في زنزانتي العائلية
في تلك الغرفة المعتمة، كنت قابعة وحدي، محاطة بجدران باردة صماء، بلا أثاث، بلا طعام أو شراب. كأنني في زنزانة حكم عليّ فيها بالسجن دون محاكمة، وأخي سعد هو السجّان. كنت أراه يقف خلف الباب، ظله يمتد تحت الشق الضيق، وصوته الجاف يقطّع السكون:
"يا ويل من عطاها أكل! خلوها تخيس في ذا الغرفة، خلوها تراجع نفسها وتسمع الهرج!"
لم أكن بحاجة للطعام، بل للإنصاف. لكن حتى هذا كان محرّماً عليّ.
ثم جاء صوت أمي، المحامية التي من المفترض أن تدافع عني، لكنها فضّلت أن تكون شاهدة إثبات ضدي. نبرتها كانت حاسمة، كأنها تبارك حكم القاضي الذي لم يكن سوى ابنها الآخر:
"الجوهرة عنيدة حيل! تستاهل اللي يحصل لها، لو تسمع الكلام وتصير سنعة، ما صار ذا كله! بس هي تعرف أني أعرف دواها... ما أبي آخدها للصحراء، وهي تعرف الباقي."
الصحراء... عقوبة لا تحتاج إلى تفسير، رسالة تهديد يعرفها جسدي قبل عقلي.
في خضمّ هذا الضجيج، وسط صرخاتهم واتهاماتهم، تسلّل صوت آخر. كان ضعيفاً، بالكاد يخترق الجدران، لكنه وصل إليّ. اقتربت من الباب، وضعت أذني عليه، فأدركت أنه صوت بدر أبي.
"خلوها تطلع، وأنا أخليها تسوي اللي تبون... البنت صغيرة، افهموها بهدوء، بنتي سنعة، بس الزواج لاحقه عليه، خلوها تدرس!"
كانت كلماته كحبل نجاة يُرمى لي في بحر الغضب، لكن الأمواج كانت أقوى.
صرخة أمي جاءت كالرعد، الغضب يفور في نبرتها:
"يا بدر! انت تشجع بناتي على التمرد؟! خل سعد يربي خواته! لا تتدخل في تربيتي لهن! ولو ما عقلت، راح أخلي أخوي مطلق يجي يكسر ضلوعك!"
انكمشتُ في مكاني. لم يكن أبي قوياً كفاية لمواجهة عاصفة أمي، ولم يكن لي حليف غير صمودي. كنت أعرف أني وحيدة في هذه المعركة، لكنني أيضاً كنت أعرف شيئاً آخر... لن أنكسر.
في تلك الغرفة المعتمة، كنت قابعة وحدي، محاطة بجدران باردة صماء، بلا أثاث، بلا طعام أو شراب. كأنني في زنزانة حكم عليّ فيها بالسجن دون محاكمة، وأخي سعد هو السجّان. كنت أراه يقف خلف الباب، ظله يمتد تحت الشق الضيق، وصوته الجاف يقطّع السكون:
"يا ويل من عطاها أكل! خلوها تخيس في ذا الغرفة، خلوها تراجع نفسها وتسمع الهرج!"
لم أكن بحاجة للطعام، بل للإنصاف. لكن حتى هذا كان محرّماً عليّ.
ثم جاء صوت أمي، المحامية التي من المفترض أن تدافع عني، لكنها فضّلت أن تكون شاهدة إثبات ضدي. نبرتها كانت حاسمة، كأنها تبارك حكم القاضي الذي لم يكن سوى ابنها الآخر:
"الجوهرة عنيدة حيل! تستاهل اللي يحصل لها، لو تسمع الكلام وتصير سنعة، ما صار ذا كله! بس هي تعرف أني أعرف دواها... ما أبي آخدها للصحراء، وهي تعرف الباقي."
الصحراء... عقوبة لا تحتاج إلى تفسير، رسالة تهديد يعرفها جسدي قبل عقلي.
في خضمّ هذا الضجيج، وسط صرخاتهم واتهاماتهم، تسلّل صوت آخر. كان ضعيفاً، بالكاد يخترق الجدران، لكنه وصل إليّ. اقتربت من الباب، وضعت أذني عليه، فأدركت أنه صوت بدر أبي.
"خلوها تطلع، وأنا أخليها تسوي اللي تبون... البنت صغيرة، افهموها بهدوء، بنتي سنعة، بس الزواج لاحقه عليه، خلوها تدرس!"
كانت كلماته كحبل نجاة يُرمى لي في بحر الغضب، لكن الأمواج كانت أقوى.
صرخة أمي جاءت كالرعد، الغضب يفور في نبرتها:
"يا بدر! انت تشجع بناتي على التمرد؟! خل سعد يربي خواته! لا تتدخل في تربيتي لهن! ولو ما عقلت، راح أخلي أخوي مطلق يجي يكسر ضلوعك!"
انكمشتُ في مكاني. لم يكن أبي قوياً كفاية لمواجهة عاصفة أمي، ولم يكن لي حليف غير صمودي. كنت أعرف أني وحيدة في هذه المعركة، لكنني أيضاً كنت أعرف شيئاً آخر... لن أنكسر.
كنت أعيش في قرية صغيرة، لا تبعد كثيرًا عن الرياض، في تلك الأيام التي كان فيها كل شيء يغلي تحت وطأة الصحوة. تلك الحقبة التي كانت أحلام الفتيات تنمو في ظلها كزهور يانعة تحت أشعة شمس حارقة، كانت أحلامنا، نحن البنات، تتلألأ أمامنا كأحلام الطيور التي تطير بعيدًا، لكننا لم نكن نعرف، أو بالأحرى لم نكن نجرؤ على التفكير في أن تلك الأحلام قد تكسوها الغيوم في أي لحظة.
أنا وأخواتي كنا مثل كل الفتيات في قريتنا، نغني ونلعب ونحلم. كنت في ذلك الوقت مليئة بالأمل، محاطةً بالصديقات والأقارب، وكنت أعتقد أنني أعيش في عالم من الحماية. لكن... ذلك التغيير الذي غير مجرى حياتي جاء مثل برق خاطف، هو ابن جيراننا، الذي كان يسرق قلبي بلا رحمة. كانت نظراته لا تكتفي فقط بالمرور عليَّ، بل كانت تلتهمني كما لو كانت تبحث عن سري الذي خبأته في داخلي بصدق.
وأنا لا أستطيع أن أقول له ما في قلبي، ولكني كنت أعتقد أنني أعيش هذا الحب في صمت، كما يعيش النحل في زهرة منعزلة، لكنه... هو سر غير مكتوم. عزيزة، صديقتي، لم تحتفظ به لنفسها، بل فضحت سري بأفظع الطرق. كان الألم شديدًا عندما اكتشفت أن كل كلماتها عني قد أصبحت حديث القرية. كنت أعتبرها صديقتي المخلصة، لكن… هي لم تكن مخلصة مثلما كنت أظن. بررت ذلك بقولها، كما لو أنها تبرئة لذمتها، إنها كانت مجبرة على الاعتراف بعدما أجبرها خالي، مطلق، على الاعتراف بكل شيء.
مطلق... هذا الرجل الذي يُعدّ سطوته في العائلة حديث الجميع، صاحب اليد الغليظة، الرجل الذي كانت كلماته تسقط كالحجارة على كل من حوله. هو من يُدعى عند الحاجة إلى العقاب، وإذا كان الأمر يستدعي حسمًا قاسيًا، كان يُنزل العقاب بما لا رحمة فيه. كان يتباهى بقول المثل الدائم: "اكسر للبنت ضلع يطلع لها اثنين." وكأن ذلك هو الحل الأمثل لكل شيء، هو الذي اعتبر "الخشونة" جزءًا من التربية. لكنه كان يعتقد أن "القسوة" هي الرد الأمثل على كل شيء، وكان يفرضها على الجميع دون استثناء.
أنا وأخواتي كنا مثل كل الفتيات في قريتنا، نغني ونلعب ونحلم. كنت في ذلك الوقت مليئة بالأمل، محاطةً بالصديقات والأقارب، وكنت أعتقد أنني أعيش في عالم من الحماية. لكن... ذلك التغيير الذي غير مجرى حياتي جاء مثل برق خاطف، هو ابن جيراننا، الذي كان يسرق قلبي بلا رحمة. كانت نظراته لا تكتفي فقط بالمرور عليَّ، بل كانت تلتهمني كما لو كانت تبحث عن سري الذي خبأته في داخلي بصدق.
وأنا لا أستطيع أن أقول له ما في قلبي، ولكني كنت أعتقد أنني أعيش هذا الحب في صمت، كما يعيش النحل في زهرة منعزلة، لكنه... هو سر غير مكتوم. عزيزة، صديقتي، لم تحتفظ به لنفسها، بل فضحت سري بأفظع الطرق. كان الألم شديدًا عندما اكتشفت أن كل كلماتها عني قد أصبحت حديث القرية. كنت أعتبرها صديقتي المخلصة، لكن… هي لم تكن مخلصة مثلما كنت أظن. بررت ذلك بقولها، كما لو أنها تبرئة لذمتها، إنها كانت مجبرة على الاعتراف بعدما أجبرها خالي، مطلق، على الاعتراف بكل شيء.
مطلق... هذا الرجل الذي يُعدّ سطوته في العائلة حديث الجميع، صاحب اليد الغليظة، الرجل الذي كانت كلماته تسقط كالحجارة على كل من حوله. هو من يُدعى عند الحاجة إلى العقاب، وإذا كان الأمر يستدعي حسمًا قاسيًا، كان يُنزل العقاب بما لا رحمة فيه. كان يتباهى بقول المثل الدائم: "اكسر للبنت ضلع يطلع لها اثنين." وكأن ذلك هو الحل الأمثل لكل شيء، هو الذي اعتبر "الخشونة" جزءًا من التربية. لكنه كان يعتقد أن "القسوة" هي الرد الأمثل على كل شيء، وكان يفرضها على الجميع دون استثناء.
لم يكن لي صوت في زواجي، لم يكن لي رأي. حين عدتُ من المدرسة الثانوية، وجدت البيت يعج بالفرح، والتهاني تنهال عليّ كالمطر. "مبروك يا جوهرة!" "عقبالك الذرية الصالحة!" كانوا يباركون لي وأنا لا أعلم حتى ما يحتفلون به.
ثم جاء سعد، أخي الذي كان يفترض أن يكون سيفي ودرعي، ليعلن الخبر: "تم عقد قرانك على سفر."
تجمدت في مكاني، لم أكن أصدق ما أسمع. نظرتُ إليه بدهشة، وكأنني أراه لأول مرة. "ماذا؟ متى؟ كيف؟"
لكن الأسوأ لم يكن في وقع الخبر، بل فيما حدث حين اعترضتُ. رأيتُ عيني سعد تشتعلان غضبًا، رأيتُ يده تمتد إلى سلاحه، يضعه على رأسي وكأنني مجرد عائق عليه إزالته. "إن فتحتِ فمكِ بكلمة أخرى، سأدفنكِ بيدي!" قالها ببرود جعل دمي يتجمد في عروقي.
في تلك الليلة، أدركتُ أنني سجينة في منزل كنت أظنه مأمنًا لي. حاولتُ أن أقاوم، أن أتمرد، لكن سفر لم يكن بحاجة إلى إذعاني، لم يكن بحاجة إلى لمسي حتى. كان بحاجة فقط لاسمي.
اكتشفتُ الحقيقة حين هربتُ إلى بيت عمتي، المرأة الوحيدة التي وقفت إلى جانبي. كانت تدرك أن في الأمر خدعة، وحين واجهتُ سفر، لم ينكر. بابتسامة هادئة، وكأنه يتحدث عن صفقة تجارية، قال: "أحتاج فقط إلى اسمكِ. به أفتح مؤسستي المالية. لا شأن لي بكِ."
لم يكن زواجًا، كان عقدًا لاستغلالي. وكنتُ مجرد جوهرة دفنوها بين ركام الفحم، لكنني كنتُ أضيء رغم كل شيء.
مع عمتي، استعدتُ نفسي. حصلتُ على طلاقي، على حريتي، وخرجتُ من هذه الصفقة خاسرةً كل شيء… إلا نفسي.
ثم جاء سعد، أخي الذي كان يفترض أن يكون سيفي ودرعي، ليعلن الخبر: "تم عقد قرانك على سفر."
تجمدت في مكاني، لم أكن أصدق ما أسمع. نظرتُ إليه بدهشة، وكأنني أراه لأول مرة. "ماذا؟ متى؟ كيف؟"
لكن الأسوأ لم يكن في وقع الخبر، بل فيما حدث حين اعترضتُ. رأيتُ عيني سعد تشتعلان غضبًا، رأيتُ يده تمتد إلى سلاحه، يضعه على رأسي وكأنني مجرد عائق عليه إزالته. "إن فتحتِ فمكِ بكلمة أخرى، سأدفنكِ بيدي!" قالها ببرود جعل دمي يتجمد في عروقي.
في تلك الليلة، أدركتُ أنني سجينة في منزل كنت أظنه مأمنًا لي. حاولتُ أن أقاوم، أن أتمرد، لكن سفر لم يكن بحاجة إلى إذعاني، لم يكن بحاجة إلى لمسي حتى. كان بحاجة فقط لاسمي.
اكتشفتُ الحقيقة حين هربتُ إلى بيت عمتي، المرأة الوحيدة التي وقفت إلى جانبي. كانت تدرك أن في الأمر خدعة، وحين واجهتُ سفر، لم ينكر. بابتسامة هادئة، وكأنه يتحدث عن صفقة تجارية، قال: "أحتاج فقط إلى اسمكِ. به أفتح مؤسستي المالية. لا شأن لي بكِ."
لم يكن زواجًا، كان عقدًا لاستغلالي. وكنتُ مجرد جوهرة دفنوها بين ركام الفحم، لكنني كنتُ أضيء رغم كل شيء.
مع عمتي، استعدتُ نفسي. حصلتُ على طلاقي، على حريتي، وخرجتُ من هذه الصفقة خاسرةً كل شيء… إلا نفسي.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق