"أرض التناقضات: رحلة في قلب ماليزيا"
على متن الطائرة المتجهة نحو ماليزيا، صعدت، وأقدامي تحملني كما لو أن الأمل ذاته يسير بي. كنت أركض نحو الحلم، أرض الجبال والهضاب، تلك البلاد التي امتزجت فيها الأعراق، وتعانقت الثقافات، وتشابكت الأهواء. الطقس هناك، كما قالوا، حار رطب، لكنه أيضًا ممطر على الدوام. مظلات تُفتح هنا وهناك، تحسبًا لتقلبات السماء، وكأن الجميع في رقصة أبدية مع المطر.
وصلت إلى أرض جمعت الهندي والصيني والملاوي، أهل البلاد الأصليين. وجوههم حكايات، وأصواتهم أصداء تاريخ طويل. هنا، في أرخبيل ماليزيا، دلف الإسلام في القرن الثالث عشر، حمله التجار العرب والهنود، لينير دروب هذه الجزر، ويطوي صفحات البوذية والهندوسية التي اشتعلت كالنار في هشيم الروح. لم يكن مجيء الإسلام حدثًا عابرًا؛ كان مسيرة، تسللت أولًا إلى القصور قبل أن تطرق أبواب الأكواخ.
حين وطأت قدماي مدينة مالاكا، رأيت التاريخ متجسدًا في حجارتها. تأسست عام 1402 على يد إسكندر شاه، ملك سنغافوري يقولون إنه من نسل الإسكندر المقدوني. جاء هاربًا من طغيان بلاده، ليجد في الجزيرة ملاذًا، لكنه سرعان ما انقض على القائد الملاوي تماجي وقتله، ليعلن نفسه سيدًا على مالاكا. هناك، شاهدت أطلال قلعة "فاموسا"، البوابة الوحيدة المتبقية من القلعة البرتغالية، شاهدة على كابوس الاستعمار.
في عام 1991، قدم مهاتير محمد، رئيس وزراء ماليزيا، رؤيته الطموحة التي أطلق عليها "رؤية 2020". كان يطمح أن يرى ماليزيا، تلك البلاد التي تشهد تنوعًا عرقيًا وثقافيًا، تتحول إلى دولة صناعية مكتفية ذاتيًا بحلول العام 2020. كانت تلك رؤية تهدف إلى جعل ماليزيا نموذجًا يُحتذى به في التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وأن تكون دولة قادرة على الاعتماد على نفسها في جميع جوانب الحياة.
لكن، بين السطور التي كتبها مهاتير محمد، كان هنالك تحدٍّ عظيم، ألا وهو تكوين "أمة ماليزية" واحدة. كان المجتمع الماليزي في ذلك الوقت مكونًا من أعراق متنوعة: الملاويون والصينيون والهنود، وكان لكل مجموعة لغتها وثقافتها واحتياجاتها الخاصة. وكان السؤال الكبير: كيف يمكن أن تندمج هذه الأعراق المختلفة لتشكل أمة موحدة ومتجانسة؟ كانت الإجابة في رؤية مهاتير محمد هي خلق شعور قوي بالهوية الوطنية التي تتجاوز هذه الفروقات العرقية، ليشعر الجميع أنهم جزء من نفس الأمة، رغم اختلافاتهم.
كانت اللغة الملاوية "باهاسا ملايو" هي اللغة الرسمية للبلاد، ولكن على أرض الواقع، كان العديد من الماليزيين يتحدثون الإنجليزية أيضًا، باعتبارها لغة مشتركة بين الأعراق المختلفة، وكان استخدامها في التعليم والإدارة سائدًا. كانت الإنجليزية بمثابة جسر يربط بين أفراد الشعب الماليزي، وتُستخدم في الأعمال، في الجامعات، وفي الحياة اليومية بشكل عام.
إذن، كانت رؤية مهاتير محمد تدعو إلى بناء مستقبل مزدهر، ليس فقط من خلال التطور الاقتصادي، ولكن من خلال توحيد شعب متنوع في إطار هوية مشتركة. كان الحلم هو أن تظل ماليزيا بلدًا متميزًا في مجالات متعددة، معتمدة على نفسها في تأمين مستقبلها، بينما تبني علاقة قائمة على الاحترام المتبادل بين جميع فئات شعبها.
كانت ماليزيا أشبه بلوحة تروي مأساة وأملًا معًا. من سقوط سلطنة مالاكا على يد القائد البرتغالي ألفونسو دي ألبوكيرك إلى الحقبة البريطانية، ثم إلى لحظة التحرر عام 1963، حين استعادت ماليزيا أنفاسها أخيرًا. شعبها المختلف الأعراق جمع قواه، ووحّد جهوده ليقف في وجه جيش اليابان الغاصب. "في الاتحاد قوة"، شعارٌ نقشوه على قلوبهم قبل أن يخطوه على راياتهم.
في كوالالمبور، التي تعني بلغتهم "تجمع الطين"، شعرت كأنني في مدينة تنبض بالحياة، رغم الفقر الذي ما زال يختبئ في زواياها. شوارعها الممطرة والمظلات المنتشرة هنا وهناك كانت أشبه بمشهد من لوحة فنية. كنت ألتقط الصور، محاولًا أن أجمع في عدستي جمالًا لا ينسى. فجأة، شق صراخ غرائبي أذني، يشبه نعيب الغراب. التفتُ، فرأيت رجلاً هنديًا يقترب مني بخطى حادة، مشهرًا سيف غضبه:
"لا تلتقط صورًا لسيارتي!"
كان الأمر غريبًا، لكن وجهه الغاضب لم يترك مجالًا للسؤال. سيارته، خضراء كالعشب، حمراء من الداخل، تحمل في تفاصيلها ذوقًا هنديًا صارخًا. رحت أهدئه قائلًا:
"لمَ كل هذا الغضب؟ إنها مجرد صورة."
لكنه استمر، متمسكًا بموقفه، وكأنه يحمي شيئًا أثمن من مجرد سيارة. وفي تلك اللحظة، تذكرت حديث صديق لي، قال ذات مرة: "الهنود الماليزيون حفنة من الأشرار." كلمات أزعجتني آنذاك، لكنها عادت لتشعل في داخلي تساؤلًا: هل يمكن أن تكون تصرفاتنا الفردية مرايا تعكس أوطاننا؟
هكذا هي ماليزيا، أرض التناقضات. وطن يسعى للنهوض من رماد الماضي، ويمد يديه نحو المستقبل، لكنه ما زال يحمل في طياته حكايات عن الفقر، والأمل، والنضال. كل وجه هناك يخبرك بشيء، كل مكان يحمل سرًا، وكل مظلة تُرفع لتحمي أحدهم من مطر لم يتوقف بعد.
في زمن الاستقلال، كانت مالايا مكونة من إحدى عشرة ولاية، وكل واحدة منها كانت تملك نشيدها الوطني الخاص بها، مما جعل البلاد تفتقر إلى نشيد موحد يعبر عن وحدتها. قبل الاستقلال، كان النشيد الوطني المستخدم في البلاد هو نشيد بريطانيا "ليحفظ الله الملكة"، في ظل الهيمنة الاستعمارية البريطانية. ولكن مع بزوغ فجر الاستقلال، ظهر نجمٌ ساطع في سماء ماليزيا، وهو تونكو عبد الرحمن حليم شاه، رجل الدولة البارز وأول رئيس وزراء في تاريخ البلاد.
كان تونكو عبد الرحمن هو من ترأس لجنة تم تشكيلها بهدف اختيار نشيد وطني يعكس هوية الدولة المستقلة. وفي عام 1957، اختارت اللجنة نشيدًا كان يحمل عنوان "أطال الله عمر السلطان". هذا النشيد خضع لعدة تعديلات حتى أصبح في شكله النهائي الذي نعرفه اليوم.
لقد كان اختيار النشيد الوطني جزءًا من محاولات ماليزيا لخلق هوية وطنية موحدة تلتقي فيها الولايات المختلفة تحت راية الاستقلال، وتحمل في طياتها رموز الوحدة والتضامن بين شعوبها.
وطني
الأرض التي سُكِب عليها دمي
يعيش فيها الشعب، متحدين ومتقدمين
باركها الله ومنحها السعادة
ملكنا، نتمنى له عهداً ناجحاً
باركها الله ومنحها السعادة
ملكنا، نتمنى له عهداً ناجحاً
هذا النشيد الوطني الماليزي
كان الشعار الذي رددوه آنذاك، "آسيا للآسيويين"، يملأ الأفق بكل معاني الوعد والآمال. وكأنهم يحملون مفتاح الحرية الذي سيحررهم من قبضة الاستعمار البريطاني، بينما كانوا يزينون كلماتهم كأنها دروب من نور. لكن، وكأنهم كانوا يلعبون لعبة شطرنج، خطوات محسوبة بدقة، كل حركة تقودهم إلى مجهول جديد. كانت القوات اليابانية تمد يدها إلى شعوب مالايا، تعرض عليهم الحرية في صيغتها الخاصة، كما تغري الأمواج السفن بحركاتها الناعمة، لكن من دون أن يعلموا أنها تسحبهم إلى الأعماق.
لقد حاولوا إقناعهم بكل ما لديهم من وسائل أن الاستعمار البريطاني هو عدوهم الأول، وأنهم - اليابانيين - هم من سيحررهم. تحدثوا عن بريطانيا كما لو أنها الوحش الذي ينهش في ثرواتهم بلا رحمة، بينما كانوا هم يقدمون أنفسهم كالأبطال الذين جاءوا ليخلصوهم. لكنني كنت أسأل نفسي، هل كانوا حقًا كذلك؟ هل كانوا فعلاً المخلصين؟
في عام 1943، انعقد مؤتمر "شرق آسيا العظمى"، وأستطيع أن أرى الآن كيف كان كل شيء مجرد ستار خداع. شعارهم "آسيا للآسيويين" ظل يتردد، لكن ما كانت تنطوي عليه تلك الكلمات كان واضحًا. كانوا يطمحون إلى ضم مالايا وإندونيسيا إلى إمبراطوريتهم. لم يكونوا المنقذين كما ادعوا، بل كانوا طامعين في أراضيهم، يتخفون وراء الأقنعة الخادعة.
كانت الأخبار تتسرب همسًا عن معاناة النساء الملاويات والصينيات في تلك الفترة. نساء أُجبرن على الخضوع للغزاة، على ممارسة البغاء تحت تهديد القوة. كانت تلك القصص تأسرني، تلاحقني كظل ثقيل. لكن في لحظة غير متوقعة، تم تحريرهن من قبضة الغزاة، خرجن من براثنهم، مع خطوات ثقيلة ولكن بعيون مليئة بالأمل.
اليابان لم تكن إلا غزاة آخرين، جاءوا يحملون وعودًا كاذبة في حقيبتهم. كانت حربًا جديدة، احتلالًا جديدًا، ولكن تحت راية جديدة. ومع كل يوم يمر، كانت الخيوط تتشابك أكثر، والنهاية تقترب بشكل لا يمكن إنكاره.
كوالالمبور،مدينة
التنوع الصاخب والتناقضات المثيرة، صادفتُ مشهدًا ترك أثرًا عميقًا في
ذاكرتي، وخلّف في نفسي خليطًا من الاستغراب والدهشة. بينما كنتُ أتنقل بين
شوارع المدينة الممطرة، لمحتُ شخصًا ذا ملامح أنثوية ملفتة، تدعى بيلا، كما
عرّفت نفسها. ظننتها في بادئ الأمر فتاة تبحث عن المساعدة، فرحتُ إليها
دون تردد، مُدركًا أن الناس في حاجة، وأني، على قدر استطاعتي، أحب مد يد
العون.
ركضت خلفي، وقد بدا على وجهها مزيجٌ من الحيرة والرجاء.
وعندما توقفت وسألتها عمّا تريد، جاء طلبها صادمًا، يخترق حدود العادة
والتوقعات: طلبت مني المضاجعة.
لم يكن الأمر مجرد مفاجأة؛ كان صدمة
لم أستطع أن أستوعبها في لحظتها. حدّقتُ فيها بذهول، محاولًا أن أفهم
دوافعها، فبدأت الحديث عن حياتها. لم تكن بيلا فتاة كما ظننت، بل كانت
متحولة جنسياً، تحمل قصة مؤلمة عن الرفض والبحث عن القبول في مجتمع لا يزال
يواجه صعوبة في استيعاب الاختلافات.
رغم غرابة الموقف، شعرتُ أن
خلف طلبها المستحيل صرخة خفية، نداءً للقبول أكثر منه رغبة. اعتذرتُ برفق،
محاولًا أن أشرح استحالة تلبية طلبها. أدركتُ أنني أمام شخص يحمل في داخله
صراعًا عميقًا، لا يتعلق فقط بهويته، بل أيضًا برغبته في أن يشعر بأنه
محبوب ومقبول في هذا العالم القاسي.
غادرتُ ذلك اللقاء وأنا مثقل
بالتفكير. في كوالالمبور، تلك المدينة التي تتعايش فيها الثقافات والأديان
والأعراق، بدا لي أن التنوع ليس دائمًا نعمة بسيطة؛ بل يمكن أن يكون
أحيانًا ساحة للصراعات الداخلية والخارجية التي يعيشها
الأفراد.
في
مدينة لانكاوي، حيث تلتقي الجبال مع البحر، كنتُ في منتجع جميل تحيطه غابة
كثيفة، مملوءة بحيوانات غريبة وآسرة. الجو كان حارًا ورطبًا، وأصوات
الطيور والحيوانات تملأ الأفق. صاحبي، الذي كان دائمًا مشغولًا بمخاوفه،
رفض مرافقتي إلى الغابة، فتركتُه وأخذت كاميرتي وبدأت أستمتع بمفردي. هناك،
بين أشجار الغابة الكثيفة، رأيت طائر الطوقان بألوانه الزاهية يمر بجانبي،
وسمعت قردة تتسلق الأشجار وتلعب. كان التنوع الحيوي حولي لافتًا، وكل شيء
كان ينطوي على شيء من السحر والغموض.
عندما جلست على الشاطئ، كان
البحر في حالة هيجان، تضرب الأمواج صخور الشاطئ بعنف، لكنني كنت منغمسًا في
تأملاتي، أنظر إلى الغابة التي تبتعد مع كل هزة من الأمواج. بعد فترة
طويلة، عدت إلى الغرفة، حيث وجدت صاحبي جالسًا يتحدث بهدوء مع حبيبته عبر
الهاتف الجوال. قررت أن أفتح الحاسوب المحمول وأقرأ قليلاً عن لانكاوي.
حينها اكتشفت معلومة مفاجأة أثارت في داخلي خوفًا لا يوصف: تسونامي قد غمر
المنطقة في الماضي. شعرتُ بالرعب يسري في عروقي، وملأتني فكرة أنني ربما
أكون في مكان مهدد. حاولت تهدئة نفسي وخلدت إلى النوم، لكن النوم كان
بعيدًا عني، وكنت غارقًا في القلق.
فجأة، اخترق صراخ صاحبي سكون
الليل، وسمعته يصرخ من الشرفة. ظننتُ في البداية أن أمواج البحر قد اجتاحت
المكان، وأن تسونامي قد ضرب، لكنني هرعت نحو الصوت ليفاجئني المشهد. كان
صاحبي يصرخ وهو يحاول دفع قرد صغير بعيدًا عن نفسه، وقد كان القرد يحاول
انتزاع هاتفه المحمول. لحظتها، اختلطت مشاعري بين الضحك والدهشة، ولم
أستطع سوى أن أشعر بالارتياح لأننا لم نكن في خطر من تسونامي، بل في خطر من
هذا القرد.
هل كان يطمح ان يكون له اتصال مع حبيبه!

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق