفسنا!"

رأيته يرمقني بنظرة غريبة، مزيج من الاستجداء والاتهام، كأنما ينتظر مني تأييدًا أو تفسيرًا. لم أستطع منع نفسي من الابتسام رغم جدية ما قاله. قلت، وكأنني أهرب من ثقله:


"أخي العزيز، تلك الحفلات التي تتحدث عنها؟ البشر كانوا يفعلون ما هو أسوأ منذ أن عرفوا كيف يشعلون النار. هل تعلم أن هناك شعائر كانت تُسمى بالدعارة المقدسة تُمارس في المعابد القديمة؟ هذا قبل ظهور الأديان التوحيدية أصلًا!"

ضحك أخي ضحكة قصيرة، لم تدم طويلًا. بدا كمن يحاول استيعاب ما قلته، لكنه لا يريد التخلّي عن قلقه. أما أنا، ففكرت في سخرية الموقف: كيف يتكرر الهلع نفسه في كل عصر، كيف نتشبث دائمًا بفكرة النهاية، ربما لأنها تمنح وجودنا معنى، أو لأنها ببساطة تخيفنا بما يكفي لنشعر أننا أحياء.

غادر أخي الغرفة وهو يغمغم بشيء عن ضرورة التوبة. بقيتُ وحدي، أستمع لصوت الساعة وهي تمضي بثقلها المعتاد، كما لو كانت تسخر منا جميعًا.


على مكتبي المتواضع، كنت أغوص في أعماق الكتابة، تلك الحالة التي تفصلني عن محيطي تمامًا. شاشة الحاسوب أمامي تنبض بضوءٍ باهت، كأنها بوابة لعالم آخر. لكن شيئًا ما، أو ربما كل شيء، ظل يعلقني هناك، عند تلك القنطرة الغامضة التي أطلقت عليها اسم "الكتاب الأسود". كانت هناك أمور غريبة تحاصرني، أسئلة بلا أجوبة تتراقص في عقلي. أهذا وهم؟ أيمكن للإنسان أن يخلق مخاوفه ثم يصدقها كحقيقة؟

وسط تيار أفكاري، قطع علي صوتٌ حاضر غريب. رفعت بصري، فرأيته. رجلٌ يقف أمامي، ملامحه عادية، لكن اسمه لم يكن كذلك. قال بلهجة هادئة، كما لو كان يعرفني:
– "مهدي".

اسمٌ بسيط، لكنه رن في أذني كجرسٍ ثقيل. كان عليّ أن أتعامل مع معاملته كأي موظف عادي، لكن عقلي انسحب مني نحو فكرة أعمق، نحو ذاك المهدي المنتظر، ذلك الرمز الذي يلوّح بالعدل المؤجل. لماذا العدل دائمًا مؤجل؟ هل هو انتظار عبثي، كذاك الذي رسمه صموئيل بيكيت في "في انتظار غودو"؟

أذكر تلك الليلة عندما استمعت للمسرحية مترجمة من الإذاعة المصرية. شعرت وقتها أننا جميعًا في انتظارٍ لن ينتهي، غودو الذي لن يصل، أو العدل الذي لن يتحقق إلا إذا قرر الجميع أن يكسروا قيود الأنانية.

الرجل كان يحدثني، لكني كنت أراه كرؤية مشوشة من خلف زجاج، صوته كأنه آتٍ من بئر عميقة. أهو يتحدث فعلاً أم أنني أتوهمه؟ هل أنا هنا أم أنني في مكان آخر؟ كأنني تناولت المارغوانا أو انغمست في حلمٍ بلا نهاية.

رفعت بصري إليه مجددًا، لكنني لم أستطع التمييز بينه وبين خيالاتي. كأنني انفصلت عن الواقع، أو كأن الواقع اختار أن يتجاهلني.

استفاقت حواسي فجأة من ضباب الأيام عندما قطع صبي الشاي صوتُه:


"تريد شيئًا؟"


لكنني كنت في عالم آخر، بين خيالاتي وأفكاري المتشابكة. هل كنتُ أخلق تلك الشخصيات في عقلي أم كان هناك بالفعل شخص اسمه مهدي يقف أمامي؟ كان الوجه مألوفًا، لكنه حمل في طياته غموضًا يحيطني، ويجعلني أشك في كل شيء حولي. ربما كنت مرهقًا جدًا، أو أنني بحاجة لمغادرة المكان فورًا.

قررت أن أذهب إلى المدير لأطلب إذنًا بالمغادرة، فقد كنت في حالة مزرية من التعب والضياع. كنت قريبًا من باب مكتبه، والباب موارب قليلاً، فأمكنني سماع حديثه مع السكرتيرة منال، حديث كان يحمل توترًا غريبًا. كان يتحدث عن "الكتاب الأسود"، ولم يكن حديثه عاديًا، بل كان يحذر من شيء كبير:


"النهاية ستكون مروعة إذا لم نتحرك الآن، يجب أن نحقق الهدف قبل أن تخسر الشركة و تنهار."


كلمات ثقيلة، كأنها تمطر على عقلي كالرصاص.

وقفت هناك، بين أطر الباب، أراقب منال التي كانت تستمع بصمت، كأنها تمثال جامد، عيونها لا تعكس أي رد فعل، كانت تشبه مناة، تلك الإلهة القديمة، التي لا تملك سوى الاستماع. ثم خرجت من المكتب، وأنا لا أزال في مكاني، غير قادر على تحريك قدميّ.

توجهت إلى الكرسي الذي أمام مكتبها، وجلست، محاولًا ترتيب أفكاري المبعثرة. نظرت إليّ منال نظرة متأملة، ثم تحدثت بصوتها الرقيق:


"ماذا تريد، يا طلال؟ هل تحتاج إلى مساعدة؟"

كان لدي الكثير من الأسئلة، لكنني تراجعت عن سؤالها عن "الكتاب الأسود" ونهاية العالم. لم أرغب في أن أضع نفسي في مواقف غامضة قد تجعلني أبدو كما لو كنتُ أخترق الحدود. لكنني لم أستطع الصمت.


"أريد المغادرة، هناك ظرف طارئ."

أجابت منال بنبرة حازمة:
"هذه الأيام تكرر خروجك المتكرر. نحن في شركة، ولسنا في دائرة حكومية. هناك أهداف يجب أن تحققها."

كان ردي سريعًا، كأن الكلمات خرجت من فمي بلا تفكير:
"يا أستاذة منال، أنتِ المدير هنا أم هو الذي في الداخل؟"

نظرت إليّ بنظرة حادة، كأن كلماتنا كانت سهامًا اخترقت كبرياءها. ثم همت بالدخول إلى مكتب المدير، رمقتني بنظرة غريبة، كأنها تقول لي شيئًا من وراء صمتها. أمّا المدير، فكان قد سمح لي بالمغادرة دون إبطاء.

قال لها، وكأن الأمر لا يهمه حقًا:
"دعه يذهب."


ولكني شعرت بشيء غريب في كلماته، كما لو كان يريدني أن أغادر بسرعة، دون أن أكتشف شيئًا. كان الكتاب الأسود مدفونًا في أدراجه، ولم يكن يريدني أن أراه.


كان عمار العماني صديقي الذي جاء من مسقط، عاصمة سلطنة عمان، ليعيد تعريف الأشياء التي كنت أراها واضحة. بيننا اختلافات مذهبية بسيطة، لكننا كنا نؤمن، أو هكذا كنت أظن، أننا ننتمي لدين واحد، نعتنق جوهرًا واحدًا. إلا أن ما قاله لي ذات مساء تحت سماء ملبدة بالنجوم هزّني كعاصفة:

"نحن الإباضية لا نؤمن بظهور المسيح الدجال، ولا المهدي المنتظر، ولا عودة المسيح آخر الزمان."

في البداية، ظننتها مزحة، لكن عينيه الجادتين كانتا تخترقانني كأنهما تحاكماني على اندهاشي. لم أرد. كانت الصدمة كافية لتقييد لساني. لكنه أكمل، وكأن الحديث بالنسبة له كان أشبه بفصل من كتاب مفتوح:

"ليس هناك رؤية واحدة، بل هناك رؤى. الدين الواحد يحمل مذاهب وطوائف ونحل كثيرة. ليس هناك حقيقة واحدة نمتلك ناصيتها، بل حقائق."

شعرت أنني وقفت على حدود عالم جديد لم أكن أعرف أنه موجود. بدا لي أن عمار تجاوز كونه متحدثًا باسم مذهبه، وأصبح في تلك اللحظة شيئًا آخر، كأنما يتحول إلى فيلسوف يتحدث من قلب أزمنة فكرية بعيدة. تذكرت فجأة نيتشه وكلماته عن انهيار الحقيقة المطلقة، وتساءلت في داخلي: هل أصبح صديقي العماني نتشويًّا؟

لكن الحديث لم ينتهِ عند ذلك الحد. كان ثقل ما قاله يتردد داخلي كصدى في وادٍ عميق، ولم أستطع أن أوقف عقلي عن التفكير في كلماته حتى بعد مغادرته.

تسللت فكرة الكتاب الأسود إلى رأسي، ذلك الكتاب الذي رآه الجميع، ولم يفهمه أحد. كان على مكتب المدير، تارة مغطى بغلاف جلدي متين، وتارة مكشوفًا كأنه يتحدى أن يُقرأ. كان الموظفون يهمسون حوله، والفضول يزداد حتى يصبح ثقلًا على الكتفين.

ما سره؟
ما الذي جعله مقدسًا لدى البعض وغامضًا لدى الجميع؟

عندما أخبرت عمار عنه لاحقًا، ابتسم وقال بهدوء:
"أحيانًا، الأشياء التي تشغلنا ليست سوى انعكاسات لما بداخلنا. ربما لا تحمل الأجوبة، لكنها تجعلنا نطرح الأسئلة."

كان محقًا. منذ ذلك اليوم، لم يكن الكتاب الأسود بالنسبة لي مجرد كتاب. كان مرآة غامضة، تعكس انشغالي بالحقيقة وتصدعات يقيني. كان الكتاب، وعمار، والحديث كله، أشبه برحلة لا تنتهي، رحلة نحو شيء لا أجرؤ حتى الآن على تسميته.

الكتاب الأسود ليس مجرد صفحات من الورق، بل ثقب أسود يبتلعني كلما اقتربت منه. إنه جاذب، يبتلع الفضول والمقاومة على حد سواء. وكلما حاولت فهمه، شعرت أن نهاية العالم ليست مجرد حدث بعيد، بل هي انعكاس لعجزنا عن فهم أنفسنا.

أصبحت أسير البحث، أحمل في داخلي قلق الأسئلة التي لا تجد إجابة، وأغوص في بحر الشبكة العنكبوتية، حيث كل ثقافة قرأتها كانت تحمل بذور النهاية. كأن كل حضارة تبني أطلالها مع كل حجر تضيفه.

نحن البشر لا نحب الوقوف على العتبة؛ تلك المنطقة الفاصلة بين الخارج والداخل. الوقوف هناك يعني أنك لم تختر، أنك لست جزءًا من شيء. ومن يقف هناك، يظل موضع شك، موضع ريبة، كأنه يهدد استقرار عالم من دخلوا المنزل أو من بقوا خارجه.


في عالمنا، النهايات ليست اختيارية؛ إنها الضرورة التي تحمي النظام. من لا يحدد نهاياته يصبح غريبًا، شاذًا، يُنظر إليه كخطر يهدد استقرار المجموعات. نحن البشر نؤمن بالإغلاق، بالنهاية المرسومة سلفًا لكل بداية نحتفي بها. كما نحتفل بالمولود الجديد، فإننا نقيم المآتم بحزن احتفالي، جماعي، كأننا نتأكد أن دورة الحياة قد أُغلقت بإحكام.

بدون النهايات، نفقد القدرة على الفهم؛ يصبح العالم مكانًا مشوشًا، بلا معنى. هذه العتبات التي نمر بها — الولادة، الحب، الموت — ليست سوى محطات عبور، ولكل عبور ختام محتوم. لأننا، ببساطة، لا نحتمل الاستمرارية المفتوحة، ولا نثق بما لا ينتهي.



لم تكن خطتي محكمة، لكنها كانت محفوفة بوهج المغامرة. كنتُ مصممًا على كشف السر المخبأ في مكتب المدير، حيث يتربع الكتاب الأسود الذي أشغل أفكاري لأسابيع. كل خطوة خطوتها كانت محفوفة بالحذر، وكل نظرة ألقيتها حولي كانت مزيجًا من الترقب والارتباك.

بقيتُ في مكتبي متصنعًا الانشغال بأعمال لم تكن يومًا موجودة، أراقب عقارب الساعة وهي تزحف نحو لحظة الخلوة المنتظرة. كانت الخطة أن أنتظر حتى يغادر الجميع، إلا أن منال، السكرتيرة الحريصة كحارسة معبد، أغلقت الباب خلفها بإحكام، كما لو أنها علمت بما يدور في خلدي.

لكن حصن إرادتي لم يُخترق، وأنا أعلم أن عامل الشاي يحتفظ بنسخة من المفاتيح في درج المطبخ. حين خيم الصمت على المبنى، وعانقت المكاتب السكينة، شعرت أن الوقت قد حان.

تسللتُ بخطوات ثقيلة، ويدي تقبض على المفاتيح كما لو كانت كنزًا ثمينًا. جرّبت مفتاحًا تلو الآخر، حتى انفتح الباب أخيرًا. كأنني اقتحمت عالَمًا آخر.

أشعلتُ الأنوار، ووقفتُ وسط المكتب كغريب يقتحم معبدًا مقدسًا. كل شيء كان في مكانه، منظمًا إلى حد الإزعاج، لكن عيني لم تخطئا الهدف. هناك، في الدرج السفلي، شعرت باليقين يشتعل في صدري. سحبت الكتاب الأسود الذي كان يلوح لي كحقيقة مطلقة.

قلّبت صفحاته بلهفة، فإذا هو... كتاب عن الاقتصاد. مجرد دليل ممل عن إدارة الشركات، وعنوانه الجذاب ليس إلا خدعة بسيطة.

جلستُ على الكرسي، وصدى الضحك المرير يملأ الفراغ حولي. كنت أضحك على نفسي، على فضولي، على هذا السعي المحموم خلف سر لم يكن يومًا موجودًا. ضحكت حتى شعرت بأنني أبكي، ليس على الكتاب، بل على الأوهام التي نسجتها حوله.

حين أغلقتُ الكتاب وأعدتُه إلى مكانه، كنتُ أعلم أنني لن أكون كما كنت. أحيانًا، الفضول لا يقتل القط، بل يقتل شيئًا أعمق فينا: تلك الأحلام التي تزدهر في ظلال الغموض.


النهاية


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

الخريطة التي تقودني إليك

 رواية الخريطة التي تقودني  إليك  بقلم  جوزيف مونينغر المقدمة يوم التخرج إنها والدتك، من بين الجميع، هي التي تلتقط الصورة المثالية لك ولصديق...