بحث هذه المدونة الإلكترونية

الأحد، 24 نوفمبر 2024

خيانة التاريخ: بين الحروف والذكريات

 

 رسائل نابليون المخفية

 


أنا إيفا موبسان، وقبل أن تكون هذه قصتي... هي فضيحتي.

وجدت الرسائل بين رفوف منسية في أرشيف اللوفر، حيث يختبئ الغبار مع الأسرار. كانت أصابعي ترتجف وهي تفتح غلافًا جلديًا هشًا، كأنني أمزق جلد التاريخ نفسه. توقفت لحظة. أدركت أنني على وشك قراءة شيء لا يجب أن يقرأه أحد.

"نابليون، يا طائري المحلق... يا ظلي المفقود..."

كان الخط يدويًا، مائلًا كأضلاع امرأة تتنفس تحت وطأة العشق. جوزفين!
كم كرهتها كتب التاريخ. صورتها خائنة، مجرد دمية جميلة بين أحضان العشاق. لكن وأنا أقرأ هذه الكلمات، شعرت أنني أفتح جرحًا أبعد من الزمن، أعمق من الشهوة.

"أنا عشك... لكن الطائر لا يعود أبدًا إذا ضاق العش."

جوزفين لم تكن امرأة فقط. كانت نبوءة. امرأة ولدت قبل زمنها، في عصر الرجال الذين يكتبون التاريخ بحبر القوة، بينما تُكتب النساء دائمًا بحبر الخيانة.

لكن لماذا اختبأت هذه الرسائل؟ لماذا حُكم على هذه الكلمات بأن تموت في الظل؟

أدرت الورقة بين أصابعي، ووجدت توقيعًا صغيرًا في الزاوية:
N.B.

نابليون بونابرت.
الإمبراطور الذي أبكى أوروبا... وبكى في حضن امرأة واحدة.

تخيّلوا هذا الرجل، وهو يقتحم مصر، يقف أمام أبو الهول متحديًا الزمن نفسه. ثم ينهار في خيمته ليلًا، يهمس باسم امرأة في الرسائل، كأنه يسجل خيبته على صفحات التاريخ.

"سحقكِ تحت قدمي أسهل من سحق دودة... لكن اللعنة، أحبكِ!"

هكذا كتب نابليون، وهكذا أحب. الحب عند العظماء ليس وعدًا أبديًا، بل معركة بين رجل يريد أن يملك امرأة، وامرأة تريد أن تملك نفسها.

لم أكن فقط أقرأ الرسائل... كنت أستمع إلى الاعترافات التي خاف العالم من سماعها.

لكن هنا يأتي السؤال الذي أيقظني ليالٍ طويلة:
لماذا تختبئ الحقيقة دائمًا في جيوب الرجال؟
لماذا يُسمى الطموح فضيلة إذا كان في صدر رجل، وخيانة إذا كان في صدر امرأة؟

أنا إيفا موبسان، ولست مؤرخة محايدة. أنا امرأة تكتب بأظافرها على لحم الماضي.

لكنني أعرف شيئًا واحدًا...

إذا كتبت هذه القصة، فسوف يرجمونني كما يرجمون الزانيات.

لكن لا بأس...
سأُرجم بالأوراق، لا بالحجارة.

سأكتب عن جوزفين... المرأة التي جرحت إمبراطورًا، ثم دُفنت في هوامش التاريخ.

سأكتب عنها كما لو أنني أكتب عن نفسي.

ولا زالت هذه فضيحتي.

كان العرق يتسلل إلى ظهري وأنا أقف أمام رجل الأمن عند مخرج متحف اللوفر. عينيه الضيقتان مسحتا وجهي كأنه يبحث عن سر محبوس بين رموشي. كنت أقبض على حقيبتي بحذر، كأنني أخفي قلبًا ينبض لا مجرد أوراق.

"ما الذي تحملينه؟"
سألني بصوت بارد، يشي بشك لا أستطيع تحديد مصدره.

ابتسمت ابتسامة مائلة، تعلمتها من أمي، تلك الابتسامة التي تجعلك تبدو بريئًا حتى وأنت ترتكب خطيئة.

"كتب قديمة… أبحث في التاريخ."

رفع حاجبه، اقترب خطوة. شعرت بأنفاسه تمتزج برائحة اللوفر العتيقة، ذلك الهواء المشبع بالغبار والأسرار. كدت أخطو للخلف، لكنني تذكرت جوزفين.

جوزفين كانت تتملص دائمًا. من نابليون، من القصر، من حفلات البلاط التي تشبه أقفاصًا ذهبية. كانت تنحني قليلًا، تخفض عينيها، تضع يدها على قلبها في إيماءة خجولة… ثم تهرب. كنت أراها في مخيلتي تفلت من يديه كما أحاول أنا الآن الإفلات من هذا الرجل.

نابليون لم يكن يعرف كيف يحب امرأة مثلها. كان يملك العالم لكنه لم يعرف كيف يملك قلبها. كان يراها مجرد جائزة، شيئًا يجب أن يبقى في مكانه، أن يكون مخلصًا حتى وهو مهمَل. لكنه نسي أن المرأة كائن اجتماعي، وأنها لا تتواصل إلا عن طريق الحب. والحب… صناعة المرأة.

"هل يمكنني تفتيش الحقيبة؟"

كلماته ضربتني كحجر. للحظة، تخيلت الصحف تكتب عني: "باحثة فرنسية تهرب وثائق سرية من اللوفر!"، تخيلت أصوات المؤرخين الغاضبين، تخيلت الظل الطويل لنابليون وهو يراقبني من صورة زيتية ضخمة على الجدار.

لكنني تمالكت نفسي. رفعت رأسي، نظرت إلى رجل الأمن بثبات وقلت:

"هل تظنني سارقة؟ سرقة التاريخ ليست جريمتي… جريمتي أنني أحاول فهمه."

ارتبك للحظة. كان يتوقع أن أخاف، أن أرتبك، أن أكون مثل أولئك السياح الذين يتهربون بنظرات متوترة. لكنه لم يكن يعرف أنني، مثل جوزفين، كنت أتحرك داخل لعبة أكبر مني، لعبة الرجال الذين يكتبون القوانين ثم يقررون متى يتم كسرها.

أخيرًا، تنهد وقال:
"اذهبي، لكن لا تعبثي كثيرًا بالتاريخ."

آه، لو يعرف أنني بالفعل عابثة محترفة.

خرجت من اللوفر، والهواء الباريسي البارد صفَع وجهي كأنه يعاتبني على ما فعلت. عبرت الجسر، دفنت نفسي بين زحام الشوارع، ووضعت يدي فوق حقيبتي كأنني أحمي قلبًا مسروقًا.

كنت أعرف أنني دخلت طريقًا بلا عودة.

لكن لا بأس.

لقد قررت أن أكتب، والكتابة ليست إلا سرقة التاريخ من قبضة المنتصرين.

 وأعتقد أنني لست بريئة كما كنت أظن.

وقفت عند قوس النصر، والمدينة تتنفس حولي مثل وحش قديم لا ينام أبدًا. كان الشانزليزيه مزدحمًا، السيارات تمر بجانبي كأنها لا ترى امرأة تحمل حقيبة مليئة بالأسرار.

لماذا أحمل هذه الرسائل؟ لماذا أشعر أنني كلما تشبثت بها أكثر، أفلتُ من نفسي؟

ربما لأنني لا أريد أن أواجه الحقيقة.

أنا إيفا التي تركها آدم دوبوا، الرجل الذي أقسم أنه يحبني، ثم قال لي يومًا ببرود قاتل:

"إيفا، أنتِ لا تحبينني، أنتِ تحبين فكرة الحب."

كان يقف هناك، في منتصف شقتي، عيناه الزرقاوان بارداً كبحر شتوي. لم يرفع صوته، لم يغضب، فقط ألقى الجملة وكأنه يلقي قطعة خبز إلى الطيور في حديقة التويلري.

ثم رحل.

لأنه لم يحتمل أنني كنت قريبة من جان غليوم، محرر مجلة أركيولوجي، الرجل الذي كتب ذات مرة أن التاريخ لا يُكتب بالحبر فقط، بل بالدماء والخيانات أيضًا.

هل كنت خائنة؟

لا، كنت امرأة تبحث عن شيء لم أجد له اسمًا بعد. كنت أظن أنني أحب آدم، لكن ربما كنت أحب ذلك الشعور بالاطمئنان الذي منحه لي، مثل قفل صدئ يغلق بابًا لا أرغب بفتحه.

الآن، وأنا أقف أمام قوس النصر، أفكر: هل آدم دوبوا هو نسختي الخاصة من نابليون؟ رجل أراد أن يحتفظ بي كشيء ثابت، بينما كنت مثل جوزفين، أهرب من الثبات وأبحث عن… عن ماذا؟

الناس يظنون أن الخيانة هي جسد في سرير آخر، لكن الحقيقة أن الخيانة تبدأ من هنا، من الفكر، من اللحظة التي تسمح فيها لعالم آخر أن يسكنك.

جوزفين لم تخن نابليون لأنها شريرة. خانته لأنها كانت امرأة تحتاج إلى الحب لتعيش، بينما هو كان رجلًا يحتاج إلى الحرب لينتصر.

وأنا؟

هل كنت أبحث عن الحب، أم كنت أبحث عن تبرير لنفسي؟ هل كنت، في النهاية، مجرد صورة مشوهة لجوزفين نفسها، أحاول أن أخفف جروحي بسرقة رسائل قديمة من متحف عظيم؟

نحن البشر عندما نرتكب مصيبة، نبحث عن مبرر. وعندما لا نجد المبرر، نصنع مأساة جديدة حتى تطغى على الأولى.

أخفضت رأسي ونظرت إلى الحقيبة في يدي.

الرسائل ما زالت هناك.

لكنها لم تعد رسائل نابليون فقط.

لقد أصبحت مرآتي.

 وأحيانًا أتساءل: هل نحن من نبحث عن الألم، أم هو من يبحث عنّا؟

جلست في المقعد الخلفي للتاكسي، رأسي مستند على النافذة، وأضواء باريس تتراقص أمامي كأنها أشباح صغيرة تهمس بأسرار المدينة. كنت أريد العودة إلى شقتي، أن أغلق الباب، أن أرمي هذه الحقيبة وأتظاهر أنني لم أسرق شيئًا، لا من متحف اللوفر، ولا من ماضيّ.

لكنني لم أفعل.

"قف هنا." قلت للسائق، دون أن أفكر.

نزلت، والهواء الليلي يحمل معه رائحة المطر القديم والتبغ المنسي. كنت بحاجة إلى كأس نبيذ، إلى ضياع مؤقت، إلى لحظة أنسى فيها من أنا.

دخلت الحانة، وعرفت على الفور أنني ارتكبت خطأ.

كانت نفس الحانة.

الحانة التي التقيت فيها لأول مرة بـ آدم دوبوا.

شعرت بجسدي يتوتر، كأن الزمن التوى وعاد بي إلى تلك الليلة. ليلة كان فيها كل شيء بسيطًا، حين لم أكن أفكر في الرسائل، ولا في جوزفين، ولا في خيانات الحب والتاريخ.

رأيته هناك في ذاكرتي، جالسًا عند البار، قميصه الأبيض مفتوح الزر العلوي، وابتسامته تلك… الابتسامة التي لم تكن وعدًا، بل شركًا.

"هل تودين مشاركتي كأسًا؟"

كانت تلك كلماته الأولى. لا شعر، لا فلسفة، لا وعود فارغة. مجرد دعوة، مجرد فخ.

كان أمامه طبق به تفاحة. حمراء، لامعة، كأنها شيء مسحور خرج من قصة قديمة.

أخذها، قلبها بين أصابعه، ثم قضَم منها لقمة صغيرة.

"هل تعرفين أن البشر يسقطون دائمًا بسبب تفاحة؟"

ضحكتُ وقتها. كنت شابة بما يكفي لأظن أن الحب لعبة ذكاء، لا معركة خاسرة سلفًا.

لكنه كان على حق.

لقد قطف تفاحة قلبي مني.

والآن، بعد كل هذا الوقت، وأنا أجلس هنا، على نفس الطاولة، في نفس الحانة، تساءلت:

هل سحرني بتفاحته؟ أم أنني كنت دائمًا جاهزة للسقوط؟

 وأنا لا أؤمن بالصدف.

لكن كيف يمكنني تفسير هذا؟

كنت أجلس هناك، أمام البار، أحاول أن أغرق في نبيذي وأنسى كل شيء، فإذا بي أجد الصحيفة مرمية بجانبي، كأنها يد القدر تمتد إليّ بورقة اتهام صامتة.

مسرحية جديدة عن نابليون وجوزفين تُعرض في باريس!

قرأت العنوان، وشعرت بشيء يشبه السخرية يزحف على شفتي. هل هذا عقاب خفيّ على سرقتي؟ هل كل الطرق تؤدي إلى نابليون، سواء كنت أبحث عنه أم لا؟

أدرت الصفحة، وعيني اصطدمت بكلمات أخرى... مقالة نقدية عن الصحافة الحديثة، عن كيف أن الأخبار ليست سوى سرقات أدبية مكررة، تُعاد صياغتها بأسلوب براق، فنطلق عليها "سبقًا صحفيًا" بينما هي في الحقيقة ليست سوى سرقة الضوء.

الضوء...

هل سُرق الضوء مني؟ هل كان هذا انتقام الصحافة؟

هل كنت مجرد صحفية لصة، سرقت الأسرار من ماضي نابليون، تمامًا كما سرقت فتاة أخرى حب آدم دوبوا مني؟

يا لي من سخيفة! كيف يمكنني أن أقارن؟ كيف يمكنني أن أجلس هنا، أفكر في جوزفين ونابليون، بينما هناك امرأة أخرى الآن في فراش آدم، تهمس له بأشياء كنت أقولها ذات يوم، تسرق ضوءه كما كنت أظن أنني فعلت؟

عبثت بإصبعي على حافة الكأس، أشعر أنني أدور في نفس الدائرة المغلقة، حيث يتكرر كل شيء:

امرأة تحب رجلًا، رجل يهرب من امرأة، امرأة تسرق الماضي بحثًا عن تفسير، والماضي لا يمنحها شيئًا سوى المزيد من الأسئلة.

ارتشفت آخر قطرة من نبيذي، وأدركت أنني لم أكن أحاول النسيان.

كنت، بكل بساطة، أحاول العثور على مبرر آخر لأكاذيبي.

وأنا أعرف الآن أن الأمثال ليست سوى أكاذيب أنيقة.

"Qui aime bien châtie bien"
"من يحب بقوة، يعاقب بشدة."

تركني آدم دوبوا، فهل كان يحبني إلى هذه الدرجة؟

سرت في الشارع، الحانة خلفي، شقتي أمامي، لكن رأسي ظل عالقًا بين الكلمات. هذا المثل اللعين ظهر أمامي في اللحظة المناسبة، كأنه يهمس لي: نلتِ عقابك، إيفا. ليس لأنك سرقتِ رسائل نابليون، بل لأنك كنتِ ساذجة بما يكفي لتصدقي أن الحب يمنح شيئًا دون ثمن.

ثم هناك المثل الآخر، ذاك الذي يُسكِت النساء بالوهم:

"Ce que femme veut, Dieu le veut."
"ما تريده المرأة، يريده الله."

يا لها من كذبة!

جوزفين أرادت نابليون، لكن هل حصلت عليه حقًا؟ أم أنه، في النهاية، كان ملكًا للمجد وحده؟

أنا أردت آدم دوبوا... لكنه اختار فتاة أخرى.

أردت أن أكون صحفية عظيمة... لكنني مجرد سارقة.

أردت أن أكتب قصة تغير التاريخ... لكن من يقرأ اليوم؟ ومن يهتم بجوزفين، بامرأة قديمة حُكم عليها بالنسيان؟

لو كان هناك مثل صادق، لكان:
"ابحث عن الشيطان، تجد المرأة."

لكن لو أنصف المؤرخون، لقالوا:
"ابحث عن جوزفين... أو ربما، ابحث عن إيفا."

فكرتُ للحظة، هل أبحث عن المجد؟ أم أنني، في أعماقي، أبحث عن طريقة لتبرير ما فعلته؟

أليست السرقة، في النهاية، مجرد محاولة يائسة للحصول على ما يرفض العالم منحه لنا؟

أنا إيفا موبسان.
وأنا فتاة مغرورة، تكتب في صحيفة متواضعة، سرقتُ الأوراق بحثًا عن شهرة...

أو ربما، بحثًا عن معنى.

وأشعر أنني أطرد من جنة الحب، تمامًا كما طُرد الإنسان الأول من الفردوس.

أمسكت بحواف معطفي وأنا أسير في الشوارع الباريسية، البرد يلسع جلدي، لكنني لم أكن أفكر في الطقس. كنت أفكر في فيكتور فرانكل، في كتابه "بحث الإنسان عن معنى".

كان فرانكل يبحث عن معنى للحياة وسط الجحيم النازي، وأنا؟
أنا أبحث عن معنى للخيانة، للحب، للسرقة، للضوء الذي سُرق مني.

يقول فرانكل إن الإنسان يستطيع احتمال أي شيء إذا وجد له معنى، لكن ماذا لو لم يكن هناك معنى؟ ماذا لو كان الحب مجرد لعبة لا قواعد لها، والانتصار فيها ليس سوى صدفة؟

هل أحبني آدم ؟

أم أنه أحب ليليث، لا حواء؟

حواء التي تصنع بيتًا وتنتظر الرجل في المساء؟
أم ليليث التي تهرب، تتمرد، ترفض أن تنحني؟

أدركت أنني بدأت أُجدّف.

لكن أليس الحب نوعًا من التجديف؟ أليس هو ذلك البحر الذي يرمي بنا في أعماقه، ثم يتركنا نبحث عن اليابسة دون بوصلة؟

أنا إيفا موبسان، وقد غرقت.

لكن السؤال الذي يبقى:

هل سأجد اليابسة؟ أم أنني، مثل جوزفين، محكوم عليّ بالبقاء في هوامش التاريخ؟

 والآن، أنا من يقرر.

ثلاث سنوات من الصمت، ثم فجأة، رسالة تحت باب شقتي.
آدم دوبوا في كيبيك، يطلب مساعدتي، يقول إنه في مشكلة، يقول إنه لم يجد أحدًا سواي.

يا له من سطر مثالي لجعل قلبي يتردد.

هل أفتح له باب جنتي، أم أجعله يتذوق الطرد كما تذوقته أنا؟

من يطلب مساعدتك وهو من أدخلك في دوامة الشعور القاسي، هل يستحق الغفران؟
هل يستحق الانتقام؟

أمسكت بالرسالة، تأملت خطه المائل قليلاً، كأنه كان يكتب على عجل.
هل كان خائفًا؟ نادمًا؟ أم فقط بارعًا في إعادة ترتيب الكلمات كي تفتح له الأبواب؟

الرجال يشبهون نابليون، لا يطلبون النجدة إلا بعد أن يخسروا معركة.
والنساء يشبهن جوزفين، يتركن الباب مواربًا، فقط ليقررن لاحقًا إن كنَّ سيفتحنه أم يغلقنه في وجه التاريخ.

أنا الآن من يملك القرار.
أنا من يحدد إن كان سيدخل نعيمي أم لا.

لكن السؤال الذي يعذبني أكثر من كل شيء:

هل ما زلتُ أريده؟

والسقوط ليس مجرد لحظة... إنه سلسلة من الاختيارات.

ضغطت على زر التلفاز دون اهتمام، لكن ما رأيته جعل أنفاسي تتوقف.
"خبر عاجل: سرقة رسائل نابليون وجوزفين من متحف اللوفر!"

نظرت إلى الطاولة، إلى الرسائل الملقاة بإهمال، وكأنها لم تكن سبب كل هذا.
الأوراق الصفراء، الحبر الذي تلاشى قليلاً، الغلاف الجلدي الذي كاد يتهرأ من الزمن...

أنا سارقة.

لا، أنا مؤرخة الحقيقة، الباحثة عن ما طُمس، الكاتبة التي تجرأت على لمس ما لا يجب لمسه.

لكن، هل للحقيقة ثمن؟

أدرت الرسالة بين يدي، تمامًا كما كنت أدير أفكاري.
الحياة مثل هذه الرسائل المغلّفة، لا نعرف إن كنا سنفرح عندما نفتحها... أم سنندم.

نحن البشر نسقط منذ اللحظة الأولى، منذ أن طُردنا من الجنة، منذ أن اخترنا المعرفة على الطاعة.
الحزن قريننا الأزلي، لكنه ليس دائمًا عدونا.
أحيانًا يكون دليلاً، وأحيانًا يكون سكينًا نطعنه بأنفسنا.

لكن البهجة؟
البهجة لا تبقى سوى لحظات، مثل ابتسامة عابرة على شفتي جوزفين قبل أن يهجرها نابليون.
مثل لحظة نشوة في حب محكوم عليه بالانتهاء.

والآن، أنا أمام اختيار آخر:

هل أفتح الرسالة التالية؟
أم أتركها مغلقة، كما يجب أن تبقى بعض الأسرار؟

 ولن أكون مثل الآخرين.

"من يفطر قلبك مرة، سوف يفطره مرات عديدة."

هذه هي القاعدة.

لكن هل في الحب قواعد؟
هل يمكن أن يكون هناك قانون يسير عليه قلبك المجروح، أو أن كل شيء فيك هذا العالم الملتوي لا يُقاس إلا بالألم؟

يقولون إننا نحب بحذر، وأن الحب يجب أن يكون منظمًا، منضبطًا. لكن الحقيقة أن القلب لا يعرف الحدود.
إن أردت أن تعيش محبًا، فعليك أن تتحرر من القوالب. خالف القواعد.

هذه هي قاعدة إيفا.
قواعد إيفا تفوق قواعد العشق الأربعين، وقواعد مورفي حتى.
لا تقتصر حياتي على الأحكام والتوقعات، بل على تحديها وتدميرها بكل قوة.

أن تحب؟ هذا يعني أن تكسر قوالبك، أن تهدم الجدران التي بنيتها حول نفسك، أن تذهب إلى الأماكن المظلمة في قلبك وتغادرها وأنت تحمل ضوءًا غير معروف.

ليس هناك خط مستقيم في الحب، ولا طريق مفروش بالورود. الحب هو عاصفة.
عاصفة قد تدمرك... أو قد تخلق منك شخصًا جديدًا.

هل أحببتَ يومًا إلى درجة أنك تحطم كل شيء؟
أنت لست بحاجة إلى القواعد، لست بحاجة إلى أن تتبع الطريقة المثالية التي كتبها الآخرون عن الحب.
كل الحب هو فوضى... فوضى تخلقها بنفسك، وتعيد بناءها على أنقاضك.

والآن، بينما أفكر في رسائل نابليون، أعلم أنه لا قواعد للحب... ولا قواعد لقلبي.

أخرجت ورقة وقلم، وضعتها على المكتب. أمسكتهما بين يدي وأنا أفكر فيما قرأت، بما وجدته، بما عشته. بدأت الكتابة وكأن الكلمات كانت تتدفق من أعماقي، كما لو أنني أخط على صفحات التاريخ نفسه.

نابليون…

أسس إمبراطورية كبيرة، هدم الجبال من أجلها، شق البحار بدمائه ودماء رجاله. بذل حياته من أجل تلك الإمبراطورية، وكاد يظن أنه سيد العالم. لكنه، في النهاية، خسر المعركة.

ولم يهزمه جيشٌ من رجال، بل هزمته امرأة.

هزمته روسيا.
نعم، روسيا. أتصور روسيا كالفتاة الجميلة الشقراء ذات العيون الساحرة. تلك الفتاة التي دمرت قلب نابليون.

وكلما نظرنا إلى التاريخ، نجد أن المرأة هي من تهزم الجيوش، ليس لأنها ضعيفة كما يظن البعض، بل لأنها تعرف كيف تدير الحروب داخل النفس البشرية.

المرأة، هذا الكائن الذي يوهمك بأنه مهيض الجناح، تجده في لحظة يملك مفاتيح العالم.
من يهزم الرجل حتى لو كان ملكًا جبارًا؟
هي! المرأة!

جوزفين، امرأة هزمت نابليون، امرأة أذابت قلبه بلطفها وأشواقها. كانت تملك مفاتيح قلبه، وكان هو في النهاية عبدًا لها.

ورغم قوته، رغم إمبراطوريته، رغم كل شيء، نابليون خسر المعركة أمام امرأة.

وفي النهاية، هل حقًا هناك فرق بين الرجل والمرأة في الحرب؟
أم أن الحرب، في جوهرها، هي معركة القلوب؟

هذه هي الحرب الوحيدة التي نعيشها جميعًا، دون أن ندرك أنها هي التي تحدد مصيرنا.

الحياة تتكرر في دوائر مغلقة. كلما حاولت الهروب، وجدت نفسي في نفس المكان، أواجه نفس الأسئلة. كان نابليون يبحث عن الحب في حروب لا تنتهي، وجوزفين كانت تهرب من سجن القصور إلى تلك اللحظات القصيرة من الحرية. أما أنا، فقد كنت أبحث عن مخرج من دائرة الأكاذيب والخيانات، ولكنني في النهاية، ربما كنت جزءًا من نفس القصة التي قدّرتها، بلا أمل في الهروب.

قرأت تلك المقالة النقدية عن الصحافة الحديثة، وكنت على وشك أن أتمتم بشيء عن الحقيقة التي تُسرق، ولكن الحقيقة أكثر تعقيدًا مما يعتقده الجميع. نحن نسرق القصص من بعضنا البعض، نسرق الأضواء لنظهر في الصورة.

كانت جوزفين تقف هناك، في الظل، في قلب التاريخ المخبأ، مثلي تمامًا. نحاول أن نكتب قصتنا ونحن نعلم أن الأضواء لن تلتقطنا، ولن يعترف بنا التاريخ إلا إذا كنا مستعدين لدفع الثمن. أنا الآن أفهم تلك اللحظة. أفهم لماذا كانت جوزفين تفرّ، تفلت من يديه، لأن التاريخ لا يكتب إلا بالألم، وبالأسرار المخبأة بين السطور.

هل كان نابليون يعرف حقًا ما الذي كان يريده؟ هل كان يعرف كيف يحب؟ كان له القوة، ولكن ما قيمة القوة إذا كانت لا تمنحك السلام الداخلي؟ جوزفين، بحريتها وحزنها، كانت تعرف أكثر منه. كنت أقرأ رسائلها كما لو كانت رسائلها لي، كنت أرى نفسي فيها. وهي التي اختارت الهروب، تمامًا كما اخترت أنا.

في زمن الإرهاب، إبان الثورة الفرنسية، حيث كانت الدماء تسبق الكلمات إلى الشوارع، لا تنحرف أيها القارئ مع التيار. فأنا منذ البدء قلتها، وأكررها الآن: سأرجم لأنني سأرفع الستار عن المخفي، عن الوجه الآخر لثورة كانت منجاةً للبعض ومهلكةً للجميع.


ظهرت أسماءٌ كثيرة في تلك الفترة، مدام دو باري—العشيقة الأخيرة للملك لويس الخامس عشر، امرأة ذاقت المجد قبل أن تلفظها أمواج العنف إلى المصير المحتوم. لا، لن أتحدث عن عشيقات الملك جميعهن، ولن أستفيض في ذكر مدام دو بومبادور، تلك المثقفة التي لم تكن مجرد ظلّ في البلاط، بل عاصفة جلبت على الملك سخط النبلاء. لكنني سأعود إلى دو باري، تلك التي دفعها الحاضر الثائر إلى هاوية الماضي بلا رحمة.

أُعدِمَت بالمقصلة خلال الثورة الفرنسية بتهمة الخيانة، وخصوصًا للاشتباه في مساعدتها للمهاجرين على الفرار من الثورة. تُعرف أيضًا باسم "مادموازيل فوبيرنييه".

الثورة، تلك التي كانت ذات يوم منارة للحرية، تحوّلت إلى مقصلة لا تفرّق بين ملكي وثائر، بين مذنب وبريء. من يخالف هواها، يُحكم عليه بالمقصلة. فهل كان الحب جريمة تستحق نفس العقاب؟ هل أنا ماري أنطوانيت، التي قيل إنها تستهزئ بجوع الناس؟ أم أنني مجرد عاشقة أخرى في زمن لا يعترف بالحب، تُحكم عليّ بالمقصلة، فقط لأنني قلت: إذا لم أجد خبزًا، فسأعيش على حب آدم دبوا؟



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

الخريطة التي تقودني إليك

 رواية الخريطة التي تقودني  إليك  بقلم  جوزيف مونينغر المقدمة يوم التخرج إنها والدتك، من بين الجميع، هي التي تلتقط الصورة المثالية لك ولصديق...