بحث هذه المدونة الإلكترونية

السبت، 6 ديسمبر 2025

اللياقة الثقافية

 

اللياقة الثقافية (Cultural Fitness) —
ما هي اللياقة الثقافية؟

اللياقة الثقافية هي قدرة فكرةٍ ما، أو قيمة، أو عادة، أو طقس، على الاستمرار والبقاء والانتشار داخل مجتمع معين.
تمامًا كما أن الكائن الحي ينجو لأن لديه “لياقة بيولوجية”،
فإن الفكرة تنجو لأنها تمتلك لياقة تجعلها مناسبة للثقافة.


---

كيف تعمل؟

لا يشترط أن تكون الفكرة:

صحيحة

عقلانية

مفيدة

أخلاقية


بل يكفي أن تكون مناسبة لبنية المجتمع.
أي أن المجتمع يجد فيها شيئًا:

يريحه

يمنحه معنى

ينسجم مع عاداته

أو يعزز تماسكه

أو يخدم مصالحه (سواء مصالح واعية أو غير واعية)


فكرةٌ “غريبة” قد تعيش لألف سنة لأنها مناسبة لخيال الناس،
بينما فكرةٌ “أذكى” قد تموت لأنها لا تجد تربة ثقافية تحتضنها.


---

لماذا هي مهمة في فهم الدين؟

لأن الأديان — مثل اللغات — تتغير مع الزمن عبر الانتقاء الثقافي:

مجتمع صحراوي ينتج طقوسًا تناسب بيئته.

مجتمع زراعي ينتج طقوسًا مرتبطة بالخصب والمواسم.

مجتمع مديني يطور قوانين تتناسب مع العلاقات المعقدة.


وهكذا تتشكل اللياقة الدينية التي تجعل دينًا ما مناسبًا لمجتمعٍ معيّن.


---

أمثلة بسيطة

عادة أو طقس يستمر لأنه “يجمع الناس” → لائق ثقافيًا

قصة دينية تمنح معنى للمعاناة → لائقة ثقافيًا

عرف اجتماعي يخدم سلطة معينة → لائق سياسيًا وثقافيًا

فكرة عقلانية جدًا لكن لا تلامس وجدان الناس → ضعيفة اللياقة الثقافية



---

الخلاصة

اللياقة الثقافية تعني:

> قدرة الفكرة على البقاء داخل مجتمعٍ معيّن لأنها وجدت ما يناسبها، وليس لأنها أفضل أو أصدق.



وهي من أهم المفاتيح التي تشرح:

تطور الدين

تطور القيم

ظهور العادات

وبقاء الأفكار “السخيفة” أحيانًا


 أعطيك أمثلة قوية وواضحة على اللياقة الثقافية من الدين، والعادات، والقيم، بحيث تبيّن لك كيف تبقى أفكار معينة لأنها مناسبة للمجتمع، وليس لأنها الأفضل.


---

أولًا: أمثلة من الدين

1. الختان

بيئة الجزيرة العربية حارة، والطب محدود.

الختان كان يُعتبر وسيلة للنظافة وتقليل الالتهابات.

لذلك استمر وانتشر وأخذ صفة دينية.
لائق ثقافيًا لأنه يناسب البيئة الصحية والاجتماعية.



---

2. طقوس الحج القديمة التي استمرت

قبل الإسلام كانت هناك طقوس حول الكعبة (الطواف، الوقوف بعرفة).
الإسلام حافظ عليها، وعدّل معناها.
أسباب اللياقة الثقافية:

الناس اعتادتها

تمنح تماسكًا جماعيًا

مرتبطة بالمكان المقدّس



---

3. الطلاق باللفظ

فكرة بسيطة وسهلة في مجتمع شفهي لا يعتمد على المؤسسات ولا على الأوراق.
مجتمع شفهي → تشريع شفهي.
فكرة لائقة ثقافيًا لمجتمع فقير في البيروقراطية.


---

ثانيًا: أمثلة من القيم والعادات

4. “العيب”

بعض الأعراف التي تبدو “سخيفة” تستمر لأنها:

تحفظ النظام الاجتماعي

تمنع الفوضى

وتحدد حدود السلوك حتى لو كانت غير منطقية، إلا أنها تضمن الانسجام الاجتماعي، لذلك تبقى.



---

5. تفضيل ابن العم في الزواج

رغم عدم وجود ضرورة بيولوجية أو شرعية صارمة،
إلا أن بعض المجتمعات تستمر فيه لأنه:

يحفظ المال داخل العائلة

يقوّي العصبية

ويضمن النسب


فكرة لياقتها الثقافية عالية في مجتمعات قبلية.


---

6. تمجيد الكرم

في مجتمع الصحراء:

السفر طويل

الموارد قليلة

الضيف قد يموت إن لم يُكرم


لذلك أصبح الكرم قيمة عليا.
ليس لأنها “أفضل قيمة” بل لأنها قيمة تنقذ الحياة.
لذلك بقيت لآلاف السنين.


---

ثالثًا: أمثلة توضح أن الفكرة قد تكون “ضعيفة عقلًا لكنها قوية لياقةً”

7. القَرينة (الجنية) أو الحسد

يحارب المجتمع المجهول والمرض بالطلاسم والقصص.
لم يكن هناك علم يفسّر الأمراض أو المصائب.
لذلك هذه التفسيرات لائقة ثقافيًا لأنها:

توفر تفسيرًا

تعطي شعورًا بالسيطرة

وتخفف القلق


حتى لو كانت غير علمية، تبقى لأنها “تريح الناس”.


---

8. الاعتقاد في “النذور”

إنسان يعاني من خوف أو مرض فيبحث عن وسيلة يشعر أنها تُعيد له التوازن.
النذر يعطيه:

شعور السيطرة

تخفيف القلق

معنى للمعاناة


لذلك يستمر.


---

رابعًا: أمثلة عصرية

9. السوشيال ميديا والقبيلة الرقمية

بعض الأفكار التافهة تنتشر بسرعة لأنها:

سهلة الفهم

مثيرة

توفر انتماءً

وتُكافأ بالإعجابات


هذه الأفكار ليست “أفضل”، لكنها لائقة جدًا لثقافة الإنترنت.


---

10. نظريات المؤامرة

تنتشر لأنها:

بسيطة

تعطي تفسيرًا جاهزًا

تعفي الفرد من التفكير

وتوحد المجموعة حول “عدو مشترك”


لذلك هي ذات لياقة ثقافية عالية رغم أنها غير صحيحة.


---

الخلاصة

اللياقة الثقافية تعني ببساطة:

> “ما يبقى ليس الأفضل… بل ما يناسب البيئة الثقافية ويخدم حاجات الناس.”


يا محمد، مصطلح “اللياقة الثقافية” (Cultural Fitness أو Cultural Appropriateness) ليس له مؤسس واحد محدد، لكنه جاء من علم الاجتماع والأنثروبولوجيا وعلم الأديان الحديث لتحليل سبب استمرار الممارسات والأفكار في المجتمعات. بعض النقاط المهمة:

1. جذوره النظرية:

مستوحى من نظرية الانتقاء الطبيعي للأفكار (Cultural Evolution / Memetics) التي تقول:

> “ما يبقى في المجتمع ليس بالضرورة الأفضل، بل الأنسب للبيئة الاجتماعية والثقافية.”



هذا المفهوم طوره علماء مثل Richard Dawkins (1976، في كتاب The Selfish Gene عبر مفهوم الميمات)، وBoyd & Richerson في علم الانتقاء الثقافي.



2. علم الأديان وعلم الاجتماع:

علماء مثل Peter Berger وClifford Geertz استخدموا تحليلات مشابهة لشرح استمرار الممارسات الدينية والعادات.

لم يسموها “لياقة ثقافية” مباشرة، لكن تحليلاتهم تفترض نفس الفكرة:

استمرار الطقوس والقيم لأنها تناسب البيئة، وليس لأنها “أفضل” أو “أكثر عقلانية”.




3. الفرق بين الأصل والتحليل:

النصوص الدينية لا تقول: “هذا لائق ثقافيًا”.

الباحثون المعاصرون استخدموا المصطلح لوصف كيف تبقى الأفكار والممارسات ضمن المجتمع.




إذن، المصطلح تحليلي حديث، مستوحى من علم الانتقاء الثقافي والميمات، وليس من أي نص ديني أصلي.


---

1. العقل مقابل اللياقة الثقافية

أحيانًا نجد عادات أو تقاليد تبدو غير عقلانية أو غير منطقية، مثل:

النذر أو الطلاسم ضد الحسد.

بعض الطقوس الغريبة في الأعياد التقليدية.


هذا لا يعني أن المجتمع متخلف. بل يعني أن هذه الممارسات:

تخدم احتياجات المجتمع النفسية، الاجتماعية، أو البيئية.

توفر شعورًا بالأمان أو الانتماء أو التماسك الجماعي.




---

2. اللياقة الثقافية تفسر البقاء

ما يبقى في مجتمع معين ليس بالضرورة الأفضل عقليًا، بل ما يناسب السياق الثقافي والبيئي.

مثال:

الختان في الجزيرة العربية القديمة: قد يبدو غير ضروري في عالم اليوم، لكنه كان لائقًا ثقافيًا لأنه يقلل الالتهابات ويليق بالعادات الاجتماعية.

النذر أو الطقوس ضد الحسد: غير علمي، لكن يخفف القلق ويعطي شعورًا بالسيطرة → لائق ثقافيًا.




---

3. المجتمع المتماسك واللياقة الثقافية

اللياقة الثقافية تتعلق بـ ما يحافظ على انسجام المجتمع واستقراره، وليس بمدى تطوره العلمي أو عقليته المطلقة.

العادات غير العقلانية أحيانًا تحمي المجتمع أو تقلل الفوضى أو تعطي معنى للمواقف الصعبة.



---

4. الخلاصة

> وجود عادات أو طقوس تبدو غير عقلانية لا يعني تخلف المجتمع، بل أنها مؤشّر على اللياقة الثقافية: قدرة الفكرة أو الممارسة على البقاء لأنها تناسب حاجات المجتمع، بيئته، وتفكيره الجمعي.




الخميس، 27 نوفمبر 2025

يوم واحد من الوعي


 "يوم واحد من الوعي"

 



في مختبرٍ مهجور، على منضدة ملطخة ببقايا تجارب سابقة، وقع حادث غريب لم يكن في الحسبان. ذبابة صغيرة، ضعيفة ومضطهدة، تسللت بين الخيوط العنكبوتية والناموس المزعج، لتجد نفسها أمام بقايا محلول غامض، صبّه عالم غريب الأطوار يُدعى خلطاويه، غاضبًا و سائماً من تجاربه. لم يكن خلطاويه يدرك مدى قوة هذا السائل الغامض، لكن الذبابة لم تتردد: شربت بضع قطرات، حتى ارتوت، وفجأة حدث المستحيل…

قالت الذبابة في نفسها: ما الذي يجري ؟ انا... أدرك ما حولي..اتلمس الوجود!؟



صارت الذبابة تعرف، تدرك، تفهم. تحول وعيها من غريزي بحت إلى ذكاء حاد، وإدراكٍ كامل للعالم من حولها. نظرت حولها، وحملت بين ساقيها عود أسنان صغير، مزّقت خيوط العنكبوت التي ظلت واقفة، شاهدة على قوتها الجديدة، وأدركت الطاقة التي استبدت بها…


خرجت الذبابة في مهمة انتقامية. لحقت بالناموس، ذلك الكائن المزعج، وخدعته بدهاء، حتى ظن أن هناك غذاءً أمامه. اندفع الناموس ووقع في فخ الذبابة، فامتصت منه السم الأحمر الذي اعتقده دمًا، ومات في لحظته مصاص الدماء الصغير. لقد أصبحت الذبابة  ذكيةً، قادرةً على قلب موازين القوى في عالم الحشرات الصغير.

ابتسمت الذبابة وقالت لنفسها: — العالم الآن جميل! لهذا يعيش البشر حيوات عديدة، ولديهم أفكار رائعة… المجد لهذا الوعي!

لكن سرعان ما سمعت الذبابة حكايات عن سقراط وذبابته الشهيرة، تلك الذبابة التي تزعج كل من حولها وتغيّر مجرى الأفكار والمجتمعات. ربما أرادت أن تقول للعالم خلطاويه: "انظر، أنا أفهم… أنا أدرك."

 


لكن خلطاويه، الغارق في غروره البشري وعدم فهمه لما خلق، لم يتقبل رسالة الذبابة. أمسك بالكتاب الأقرب إليه، وضربها بضربة واحدة… ووقعت الذبابة ميتة على الأرض.

غادر العالم المختبر، وأطفأ الأنوار، تاركًا وراءه قصة ذبابة صغيرة، كانت ليومٍ واحد فقط، قادرة على التفكير والفهم والتغيير… لكنها لم تجد من يفهمها.


 
النهاية.
 

الثلاثاء، 18 نوفمبر 2025

رحلة ابن سعيد الضحاك

 (رحلة ابن سعيد الضحاك )

كان النهارُ يجمع فتات ضوئه من الأفق حين عدتُ إليكم، أحمل على كتفي ظلَّ مغمومة؛ تلك المرأة التي تركت في قلبي حزنًا مقيمًا، كأنه ختمٌ لا تَمحوه السنون. وما إن هدأ العرق على جبيني حتى صادفتُ ابنَ سعيد الضحّاك—الرجل الذي خان اسمه منذ خرج إلى الدنيا.

كان واقفًا عند حافة الطريق، لا كمن ينتظر صديقًا، بل كمن يتهيّأ لمعركةٍ صامتة. وما إن رآني حتى هزّ رأسه بتبرّمٍ يعرفه كلُّ من جرؤ على الاقتراب من طباعه. تقدّمتُ نحوه، فرماني بنظرةٍ حادّة كأنني أحمل ذنبًا لم أفعلْه، ثم قال بصوتٍ مائلٍ إلى المرارة:

"أسرفتَ في جلد ذاتك…
تُصرّ على رسم وجهٍ لليأس، وتمحو كلَّ أثرٍ للأمل.
فمن أين يأتي الضوء لصفحةٍ قررتَ أنت أن تطليها بالسواد؟"

كان كلامه كحجارةٍ صغيرة تُقذف على نافذةٍ خالية—تُحدث ضجيجًا، لكنها لا تغيّر سكون المكان. والأغرب أنّ الغضب كان يشتعل في صوته، غضبٌ يُخاصم اسمه كما لو أن القدر كتب عليه أن يعيش في مفارقةٍ دائمة. فالضحّاك لم يعرف الضحك يومًا؛ جبينه موطنٌ للسحاب، وضلوعه بيوتٌ للضيق.

وهكذا البشر: أسماؤهم أقنعة…
هديل لا تُغرد إلا عند الشكوى،
وسعيدٌ يطوي حزنه في جيبه كرسالةٍ سرّية،
وغانم لم يغنم إلا الخيبة وما تخلّفه من ندوب.

تأمّلتُ ابن سعيد طويلًا، فرأيته نسخةً مكثّفة من مجتمعٍ يجيد تلميع وجهه قبل أن يقف أمام الناس، بينما يخفي في صدره شقوقًا لا يراها إلا من اقترب كثيرًا. كان واحدًا من أولئك الذين يُتقنون التمثيل؛ يُظهرون ما لا يُبطنون، يمارسون التقية الاجتماعية كأبناء الظلّ، لا أبناء النهار.

وحين كان الليل يهبط على الرمال كعباءةٍ ثقيلة، قفز إلى ذهني سؤالٌ غريب:
من الذي يحفر الأنفاق في الصحراء؟
من الذي يهرب من الضوء ويتقن التخفي؟
لم أجد إلا جوابًا واحدًا: اليَربوع… تمامًا كما يفعل بعض الناس.

وقف ابنُ سعيد أمامي أخيرًا، كتفاه مشدودتان كوتر قوس، وقال وهو يرفع صوته كحكمٍ في محكمةٍ بلا جدران:

"يا ابن مغمومة…
لا أوافقك الطريق الذي تسلكه.
تُشنّع على المدن كلها، وكأنك تحمل غربالًا لا يحفظ من الناس إلا عيوبهم.
أيعقل أن تدخل مدينةً كاملة ولا تجد فيها وجهًا واحدًا يشبه الخير؟"

تقدّم خطوة، وكان صوته يتأرجح بين الغضب والصدق:

"لن أصدق أن الشرّ يعمّ والخير يخصّ.
الحياة يا صاحبي ثنائية:
نورٌ وظلّ…
كسبٌ وخسارة…
ومن سلبك الخير قد يهديك درسًا،
ومن منحك الشرّ قد يدفعك إلى خيرٍ لم تتوقّعه."

ثم أشار إلى الأفق المظلم وقال:

"لا أحد يغادر المدن خالي الوفاض.
من مدينةٍ نأخذ جرحًا،
ومن أخرى نأخذ حكمة،
ومن ثالثةٍ نأخذ إنسانًا واحدًا يكفي ليقول لنا: ما زالت الدنيا بخير."

ثم ختم كلامه بجملةٍ هزّت المرآة التي أحملها في داخلي:

"أما أن تعود من كل مدينة بالسوء وحده…
فهذا ليس حكمًا على الناس،
بل حكمٌ قاسٍ على نفسك."

مدينة صوفي

ما رواه لكم ابنُ مغمومة عن المدن لم يكن إلا ظلًّا باهتًا لا يمسّ الحقيقة. لقد خنق الجمال لأن الجمال مرآةٌ تكشف الإنسان أمام نفسه، وهو رجلٌ إذا مرّ على روضة، حسبها مقبرة؛ وإذا لاح له طيفُ أملٍ ظنّه خداعًا من سراب بعيد. أطال المكوث في موّال الحزن حتى صار صوته نشيدًا من شقوق الروح، وكل من يقرأ حروفه يفرّ كمن يتعقّبه شبحٌ لا يعرف الرحمة.

أمّا أنا… فقد دخلتُ مدينة صوفي ذات مساء، وكانت من المدن التي تُفتح أبوابها بالسكينة لا بالمفاتيح.
الهواء فيها معجونٌ برائحة الكتب القديمة، ورذاذ المطر الأوّل، والأنفاس التي أطلقتها الأرواح في لحظات صفاء نادر.

في إحدى زواياها رأيتُ رجلاً جالسًا، مطبق اليدين على صدره، لا من قيد بل من فرط التأمّل. كان الهدوء يتسرّب من جسده كما يتسرّب الضوء من قنديلٍ قائم في آخر الليل. أشار بعض المارّة إليه بوجل:

— ذاك… ابن عربي.

تقدّمتُ نحوه، وكانت كتبه تفترش الأرض من حوله، تلمع صفحاتها كلّما داعبتها شمس الظهيرة. قدمت نفسي بصوت خفوت:

— أنا ابن سعيد الضحّاك.

فرفع رأسه وقال بصوتٍ كالماء الرقراق:

> “أجمل ما ذُقتُ… أن تنفتح العين على جمال الخلق، فتراه دليلاً يهمس باسم الخالق. كلُّ بهاءٍ في الوجود إنما هو شرارةٌ من نوره، وصدى من جماله.”



واصلت سيري.
هناك، في ناحية يغشاها نورٌ رخيم ينزل على مهل كأنه منسوخ من صفحة ملكوتية، رأيت شيخًا منكفئًا على سجادته، مصحفٌ بين يديه وصمتٌ حوله يشبه أنفاس طفلٍ نائم.

قال المريدون:

— هذا جلال الدين الرومي.

اقتربت، فرفع رأسه، وخرجت الكلمات من فمه كأنها آيات تتلو نفسها:

> “أنا خادمُ كتاب الله ما دام في صدري نورُ نفس.
أنا ذرّة تراب على طريق محمد، المختار من بين الخلق.
فإن جاء من يحيد بكلماتي عمّا أردتُ…
فذلك قلبٌ ضلَّ عن الطريق؛
أعتذر منه،
وأتركه لرحمة الحقّ تمحو ما قال.”



خرجتُ من مدينة صوفي وأنا أعلم أنها ليست مبنيّة من الحجر، بل من المعنى. تدخلها بأقدامك، وتخرج منها بقلبٍ آخر…
إلا ابن مغمومة؛ فقد كان الحزن يمسك بثوبه كلما حاول الرحيل.


---

لكن شهادتي الكبرى لم تبدأ إلا عند باب خراسان.

كانت الريح تجرّ غبارًا بلون النحاس، والناس يفترشون الأزقّة ينتظرون شيئًا يشبه النبوءة. وهناك… عند أصل الباب العظيم، رأيت ما يخلع القلب من مكانه.

الحلّاج.

مصلوبًا كطائرٍ كُسِر جناحه، لكن في عينيه بقية نور لا يقدر أحد على إطفائها. آثار السياط خاطت ظهره بخيوط من نار، وسلاسله ترتجف كأنها تسأل السماء: أيُّ ذنب يرتكبه شاعرٌ أحبّ الله حتى بكاه؟

ومع ذلك…
كان ينشد.

رفع رأسه نحو العلوّ، كأن بينه وبين السماء عهدًا لا يسمعه سواه:

> واللهِ ما طلعت شمسٌ ولا غربت
إلا وحبُّك مقرونٌ بأنفاسي…



تردّد صوته في الشوارع.
بعض المارّة بكى، بعضهم أخفى ارتعاش شفتيه، وأنا — ابن سعيد الضحّاك الذي لا يلين — ترقرق الدمع في عينيّ، لا من الألم بل من جمالٍ يشقّ الروح نصفين.

والسماء تستمع.
والناس يترجمون شعره إلى بكاء.

ثم دوّى الطريق بموكب المقتدر العباسي، يفتح الأرض كما يُفتح كتاب مكتوب منذ الأزل. غير أن الحلاج لم يلتفت، لم ينظر، لم يخش. ظلّ يسكب شعره على الظلام كأنه يسكب نورًا من جهة أخرى.

وكنت قد عزمت أن أغادر المدينة ضاحكًا، أحمل شيئًا من البشر، وأترك خلفي صوفي خفيفة كالنسيم.
لكن الحلاج — في صموده، في نزفه، في نشيده — أعاد ترتيب ما في داخلي.

خرجت من باب خراسان، وصوتُه يتردّد في صدري كنبضٍ ثالث للقلب.
ومضيت أقول:

لن تعرف السعادة… حتى تمرَّ على نار الأحزان.
فيا نارُ كوني بردًا وسلامًا على كل روحٍ ذاقتك،
علّها تعود أقوى… وأصفى… وأقرب إلى الله.

 

مدينة المذهبي!!

بعد أن غادرتُ مدينة صوفي، لم أُلْقِ عصا الترحال كما يفعل المنهكون، بل وجدتني أسير في دربٍ يقودني إلى مدينةٍ لا أعرف لها اسمًا ولا وصفًا، مدينة كأنها خرجت من ضلع الغيب. كنت أعلم يقينًا أن ابن مغمومة، ذلك الرحّالة القنوط، لم تطأها قدمه؛ فلو اقترب منها لنفرت منه كما تنفر الوحوش من زئير الأسد.
فهو رجلٌ إذا رأى الوردَ بحث عن شوكه، وإذا رأى النورَ غطّى عينيه خشية أن يراه. ولو دخل هذه المدينة لمرّ عليها مرور الغريب الذي لا يرى إلا انعكاس ظله الأسود.

كنت غارقًا في بحرٍ من الأفكار تتلاطم في رأسي كأمواجٍ غاضبة، حين بلغني صوت رجلٍ يتحدث بصوتٍ جهوريٍّ ناصع النبرة، يقول:
"ابنُ المذهبي جرّب كل مذهب، وما ضاق به أحد. أمّا ابنُ مغمومة فقد لقيه… لكنه تجاهله، لأنه لا يشبه رؤيته الضيقة للعالم."

توقفتُ، كمن يُنتشل من غرقٍ آتٍ، والتفتُّ نحو صاحب الصوت. كان رجلاً ذا ملامحٍ أرهقها السفر وأضاءتها الحكمة، فاقتربتُ منه وقلت:
"يا أخا العرب… من ابنُ المذهبي هذا الذي تذكره وكأنه أسطورة؟"

أشار الرجل بيده إلى قمة هضبةٍ قريبة، كأنها كتف الأرض المشرئب نحو السماء، وقال:
"على تلك الرأس الشامخ، سترى رجلاً جرّب المذاهب كما يُجرَّب الملح في البحر… ثم عاد نقيًا كالماء الأول."

ضحكتُ في سرّي ضحكة المتعجب، وقلتُ لنفسي:
"كيف يجرب كل شيء… ويعود نقيًّا؟ أهو رجل أم لغز من ألغاز الوجود؟"

انطلقتُ نحوه اندفاع السهم الخارج من جرابٍ صنعته يدُ القدر. كانت الصخور تحت قدميّ تُصدر صوتًا خافتًا، كأنها تُحدّثني بلغة القدماء الذين مرّوا من هنا. والريح تصطدم بوجهي كمن يحاول ردّي، كأنها تقول:
"ارجع… فالطريق ليس لمن يجهل ما ينتظره."

ولكني مضيت، مدفوعًا بفضولٍ يشبه العطش حين يجد الماء بعيدًا ولكن ممكنًا.

وحين بلغتُ القمة، رأيته…
رجلٌ يجلس فوق صخرةٍ تشبه عرشًا نحتته الرياح، ظهره مستقيم كقوس، ووجهه ساكن كمرآة بركةٍ لا تهتز.
كان فيه شيء من الهدوء الذي يأتي بعد بكاءٍ طويل، وشيء من الضوء الذي يأتي بعد عتمةٍ ثقيلة.

حتى وإن عرف عنها ابنُ مغمومة، فلن يكشف النقاب عنها؛ لأنه يجهل اليين واليانغ… ذلك المفهوم الصيني الذي تعلّمته في رحلتي إلى الشرق البعيد، حيث رأيتُ كيف أن الإنسان هناك يرى في السواد بياضًا، وفي البياض سوادًا، وفي القبح جمالًا، وفي الجمال قبحًا.
هناك أدركتُ أن الشوكة ليست عدوًا للورد، بل هي حارسه، وأن النعمة ليست دائمًا وردة، فقد تُخفي شوكتها في قلبها.

جلستُ بالقرب منه على الصخرة التي تشبه محرابًا، لكنه قال لي دون أن يدير رأسه، وكأنه يرى ما خلف الوجود كله:

— أتيتَ إلى مدينة المذاهب؟
أنا من جرّب كل طريق، وسلك كل درب، وشقّ كل عسيرٍ حتى يظفر بالخلاص… ثم عاد كما هو.
أنا ابنُ المذهبي…

سكت قليلًا، كأنه يمتحن قدرة الريح على حمل صوته، ثم تابع:

— سوف تتعجب أني طرقتُ بابَ التسنّن، والتشيّع، والاعتزال، والتصوّف، والإباضية… وبالنهاية عدتُ مسلمًا كما ولدت.
لا أكثر… ولا أقل.

قلتُ وأنا أبتسم، والدهشة تعضّ شفتي:

— ألم تتأثر بواحدٍ منهم؟ أليس في اتساع الطرق ضياع، وفي كثرة المذاهب ميلٌ للانحياز؟

ابتسم ابنُ المذهبي، وبدت ابتسامته كأنها حكمة تتجسد في ملامح بشر، وقال:

— أنا إنسان… تأثرت بالطبع.
ففي كل مذهب جودةٌ في باطنها سيئة، وفي كل سيئةٍ جودة.
الطريق يا صاحبي ليس في اختيار ما تراه صحيحًا… بل في معرفة ما يجعلك أصدق مع نفسك.

بقيتُ جالسًا أمامه، متقرفصًا، حتى كدتُ أشعر أن الدم توقف في ساقي، وكأن الفالج يطرق أطرافي، لولا أنه مدّ بصره إلى الأفق وقال:

— انهض… واذهب راشدًا.
حان الوقت لأصلي لربي وأخلو إليه.
ثم نهض بخفةٍ لا تشبه سنين الأسفار، وقال وهو يبتعد:
— فالدين… عملٌ بالقلب واليد. لا باللسان.

وقفتُ أراقبه حتى غاب بين الصخور، وكأن الأرض ابتلعته أو أخفته كما تخفي الأم طفلها من برد الليل.

وحين خرجتُ من المدينة، لم أكن كما دخلت.
لم يعد قلبي يبحث عن مذهبٍ يسنده، بل عن دهشة تضيئه.
رأيتُ جمال الإسلام يتجسد في تفاصيل صغيرة لا نلتفت إليها:
في حياء نسمة، في انكسار ضوء، في سجود رجل لا يراه أحد.

وبينما أسير، تجسدت أمامي لوحةٌ تشبه اليين واليانغ نفسها:
في كل قبحٍ جمال،
وفي كل جمالٍ قبح…
وفي التناقض… اكتملت الصورة.

ومضيتُ في طريقي، أدرك أن الحقيقة ليست شيئًا نصل إليه…
بل شيئًا نراه حين نُطهّر أعيننا من ظلال أنفسنا. 


مدينة الفلاسفة 


ما إن خلفتُ مدينةَ المذاهب وراء ظهري حتى شعرتُ كأن الطريق يدور بي دون قرار،
أضرب أخماسًا في أسداس، كأن عقلي خيمةٌ اقتلعها رياحٌ شرقيٌّة عاتية.
وكانت الشمس عند ميلها، تصبغ الأزقة بلون العِتق، حين سمعتُ أصواتًا تتعالى في سوقٍ لا يهدأ.

اقتربت شيئًا فشيئًا، حتى رأيتُ حلقاتٍ من الناس متشابكةً كعشّ دبابير،
وفي مركزها عراكٌ بين شبابٍ بوجوه يشتعل فيها الجدال،
يتقاذفون الكلمات كما تتقاذف الأمواجُ خشبَ السفينة في ليلةٍ بلا قمر.
فسألتُ عابرًا: ما شأنهم؟
قال:
"اختلفوا في من هو الأسمى: الفارابي أم ابن سينا؟
هؤلاء طلبةُ الفلسفة في الجامع القريب، وهنا بوابة مدينة الفلاسفة والمناطقة."

رفعتُ بصري، فرأيتُ على باب المدينة نقشًا مطرّزًا بخطٍ كوفيٍّ بديع:
"مدينة العقل ومصفاة الحكمة."

قادوني إلى السوق حيث قيل إن الفارابي يجلس،
ولما وصلت إلى زاويته، وجدته راكعًا على عوده،
يداعب أوتاره كما يداعب النسيمُ خدّ النخلة،
وأمامه أوراق متراكمة يخطّ فيها كتابه "الموسيقى الكبير".
وكانت عينه فيها هدوء فيلسوف لا تهزّه العصور،
وسكينته من ذلك الطراز الذي لا يُشترى ولا يُتعلم… بل يُولد مع صاحبه.

دنوت وقلت:
"أنا سعيد ابن الضحّاك… لا يبتسم قلبي إلا لرؤية الفلاسفة والعباقرة."

رفع رأسه، وفي عينيه نور يشبه فجرًا يتكوّن:
وقال:
"لا سبيل إلى السعادة إلا بالفضيلة."

ثم عاد إلى أوراقه وهو يتمتم بصوتٍ هادئ كالمطر:
"غاية الموسيقى أن تهذّب الأخلاق،
وتوقظ في الإنسان الانفعال الذي يرفعه لا الذي يهوي به."

قلت له:
إن رجلًا يدعى ابن مغمومة يزعم أنكم لم تُنتِجوا جديدًا،
بل حملتم ميراث الإغريق، فعربتموه وأسلمتموه لا غير.

تبسّم…
تلك الابتسامة لا تزال معلّقة في ذاكرتي كجرسٍ لا يتوقف عن الرنين.
وقال:
"الفلسفة ليست وقفًا على أمةٍ ولا نسبًا يُورث.
الإغريق سمّوا العلم باسمه،
أما جوهره فكالطير يرحل،
وكالدجاجة تبيض كل يوم…
وكل بيضةٍ حكمةٌ لمن ظفر بها."

لم أكد أفرغ من دهشتي حتى سمعت جلبةً أخرى،
أصوات ركض، صياح، أقدام تختلط ببعضها،
فاستفسرتُ، فقيل:
"يبحثون عن رجلٍ مطارد… يسمّونه ابن سينا."

ضحكت في سرّي:
هل يخفى ابن سينا؟
ذاك الذي يعرفه الشرق كما تعرف النخلةُ ظِلّها!

وأنا غارقٌ في دهشتي،
إذا برجلٍ ملثمٍ يقف بجانبي،
عينيه تلمعان من تحت الغطاء،
وعرفته قبل أن ينطق—هو ابن سينا نفسه.

وضع كفه على فمي وقال بلغةٍ تفيض قلقًا:
"إياك أن تنطق باسمي!
لقد غيّرته هنا… الدهماء لا تفهم العقول التي تسبق زمانها."

أزحت يده وهمست:
"ابن سينا العظيم… مطارد؟!"

قال وهو ينفض عن كتفيه غبار التعب:
"الوهم نصف الداء،
والاطمئنان نصف الدواء،
والصبر أول خطوات الشفاء."

ذكرت له دعوى ابن مغمومة حول أصالة الفلسفة الإسلامية،
فرفع رأسه كمن ينصت لهمس السماء،
ثم قال:
"العقل لا يكتمل إلا إذا عرف حدوده…
وما عرف حدوده إلا من جاوزها أولًا."

تركتُه وقلبي يثقل بأسئلته…
وما هي إلا خطوات حتى وقعت عيناي على مجلسٍ عامر،
في وسطه رجلٌ بملامح حكيم من الشرق: ابن طفيل،
يحكي قصة حي بن يقظان،
والطلبة حوله كالعصافير حول كفّ من الحبوب.
وعلى طرف الحلقة وقف ابن رشد،
يردّ عليه قائلًا بصوته الحاسم الرقيق:

"العقل لا يعارض الشرع،
بل الشرع يدعو إلى النظر بالعقل."

عندها أدركت ما لم يُدركه ابن مغمومة:
أن الفلسفة الإسلامية لم تكن ظلًا باهتًا لماضٍ إغريقي،
بل كانت شجرةً نبتت من ترابها،
سُقيت بنهر الوحي،
وتغذّت بريح العقل،
وصمدت في وجه عواصف التعصب.

وأدركتُ—كما يدرك المسافر حقيقة الطريق بعد ضياعه—
أن دواء كل تعصب: فلسفةٌ عادلة،
وأن طريق اليقين لا يُفتح إلا لمن يجرؤ أن يجرب الشك.


مدينة خرافة


ما إن طويتُ صفحة مدينة الفلاسفة خلف ظهري، حتى انفتح أمامي أفقٌ غارق في ضبابٍ كثيف، كأن السحاب قرّر أن يهبط إلى الأرض ليستقر فوق مدينة تحيط بها أسوارٌ عالية كأنها وُلدت من صخر الزمن.
كانت أبواب الحصن مفتوحة على اتساعها، لكن الظلمة التي تتسرّب منها كانت حالكة كجناح غراب، تُطفئ البصر وتبلع الخطوات.

لم أقطع سوى أمتار قليلة حتى رأيت رجال العسس يجوبون الأزقّة، يفتّشون الحجارة والوجوه والظلال.
وما إن وقع بصرهم علي حتى انقضّوا كمن وجد ضالته، وصاح أحدهم:

"لن تفلت منا يا خرافة!"

تخبّط قلبي، وقلت وأنا أحاول الإفلات من قبضاتهم الثقيلة:
"أنا سعيد بن الضحّاك… من قرية أُضحوكة!"

قهقه أحدهم وقال مستهزئًا:
"وأين تقع أُضحوكة؟ في بلاد القهقهة؟"

وأضاف آخر وقد ضاق صدره:
"كفّ عن نسج القصص يا خرافة!"

ولم يتركوني حتى جاءهم صوتٌ بعيد يهتف:
"قبضنا على خرافة!"
فأفلتوني واندفعوا نحو مصدر الصوت، وتركوني أقف وسط الظلام كمن نجا صدفةً من فم الوحش.


---

سرتُ بعدها مسافةً لا تبلغ فرسخًا، والقلق يعلك أفكاري:
من يكون هذا الخرافة الذي يطارده العسس في جوف الليل؟

لم أجد مأمنًا إلا خانا مفتوحًا، فدخلته لعلّه يخبّئني عن العيون.
وما إن أغلقت الباب خلفي حتى ظهر رجلٌ كان جالسًا في الزاوية، نزع لثامه ببطء وقال بصوت واثق:

"أأنت غريب؟"

أجبته:
"أنا سعيد بن الضحّاك..."

قهقه بخفة وسأل:
"وما آخر طرفة لديك يا سعيد؟"

قلت متنهّدًا:
"أن العسكر يبحثون عن رجل يسمّى خرافة!"

نظر إلي نظرة جانبية، ثم قال مبتسمًا:
"وأنا خرافة الذي يبحثون عنه."

شهقتُ دهشة وقلت:
"فسّر لي ما الذي يجري هنا؟"

جلس مستندًا إلى الجدار، وانحنى صوته نحو الحزن:
"أنا ملاذ كل مكروب… وراحة كل قلب غاص في التفكير حتى الغرق.
كنتُ أروي لأهل المدينة حكاياتٍ تخفّف عنهم وطأة الواقع، فصاروا يلجؤون إليّ كما يلجأ العطشان إلى الماء.
حتى علم الحاكم علموي بأمري، فادّعى أني أنشر السموم التي تُعطّل العقول، وأصدر أمرًا بسجني."

تأملتُه طويلًا وقلت:
"جمعْتُ طرائف العالم للجاحظ… وما رأيت طرفةً أكثر مأساة منك."

ألقى نظرة سريعة حول الخان وقال بصوت خفيض:
"الحاكم وضع مكافأة لمن يأتي بي… لكنك غريب لا مطمع لك، ورأيت فيك صدقًا ندرت رؤيته.
أريد منك أن تهرّبني من هذه المدينة."

قلت مطمئنًا:
"سأصنع لك معروفًا تذكره في كل أساطيرك… لكن قل لي: ما دورك الحقيقي؟ ولماذا يخافك الحاكم؟"

ابتسم ابتسامة العارف وقال:
"كنتُ وزيرًا… وزير الراحة.
حين يثقل المجتمع بالهموم كنت أسدّ الخانة وأفتح لأهله نافذة أمل.
الخرافة ليست كذبة يا سعيد… إنها استراحة للعقول التي أرهقها الصدق المفرط.
وكل مجتمع يحتاجني، مهما ادّعى أنه تخلّص مني."

ضحكت وقلت:
"وفي كل مجتمع… تظلّ هاربًا؟"

ردّ وهو يتلفّت كمن يسمع خطوات قادمة:
"لن تفهم تمامًا دوري… إلا عندما تتكشف المدن أمامك، وتعرف أن الحضارات لا تعيش بالعقل وحده."


---

خرجنا من مدينة الخرافة بعد أن خلّصته من العسس، وصار رفيق رحلتي نحو المدن الآتية.
كنتُ أظن أن الخرافة كلمة يسهل محوها، لكنني رأيت فيها ما يشبه الدواء المُرّ: نحتاجه في الملمات، حين تضيق الحياة ولا يتّسع صدر العقل لكل شيء.

وهكذا مضينا معًا… أزيحُ الغموض عن المدن، ويزيح هو الغموض عن الناس.

خيبة العالم

بعد أن أدرت ظهري لمدينة خرافة برفقة سيدها، انغمسنا في مدينة أخرى، دروبها متعرجة كأعصاب الأرض، وأزقتها ملتوية كأنها متاهة لا ترحم الداخلين؛ من يخطو فيها صعب أن يجد له مخرج.

في قلب هذه المدينة، رأينا رجلاً جالسًا على صخرة، صمته يشبه صمت التمثال المفكر. استرعاني منظره، فاندفعت نحوه سائلاً:
— ماذا بك يا رجل؟

رفع عينيه نحوي، ونطق بصوت هادئ لكنه حاد:
— خيبة العالم… لقد بلغ الإنسان من الحضارة أفقًا بعيدًا، متجاوزًا اللامعقول. استأنس العلم ونظم العالم، لكنه في ذلك طرد الروحانية التي كانت تغمر قلبه… وهذا سبب الخيبة.

نظرت إلى خرافة، فأومأ برأسه، ثم قلت له:
— وما هو ردك أنت؟

ابتسم خرافة بخفة، ونظر حوله بعينين تعكس عمق فهمه:
— من يريد أن يعيش بلا قصة، لن يجد له مكانًا في الحياة. القصة ليست مجرد تسلية، بل هي منسوجة في حمضنا النووي، والخرافة جزء من هذا النسيج. الإنسان كائن خرافي، يقتات على الخرافة، ليس لأنه مغفل، بل لأنه يبحث عن معنى، عن ما يملأ فراغ وجوده…

فجأة، سُمِع صوت خطوات تقترب منا. تقدم رجل، وقدم نفسه:
— أنا اسمي وجود… سمعت حديثكم، ولفت نظري كثيرًا. لدي رأي: الإنسان هو من يعطي لحياته معنى، هو من يغزل خيوط محيطه، ويلملم شتات نفسه بفكرة يتشبث بها.

تقدم خيبة العالم، وقال بصوت مليء بالحرقة:
— الأزمة التي أشعر بها، جئت من غياب الروحانية… تحاصرني المادية من كل اتجاه…

ابتسمت بخفة، وتذكرت  ابن مغمومة لما كان في مدينة القط السمين، و هو الذي لم يقدم سوى كشف المثالب، بلا أثر إيجابي. ثم قلت له بهدوء:
— الإنسان دون تجربة روحانية، ودون خيبات، لن يحقق ما يريد ولن يتطور. البحث عن ما يتصوره خير من البقاء مكتوف الأيدي…

نظر إلي مليًا، وكأن كلماتِي أزالت جزءًا من حمله الثقيل، وأخذت في قلبه صدى من الراحة.

خرجت من المدينة، تاركًا خرافة في وسطها، لأن دوره هناك مهم، لإعادة الاتزان إليها. فقد أدركت أن الحياة بلا خيبات، لا تستمر…

الأربعاء، 22 أكتوبر 2025

مشاوير ثقافية

 مشاوير ثقافية 

 

المجد لله في الاعالي!!

 
في القاهرة، قلتُ لأخي يزيد، الذي كانت خبرته بالمدينة كالعجين الطري لم تسخن بعد في فرن التجارب والرحلات:
– علينا أن نمضي إلى وسط البلد.

ابتسم وقال بحماس طفل يكتشف مدينة أسطورية:
– أريد أن أتعرف على القاهرة حقًا.

ركبنا سيارة تاكسي، وكان السائق نحيلًا، كأن جسده يشكو من قِلّة القوت وطول الطريق. بدا صغيرًا على مقعد القيادة، ومن فوق المرآة الداخلية تدلّى صليب صغير بجانبه تمثال لمريم العذراء. في المقابل، كانت داخل السيارة زينات ملونة وأضواء تومض كأننا في مدينة ألعاب لا ينقصها سوى قطع التذاكر.

فتحتُ معه باب الحديث وسألته:
– كيف ترى مصر بعد الثورة؟

أجاب وهو يحدّق في الطريق أمامه:
– مصر تغيّرت كثير... لم تعد هي مصر التي كانت.

كنا في تلك الأيام بعد الثورة ضد حكم الإخوان، لكن السائق سرعان ما انعطف في حديثه إلى ما يشغل باله أكثر، وقال بصوت مائل إلى الحكمة:
– الإخوان طيبين، لكنهم مش رجال سياسة. السياسة محتاجة مناورة ودهاء، وده ما كانش عندهم.

قلتُ له متسائلًا:
– لماذا ذكرت الإخوان؟

ابتسم ابتسامة خفيفة وقال:
– يمكن عشانك لاحظت الصليب وتمثال مريم وعرفت إني قبطي. أنا فعلًا مسيحي، وبقولها بفخر. لكن الصراحة؟ الإسلام دين جميل في التعامل، دين أخلاق ورحمة. بس دخول الدين في السياسة؟ دي كانت غلطة كبيرة... وده اللي أوقع الإخوان.

كانت السيارة تمضي تشق شوارع القاهرة من التجمع الخامس إلى حي الحسين، بينما الصليب الصغير يتأرجح مع هواء المكيف، كأنه يهمس:


«الْمَجْدُ للهِ فِي الأَعَالِي، وَعَلَى الأَرْضِ السَّلاَمُ، وَبِالنَّاسِ الْمَسَرَّةُ"».

وما إن اقتربنا من الحسين حتى بدأت المآذن تعلو بالأذان، والناس تتقاطر من الأزقة لأداء صلاة العشاء.و كأن المآذن تردد الآيات القرآنية :

 

(ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون).

 
وقفنا هناك، بين صوت المؤذن وصلبان المرايا، بين نور المئذنة ولمعان العذراء، فشعرتُ أن القاهرة — هذه المدينة المتعبة الجميلة — لا تزال تعرف كيف تُصلّي بطريقتها الخاصة، وكيف تجمع المختلفين في قلبٍ واحدٍ نابضٍ بالحياة.

 

***

 

أوسخ شعب!!


ركبتُ سيارة أجرة في قلب القاهرة.
كان السائق رجلاً ممتلئ الجسد حتى إن الكرسي الذي يجلس عليه اختفى تحت وزنه. صوته أجشّ غليظ، لكنه يخفي خلف تلك الخشونة روحًا مصرية دافئة… تلك الروح التي تمزج النكتة بالمرارة في آنٍ واحد.

ركبتُ أنا وأخي، ويبدو أنه ظنّنا من السودان — فلون البشرة أحيانًا يكفي ليحكم الناس على غيرهم قبل أن يفهموهم.
انطلق يكيل المديح لأهل السودان، وأنا بدوري قلدتُ لهجتهم مازحًا:
ــ «إييييي يا زول!»
فضحك، وراح يثرثر في السياسة قليلًا، ثم ينتقل بين أحاديث الشعوب والثقافات، يتناولها بخفةٍ لا تخلو من الجهل، كما يفعل كثيرون حين يظنون أن العالم مجرد دردشة على مقود سيارة.

راودتني فكرة فجأة، فقلت له مبتسمًا:
ــ طيب يا معلم، هقول لك أسماء دول، وانت قول رأيك فيهم.

قال: تمام يا باشا.

قلت: السودان؟
قال: «السودانيين طيبين أوي، بس حكومة الإخوان وحشة، هما ولاد النيل زيّنا.»

قلت: الأردن؟
قال: «حكامها من الهاشميين، ناس كويسين.»

قلت: سوريا؟
قال: «شعب مش فاهم، بس بشار كان رئيس كويس!»

قلت: الكويت؟
ضحك وقال: «كلها مصريين، يعني بلد كويسة جدًا!»

قلت: قطر؟
قال: «شعب كويس، حكومة سيئة.»

ثم سألته بابتسامة خفيفة:
ــ والسعودية؟

تغيّر صوته فجأة، وقال جملة جعلتني ألتزم الصمت:
ــ «أوسخ شعب على أطهر بلد.»

نظرتُ إليه طويلًا، ثم قلت بهدوء:
ــ ليه مش العكس؟ ليه مش كلهم طاهرين زي بلدهم؟

ردّ قائلاً وهو يهز رأسه:
ــ «هما بييجوا هنا عشان الملاهي الليلية بس، يسكروا... ويعملوا اللي ما يتقالش.»

صمتُّ، وتركت السيارة تمضي في طريقها بين زحام القاهرة، حتى بلغنا وسط البلد، قرب كوبري قصر النيل — كوبري العشاق، كما يسميه المصريون.

لم أجد معي فكة، فذهبت إلى كشك صغير وصرفت ورقة نقدية. عدت إليه وقلت له:
ــ تعرف كم الحساب؟
قال: «عشرين جنيه.»

ناولته المال وقلت بابتسامة خفيفة:
ــ حسابك واحد وعشرين، والجنيه الزيادة من «أوسخ شعب في أطهر بلد.»

تجمّد لحظة، ثم انفجر ضاحكًا وقال بدهشة:
ــ إنت سعودي؟! يا حبيب قلبي، ما كنتش صادق في كلامي!

قلت له:
ــ وانت ما خلتش لا صدق ولا كذب!

ضحكنا معًا، ثم مضى كلٌّ منّا في طريقه.
تركني وهو يلوّح بيده من نافذة التاكسي، وتركتُ خلفي حكاية أخرى من حكايات القاهرة…
المدينة التي لا تكفّ عن امتحانك، ثم تبتسم لك كأنها تقول: ما تزعلش، كده إحنا المصريين.

 

***

 

الأعشى في القاهرة!! 


في قاهرة المعزّ، كنتُ عائداً من مدينة نصر بعد جولةٍ طويلة في سيتي ستارز مول.
الليل كان يهبط ببطءٍ على المدينة، والهواء مشبعٌ برائحة البنزين وموسيقى أم كلثوم التي تتسلّل من المقاهي القديمة.
مررتُ بالقرب من المنصّة التي اغتيل عندها السادات، فتوقّفت لحظةً وضربتُ له تحيّةَ تعظيمٍ وسلام.
ليس لأنّي أعيش في الماضي، بل لأنّ التاريخ في القاهرة لا يموت، بل يتسكّع معنا في الشوارع كشيخٍ يعرف أسرار الجميع.

لكن دعنا لا نضيع، يا قارئي العزيز، في دهاليز السياسة،
فكما قال أرسطو: الإنسان حيوانٌ سياسيّ...
وأنا في تلك اللحظة لم أكن سوى دابّةٍ تائهةٍ تبحث عن وسيلة نقل.

أوقفتُ تاكسيًا صدئًا يقوده رجلٌ تجاوز السبعين،
كان وجهه خريطةً نحتها الزمن بمسامير التعب،
وعيناه مطفأتين كشمعتين ذابتا في عتمة الحياة.
ابتسم لي، أو ظننتُ ذلك، وقال بصوتٍ مبحوح:

> "اتفضل يا بيه... على فين؟"



انطلقت السيارة تشقّ الزحام في استسلامٍ رتيب،
وكلّ شيء بدا طبيعيًا... حتى دخلنا طريقًا معتمًا،
طريقًا لا يُرى فيه حتى ظلّ المصباح.

وفجأةً، صمت السائق، ثم قال بارتباكٍ خافت:

> "يا بيه... بص حضرتك، أنا ما بشوفش كويس بالليل... قولّي الطريق إزاي!"



تجمّدتُ مكاني.
سائق لا يرى!
ونحن في قلب القاهرة!
لم أجرؤ أن أقول شيئًا؛ فالرجل في عمر أبي، ولا يليق أن أعاتبه.

وهكذا وجدتُ نفسي — وأنا أرتدي نظّارتي —
أتحوّل إلى مرشد طريق كليل العينين لأعشى البصر!
أصف له الشوارع، وأشير إلى المنعطفات، كأنّني دليلٌ يقود القدر.

يا للمفارقة...
أن ترى بعينين مثقلتين بالعدسات،
وتقود من لا يرى،
في مدينةٍ لا يعرف أحدٌ فيها إلى أين يذهب بالضبط.

 

****

الأحد، 5 أكتوبر 2025

اليوم الخامس


 اليوم الخامس

انغمس مسعود في محبرة أفكاره، يسحب النبض من قلبه كما يُستنزف الدم من جرحٍ مفتوح.
كان يكتب بعصبيةٍ تشبه الحمى.
هل كانت مذكّراته؟ أم وصيّته الأخيرة؟
سؤال ظلّ يتأرجح في ذهن صفية الواقفة خلف الباب، بعدما طلب منها ألّا تطرق وألّا تدخل.

لم يعتد مسعود هذا الجنون، رغم أنه كاتب. كتاباته كانت نادرة، متقطّعة، كأنها محاولات بائسة لمصالحة ذاته التي لا تهدأ.
أما صفية فكانت تشعر بجمرٍ يلسعها تحت جلدها، جمرٍ لا يُطفأ، كأن البيت نفسه يتنفس من صدرها.

رنين الهاتف لم يتوقف.
ورغم قلقها على مسعود، مضت نحوه في الممرّ القصير المفروش بسجادة حمراء باهتة.
على الرفّ المزدان بمزهرية ذابلة، رفعت السماعة بيدٍ مرتجفة.

– ألو…
جاءها صوت رجل بعيد، متقطع الأنفاس:
– ألو… هذا منزل مسعود فالح؟
– صوتك بعيد… من يتحدث؟
تلعثم الصوت كمن يختنق:
– لدينا… من أجله… هنا…
ثم انقطع الخط.

تجمّدت صفية، تحدّق في الهاتف الصامت.
رفعت عينيها نحو التقويم على الحائط: ٥ ديسمبر ١٩٨٥.
توقفت اللحظة عن التنفس.

تناهت أصوات خافتة من غرفة الكتب، وقع أشياء تتناثر، فركضت نحو الباب.
وجدت الكرسي فارغًا، الأوراق مكدسة، الحبر ما زال رطبًا.
الخط واضح، لكنه غريب، كأنه كتابة وحيٍ لا تخص البشر.

رن الهاتف مرة أخرى.
– لدينا… من أجله… هنا…
ثم صمتٌ ميت.

همست صفية في نفسها:

> هل يكتب ما سيحدث قبل أن يحدث؟



تقدّمت بين الغرف، تبحث عنه.
لم تجده.
لكنها وجدت على الأريكة ورقة، كأنها سقطت من السماء:

> "الغيب عن المرء محجوب… والحاضر بين يديه موهوب…"



ثم طَرْقٌ على الباب.
ظلّ ثقيل يبتلع الصالة.
لم تجرؤ على الحركة.
كان الطارق بلا ملامح، بلا صوت، بلا زمن.

لمعت في ذهنها كلمات قديمة، من زمنٍ بعيد، من فم خالتها منيرة — أم مسعود — حين قالت:

> "يا صفية… البيت هذا مشؤوم.
من يوم سكنّاه وهو يطرد الخير من عتباته.
يقول أبو مسعود: ساحرٌ سكنه قبلنا، وأنا أقول: ليس ساحرًا، بل قبيلة من الجنّ تسكن الأساس.
أتعرفين ما حدث حين بنوه؟ دفنوا خروفًا أسود عند أول لبنة، حسدًا أو نذرًا، ومن يومها وكل من يسكنه يُصاب بخمس لعنات لأن البيت اعيد ترميمه في الخامس من ديسمبر من عام 1985 !"



ارتجفت صفية.
خطت إلى المرآة، نظرت إلى وجهها الشاحب.
هل هذه هي؟
شعرها اختلط بالرماد، وجبينها أثقله الوقت.
هل تشيخ لأن البيت يشيخ؟

وفجأة، سمعته — صوت مسعود يأتي من عمق الجدران:

> "الداخل إلى الدار مفقود… والخارج منها مولود…"



ارتعش جسدها.
هل هو صوته فعلًا؟ أم أن البيت صار يتحدث بلغته؟

تقدّمت نحو المطبخ، بخطواتٍ تحاول النجاة من الهواء الثقيل.
على الطاولة، قرب آلة تقطيع اللحم، ورقة أخرى ملطخة بدمٍ داكن.
الدم لم يجف.
كتبت بخطٍ يشبه خط مسعود:

> "سمعتُ صوتًا هاتفا في السحر… نادى من الغيب غفاة البشر…"



وقفت صفية، لا تعرف إن كانت تقرأ أم تُستَحضَر.
كل ما حولها بدأ يتنفس ببطء، كأن الجدران تراقبها.
حتى صمت المكان صار له نبض.

عادت بخطواتٍ مرتجفة إلى طاولة الهاتف.
لم يكن الجهاز هناك.
فقط الأوراق والصور القديمة.

رفعت بصرها نحو الجدار.
تجمّدت عيناها عند صورةٍ مشطوبة:
سماح — عمة مسعود.

ملامحها مطموسة بخطٍ أسود، لكن نظرتها تخترق العتمة.
وفي تلك اللحظة، انسكب صوتٌ في أذنها من جهةٍ لا تُرى:

> "البيت هذا لن يهنأ من يعيش فيه...
لأن فالح — أخوي — بناه من مال أبي،
وأخذ ما ليس له،
وأنا دعوت عليه... دعوة المظلوم لا تُردّ."



ارتجف الهواء.
تذكّرت المشهد القديم:
سماح تبكي عند الباب، بناتها حولها، وفالح — والد مسعود — يقف كطاغيةٍ لا يرحم.

> "أغربي عن وجهي أنتِ وبناتك!"



مضت سماح تبكي وتدعو:

> "الله لا يوفّق من ظلم… ولا من بنى على وجعٍ بيتًا."



ومنذ ذلك اليوم — أو ربما قبله —
لم يعرف هذا البيت سكينةً قط.

 

ثمة صوت غليظ انبثق من العتمة يقول لصفية:

> "ما رأيكِ فيما قرأتِ يا صفية؟"



ارتجف قلبها.
تعرف هذا الصوت — تعرف رنينه العميق، نبرته التي تسكن الذاكرة.
لكن... من أين يأتي؟
اقترب الصوت منها أكثر، كأنه يخرج من بين الجدران لا من بين الشفاه:

> "كنتِ بطلة في القصة يا صفية…
الأقدار ليست بيدي، ولا بيدك…
إنها بيد من كتب الكون أول مرة."



شهقت صفية.
كان الصوت صوت مسعود فالح.
زوجها الذي ظنّت أنه ضاع بين الحبر والجنون.
التفتت، فرأته جالسًا خلفها، بهدوءٍ يشبه الظهور بعد الغياب.
أمامها على الطاولة مخطوطة مفتوحة، عنوانها: "اليوم الخامس".

كانت قد غطست فيها حتى أذنيها، تقرأها كما ينزل الغريق في قعر الماء.
وحين أنهت السطر الأخير، شعرت أنها تنهض من غيبوبةٍ طويلة.

قالت وهي تتنفس بصعوبة:

> "ظننتها واقعًا… عشت فيه أحداثًا جسامًا…
رأيتك تكتب دمك، وسمعتُ الجدران تناديني بأسماءٍ أعرفها ولا أعرفها..."



ابتسم مسعود، ابتسامةً هادئة فيها صفرة تعبٍ قديم:

> "القصة التي لا تعيشينها بكل جوارحك، ليست قصة يا صفية.
الكتابة ليست حبرًا، بل حياة أخرى نحترق فيها لنعرف من نكون."



تطلعت إليه بعينين لا تزالان معلقتين بين الحقيقة والوهم:

> "هل البيت مسحور؟
أم محسود؟
أم أن دعوة العمة سماح ما زالت تطاردنا؟"



خفض عينيه نحو الأوراق، كمن يسمع صوتًا من مكانٍ آخر.
قال بصوتٍ خافتٍ متردّد:

> "ربما... لست أدري."



صمتٌ ثقيل سقط بينهما.
الهواء صار باردًا، والبيت تنفّس ببطءٍ غريب.
على الجدار، ساعةٌ قديمة توقفت عقاربها عند الخامسة تمامًا.

رفعت صفية رأسها نحو مسعود… فلم تجده.
فقط الكرسي الفارغ، والمخطوطة المفتوحة على السطر الأخير:

> "الداخل إلى الدار مفقود، والخارج منها مولود..."



وبينما كانت عيناها تتسعان، سمعت صوته من جديد — هذه المرّة من داخل الجدار:

> "اليوم الخامس لم ينتهِ بعد يا صفية..."



النهاية

الخميس، 11 سبتمبر 2025

شيكو

 

 


 

 

كان شيكو طفلاً لا يعرف السكون، يملأ يومه باللعب والأحلام. وفي صباحٍ مشرق، خطرت له فكرة بدت عظيمة في ذهنه الصغير: أن يصبح بطلاً خارقًا يساعد الآخرين. فما كان منه إلا أن اندفع إلى غرفته، يفتش بين أغراضه بحثًا عن زي يليق بمغامرته الجديدة.

أخذ منشفته البنية ولفّها حول عنقه كأنها عباءة، ثم ارتدى بيجامته البنية، وأخفى ملامحه خلف قناعٍ بني صغير، وانتعل حذاءه البني أيضًا. وقف أمام المرآة برهة، يتأمل نفسه وكأنه يرى صورة بطلٍ جديد وُلد للتو، لكنه سرعان ما عبس وهو يتمتم:
ــ "لكن ما اسمي؟ كيف يعرفني الناس؟"

هرع إلى أمه التي كانت تتابع التلفاز بهدوء، ووقف أمامها بملامح جادّة تفوق عمره، قائلاً:
ــ "اتخذت قرارًا يا أمي… سأساعد الناس مثل سوبرمان وسبايدرمان وباتمان. لكن أحتاج إلى اسمٍ يليق بي."

رفعت الأم عينيها نحوه وابتسمت قائلة:
ــ "ما رأيك أن تكون شيكو الخارق؟ تمامًا كما أن سوبرمان هو الرجل الخارق."

أضاء وجه شيكو فرحًا:
ــ "فكرة رائعة! لكن… كيف سأساعد الناس؟"

ساد صمت قصير، ثم أرخى شيكو رأسه متفكرًا، حتى غلبته غشاوة عجيبة، فإذا به يجد نفسه محلّقًا في السماء. كانت المدينة تحت قدميه صغيرة مثل لعبة، والريح تعصف بثوبه البني وهو يتمايل بين الغيوم. فجأة تناهى إلى سمعه الخارق صوت استغاثة:
ــ "أنقذوني… النجدة! لقد سرق اللص حقيبتي!"

اندفع شيكو الخارق من عليائه، وهبط على اللص مثل نسرٍ جريء، وانتزع الحقيبة من يده. ركضت المرأة نحوه، شاكرةً ممتنّة، ثم أخرجت من حقيبتها قطعة شوكولاتة، وقالت بابتسامة:
ــ "خذ يا بطل… تستحقها."

التهم شيكو الشوكولاتة بسرعة، ومسح فمه ضاحكًا:
ــ "القوة الخارقة! عليّ الآن أن أسلّم هذا اللص إلى العدالة."

اقترب من اللص الذي كان ملقى على الأرض، وحاول أن يحمله، لكنه كان ثقيلًا سمينًا، فشعر بالعجز. عندها خطرت له فكرة غريبة: "سأضربه حتى يفقد وعيه!" وأخذ يلوّح بيديه الصغيرة ويعضه بأسنانه، حتى ارتفع صراخ الرجل يتوسل النجاة، والمرأة تصيح:
ــ "كفى يا شيكو، لقد قمتَ بالواجب!"

وإذا بالسماء تذوب من حوله والمدينة تتلاشى… ليفيق على صوت أمه تهزّه وتقول:
ــ "كفى يا شيكو! كنتَ تعض الوسادة وأنت نائم، وفمك ملطخ بالشوكولاتة. قم واغسل وجهك."

جلس شيكو فاغر الفم، يحاول استيعاب ما جرى، ثم قال لها بانفعال طفولي:
ــ "كنت أطير يا أمي! أطير مثل سوبرمان! ألم تقولي إن البشر لا يطيرون؟"

ابتسمت الأم بهدوء:
ــ "البشر لا يطيرون يا بني، كل من حاول سقط… ألا تذكر عباس بن فرناس الذي حدثتك عنه؟ لكن في الخيال يا شيكو، كل شيء ممكن. الخيال هو ما يجعل المستحيل واقعًا."

أطرق شيكو برهة ثم قال بجدية طفولية:
ــ "لقد ساعدت المرأة، وكانت كريمة، أعطتني شوكولاتة. أما أنتِ، فدائمًا تمنعينني عنها!"

قهقهت الأم ضاحكة وقالت:
ــ "أمنعك حتى لا تكون مشاغبًا لا يهدأ."

لكن شيكو أصرّ بعناد:
ــ "لكنني أريد الشوكولاتة… سأوزّعها على الفقراء، مثل الأمير الذي ساعد الفقير في قصتكِ. ستكون الحكاية: الأمير والفقير وشيكو!"

ثم رفع حاجبيه متسائلًا ببراءة:
ــ "لكن يا أمي… ماذا يعني فقير؟"

أشارت الأم نحوه بحنان وقالت:
ــ "اذهب إلى عمك سابيو الحكيم، ستجده قرب مكتبته… هو من سيشرح لك المعنى."

وهنا، ارتسم على وجه شيكو بريق مغامرة جديدة، وكأن الحلم لم ينتهِ بعد…

مضى شيكو نحو المكتبة بخطوات صغيرة يملؤها الفضول، لكنّه لم يجد عمَّه سابيو بين رفوفها الشاهقة. بدت له المكتبة أشبه بغابةٍ من الورق والحروف، والكتب مصطفّة كجنود لا نهاية لهم. وقف الصبي متأمّلاً، وعيناه تبحثان بين الأغلفة الملونة، حتى وقعت نظرته على كتاب يحمل صور حيوانات. مدّ يده بخجل ليمسكه، غير أنّ ما حدث بعد ذلك كان أعجب من الخيال؛ إذ تحرك كتاب آخر من تلقاء نفسه، وانزلق من بين الرفوف، وطار في الهواء كطائر غامض، حتى استقر بالقرب من شيكو المندهش.

وفجأة، انفرجت صفحاته ليخرج منها نور ساطع غمر المكان. سمع شيكو صوتًا عميقًا يصدح من بين الأوراق:
"أنا كتاب الحكايات… ادخل إلى جوفي، وستجد عوالم لا حصر لها من القصص!"

ارتجف قلب شيكو لحظةً، لكنّه سرعان ما تذكّر: "أنا شيكو… البطل الخارق! كيف أخاف؟" ثم تساءل في نفسه: "لكن إن دخلت… كيف سأخرج؟"

فأجابه الكتاب بصوت رخيم:
"إن قلتَ: افتح يا كتاب، فتحت لك صفحتي… وإن قلت: أغلق يا كتاب، أغلقتها وعدت إلى عالمك."

ظلّ شيكو يردّد الكلمات بين شفتيه، كمن يحفظ تعويذة سحرية:
"افتح يا كتاب… أغلق يا كتاب…"

وفي لحظة حاسمة، عقد عزمه وقفز داخل الكتاب. عندها راحت الصفحات تتقلب بسرعة هائلة، حتى انطبقت فجأة، وظهر على الغلاف عنوان مخيف:
"حكايات الغابة التعيسة."

دخل شيكو عالمًا غريبًا؛ غابة غارقة في العتمة، لا يضيئها سوى خيوط متفرّقة من ضوء القمر. هناك، لمح دُبًّا صغيرًا واقفًا عند جذع شجرة، وعلى صدره علامة صفراء لامعة كأنها مريلة أطفال. اقترب منه شيكو متعجبًا وقال ساخرًا:
– "يبدو أنك ما زلت صغيرًا!"

رفع الدب رأسه وهو ينبش في جوف الشجرة باحثًا عن الطعام، وردّ بحدة:
– "لا تسخر مني! اسمي شمس، أنا من دببة الشمس… وهذه العلامة الصفراء على صدري هي سرّ اسمي."

انفجر شيكو ضاحكًا:
– "دب يرتدي مريلة أطفال!"

فاشتعل وجه الدب غضبًا وزمجر:
– "إيّاك أن تقترب… وإلا ضربتك!"

ابتعد شيكو بخطوات مترددة، لكن بصره سرعان ما وقع على أشجار كثيفة محمّلة بالموز. اشتعل جوعه، وبدأ يأكل بنهم، حتى غطّت صرخات القردة المكان:
– "صبي يأكل الموز… صبي يأكل الموز!"

حاصروه من كل صوب، وأحدهم صاح مهدّدًا:
– "أمسكوه! لا بد من تأديبه…"

لكن أنثى قرد تقدمت والدموع تلمع في عينيها:
– "لا تؤذوه! دعوني أحتضنه… لقد قتلت الأسود قردي الصغير، أريده عوضًا عنه."

تملك الرعب قلب شيكو، ففرّ هاربًا وسط الغابة المظلمة، بينما القردة تتقافز بين الأغصان خلفه. حاول أن يطير، لكنه كان أثقل من أن يعلو؛ فقد أثقل بطنه بالموز. وحين كاد ييأس، أبصر بومةً ضخمةً جاثمة على غصن عالٍ، بعين واحدة متقدة. همس أحد القردة:
– "إيّاكم أن يدركه البوم الأعور… فهو لا يرحم فريسته!"

تضاعف خوف شيكو، فأطلق ساقيه للريح حتى خف وزنه، وارتفع بجناحي خياله إلى السماء. لكن البوم الأعور انقضّ عليه كالبرق، وخطف بمخلبه وشاح شيكو البني، فمزقه شر ممزق. سقط الصبي من عليائه، والقرود تحيط به من أسفل، والبوم يهبط نحوه كالصاروخ.

أغمض عينيه يائسًا، وفي اللحظة الأخيرة تذكّر التعويذة:
"أغلق يا كتاب! أغلق يا كتاب!"

وما هي إلا لحظة حتى وجد نفسه يخرج من بين صفحات الكتاب، ليقع بين يدي عمّه سابيو الذي كان يراقب ما يجري بدهشة.

قال العم بصرامة:
– "لماذا دخلت الكتاب يا شيكو؟"

أجابه الصبي وهو يلهث:
– "الفضول… الكتاب كلّمني!"

ابتسم سابيو بحزن وقال:
– "المغامرة لم تنتهِ… الكتاب لن يهدأ حتى تكمل حكاياته. أنظر! إنه يتحرك من جديد."

صرخ شيكو وهو يحاول الفرار:
– "لن أعود! البوم الأعور يريد قتلي، والقردة تريد الانتقام… لكن الدب شمس…"

قاطعه العم سائلاً:
– "وماذا قلت لدب شمس؟"

أطرق شيكو رأسه خجلاً:
– "سخرت منه… وقلت إنه صغير يلبس مريلة."

تنهد العم وقال بحزم:
– "إذن عليك أن تعود وتصلح ما أفسدت، فللكلمات أثرها، وللاستهزاء عواقبه."

تمتم شيكو برجاء:
– "دعني حتى الغد يا عمي… فقط حتى الغد."

وعاد الكتاب يلمع على الرف، كأنه يتنفس، بانتظار عودة شيكو…
 

كان شيكو طفلاً لا يعرف السكون، يملأ يومه باللعب والأحلام. وفي صباحٍ مشرق، خطرت له فكرة بدت عظيمة في ذهنه الصغير: أن يصبح بطلاً خارقًا يساعد الآخرين. فما كان منه إلا أن اندفع إلى غرفته، يفتش بين أغراضه بحثًا عن زي يليق بمغامرته الجديدة.

أخذ منشفته البنية ولفّها حول عنقه كأنها عباءة، ثم ارتدى بيجامته البنية، وأخفى ملامحه خلف قناعٍ بني صغير، وانتعل حذاءه البني أيضًا. وقف أمام المرآة برهة، يتأمل نفسه وكأنه يرى صورة بطلٍ جديد وُلد للتو، لكنه سرعان ما عبس وهو يتمتم:
ــ "لكن ما اسمي؟ كيف يعرفني الناس؟"

هرع إلى أمه التي كانت تتابع التلفاز بهدوء، ووقف أمامها بملامح جادّة تفوق عمره، قائلاً:
ــ "اتخذت قرارًا يا أمي… سأساعد الناس مثل سوبرمان وسبايدرمان وباتمان. لكن أحتاج إلى اسمٍ يليق بي."

رفعت الأم عينيها نحوه وابتسمت قائلة:
ــ "ما رأيك أن تكون شيكو الخارق؟ تمامًا كما أن سوبرمان هو الرجل الخارق."

أضاء وجه شيكو فرحًا:
ــ "فكرة رائعة! لكن… كيف سأساعد الناس؟"

ساد صمت قصير، ثم أرخى شيكو رأسه متفكرًا، حتى غلبته غشاوة عجيبة، فإذا به يجد نفسه محلّقًا في السماء. كانت المدينة تحت قدميه صغيرة مثل لعبة، والريح تعصف بثوبه البني وهو يتمايل بين الغيوم. فجأة تناهى إلى سمعه الخارق صوت استغاثة:
ــ "أنقذوني… النجدة! لقد سرق اللص حقيبتي!"

اندفع شيكو الخارق من عليائه، وهبط على اللص مثل نسرٍ جريء، وانتزع الحقيبة من يده. ركضت المرأة نحوه، شاكرةً ممتنّة، ثم أخرجت من حقيبتها قطعة شوكولاتة، وقالت بابتسامة:
ــ "خذ يا بطل… تستحقها."

التهم شيكو الشوكولاتة بسرعة، ومسح فمه ضاحكًا:
ــ "القوة الخارقة! عليّ الآن أن أسلّم هذا اللص إلى العدالة."

اقترب من اللص الذي كان ملقى على الأرض، وحاول أن يحمله، لكنه كان ثقيلًا سمينًا، فشعر بالعجز. عندها خطرت له فكرة غريبة: "سأضربه حتى يفقد وعيه!" وأخذ يلوّح بيديه الصغيرة ويعضه بأسنانه، حتى ارتفع صراخ الرجل يتوسل النجاة، والمرأة تصيح:
ــ "كفى يا شيكو، لقد قمتَ بالواجب!"

وإذا بالسماء تذوب من حوله والمدينة تتلاشى… ليفيق على صوت أمه تهزّه وتقول:
ــ "كفى يا شيكو! كنتَ تعض الوسادة وأنت نائم، وفمك ملطخ بالشوكولاتة. قم واغسل وجهك."

جلس شيكو فاغر الفم، يحاول استيعاب ما جرى، ثم قال لها بانفعال طفولي:
ــ "كنت أطير يا أمي! أطير مثل سوبرمان! ألم تقولي إن البشر لا يطيرون؟"

ابتسمت الأم بهدوء:
ــ "البشر لا يطيرون يا بني، كل من حاول سقط… ألا تذكر عباس بن فرناس الذي حدثتك عنه؟ لكن في الخيال يا شيكو، كل شيء ممكن. الخيال هو ما يجعل المستحيل واقعًا."

أطرق شيكو برهة ثم قال بجدية طفولية:
ــ "لقد ساعدت المرأة، وكانت كريمة، أعطتني شوكولاتة. أما أنتِ، فدائمًا تمنعينني عنها!"

قهقهت الأم ضاحكة وقالت:
ــ "أمنعك حتى لا تكون مشاغبًا لا يهدأ."

لكن شيكو أصرّ بعناد:
ــ "لكنني أريد الشوكولاتة… سأوزّعها على الفقراء، مثل الأمير الذي ساعد الفقير في قصتكِ. ستكون الحكاية: الأمير والفقير وشيكو!"

ثم رفع حاجبيه متسائلًا ببراءة:
ــ "لكن يا أمي… ماذا يعني فقير؟"

أشارت الأم نحوه بحنان وقالت:
ــ "اذهب إلى عمك سابيو الحكيم، ستجده قرب مكتبته… هو من سيشرح لك المعنى."

وهنا، ارتسم على وجه شيكو بريق مغامرة جديدة، وكأن الحلم لم ينتهِ بعد…














 

الجمعة، 5 سبتمبر 2025

عُمر الشقي

 عُمر الشقي

كان قدرنا أن نحيا بعيدًا عن تراب بلادنا، نلهث خلف سراب إريتريا المعلّق تحت سطوة الطاغية أسياس أفورقي، ذاك الذي جثم على صدورنا منذ عام 1993 بعد حربٍ طويلة ومريرة ضد إثيوبيا. لكنّي لن أفتح باب السياسة، فالسياسة حكاية مملّة، وأنا أريد أن أحكي عن شيء آخر.. عني أنا.

خلف كل هذا التاريخ والدماء، ثمّة إنسان بسيط يرزح تحت مأساة مختلفة. أنا ذلك الإنسان.


اسمي سمير. وُلدت في الرياض، ومنذ أن أبصرت النور لم يخرج من لساني سوى العربية، ولاسيما بلهجتها السعودية التي التصقت بي كما يلتصق الظل بالجسد. العربية لم تكن لغتي الأصلية، فأنا ابن التغرينية الإريترية، غير أنّ هذه اللغة لم تجرِ يومًا على لساني. لقد اختارتني لغة الضاد، صارت أمي وأبي، وهويتي التي التصقت بروحي قبل أن أملك أي هوية على الورق. غير أنّي عشت عمري بلا هوية، طالبًا يتنقّل من الابتدائية إلى الثانوية، يحمل كتبه في يده، لكن قلبه مثقل بفقدان ورقة صغيرة كان يمكن أن تغيّر كل شيء.


كبرتُ وأنا أرى زملائي يخطّون أحلامهم بوضوح، بينما كنت أعيش على الهامش، مقيّدًا بقيودٍ لا تُرى. إلى أن جاء اليوم الذي بدأت فيه الحكومة السعودية حملات التصحيح، مُعلنة أنها لن تعاقب المتخلّفين عن نظام الإقامة، بل منحتهم مهلةً للمغادرة. عندها لم يعد أمامي سوى الرحيل.

كان أهلي قد سبقوني إلى السودان، البلد الأقرب إلى إريتريا، حيث حصلوا بسهولة على الجنسية السودانية. أمّا أنا، فقد بقيت وحيدًا في مواجهة السؤال الصعب: كيف أصل إليهم؟

المفتاح كان عند أختي. همست لي ذات مساء أن ثمّة رجلًا يعرف الطريق، يستطيع أن يهرّبني عبر البحر. قال لي:
"لا تخف.. لقد دُفع للعسكر ما يكفي، لن يجرؤ أحد على سؤالك. ستصعد العبّارة كأي مسافرٍ عادي. فما عليك سوى أن تدفع لي عشرة آلاف ريال سعودي."

كان ذلك في عام 2015. لا أنسى تلك الليلة وأنا أضع قدمي على سلّم العبّارة في ميناء جدة. البحر أمامي، أسود كسواد قدري، والريح تصفر في أذني كأنها تسخر من قلقي. وفي داخلي خليط من خوف ودهشة، كأنني أهرب من قيدٍ طويل إلى فضاء مجهول.


في عرض البحر الزاخر، كان الموج يتلاطم كأنما يخاصمني، أو كأن غضبًا مكتومًا يسكن صدره لأنه علِم أنني تركت الرياض.
الرياض التي عرفت دروبها كما يعرف المرء خطوط كفّه، والتي ما زالت طفولتي عالقة في حي العود بين أزقته الضيقة، حيث تركت ذكرياتي تتلاشى خلف ظهري وأنا أرحل.

على متن العبّارة، وبين وجوه غريبة وصمت مثقل بالبحر، وقعت عيناي على رجلٍ سوداني مسنّ.
كان جالسًا على الأرض، كأنه يكلّم نفسه، رأسه يكسوه الشيب، ولحيته كثيفة سوداء تتخللها خيوط بيضاء، بشرته شديدة السمرة، وعيناه كبيرتان جاحظتان تحملان بريقًا من التعب والدهشة. ارتدى ثوبًا سودانيًا فضفاضًا، ومن هيئته بدا كأنه قطعة من زمن بعيد جرفه البحر معي إلى هذا المركب.

اقتربت منه وسلّمت:
ــ السلام عليكم.

رفع رأسه، وردّ التحية بترحيب غامر يفيض دفئًا، ثم ما لبث أن فتح قلبه وحكايته.

قال بصوتٍ فيه شجنٌ خافت:
ــ كنتُ أرعى الغنم في شمال السعودية منذ سنين بعيدة… كان لي رزق بسيط أقتات منه، حتى جاء اليوم الذي غيّر حياتي. مات صاحب الغنم، وكان بلا ولدٍ ولا وريث، فوجدت نفسي مطرودًا، مهدّدًا بالترحيل. فررت إلى الرياض، واستظللت ببيت أحد أقاربي في حي غُبيرة. هناك صرت أعمل سائق شاحنات صغيرة لنقل الأثاث…

كان يحكي بحسرة يغلّفها شيء من الفرح، كأن ماضيه خليطٌ من مرارة وبهجةٍ متقطّعة. تابع وهو يبتسم ابتسامةً عابرة:
ــ تزوجت من قريبةٍ لابن عمي، وأنجبت منها أولادًا وبناتًا…

ثم توقف فجأة، كأن ذاكرته انكسرت عند منعطف، وقال وهو يمد يده نحوي:
ــ غفلت عن التعريف بنفسي… أنا حميد جاد الله آدم.

ابتسمت بدوري وقدمت له نفسي:
ــ سمير شاكر.

نظر إليّ طويلًا، ثم قال وهو يهز رأسه:
ــ اسمك يختلف عن قصتك المريرة… أترى أن للاسم علاقة بمسار حياة صاحبه؟

سؤاله أصابني بصمتٍ قصير، قبل أن يعود هو لمواصلة حكايته، كأن الجرح الذي بداخله أصرّ أن يفيض:
ــ أولادي ماتوا، وبناتي زوّجتهن. أما زوجتي… فموتها كسر ظهري. قد تسألني كيف دفنتها، فأخبرك أن أخاها استخرج لها الأوراق، وأُعيد جثمانها إلى الخرطوم حيث ووريت الثرى. وأنا اليوم أمضي إلى الخرطوم… أريد أن أكون قريبًا منها. استغليت ظروف المهلة التي وضعتها الحكومة لتعديل الإقامة، ورحلت.

سكت، ثم أدار بصره نحو الأفق البعيد، حيث كان البحر يذوب في زرقة السماء، كأنه يبحث هناك عن وجهٍ رحل ولن يعود.

 

 اجتاحتني أعاصير من الأفكار، وأحلام سوداء وأخرى بيضاء، وقليل منها ملوّنة. حلمت أن العبّارة تعطّلت، وأن خفر السواحل جاءوا واصطحبوني، ثم أودعت في السجن. كنت قابعًا على ظهر العبّارة، غارقًا في أوهامي، ولم يسترح بالي إلا عندما بلغت الميناء حقًا. حينها فقط أيقنت أن ما يقولونه صحيح: بلوغ برّ الأمان يمنح الطمأنينة والأمان.

 


وصلتُ إلى بورتسودان، وهناك بدأت صفحة جديدة من حياتي. لم يكن الأمر عسيرًا؛ حصلت على الجنسية السودانية بسهولة، وكأن كل تلك السنوات من التيه لم تكن سوى كابوس عابر.

لكن ذاكرتي الآن متعبة، مثخنة بالثقوب. حادث مروري كاد أن يخطف روحي جعلني أفقد الكثير من تفاصيل الماضي. كنت على حافة الموت، لولا لطف الله الذي انتشلني. وربما – كما يقولون – "عُمر الشقي بقي".

يبدو أن مصيري مشدود بخيوط الشقاء. السودان كانت مسرحًا لأحداث جسام، انشقت أرضه نصفين، وصار شعبه محاصرًا بين جيشين يقودان البلاد نحو هاوية لا نهاية لها. لن يهتم أحد بمصير الناس إلا إذا كان محرومًا من كل أسباب الحياة، فالحروب يشنّها المترفون المنعمون، ولا يخوضها إلا المعوزون البائسون، الذين تتحطم حياتهم كأوراق الشجر في عاصفة هوجاء.

أكتب لكم الآن من شقة صغيرة في الطابق العاشر بالقاهرة. المكان ضيق، والجدران تتسع لذكرياتٍ أكثر من أن تتسع لأثاثه البسيط. أنا إنسان كسيح، أمشي بالعكازات، وبدونها أسقط، أثر الحادث الذي كاد أن يقضي على حياتي وما زلت أستشعره في كل خطوة. أنظر إلى الأسفل من نافذتي، وأرى شوارع المدينة تضج بالحياة، بينما أشعر بأن عالمي قد تجمد عند لحظة الألم الأولى، لحظة الانقسام بين الموت والحياة.

أكتب لكم لأني مضطر. الكتابة هي متنفسي الوحيد، وسيلة أفرغ بها الكرب الذي يلتف حول قلبي مثل ثعبان خفي. ربما لا أجد في الكلمات خلاصًا، لكنها تمنحني شعورًا بالوجود، شعورًا بأنني لا أزال حاضرًا في عالمٍ يبدو أحيانًا عديم الرحمة.

الذاكرة مثقلة، ثقيلة، لكنها مرايا لتجاربٍ لا تُنسى. كل لحظة خوف، كل مرة شعرت فيها بأن الموت يقترب، تركت بصمة في روحي. علّمتني أن الصبر ليس انتظارًا سلبيًا، بل فن مواجهة الحياة بكل قسوتها وظلامها، ومع كل شعاع أمل صغير يلوح في الأفق، أتعلم كيف أستمر رغم كل شيء.

ورغم كل هذا الشقاء، أكتب. الكتابة تمنحني إحساسًا بالسيطرة على حياتي، ولو كان مجرد وهم مؤقت. وربما أيضًا لأنها تمنحني فسحة أمل صغيرة، شعاعًا يربطني بالحياة، وكأنني، في كل كلمة أكتبها، أجد نقطة أمان وسط عاصفة لا تهدأ، وأحاول أن أستنشق قليلًا من هواء الحرية، ولو كان مجرد وهم بعيد.

 

في طفولتي بالرياض، كنتُ جزءًا من مثلث لا ينفك عن بعضه: محمد، يوسف، وأنا. كانوا يسمّوننا في الحارة "الثلاثي المرح". كنا نتسكّع بين الأزقة الضيقة كأنها مسرحنا، ونجوب متوسطة حطين في حي المرقب كأنها قلعةٌ تخصّنا وحدنا. تلك المدرسة العتيقة المائلة إلى السقوط، جدرانها مشققة، وأبوابها تصرّ كلما فُتحت، لكنها ثابتة في قلبي لا يزحزحها زمان. لا تزال أصوات الطلاب تضج في ذاكرتي، ولا يزال صدى صوت الأستاذ سامي يجلجل في أذني، يناديني ويصرخ ويشرح بحدة. أحيانًا أغمض عينيّ وأسأل نفسي: يا ترى، ماذا فعلت بك الأيام يا أستاذ سامي؟

كنتُ يومها شقيًّا حتى النخاع. أتذكر مطاردة لن أنساها ما حييت. تفوّهت بكلمة مقذعة سمعتها من بعض الصبية بلغة الباكستانيين، ولم أدرِ أن اللفظ الصغير قد يتحول إلى حجر ضخم يُقذف في وجه صاحبه. رأيت الرجل يندفع نحوي، وجهه محمرّ كالجمر، وأوداجه تنتفخ من الغضب، وأنفاسه تتلاحق كالثور الهائج. أطلقت ساقيّ للريح، أبحث عن مهرب.

ركضت حتى وصلت قرب بيت محمد، وصحت من أعماقي:
ــ "محمد! يا محمد!"

خرج مسرعًا، يدرك بفطنته أن ورطة ما تطاردني. لمح الرجل يلهث خلفي، وما إن وقع بصره على المشهد حتى انفجر ضاحكًا، ضحكة صافية قوية، فيما كنتُ أدور حوله كفأر مذعور يستنجد به. صرخت:
ــ "اشغله عني حتى أفرّ إلى بيتنا!"
ليس هذا وقت الضحك!!

مدّ محمد ذراعيه محاولًا تهدئة الرجل والتحدث إليه، بينما استغليت اللحظة وهربت بجلدي. ضحكة محمد تلك ما زالت ترنّ في رأسي حتى اليوم، كأنها بصمة لا تمحى. كان ضاحكًا مثقفًا، يبتسم بوعي، وتغمرني ابتسامته بحنان غريب.

أما يوسف، فكان حكاية أخرى. في الحارة كان أشبه بحاتم الطائي، كريمًا، يوزع المال على من يحبّ، لا على الجميع. كنا نتهامس حول سرّ ما بين يديه، نتساءل: من أين له هذا السخاء؟ حتى جاء يوم رأيناه جالسًا في المسجد الأبيض، ذاك الذي يسمّيه الناس "مسجد الحضارم"، وقد حلق شعره تمامًا. في ذلك اليوم انطلقت شائعة تقول إن ماله مشبوه، لكن الحقيقة بقيت غامضة حتى اليوم. كان يوسف رجل أسرار، يخفي أكثر مما يُظهر، وكأن بعض الأسرار إن خرجت، بعثرت معه أرواحنا.

سنواتي في الرياض لم تكن مجرد طفولة، بل كانت طبقات متراكمة من الضحك والوجع معًا، مشاهد محفورة في الذاكرة لا تُمحى. لكن ما غيّر مسار حياتي حقًا لم يكن في طفولتي، بل في الحادث الذي قلب حياتي رأسًا على عقب.

بعد أن غادرت السعودية بحرًا إلى السودان،
جمعتني هذه البلاد بأهلي من جديد، حصلت على الجنسية السودانية، واعتبرتها وسامًا أعلقه على صدري.ثم عدت إلى السعودية بتأشيرة بعثتها أختي. بدأت أعمل في شركة، اشتريت سيارة جديدة، فرحتُ بها، لكن الفرحة لم تدم طويلًا. أحسست بالعيون تلاحقني والصدور تضيق بي، كأن الرزق إذا جاء متأخرًا صار موضع ريبة، لا نعمة.

وفي يوم مشهود، حملتني الطريق إلى المطار لاستقبال أختي القادمة من السودان. كنتُ مفعمًا بالبهجة، يرافقني اثنان من أبناء خالاتي. لم نكن نعلم أن الطريق كان يخبئ لنا فاجعة سوداء.

تقلبت سيارتنا ثماني مرات متتالية، وكلما انقلبت شعرت كأن الزمن ينفصل عن جسدي، ثم ارتطمت بنا الأرض بقسوة، واستقرّت السيارة كجثة باردة. تناثرت شظايا الزجاج فوق الإسفلت الملتهب، وامتزجت رائحته برائحة الدم. سُحبتُ من بين الحديد الملتوي بصعوبة، وجسدي مثخن بالجراح، بينما وعيي يتلاشى بعيدًا، ينسحب من الحياة كما ينسحب البحر عند الجَزر.

دخلت في غيبوبة امتدت شهرين. كنت بين الحياة والموت، عالقًا في منطقة رمادية، لا أعرف من أنا ولا من حولي. كانوا يرون جسدي مسجّى، أما روحي فكانت تسبح في فراغ لا نهاية له.

حين أفقت، لم أعرف معظم الوجوه. لم أتعرف على أحد إلا حين يبدأ بحكاية قصة قديمة عني، فيضحك محمد ساخرًا من شقاوتي القديمة، فأبتسم رغم ارتباكي. أما يوسف، فكان يمسك يدي برفق، فأبكي بصمت لا أملك تفسيره.

منذ ذلك اليوم صرت غريبًا حتى عن نفسي. ذاكرتي باتت دفترًا عتيقًا، يرفض أن تُكتب فيه الأسطر الجديدة، ويصرّ على الاحتفاظ فقط بما نُقش منذ زمن بعيد.

هكذا بدأت رحلتي مع النسيان. تعلمت أن الشقاء لا يعرف نهاية، لكنه لا يوقف المسير. لذلك ظللت أتوغل في دروب حياتي، أبحث عن فسحة نور. وحين وطئت القاهرة لأول مرة، أحسست أنني وجدت شعاعًا يشبه الحياة. ربما سُمّيت القاهرة لأنها تقهر الآلام.

الخميس، 4 سبتمبر 2025

زليخة كابل


 أحببتُه كما يحب الناس الربيع، لكنني وجدت نفسي مطرودة إلى صحراء لا ماء فيها.

لم أكن مذنبة. كل ما حدث أنني عند باب بيتنا، حين انزاح عن وجهي جادري الفيروزي، لمحني ابن عمّي. كان وجهًا بين آلاف الوجوه التي رآها من قبل، لكن الناس كانوا هناك… وجوههم كالسكاكين، عيونهم تلمع كأنها تقتنص خطيئة تنتظرها منذ زمن. قالوا: إنها تحاول أن تغويه.
ومن يومها صرتُ سجينة حكم لم أنطق فيه بكلمة.

هربتُ عبر الجبال، وثلجها يلسع جلدي، وجوعي يقرص أحشائي، وقلبي يصفعني بسؤال واحد: لماذا أنا؟ كنتُ أردد في داخلي:
"لستُ زليخة، ولم يكن هو يوسفي."
لكنهم لم يسمعوا غير صدى أصواتهم، ولم يروا غير الوهم الذي صنعوه.

حين بلغت نيويورك، بعد أن فقدتَ كل شيء إلا نفسي، جلستُ أكتب قصتي. كتبتُها بكل ما فيها من دموع وغضب، بكل أسرارها التي قد تشعل حرائق في قلوب كثيرين، أولهم أسرتي. كنت أعرف أن صمتي سيقتلني ببطء، وأن كلماتي، مهما كانت قاسية، هي الخلاص الوحيد الذي بقي لي.


في البدء، أعترف بأن عينيّ شهدتا ما لا يُحتمل على قلب طفل. كنت أراقب الصبية وهم يُجبرون على الرقص أمام رجال لا يرحمون، وكنت أعلم أن كل حركة، كل ابتسامة مفروضة، كانت تحمل وراءها خوفًا عميقًا لا يُرى إلا في الصمت. قلبي تفتت في تلك اللحظات، وخوفي من الإفصاح عن أي شيء كان أقوى من رغبتي في الصراخ، لأن البيت كان يحوي جدرانًا لا تُخترق، وأعينًا تراقب كل همسة وكل نظرة. لأول مرة أعترف أنني لم أكن مجرد شاهدة، بل كنت سجينة خوف صامت، أختزن كل ما رأيت وكل ما عشت، وأعلم أن الكشف عن الحقيقة سيزلزل كل ما بنيت عليه حياتي من أمان.

كان الجو في بيتنا مختلفًا ذلك اليوم، يثقل الصدر برائحة الخوف والبراءة المهدورة، كجدار شفاف يفصل بين طفولتنا والوحشية. صبية صغار يُجبرون على الرقص أمام رجال عيونهم تلمع، وقلوبهم تخفق بين الرهبة والارتباك، بينما تصدح أصوات التصفيق والضحك المزيف، موسيقى غريبة تشقّ الجلد وتترك صدى لا يُمحى.

عمي القاسي، ذو اللحية الكثة، كان محور هذا المسرح الغريب. يصفق بحماسة، يبتسم وكأن هذه الفوضى حفل خاص به وحده. وعندما يلتفت، تختفي النساء في البيت كظلال، أصواتهن محجوبة، وحركاتهن مراقبة، وكأن الصمت نفسه عقوبة. أما الصبية، فكان الخوف يقف بينهن وبين كل خطوة، وابتسامة عمي لم تصل إلى عينيه كانت تحكم المكان بقبضة من حديد.

كل زاوية في البيت كانت مشحونة بالرهبة، كل نظرة تحمل تهديدًا، وكل حركة صغيرة ثقيلة بالمعاني الممنوعة. كنت واقفة هناك، قلبي يصفع صدري، وعيوني تلتقط كل تفصيلة، وكل همسة تفضح مدى سوء هذا العالم. شعرت بالوحدة العميقة والعجز، وكنت أعلم أن هذه الظلمات تختزن أسرارًا لا يُسمح بالبوح عنها.

في تلك اللحظة، فهمتُ أن بَچَه بَازی ليست مجرد رقص أو لعبة، بل مسرح كامل من القوة والظلم، حيث تختلط البراءة بالخوف، والشهوة بالقسوة، وأن الصمت هو الشاهد الوحيد الذي يبقى، يراقب، ويشهد على كل ما يُحكى في الخفاء.



السبت، 30 أغسطس 2025

ملحمة الخرابيش


 ملحمة الخرابيش!!

 

في قلب الحارة القديمة، حيث الجدران العتيقة تصرخ بصمتها، وتفوح من الأزقة رائحة الخبز الطازج والدفء البشري، برزت أسرة آل الصوان. كانوا، في نظر الناس، مجرد صخبٍ بلا أثر، أقدامهم تدق الأرض كالأواني الفارغة، وألسنتهم تمطر ثرثرة وادعاء بلا جدوى. أما أثرهم الحقيقي، فهو كظلٍ ضعيف يذوب مع الشمس.

ومن بين هذه الأسرة خرجت فئة غريبة، ماكرة في طموحاتها، أطلق عليها أهل الحارة اسم "الخرابيش". لم يعرفوا معنى المشاركة، ولم يفهموا الانتماء. كانوا كالصدأ الخفي الذي يتسلل بين المعادن، أو كالأشواك التي تعتلي طريقًا ممهدًا لتعيقه. تسللوا إلى بيوت الناس، وملأوا المجالس بابتسامات مزيفة وكلمات ملونة بالخداع، كل كلمة منهم تحمل رغبةً جامحة في السيطرة.

وأمام هذا الخراب البطيء، تصدّر المشهد كبيرهم، عنان، رجل اسمه يخالف ما يمثله؛ فهو في أسفل الأرض وليس في عنان السماء، طموحه أكبر من قدراته، وسعيه نحو العمدانية أشبه بحلم مستحيل. يرى نفسه عظيمًا، قوته في المال وحده، ولا يكاد يعرف قيمًا أخرى. وبجانبه كان أخوه، خسيف، الذي أطلقت عليه الحارات المجاورة اسم "شفة"، فشفته العظيمة كانت علامة مميزة عليه، كما لو أن الطبيعة نفسها أرادت أن تفضح تفاهته.

كانت الحارة، قبل مجيئهم، عامرة بالعدل والطمأنينة. الرغيف كان يُقسم، والفرح يزداد حين يجتمع الناس على باب بيت واحد. لكن بمجرد أن بسط الخرابيش أيديهم، تبدل كل شيء؛ خبا ضوء الحارة، تفرّق جمعها، وصار كل جميل فيها مهدّدًا بالفساد.

ومن هنا تبدأ الحكاية، حكاية معاكسة لما رُوي عن الحرافيش، فهؤلاء لم يكونوا ملح الأرض، بل كانوا شرارته، يزرعون الخراب حيث كان النقاء.

في الحارة  ذاتها، حيث الجدران العتيقة تتنفس تاريخًا ممتدًا وأزقتها تفوح منها رائحة الخبز الطازج والدفء البشري، كان ابن محظوظ يتربع على عرش العمدانية. نصبوه الأهالي زعيمًا، لكن جناحه كان مهيضًا، وقوته على الحارة ضعيفة كسحاب صيف عابر. لم يستطع فرض سيطرته، وترك المجال مفتوحًا أمام الخرابيش، الذين سكنوا أطراف الحارة، يتسللون كالصدى الخفي، حتى امتد فسادهم إلى قلبها وأصبحوا عشيقها الخفي، نخروا الحجر والخشب كالسوس، وسيطروا بعد ذل وهوان.

لم يعد في الحارة بصيص أمل بعد سنوات من العدل. كان الكل  ينتظر الفرج بصمت، ويطوف في الحارات شعور بالغموض والخوف. وفي خضم هذا الصمت، انتشرت أسطورة في قلوب الأهالي: طيف كبير الصواني، "ذهبان"، يزورهم في المنام، يمشي بين البيوت كالنور، يضيء زوايا الحارة المظلمة، ويمنحهم شعورًا بالسكينة والاطمئنان. فالإنسان، مهما طال الليل، يحتاج إلى اعتقاد ليواسي نفسه من ضغوط الحياة العصيبة.


أما مبروك، من الخرابيش، فكان يرتدي ثوب المصلح أمام الناس، بينما في جوفه تنمو بذور الفساد. شب على ذل أسرته، والآن صار في القمة، حيث منحه والده عنان مكانة لا يستحقها. أمام الأهالي، أظهر نفسه بصورة حسنة، دهن كلماته بالعسل، لكنه يزرع سم الأفكار بين الناس بخفة ماكرة.

يصيح في أرجاء الحارة:
"ابشروا يا آل صوان… سنملأ صوانيكم من الرغيف والأمل..."

لكن الحقيقة كانت مختلفة؛ الرغيف والأمل الحقيقيان لا يُمنحان بالكلام وحده، بل بالعمل والكفاح والصبر. ووسط كل هذا، بقيت الحارة تنتظر، متشبثة بالأمل، تبحث عن نور ينبعث من الداخل، لا من كلمات المصلحين المزيفين، فالأمل، كما تعلم الحارة، يحتاج إلى جهد وصبر قبل أن يتحقق.

وقف بدر وسط الأزقة الضيقة، عيناه مشتعلة بالغضب، صوته يرتفع على وقع خطوات الحارة:
"لن نفلح ما دام عنان هو الخازن! ابن محظوظة بلا سيطرة… عين عنان خازنًا للمال، ووزع أموال الحارة على الخرابيش، من مطلقات وأرامل… كل شيء في يدهم!"

أجاب رجل من الأهالي، محاولًا تلطيف الجو:
"اتقِ الله يا بدر… هم من أهل الصلاح، وجدهم خربوش كان زعيم الحارة!"

ابتسم بدر ابتسامة باردة، ونظر إليه بحدة:
"إصلاحهم؟! لا، ليس من أجل الحارة… إنما من أجل مصالحهم الذاتية فقط. كل ما يفعلونه هو لمصلحتهم، لا لخير أحد غيرهم."

شعرت الحارة كلها بثقل كلمات بدر، وكأن الصمت الذي يعقبها يثبت على صدورهم أكثر من أي حكاية عن فساد الخرابيش.

الأربعاء، 30 يوليو 2025

صعب السؤال

 



صعب السؤال

 

بقلم محمد الفهد

 

المحتويات 


1- الوتر...و الشاهد

2- سوق الموسيقى: النغمة التي لم تُغفر

3- حين يتجسد الصبا في العود

4- المقام المكسور

5- مقام الذكرى

6- مقام الحلم

7-   حديث الأرواح في سوق العود

8- في زمهرير العود

9- سَلمى وسُوق العود


10-              سوق العود... حين بكى طفل على مقام الكرد

11-              دموع السوق!!!

12-               سوق العود: حين رنّت الكعوب على مقامات العشق

13-              أنا سوق الموسيقى... حيث لا يصدأ النغم

14-              أنا السوق وأنا النغمة التي لا تزال ترتجف في جوف العود

15- من حارب النغم غلبه!!

16- هل رأى الحب عربيدًا مثله؟

17- كل غريب بالسامري معجب!!

18- هبت هبوب الموسيقى

19 -  ليلة الجسَاس الاخيرة

  20- ختامها موسيقى...

 

 

في البداية، دعوني أتكلم. لا تقاطعوني، ولا تحكموا عليّ قبل أن تسمعوا حكايتي.
أنا شخص — أو هكذا ستظنون — رأى أجيالاً تتبدّل، ووجوهاً تعبر كل صباح، وتغيب كل مغرب.
أعرف رائحة المطر حين يتسلل بين الأروقة، وصوت الخطى الحائرة حين تفتّش عن لحن مفقود، أو وتر مشدود.

لطالما سمعتكم تقولون: "للأماكن ذاكرة"...
لكني لم أكن ذاكرة.
أنا كنتُ الذاكرة بعينها.
أنا من يحملها. من يحيا بها.
ولأنكم لا تسمعون، قررت أن أتكلم.

نعم... أنا السوق.

نعم، لا تندهشوا.
أنا سوق الموسيقى في حي العود.
أنا الجدران التي التصقت بها أصوات العازفين، والليل الذي سهر على نشيد الحبّ والوجع.
أنا البلاط القديم الذي دُقّت عليه أقدام الشغوفين، والعشّاق، والمتمردين.

كم مرة دخل عليّ رجال الهيئة، بغترهم البيضاء ووجوههم العابسة؟
كانوا يقفون عند باب محل العود القديم، ويصيحون في وجه صاحبه:
"
اتّقِ الله، يا رجل... اتّقِ الله!"
كانوا يهددونه بأنهم سيحوّلون هذا السوق إلى مركز لأشرطة الدعوة، ولن تبقى آلة موسيقية واحدة فوق الرفوف.

لكنهم لم يعرفوا...
أنني لست رفوفاً.
ولا طاولات عرض.
أنا جسدٌ فيه تعيش الأرواح.
أنا صوت، لا يمكنهم إسكاته.

أنا من شربته الآلات الموسيقية حتى ارتويت.
كم مزمار بكى بين أضلعي؟ كم طبلة قُرعت في جوفي؟
كم نغمة سكنتني، حتى ظنّ البعض أنني معنى لا مبنى؟
لا... أنا نبضٌ قديمٌ يقاوم...

هل تعرفون عمري؟
أكثر من أربعين سنة، لم أتحرك من مكاني.
لكنني شهدت ما هو أعظم من التنقل:
شهدتُ الصمت يلتهم المدينة،
وشهدتُ الخوف يكسر ظهور الرجال.

الكل سكت.
الكل دارى لقمة عيشه.
الكل انحنى أمام العاصفة.

إلا أنا...
أنا قاومت.
لا أحتاج سلاحًا. يكفيني صوت الوتر، وصدى الذكرى.

واليوم، أفتح بابي لكم.
لا لأنني متعب.
بل لأنني أريد أن أروي، قبل أن تنسوني.

سأحكي لكم عن ناجي الذي اغتصب الموسيقى و عن "سالم" الذي فقد أبنه بسبب المجتمع..
 وعن "سامح"، الذي غنّى في زمن العنف.
عن شابٍ عزف كل ليلة، حتى فقد السمع، لكنه لم يتوقف.

سأروي عن الطبول التي خبأتها النساء في صناديق الملابس.
عن أشرطة أم كلثوم التي دُفنت تحت ألواح الخشب خوفًا من المصادرة.


عن نغمة مزمار كانت تبكي كلّما مرّت عليها ريح ديسمبر.

لكن قبل كل هذا...
اقرؤوني.
لا تحكموا على الغلاف.
افتحوا الباب، واسمعوا أنيني.
فأنا، وإن كنت سوقًا، لكنني أحمل من الروح ما لا تحمله مدن بأكملها.

 

 (الوتر...و الشاهد)

سأفتح باب القصص على مصاريعها...
فالذكريات تضغط على جدراني كأنها تريد أن تُروى، وأنا ما عدت أطيق الصمت.
إليكم أول الحكايات، حكاية بدأت بنداءٍ بريء... وانتهت بندمٍ عميق.

كانت ليلة ممطرة.
مطر ثقيل، كأن السماء نفسها تبكي.
الهواء يصفّر بين الأزقة، والماء يتسلل من بين شقوق الأرض العتيقة، يوقظ فيها الوجع.

في تلك الليلة...

دخل حمود.
صبي في مقتبل العمر، في عينيه لهفة لا يفهمها إلا من حمل في قلبه حنينًا لأوتار لم يعزفها بعد.

وقف عند عتبة بابي كمن يطرق على قدره.

"
أريد أن أتعلم العود... من يعلمني؟"

صوتُه كان ضعيفًا، لكن السؤال... كان ثقيلًا.

وهنالك، وسط المحلات، بين روائح الخشب المبلول وصدى آخر نغمة عزفت، ظهر ناجي.
رجل في منتصف العمر، بثقة العارف، وابتسامة العازف العتيق.
قال له:

"تعال... أنا ناجي العوّاد. أنا من علّم السوق النغمة، والكل يشهد لي، حتى سالم جاري، يعرف من أنا, أساله"

اصطحب الصبي معه.
وغابت خطواتهما في زقاقٍ ضيق، لا تصل إليه أضواء المصابيح، ولا يسمع فيه إلا أنين المطر.

هناك...
حدث ما لم يروه أحد.
انكسر شيء في روح حمود.
لم يتكلم. لم يبكِ. لم يصرخ.
لكنه خرج من هناك، يحمل في داخله صمتًا أشد من صراخ.

مرت السنون.
وغاب حمود.
ثم عاد.
لكن ليس كالصبي الذي دخل يوماً.
عاد رجلاً كث اللحية، غاضب النظرات، تحيط به مجموعة رجال، بعباءات داكنة، وعيون مشتعلة بما يسمونه "الغيرة على الدين".
كانوا رجال الهيئة.

وما إن خطا داخل السوق حتى بدت خطواته كأنها حكمٌ ينفَّذ.

راح يصرخ في وجهي أنا، السوق:
"
هذا سوق اللهو! هذا معقل المعازف والمجون!"

لكنه لم يأتِ ليهدمني فقط...
كان يبحث عن وجهٍ واحد.

عن ناجي.

وعندما وجده، وقف أمامه، كقاضٍ ينتظر التنفيذ، وقال:
"
تبيع آلات اللهو؟ ما تستحي؟"

ناجي رد بثبات:
"
عندي ترخيص من الحكومة."

لكن حمود لم يكن يسعى لإغلاق محل.
كان يسعى لإغلاق جرح.

قال بصوت عالٍ:
"أنا ماني جاي أقفل محلك عشان العود... أنا جاي لأن في شكاوى ضدك، أنك كنت تتحرش بالزبائن الصغار..."

ناجي بهت.
قال:
"
أين الشهود؟ البينة على من ادعى!"

فأجابه حمود:
"
الحكم صدر، والشهود كثر... تفضل معنا."

وحين حاول ناجي أن يفلت من قبضتهم، انهالوا عليه ضربًا...

وأنا، السوق، شهدت كل شيء.

رأيت ناجي يُسحب كخطيئة قديمة خرجت من بين نغماتي.

وسالم، جاره، وقف على باب محله وقال:
"الله يسامحك يا ناجي... حتى بعد توبتك، ماضيك ما غفر لك."

ومنذ ذلك اليوم...
اختفى ناجي.
لا أحد يعرف أين ذهب.
محله بقي مفتوحًا، لكن بلا موسيقى... حتى أغلقه سالم بنفسه.


---

أنا لست هنا لأبرر... ولا لأدين.
أنا فقط... أحكي.

فالناس معقدون.
القلوب تشبه الآلات، منها ما يُصلح ومنها ما يُكسر ولا يُعاد.
والنغم... لا يكون دائمًا منسجمًا.
بعض القصص نشاز.

وهذه، أولى قصصي الخارجة عن اللحن، لكنها في صميم النص.

تابَ ناجي...
ولن يغفر له سوى ربه.
أما البشر... فهم لا ينسون، ولا يغفرون.

 

 
سوق الموسيقى: النغمة التي لم تُغفر

أنا السوق.

لا تتخيّلني جدرانًا متداعية، أو دككًا خشبيّة علاها الغبار، أو بلاطات يتشقّق بينها الصدى.
أنا... المكان الذي تتهجّى فيه الأرواح حروف الطرب، حيث تُغنّى الذاكرة من عودٍ حزين، وتُقام الجنائز للأغاني المنسيّة.

منذ زمن، مرّ من هنا شاب اسمه ناجي.

كان ناجي عازفًا بارعًا، تشهد له الأوتار كما يشهد المجروح لمَن طعنه.
لم تكن أصابعه تعزف، بل تُراوغ...
يمرّر اللحن كأنّه يلاطف الحياة، لكنه في العمق كان يُراكم شرخًا في الصمت.

كنت أشعر به، كلّما عزف، كأن شيئًا لا يُرى يلوّث النغمة.
لم يكن خطأه في الأداء، بل في القلب.
في النوايا.
في الأماكن التي لا تصلها الميكروفونات، لكنها تصرخ في ذاكرتي.

لقد أساء...
تحرّش، استغلّ، شوّه تلك اللحظة المقدسة بين التلميذ والوتر.
وكان من ضحاياه فتى يُدعى حمود.

حمود لم يكن مجرّد طالب موسيقى.
كان نقيًّا، يعزف كما يُصلّي، يصغي كما يُبتهَل إليه.

لكنه تعرّض للخذلان، حين اكتشف أن المعلّم الذي رفعه مثل مقام الصبا... كان نشازًا في هيئة إنسان.

حمود اختفى لسنوات.
لم يعد يزورني.
صوت عوده الذي كان يملأ السوق كل مساء، سكن، ثم مات.
ولم يبقَ منه سوى نغمة مجروحة، تهيم بين الممرّات، كأنها طيف لا يجد ملجأ

أما ناجي... فقد غاب، ثم عاد.

دخل ذات مساء، متنكّبًا نظرات الناس، يذرع السوق بنظرٍ مطأطئ، كأن البلاط يوبّخه.
لم يتغيّر كثيرًا… فقط تبدّل ثوبه.
الندم كان واضحًا، لكن السوق لا تغفره الثياب.

وكان اللقاء...

تحت قوس العود، حيث يعبر الضوء بين شقوق الخشب العتيق، التقى حمود بناجي.

وقفا وجهًا لوجه.
الصمت بينهما أثقل من أيّ نشيد جنائزي.

قال ناجي بصوتٍ خافت كأنّه يعزف لحنًا مكسورًا:
أنا تبت لله... الله غفورٌ رحيم.

لكنّ حمود، الذي لم ينسَ، نظر إليه بعينين فارغتين من الموسيقى، وقال:

الله يغفر... أما أنا، فلا.

أراد ناجي أن يقول شيئًا، أن يدافع، أن يُبرر...

لكنه صمت، كأن الكلمات خجلت من أن تخرج.

ثم استدار حمود، وغادر.
لم ينظر خلفه.
لم يتردد.
كمن أغلق بابًا لن يُفتَح بعد الآن، حتى لو عزف ناجي كل مقامات التوبة.

بعد أيام، رُحِّل ناجي.
قيل إنه سافر إلى بلاده.
أما أنا؟
أنا لا أعرف البلدان، فأنا بلا قدمين، بلا جواز سفر.

لكنّي أعرف اللحن إذا انكسر، وأشمّ الخطيئة إن تسلّلت من بين الأوتار.

أنا السوق.
أنا الذي لا أنسى.
من يعزف في حضرتي يجب أن يكون طاهرًا، لأنني لا أسمع الموسيقى فقط... بل أسمع القصد، وأحفظ الأثر.
حمود لم يعُد.
لكن نغمة كمانه الموجوعة ما زالت تطوف بين رفوف العود، تسألني:
كم من الوقت يلزم الغفران؟
ولا أجيب.

لأني، أنا السوق...
لا أغفر.
أنا فقط أحفظ... وأدوّن.


(حين يتجسد الصبا في العود)

أنا سوق العود، لا تُخطئني أعين المارة. لي في كل وتر قصة، وفي كل آلة مرهفة عشق قديم. شهدت أفراحًا وعاشقات، شهدت أولى نغمات المجانين بالموسيقى، والناجين من اليأس.
أنا لست مجرد جدران، ولا خشبًا يعلوه الغبار، بل أنا ذاكرة حيّة، أنين وترٍ، وضحكة ناي، وحسرة دفٍّ لم يُطرق منذ رحيل أصحابه.
سأسرد عليكم حكاية... لن أجمّلها، بل سأسكبها كما هي، نيئة كالنغمة الأولى في العزف المرتبك، ساخنة كدمعة فنان انكسر في عيون الناس.

كان اسمه سالم.
خرج من الزنزانة، وفي قلبه مقام الصمت. لا بيت، لا أهل، لا رغيف يواسي الجوع، فقط أنا... كنتُ أنا أول من استقبله.

 

 


جلس على عتبة محلٍ مهجور منسي في زاويتي، راح يلمس آلاتي كمن يتحسس قلبه. نظرت إليه، وقلت في صمتي:

"تعال، العود لا يسأل عن ماضيك."

اشتغل عندي، كمن يولد من جديد. غسلتُ فيه آثار الزنازين، ونفختُ فيه من صبري. تعلم النغمة قبل الحرف، والحزن قبل الفرح.
ومع الوقت، صار سالم قطعة مني. صار يعرف أن العود إذا بكى، أنطق الحجر، وأن المقامات ليست مجرد سلم، بل مشاعر تمشي على عكاز الذكرى.

وذات نهار، دخلت هي.

نديبة... آه يا نديبة!
تمشي وكأنها لحنٌ تاه عن أهله، تضحك كما يضحك صوت الناي على ضفة نهر، وقالت له، وأنا أسمع:

 
"اسمي نديبة... يمكن من الندب، بس صوتي ما يعرف إلا الصبا، والكرد، والنهاوند... تسمعني؟"



ارتبك سالم، تلعثم، تاهت نوتاته.
قال:

 "
وش تبين؟ طبلة؟ أورغ؟ ولا دفتر كلمات؟"



ردّت، نظرت في عيونه، ثم قالت:

 
"أبي عود... وأبي عوّاد، العود أعزف عليه، والعواد يعلّمني."



ضحك سالم من الأعماق، وقال مرتبكًا:
 
"العود سهل... بس العواد... العواد محتاج قلبٍ يعزف، مو يدين بس"

وخرجت، بعد أن وضعت رقمها على طاولته. مشَت، وكل نغمة في جسدها تقول شيئًا، وسالم وقف، ناظرًا إليّ أنا، كأنني أنا الذي بعثتُ بها إليه.

 

 


فكر... كيف يُعلِّمها؟
ما في البلد معاهد، والبنات اللي يعزفن لا اعرف دروبهن ولو وجدن سيصبح كأنهن شياطين تمشي، يُقال عنهن ما يُقال عن الغواني.
لكنه رفع الهاتف، وسألها

 "
وين أبوك؟ أبغى أخطبك."

قالت، ببرود دار الأيتام:

" أنا يتيمة... تعال للدار، ونتفاهم."

وجاءت الخطبة... وتمّت.
وأغلق محله — أي أنا — لأيام. افتقدته. اشتقت لصوته، لصمته حتى. لكنه عاد، ومعه طفل صغير، قالوا:

 "
وش سميته؟"


 



قال، معتزًّا به:

 
"طلال... على اسم مدّاحنا الكبير. اسمه لازم يُغنّى، ما يُنسى."

طلال كبر، تربى في حضني. سمع أول نغمة من صدري. أبوه يبيع الآلات، وأمه تُحيي الأفراح.
لكن المدرسة... المدرسة لا ترحم من ولدته نغمة.
وجاء يوم، وواجه أباه:

 
"أبوي... يقولون عني ولد الطقاقة، وإنك تبيع معازف الشيطان..."

سالم... تنهد، ثم أشار إلى وتر قديم في زاوية قلبي — أقصد محلي — وقال له:

"شوف ذا العود... ذا أنقذني. أنا ما سرقت، ما أكلت حرام. الحكومة تدري وش تسوي، واللي تقول عليه حرام ما تسويه في الجيش ولا التلفزيون.
ثم من يفرح الناس، كيف يكون شيطان؟
أمك ما غنت عشان الشيطان، غنت عشان لقمتك، عشان أسمع ضحكتك يوم تنجح، عشان نلبسك العيد."


طلال سكت... أو تظاهر بذلك.
لكن داخله... داخله ظل يمور بنار الغضب، نار اسمها المجتمع"."

وكبر... وأصبح كل يوم يشوف أمه "عار"، بدل ما يشوفها "فن".

وفي يوم، انفجر، قال لها:

 
"أمي... ما عاد أبيك تغنين. أنا ابن نديبة الطقاقة؟! خلاص، أنا صرت ضحيتكم!"

نديبة، اللي كان صوتها يبهج الصالات، خنقها صوت ابنها.
وقالت، باكية، وأنا أشهد على شهقتها:

 
"يا ولدي، لو ما غنيت، كان يمكنك تموت جوع... أنا ما ضريت أحد. أنا فتحت بيوت ناس.
أنت ضحية مجتمع... مو ضحية أمك."

ثم... اختفى طلال.


مرّت شهور.
ثم أقبل رجال بملابس رسمية، وجاءوا إلى قلبي — أقصد محلي — وقالوا:

 
"ولدك... فجر نفسه... وترك رسالة. قال فيها إنه بريء منك ومن أمه."


كان ناوي يفجر السوق — أنا — سوق العود.
وسالم... سقط.
بكى بكاءً سمعته الآلات كلها.
الدف انفجر بصمت، والناي ناح، والعود انكسر في زاويتي من الألم.

صرخ سالم:

 
"يا طلال... ليش ما عزفت بيدك بدل ما فجرت نفسك؟!
ليش سكتَّ قلبك عن كل مقام، وصاح فقط باسم الرعب؟"




أنا، سوق العود، رأيت كل شيء.
رأيت كيف يُولد الحبّ في نغمة، ويموت في صمت المجتمع.
رأيت كيف تتحوّل الأم الطقاقة إلى قنبلة في ضمير ابنها، لا لذنبٍ ارتكبته، بل لذنبٍ خلقه الكلام الجارح.

أقولها، وأنا أرتجف على مقاماتي:

 
إن لم تحتضنوا أبناءكم بالأمل، فستحتضنهم الجماعات بالحقد.
إن خُنِق الصوت الجميل، فلن تجدوا إلا الصمت... والصمت أحيانًا قاتل.
فقبل أن تحكموا على وتر، اسمعوا مقامه.

أنا، سوق العود، ما زلت مفتوحًا.
لكن منذ رحيل طلال، لم تُعزف عندي "نهاوند" دون أن أبكي...
ولا مرّ عازف إلا وسمعت في نغمه... ألم مقام الوجع.


(
المقام المكسور)

في ظلالي، ظلّ عليّ، الأطرم، يتنقّل كأشباح الماضي.
لا أحد يعرف من أين أتى... ولا إلى أين يذهب.
كان يدخل كل صباح كأنه إمام صلاة لم يُعيّنه أحد، يرفع يده كمن يبارك البلاط والحوانيت والرفوف، ويصرخ في صمته:

"!!
عظمة على عظمة"

عبارةٌ يتيمة، لا يفهمها أحد، لكنها تليق به.
تليق بصمته الذي يشبه صمت المسرح بعد نهاية العرض.
هو لم يتكلم يومًا، ومع ذلك، عرفناه جميعًا.

يأتي إليّ — أنا، السوق — لا لشراء، ولا لبيع، بل ليعزف على أوتار الصمت.
وكان سالم يفسح له مكانًا، يخرج له عودًا قديمًا، عتيقًا، مكسور الرقبة مرمّم الحب، ويقول:

"شد الوتر، يا علي... خفّف علينا شوية وجع."



فيعزف علي...
يعزف كما لم يعزف أحد.

كأنما العود هو قلبه... وكأن أصابعه لا تلمس الخشب بل تلمس وجه الحبيبة الغائبة.

كان طفلًا يومها، حين دخل السوق أول مرة...
طفلًا نحيلًا، لا يتكلم، لا يبتسم، لا يطلب.
لكنّه حين رأى العود، ابتسمت عيناه.

ومنذ ذلك الحين، صار يعزف
عزف من ذاكرته، لا من نوته.
من كسرته، لا من علمه.

قال أحد الزبائن ذات يوم، وهو يشير إليه لصاحبه:

 "
تدري؟ ذا الأطرم... بيتهوفن السوق. بس شعبي. "


وضحكنا... نحن أهل السوق نحب أن نضحك على ما يبكينا.



ثم جاء مسفر.

شاب سمرته من تراب نجد، ونظرته من دفء الأغنية القديمة.
فتح محلًا يبيع أشرطة الزمن الذي لم يعد يُذاع، وكانت "أم كلثوم" تسكن سماعاته كأنها صاحبة المحل.

"
اهرب من قلبي... أروح على فين؟"
تردّد الصوت، وكأن السوق كله يتهجّى الحنين.

مسفر كان يعرف لغة الإشارة... لأن الحياة علّمته أن يفهم من لا يُقال.
فلديه إخوة من ذوي الاحتياجات، وهو تعلّم أن يسمع بعينيه.

اقترب من عليّ، جلس بجانبه، وقدّمه للعالم من جديد، وكأنه يقول:

 "
هذا رجل، لا شبح... وهذا عاشق، لا مجنون."


 



أهداه ثوبًا، و"شماغًا"، وكوب شاي من عند عم سعيد الفوال، وقلبًا يتّسع أكثر مما يتّسع السوق كلّه.

بكى عليّ...
بكى كما يبكي الوتر إذا انقطع.

كاد أن يُقبّل يد مسفر، لكن مسفر منعه، وبدلًا من ذلك... قبّله على جبينه.

 
أنت ما تحتاج صدقة، يا علي... تحتاج إنسان يسمعك.""

وهكذا صار مسفر وريث سالم، لا في المال، بل في الفهم.
صار الوتر الذي عاد يهتزّ في صدر السوق.

وذات مساء، جلس عليّ يعزف...

عزف شيئًا حزينًا، مألوفًا...
قالوا لحنًا لمحمد عبده، قالوا عبادي الجوهر...
لكن السوق — وأنا السوق — أعرف الحقيقة.

 


كان يعزف وجعه.
وعندها، نطق.
أخيرًا... نطق.

لا بكلمات، بل بإشارة، بلغة لا يفقهها إلا مسفر.
حكايته القديمة انفجرت، كأنها نار تحت الرماد:

أحب فتاة من الحارة.
كان يريدها بالحلال.
والدها رفض... قال له: "ما أزوج بنتي لعوّاد!"
وذات ليلة... سمع صرخة من بيتها.
قيل إنها ماتت.

كيف ماتت؟
لا أحد يعرف.

قالوا: انتحرت.
قالوا: المرض أخذها.
لكن عليّ صرخ صرخة شقّت حنجرة قلبه... وفَقَد صوته إلى الأبد.

قطع الحبال الصوتية، لا بالحجر... بل بالحنين.



نظر إليه مسفر، مسح دمعةً من عينه، وقال:

"يا علي... أنت مو مجنون ليلى.
أنت مجنون لحن... لحنٍ ما أحد قدّره."

ثم سكت، كأن السوق بأكمله خرّ ساجدًا على مقام العتابا"."

ورأيت أنا — السوق — أن عليّ صار معروفًا، بعد أن كان ظِلًا.
صار حيًا في وجدان السوق، لا شبحًا يمرّ كأن لم يكن.

ومسفر؟
كان كما قلت مرة:

"ربّ أخٍ لا تلده أمّك... بل تلده النغمة."

 

  مقام الذكرى...

في صباحٍ لا يشبه غيره، حين كان ضوء الشمس يزحف على بلاط ساحة قديمة قرب بوابتي، شاهدتُه...


وجه جديد، وعظم لم يألف عضّ السوق بعد. اسمه مسفر، وأنا لم أعرفه من قبل، لكن السوق لا يخطئ في فراسته. أعرف جيدًا من يُولد بين جدراني ومن يُقاد إليّ كقَدر.

افترش الأرض قُبالة البوابة الشرقية، حيث لا يُفترش عادةً إلا من ضاق به العيش أو أرهقه الحلم. نصب بسطة خفيفة كمن يختبر المزاج العام، ونشر عليها أشرطة كاسيت قديمة، بينما خبّأ تحتها كنزه الحقيقي: أسطوانات بشير حمد شنان، تلك النوادر التي تهمس بها ذاكرة منسية، وتُعزف كأنها تنهيدة من زمن الطرب الأصيل.

كنت أراه بعينيّ التي لا تُغمض، وأسمعه بأذنيّ التي لم تهرم، فأنا سوق الموسيقى… بي تُباع الأحلام ويُشترى الشجن.
أقولها بلا تورية: التطبيل هنا كان يومًا مهنة شريفة، والمطبل عندي لا يُذم بل يُكرّم، أما "التطبيل" الذي يكرهونه اليوم فهو من صنفٍ آخر… ذاك الذي يُباع في الأخبار والمجالس.

لم يتأخر الوقت حتى أتى وحيد — أحد أركاني العتيقة، ابن السوق ورفيق الأنغام القديمة. جلس إلى جوار مسفر، ومنه تسللت الحكاية...

قال مسفر، بنبرة من يحاول أن يُخفي ما لا يُخفى:

"أبي كان عازفًا في فرقة بشير… بعد وفاته تفرّق الجمع، وضاعت الألحان كما تتلاشى رائحة البخور في الفضاء… لكنني احتفظت بالأسطوانات، تلك التي سجلها أبي بنفسه… كنز لا يُقدّر."

صديق والده، وكان عازف كمان ماهرًا قبل أن يُصبح مطوعًا تائبًا، طلب منه أن يحطم الأشرطة، أن يُحطم "المعصية" — كما أسماها — قطعًا وشظايا، حتى يتعلم كيف يُكسر الجَمال ليرضي الوصاية.

لكن مسفر، بحماقة العاشق، أبى أن يُلقي بالفن في مكبّ النفايات. فالموسيقى عنده كانت خلاصًا، وكانت أيضًا مهنة.
جاءني… إلى سوقي، حيث لا يُدفن اللحن بل يُبعث. حيث لا يموت الوتر، طالما العازف حيّ.

باع مسفر الأشرطة بالسر، وربما في العلن أحيانًا. باعها لمن يدرك قيمتها — من قطر، من البحرين، من كل فجٍّ موسيقي عميق.
قال لأبيه يومًا وقد اكتُشف أمره:

"يا أبتي، رزقي في هذه الأشرطة… وقد بعتُ منها ما لم تدرّ به تجارتك يومًا… ثم إني أُطعم عليّ الأطرم، ذاك الرجل الذي لا ينطق، لكنه يدعو لك كل صباح."

ابتسم الأب، ثم دمعت عيناه، لكن الخوف ظلّ يسكنه...

"صاحبي القديم، المطوع، لن يغفر لك هذا… سيظنك تخونه، تنكأ جرحًا لم يندمل، وتوقظ وترًا ظنه مات."

ولم تمضِ الأيام حتى أتت الهيئة.

رأيتهم بأم عيني — جمع من المطاوعة بلباسٍ رسمي، يسألون مسفر عما يبيع.
ولم يكن فيهم غريب عليّ سوى ذاك الرجل الذي كان في الأمس عازف كمان، واليوم صار رقيبًا على المزمار.
تقدم نحوه وقال بصوت كالسوط:

 "
ما الذي أتى بك إلى دار الفسق والمجون؟ أما زلت تبيع مزامير الشيطان؟"

آه… كم كرهت ذلك اليوم.

وقف مسفر شامخًا:

"أتُراني أبيع مسكرًا؟ لدي ترخيص من البلدية، وهذا محلّ، لا كهف مظلم! أتبيعون الكلام وتضيقون بالموسيقى؟"


لكن العازف القديم — عفوا، المطوع الجديد — لم يتحمل.
همس، هدّد، ثم رحل وهو يتوعد:

"
في المرة القادمة، لن أتركك تنجو..."

والمرة القادمة، كانت المشهد الأخير.

تم زرع حبوب الكبتاجون في محل مسفر.
فُضح الأمر، وجاءت مكافحة المخدرات، وشُمِع المكان بالشمع الأحمر، وهتف رجل الهيئة بغلظة:

 
"ألم نقل لكم؟ من باع الأشرطة انتهى بالمخدرات… ومن الفن ما يُقتل به."



وأنا؟
أنا ظللت أنظر إليهم جميعًا — كمن يرى جريمةً لا يُحاسَب عليها أحد.

هكذا انتهت حكاية مسفر...
أو كادت.

لكني أقولها لكل من يمرّ عبر بوابتي:
"ما ضاع وترٌ خلفه عازف، ولا انكسر لحنٌ يحنو عليه عاشق، ولو سُجن"
الفن لا يُدفن… بل يُخفى، يُوشى عليه، ثم يُبعث كطائر الفينيق من رماد بسطة قديمة.

 

  مقام الحلم!!

أنا السوق.
لا تظنني جدرانًا صمّاء أو أرضًا مفروشة بالحصى وأكياس البهارات.
أنا لست مكانًا فقط… أنا ذاكرة. أنا أذنٌ تسمع ما لا يُقال، وعينٌ ترصد من يسير وعلى كاهله نغمة مؤجَّلة.
بين جدراني تشبّ الأحلام، وتنكسر، ثم تعود أعذب مما كانت.

ولطالما مرّ بي ذلك الصبي… صقر.

كان يعبر الطريق بخطى خجولة، متجهًا إلى جامع ابن حيان في الجهة المقابلة. يرافق والده، في مشهد لا يتغيّر:

 الأب يمضي أمامه، وصقر يتلكأ قليلاً، يتباطأ عمداً...
ثم يسرق النظرات نحوي.

كنت أراه
كان يحدّق بي كما يحدّق الجائع في مائدة بعيدة.
لم يكن يتفرّج، بل كان يُصلّي بعينيه نحو محرابي، كأن نغمةً تسكن فيه تريد أن تولد مني.

لم يتجرأ أحدٌ على سؤاله عن سرّ وقفته الطويلة، حتى انبرى "وحيد" ذات يوم، وأفشى سرّه لزبون وقف مشدوهًا:

 
"ذاك الصبي يحب هذا المبنى. لا يأتي ليتفرج فقط، بل يحلم أن يعزف، أن يقتني عودًا، أرغًا… أي آلةٍ تهبه صوتَه الذي يُخنَق كل يوم."

قال الزبون بدهشة:

 "
وكيف عرفت؟"

ضحك وحيد وقال:

 
"الفضول، يا صديقي، أوقعني في المحظور. اقتربت منه مرة وسألته. أخبرني بحلمه.
قال إنه يريد تعلم الموسيقى... لكن أباه..."


وقبل أن يكمل، اخترق صوتٌ غليظٌ السوق، كصفّارة إنذار:

"
يا صقر! ابتعد عنهم، وإلا نالك العقاب الشديد!"



رأيت الفتى يقفز كأن نارًا لسعته، يجري نحو الأزقة، يذوب في عتمة الحارات القديمة.

أما الرجل، فقد جاء نحوي، كأنه يواجهني أنا لا وحيد، وقال بصوت ينفث الغضب:

 
"إياك أن تكلّم ولدي! إياكم أن تحرضوه! لقد قدّمت ضدكم شكاوى… هذا المبنى لعنة قائمة بيننا! الله يخسف بكم الأرض! ما عرفنا راحة منذ وُجد هذا الخراب بين بيوتنا!"

صمتُّ.
أنا السوق. لا أردّ الشتائم.
أنا أحتضن الحلم وإن بصق عليه الجميع.

وحيد جلس متعبًا من شدة الوقوف، تنفس بعمق وقال:

 
"حتى مسفر، صاحب المحل في الركن، اشتكوا عليه
قالوا إنه يغازل بناتهم لأنه باع شريط موسيقى بصوت أنثوي!
وأبو صقر… يريد أن يهدّمني!

أحمد الله أن القرار ليس بيده، وإلا لهُدمت كما يُهدم المعبد في زمن الجهل."
لكن صقر...
صقر كبر.

كلما كبر، زاد تعلّقه بي.
كان يمرّ بي وعيناه تهمس لي: "انتظرني… سأعود".

كنت أراه حين تُوقف أمه سيارة أجرة، ودموعه تغمر صوته:

 "
يا أمي… أريد أن أعزف!"

فتهمس، وهي تلوّح للسيارة:

"أبوك… تعرفه… لن يسمح، لكن إذا انتقلنا للبيت الجديد، سأحاول… ربما يرضى."


حين سمعت ذلك، تمنّيت أن تمطر السماء لا حزنًا، بل غفرانًا. أردت أن تبلل الشوارع لتُطفئ جمر الأب الذي أراد أن يحرقني بدعاء، كأنني شيطان يمشي على أوتار.

ثم...
مضى الزمن.

وغاب صقر.

لكنني لم أنسَ.
أنا لا أنسى.

وفي أحد الأيام، رأيته.
شابٌ يدخل السوق كمن يعرف طريقه جيدًا.
ابتسمت له. شممت رائحته القديمة... كانت فيه.

توجه إلى محل وحيد، طلب عودًا، وأخذ يعزف.

يا إلهي...
لم تكن أنامله أنامل هاوٍ… كانت أنامل من عزف قلبه قبل أن يمسّ الوتر.

وحيد، مذهولًا، سأله:

> "
أنت صقر؟ أم ابن عمّه؟!"

فأجابه:

 
"أنا صقر… بشحمي ولحمي!
درست في الخارج…. درست ما يرضي والدي ، وما لا يرضيه و دون علمه درست الموسيقى."


ارتبك وحيد، وقال:

"
ألا تخشى… أن يتخذ والدك إجراءً ضدك؟"


ضحك صقر، وقال بثبات:

 
"ما عاد هناك ما أخشاه. نفذتُ كل أوامره. لكني لم أعد أقبل أن تُكبت موهبتي باسم العيب.
هو يستمع لأم كلثوم ليل نهار، لكنه يمنعني أن أعزف!
الآن، ألحّن، باسم مستعار… إن قرأت اسم 'ألحان الصقر'، فاعلم أنني أنا.
وألحّن دون مقابل… الموسيقى هوايتي، وهي صوتي الذي لم يُسمع ذات يوم."

ثم اشترى العود، وغادر.
لكنه ما غادرني.

ظلّ يدور في السوق… كأنني بيته الذي خُلِق له منذ البدء.

 


أنا، سوق الموسيقى، نظرت إلى جامع ابن حيّان في المقابل...
وهمست:

"قدّس الاسم الذي يتردّد بين جدرانك،
وبارك تلك القلوب التي تجمع بين ذكرٍ ونغم...
بين دعاء وعود… بين إيمان وجمال."

 

  حديث الأرواح في سوق العود

أنا السوق.

نعم، لا تتعجّب... لست مجرّد جدران شائخة ولا أعمدة مصلوبة على خريطة الزمن. كنت حيًّا، ولا أزال، وإن نَخَرَني الإهمال، وتشقّقت بلاطاتي من وقع الخُطى التي لم تعد تمرّ.

كانوا يسمّونني سوق الموسيقى. هناك، في العود، قلب الرياض حين كانت تنبض بالفن، قبل أن يُحال القلب إلى تقاعدٍ لا يستحقّه. كنتُ المزار لعشّاق العود، والكمان، والشجن المُطرّز بنوتة. وها أنا الآن، أطوي في جدراني المتهاوية أسرارًا لم تُكتب، ودموعًا لم تُرَ.

وفي ذلك اليوم... جاء سامح.

شاب نحيل، له عينان تشتعلان بغضب لا يعرف مصدره. خطواته متردّدة، وملامحه مشدودة كوترٍ لم يُعزف عليه منذ دهر. لم يكن اسمه على خارطة المدينة. لم يكن في التغطية. جاءني كما يأتي الغريب إلى الحضن الأخير قبل الانفجار.


قيل لي، وأنا السوق الذي يعرف أكثر مما يظنّه الناس، إن قائد جماعة ضالّة أرسله إليّ ليُموّه رجال الأمن. العملية ستجري في مكانٍ آخر، لكنه سيشعل بلبلة هنا، وإذا اقتضى الأمر... سيفجّرني.

سامح لم يكن يعرفني. لم يسمع بي من قبل. جاء بيأسه وجُرحه وخطّته. لم يكن يعلم أني، أنا السوق، أهزم من يأتيني مكابرًا.

دخل ووقف بين الأعمدة. لمحته عيناي، رغم أنها لم تعد ترى كما في الماضي. وحيد، ذلك الشاب الفضولي الذي لا يفوّت همسة، سمعت ما دار بينه وبين سامح، بعد أن انكسر الكبرياء في صدر هذا الغريب قال سامح لوحيد:

" أتيت إلى السوق متشدّدًا، وكان السوق ليس في خطّتنا، بل من اقتراح طلال أبو طلحة. يبدو أن لديه ثأرًا مع أحدٍ هنا. أنا كنت صغيرًا، غارقًا في الحماسة العمياء، أستغفر في سرّي كلّما رأيت عودًا أو تناهى لي صوت مطرباً.لكن..."

 

 


توقّف سامح.
صمتٌ خفيف، ثم قال، كمن غاص في ماءٍ دافئ فجأة:

"ــ لكن... شيئًا ما تغيّر. حين دخلت، كان هناك شاب أصمّ، يدعى علي الأطرم، يعزف, و رجلٌ آخر يُشجّعه، يُقال له مسفر. لا أدري لمَ وقفت أستمع. كان يعزف وكأنّه يسمع ما لا نسمع. ثم ظهر شابٌ اسمه صقر، غنّى بصوتٍ خطف قلبي من بين ضلوعي."

أنا السوق، شهِدت ذلك المشهد. صقر كان عصفورًا غنّى فوق خرائب روحي، فطربتُ رغم حزني.

وفي لحظة مفاجئة، شغّل مسفر الأغنية. نعم، تلك الأغنية.

حديث الروح للأرواح يسري
وتدركه القلوب بلا عناء

صوت أم كلثوم انساب كالضوء في نفقٍ مظلم. وكنتُ أنا ذلك النفق.


ندعو جهاراً لا إله سوى الذي
صنع الوجود وقدّر الأقدارا

إذا الأيمان ضاع فلا امان

 ولا دنيا لمن لم يحي دينا

ومن رضى الحياة بغير دين

 فقد جعل الفناء لها قرينا

وفي التوحيد للهمم اتحاد

 ولن تبنوا العلا متفرقينا


سامح وقف مكانه كتمثال أُصيب بالرعد. عينه دمعت. نعم، أنا رأيت ذلك. سالت من عينيه عبرات بلغت فمه. ثم خرج دون أن يتكلّم.

في المساء، عاد.

لم يكن يحمل سلاحًا، بل يحمل سؤالًا.

توجّه إلى مسفر، وسأله: من كاتب تلك الكلمات؟

لم يُجبه.

أشار إليه أن يذهب إلى مكتبة قريبة، مكتبة الملك عبد العزيز العامة في شارع الخزان. وهناك، فتّش سامح، وقرأ، وفتح قلبه لقصيدة "حديث الروح"، وعلِم أن قائلها هو محمد إقبال، الشاعر والفيلسوف المسلم، صاحب الحروف التي تقرأ القلب.

غاص سامح في دواوين إقبال، كأنّه يعثر على ذاته التي لم يكن يعرفها.

وفي أحد الأيام، عاد إلى وحيد، وجهه ساكن، صوته مطمئن:

"سلّمت نفسي لقسم الشرطة. اعترفت بكلّ شيء. أنقذت أرواحًا كانت على حافة الموت. دخلت برنامج المناصحة، وتغيّرت. وعدت نفسي أن أعود إليك يا سوق العود، كلّما شعرت أن ظلمةً تزحف نحوي."

كان يتحدّث كمن عاش ألف عام.

أنا السوق.

أشهد أن سامح تغيّر.

لم يعد كتلة نار، بل أصبح نسمة.

وأدركت حينها، أن للموسيقى مفاتيح لا يملكها الأمن، ولا الوعّاظ، ولا السجون.

فمن لا يعرفك، لا يثمنك...

ولكن من يعرفك حقًا، يبكي في حضرتك.

 

"ومنذ تلك اللحظة، ما عدت أطرب لصوت العود فقط... بل لصوت التوبة حين تُعزف في القلب."

 

في زمهرير العود...

 

في ليلةٍ بلا قمر، حيث ترتجف الرياض من زمهريرٍ يطقطق الأسنان، وريحٍ تلسع الجدران كما تلسع الذاكرة، كنتُ ــ أنا ــ سوق الموسيقى، أتكوّر على نفسي من البرد، متقوقعًا كقوقعةٍ قديمة تئن من وطأة السنين.

 

أعرف الشتاء، وأحفظ لسعاته. كم من وترٍ انقطع في صدري حين داهمني البرد. وكم من نغمةٍ تكسّرت على أبوابي المغلقة. لكن تلك الليلة... كانت مختلفة.

 

ذلك أن راجح... نعم، راجح ذو العباءة الثقيلة المسماة الفروة، كأنما قدم من سهوب سيبيريا لا من أطراف نجد، خطا إلى عتبة السوق. لم يقرع الجرس، ولم يطرق الأبواب، بل دلف إليّ كما يدخل السؤال إلى صدر الحائر.

 

ابتلعته. ابتلعه جسدي العتيق، كأنني حوت، لكنه لم يَسْتَقِرْ في بطني، بل تهادى في دهاليزي، حتى قادته أقداره إلى وحيد.

 

وأنتم تعرفون وحيد...

ذاك العازف الذي تسبق أذنه لسانه، وتسبق ريشة عوده نوتاته. رجلٌ لا يسمع الناس بأذنيه فقط، بل يلتقطهم كما تلتقط الطيور الحَبَّ، يعرف الخفة والثقل من وقع الكلمات، كما يعرف العازف المفتاح من الضجيج.

 

ربما تتساءلون:

ما الذي جاء براجح في هذا الفصل القارس؟

هل جاء ليصطلي بدفءِ الآلات؟

أم ليُرْوِي قلبه المتعب بعذوبة الألحان؟

من يبحث عن الدفء لا يدخل إلى العود... بل يدنو من النار.

 

لكن راجح، بعد أن حيّى وحيد بتحيةٍ باردة كهواء الليل، قال بنبرةٍ كمن يشعل شرارة:

 

 

"قيل لي إن مكاسبكم من بيع وشراء الآلات الموسيقية... سُحت أعذرني على فظاظة اللفظ، لكنها أحرقتني، وجعلتني أتيت إلى هنا في هذا البرد، فقط لأتبيّن..."

 

سكت السوق.

وسكتت أنا.

وسكتت حتى الأوتار.

 

أما وحيد، فظل صامتًا، ثم همس بصوته الذي يشبه شجن الناي:

"أنا لست من أهل الفتوى...

لكنّي أعلم أن الحكومة لا تتخذ خطوة إلا بعد دراسة من كل الجهات.

وما أعرفه ــ والعلم عند الله ــ أن السُّحت هو المال الحرام:

 

 

الرشوة، الظلم، القوادة، أكل مال اليتيم، السرقة، الغش...

وهذه لا تختص بالموسيقى، بل تجري في كل تجارة، في كل مكان وزمان."

 

رجفت عينا راجح قليلاً، كأن شيئًا ما تكسّر فيه، ثم قال:

"لكن... قيل لي أيضًا أن العزف على العود يحرم الصلاة، ومن يعزف لا تُقبل له صلاةٌ أربعين يومًا.

والموسيقى تجلب الكآبة، تُميت القلب وتوقظ الشيطان."

 

هنا، رأيت وحيدًا... يتحول.

 

لم يعد ذلك العازف الصامت، بل بدا كفيلسوفٍ من خشب... كعوده.

 

اعتدل في جلسته، ومسك ريشته لا ليعزف، بل كأنها قلم حكيم، وقال:

 

"العود خشب...

والخشب من خلق الله،

وأنت من تُقرّر: هل تصنع منه بابًا يدخل الناس، أم سيفًا يقتلهم؟

لا شيء في الدنيا يُحكم عليه من جانب واحد.

لكل شيء وجهان: ظاهر وباطن، أبيض وأسود، حقٌّ وباطل، وبينهم... مساحة رمادية لا يراها إلا من تأمل."

 

ثم نظر إليه بثبات وقال:

"أما الحديث عن الأربعين يومًا... فلا أصل له

ولو فتّشت، لوجدت أن الأحاديث الصحيحة تخبرك أن الأحباش رقصوا في المسجد بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم،

فقال: ما يقولون؟

فقيل له: يقولون محمد عبدٌ صالحٌ.

أفتظن أن نبي الرحمة كان ليسكت عن باطلٍ؟"

 

 

 

ساد صمتٌ لم يشهد له السوق مثيلًا، كأن العالم كله ينتظر نغمة لم تُعزف بعد.

 

ثم أردف وحيد كأنما ينشد نشيدًا:

"الذنب ليس في الآلة، بل في النية.

والإنسان هو من يخلق الذنوب في حياته، وهو من يخترعها.

قل لي بربك...

هل رأيت فنانًا يومًا يدعو إلى القتل والدمار؟

لا تتبع كل من صبّ في أذنيك فتوى حفظها عن ظهر قلب...

بل فتّش، وابحث، وافتح دروبك بنفسك."

 

 

 

تقدم راجح بخطوات ثقيلة، وتغيرت نبرته إلى نبرة تصويبٍ مُنْتَقِدة، وكأنه يريد أن يثبت أن حجته أكثر واقعية:

"ربما أنت تدافع عن تجارتك... وكل صاحب مهنة ينافح عن مصدر رزقه.

قد تزين السيء في عينيك، وتغطي ما ينبغي كشفه.

هل يرضيك أن يكون ما تعزف عليه مرآة لفساد أو وسيلة لتحايل؟

كيف تعرف أن ما في يدك طاهر لا نجس؟"

 

ابتسم وحيد ابتسامة نصفها تحدي ونصفها حكمة، يدير ريشة عوده بين أصابعه كأنه يقيس وزن الكلمة، ثم يرد بهدوء مستفز:

"هناك تاريخ طويل مسيج حول الموسيقى، عن أحكام وأقوال سبقتني وسبقتك.

تصفح كتب الفقهاء والمفكرين، اسأل قلبك وعقلك معًا.

في هذا البحر من الأقوال... أنت راجح، أنا وحيد، فانت رجح ما هو أقرب إليك.

احتكم إلى ما ترى، إلى ما تحس، لا إلى ما يؤمّن لك راحةً زائفة أو يغلق أبواب البحث."

تبادل الاثنان نظرات ثقيلة كأن السوق بأكمله يحمل أنفاسهما، فتتوقف الريح خارج الجدران، وتحتفظ الأوتار بأنفاسها كما لو كانت تستمع لشهادة قد تُبدد الصقيع أو تزيده.

 

خرج راجح.

خرج كما يدخل الحائر إلى معبدٍ لا يعرف له قبلة.

كان العرق يتصبب منه، رغم أن البرد في الخارج كان شديدًا. رأيته يرفع طرف منديله، يمسح جبينه، كأنّه مسافرٌ خرج من سؤالٍ كبير.

أما أنا....

أنا سوق الموسيقى...

فقد خطرت في بالي عبارة لا تُكتب، لكني سأقولها همسًا:

"الإنسان غريب... يبحث عن المهالك، بينما النعيم بين يديه.

يقتل الفرح، ويُبقي على الأحزان.

يطلق الآلام، ويمنع الأدوية..."

 

سَلمى وسُوق العود

الطيور كانت تعود إلى أعشاشها...
لكن سلمى، ومنذ أن كانت بالكاد تصل أطراف العود المُعلَّق، كانت تطمح أن تبني عُشها هنا، في جوفي أنا، سوق الموسيقى، الذي يعرفه أهل العود بـ "سوق العود".

كانت تأتي مع أبيها، الذي لم يكن أحد يناديه إلا بـ "أبو سلمى". رجل يفيض حنانًا، يشبه صوت العود حين يُعزف في ليلٍ بارد.
لكن... كالوتر الذي يُقطع في عزّ النغمة، اختطفه الموت مبكرًا.
اختلت نوتة الحياة، وانقطع اللحن.

أغلق المحلّ. بقي موصدًا سنوات.
تراكم الغبار على المفاتيح، ونسجت العناكب أوتارها فوق الآلات، حتى خُيّل لي أن العود صار يبكي من شوقه لتلك اليد التي عزفته ذات زمن.
أما الناي... فكم أجهش بالبكاء! اشتاق من ينفخ فيه، فيُشجي قلبي أنا، السوق، الذي صار مهجورًا، خامدًا كأنينٍ بلا سامع.

مرت الأعوام، وجفت الأزقة، وتغيّر الوجوه...
حتى جاء ذاك اليوم.

دخلت سلمى.
سمعتُ وقع خطواتها قبل أن تصلني. كان في يدها المفتاح، وفي عينيها شيء من أبيها.
فتحت المحل، وجلست فيه.
آهٍ، كم فرحتُ!
دبّت الحياة في بلاطاتي من جديد.
أنا لا أحتمل رؤية المحلات موصدة؛ فالموسيقى غذاء الأرواح، وإن انقطع غذاؤها، جاعت… وإن جاعت الأرواح، ضمر العقل.
وحين يضمر العقل، تنبت نبتة التطرّف والغلواء كالأشواك في أرضٍ بلا ناي.

لكن... لا شيء يمضي كما نهوى.
العادات والتقاليد تضع سياجًا حتى حول الأصوات.

في محلي، لم تقف امرأة من قبل.
دخل شاب يُدعى وحيد، نظر إلى سلمى وقال متردّدًا:
 
"أختي سَلمى... ما يجوز تبقين وحدك هنا، النظام ما يسمح!"

رفعت رأسها وقالت:
"هذا المحل ورثي من أبي، حقي! ولا راح أبيعه، ولا أجيب عامل ما يفهم شيء! أنا آخر من بقي من أبي وأمي!"

قال بنبرة حذرة:
"المطاوعة بيجون، وهم يحاربون النغمة، يبون يقفلون السوق كله، لا تصيرين السبب!"

لكنها كانت من صخر...
قالت، بصوت عالٍ يسمعه من لا يريد أن يسمع:
"المحل لي! أيّ شرع يمنع امرأة تبيع في مالها؟! هل التجارة حكر على الذكور؟!"

تنفستُ أنا السوق وقتها، قلت في داخلي:
"ما أشجعها!"

لكن الريح كانت معاكسة.

دخل المطاوعة، عيونهم كالسكاكين.
رأوا وحيد معها، فصاح أحدهم:
"خلوة! خلوة غير شرعية!"

صرخت سلمى، دافعت.
ووحيد حاول أن يشرح، أن يبرر، أن يهدّئ...
لكنهم أخذوه معهم، اقتادوه كأنه مجرم، وقال له أحدهم ببرود:
 "!
أتيت جرماً كبيراً"

سلمى لم تهتز.
بقيت.
صامدة.
رفضت أن تترك المحل، رغم أن السوق كلّه وقف يتفرّج.
الكثيرون حاولوا ثنيها عن موقفها، لكنها أجابتهم:
 
"من يحرمني من إدارة حلالي؟ أجيب عامل يمكن يسرق؟! المال السائب يعلّم السرقة..."

كانت حججها أقوى من العُرف، لكن العُرف أقوى من المنطق.

ومع الوقت، وجدت نفسها في زاوية حرجة.
لم يكن أمامها سوى حلٍّ واحد: أن تُطلق سراح وحيد مقابل أن تترك المكان.

فعلت.

خرج وحيد من مركزهم، وقال لها:
"أنا بامسك المحل. وأخلي عاملي في محلي... إذا تبين الحياة تبقى في السوق، لازم نلاقي مخرج..."

وهكذا صار.
وحيد استلم محل سلمى.
ويُقال – والعهدة على من قال – أن سلمى صارت زوجته، على سنة الله ورسوله.

أما أنا، السوق، فأقول:

لا تصدّقوا كل ما كُتب في كتب التاريخ.
فالواقع أحيانًا يعزف لحنًا لا يُدوَّن.
أنا سوق الموسيقى، لا تحاسبوني... حاسبوا التاريخ!

 

سوق العود... حين بكى طفل على مقام الكرد

لم أكن مجرد مبنى من حجر، ولا دكانًا من خشب، ولا عطر بخور يضيع في الزوايا…
أنا سوق الموسيقى، أنا المعزوفة التي لم تُدوَّن بعد.
قد يراني الناس سوقًا عاديًّا، ممرًا للشراء، نقطةً بين نقطتين،
لكنني أعرف نفسي...
أنا أكثر من سوق.
أنا منبر الأرواح، مقام الحكايات،
وأنا، دون مبالغة، ذاكرة العود.

في ظهيرةٍ دافئة، كان مصباح يعزف على مقام الكُرد،
أصابعه تمشي على الأوتار كما تمشي الأقدار على ظهر الحياة.
إلى جواره جلس وحيد، المعلم والصديق،
كان يُعطيه الملاحظات كأنها شذرات من ذهب.

– «خفف الضغط على الوتر الثالث... دع الصوت يتنفس.»

كلٌ منهما يحتضن عوده كما يُحتضن الحنين،
وكانت الأغنية "صعب السؤال" تذوب في الهواء…
كأن السوق كلّه، بلا استثناء، صار نغمة.

عند مدخل السوق، دخل صبي صغير،
طارق...
وجهه ملوّن بالأتربة، عيونه متورّمة من البكاء،
صوته ليس بصوت، بل همهمة جوع وخوف.
وقف، ثم جلس عند العتبة،
كأن سلالمي الحجرية أصبحت له سلّمًا موسيقيًّا يجهله،
لا يعرف "دو"، لا يعرف "صول"،
هو يعرف فقط موسيقىً صاخبة في بطنه الخاوي،
ونشازًا داخليًا لا يهدأ.

لكنه لم يأتِ إليّ صدفة…
فالله لا يترك عباده.

في اللحظة ذاتها، دخلت نديبة.
الطقاقة صاحبة الصوت الشجي،
كانت تنوي شراء دفٍّ جديد، لكن عينها وقعت على طارق.

سألته بلطفٍ يشبه الحنين: – «وين أهلك يا وليدي؟»

رفع رأسه… عيناه ضائعتان في مقامٍ حزين.
قال لها بصوت مشروخ:
– «مدري... ضعت منهم... ما أدري وينهم.»
كأنه يُغنّي دون أن يدري:
"مدري المحبة ضيّعتني، وإلا أنا ضيّعتها."

اقتربت منه...
كان صدرها يشبه مقام الراست حين يحتضن العود،
قالت له:
– «تعال معي، يا قلب نديبة...»

حينها خرج وحيد، مستشعرًا الحدث.
هذا الرجل لا يفوته شيء، هو وكالة أنباء موسيقية متنقلة.
سألها باستغراب:
– «وين تبين تودينه؟»
فأجابته دون تردد:
– «بأدور له أهله... وإن ما لقيت، بيتي بيته.»

كانت قد اشترت له وجبةً صغيرة...
وعندما ناولته الطعام، بكى.
لا من الجوع، بل من الطمأنينة.
بكى كمن سمع لحنًا يعرفه ولم يسمعه من قبل.
كأن معدته تعزف مقامًا شبعًا،
كأن صدر نديبة صار وطنًا مصغّرًا.

قال لها وحيد ممازحًا:
– «نسيتي السوق؟ ما تبين تشترين؟»
أجابته بعينين ممتلئتين:
– «أنا قدّامي مقام موسيقي... مقام إنساني…
وأدور له عن قرار.»

أخذته معها.
غادر الاثنان السوق.
لكنني لم أغضب.
رغم أنني أزعل حين يخرج أحدهم دون أن يشتري منّي،
هذه المرة، أنا شاركت.

شاركت نديبة مشاعرها،
وأنصتُّ لدموع طارق كما أنصتُ للأوتار.
تابعتُ خطواتهما وهما يمضيان بعيدًا،
وهي تحدثه كما تحدّث أم طفلها في المهد،
فلم أعد أراهم إلا صورةً أخرى…
كأنها وطفلها طلال…
مرّة أخرى، تمشي في نفس الطريق.

أنا السوق…
لكنني كنتُ أكثر من سوق.
كنت الحاضن، كنت المسرح، كنت القلب.

القلوب خزائن.
لا تنفتح لأي أحد،
لا يكشفها إلا الله.

أما أنا…
فقد عرفت أن في بعض الأرواح بذورًا
إذا سقيناها بلحنٍ…
أزهرت إنسانًا.


"قصيدتي لا تسمعي… غيري قصيد
يا ساكنة في ورد الحشى… وحبر الوريد"
لكن نحب… والله
فوق الخيال…
صعب السؤال.

 

 الجريمة في مقام العود

أنا سوقُ الموسيقى في حيّ العود.
لي أحجارٌ عتيقة، وأقواسٌ شهدت مرور أجيال من العازفين، وباعة النغم، وصنّاع العود والقيثارة. في نهاري تضجّ الأزقة بصوت الكمنجات، وترتجف جدراني على رنين الأوتار، حتى أكاد أظنّ أنني لستُ سوقًا من حجر، بل مقطوعة موسيقية طويلة تمشي على الأرض.

غير أنّ صباحًا من صباحاتي لم يشبه ما قبله.

عند الفجر، حين كانت الشمس ما تزال تتسلل خجلى بين سطوح البيوت القديمة، جاء عاملٌ يفتح أحد المحال. وما إن خطا بضع خطوات حتى توقّف فجأة. شعرتُ برجفةٍ تسري في حجري؛ فقد كانت هناك جثةٌ ممددة عند عتبة دكان صغير.

كان الرجل الذي يرقد ساكنًا يُدعى بين أهل السوق مفتاح.
لم يكن اسمه الحقيقي كذلك، لكن الموسيقيين أطلقوا عليه هذا اللقب لأنه كان يعرف أسرار النغم كما يعرف الخطاط سرَّ الحرف. كان يقول دائمًا إن كل لحن يبدأ بمفتاح، وإن النغم بلا مفتاح كالكلام بلا معنى. لذلك التصق به الاسم حتى صار جزءًا من روحه.

كنت أراه كل يوم يفتح متجره مبكرًا، يحيّي العازفين، ويضحك مع الباعة، ويلقي على مسامعهم حكاياتٍ عن المقامات والأوتار. لم يكن يعزف كثيرًا، لكنه كان يعرف كيف يوقظ في القلوب شهوة الموسيقى.

وقد شهدتُ غير مرة مجالسه الصغيرة عند مدخل دكانه، حين يجتمع حوله بعض أهل السوق.

ذات صباحٍ وقف عنده مسفر ووحيد، ومعهما رجلٌ صامت يعرفه الجميع بـ العازف الأطرش؛ عازف عودٍ بارع فقد سمعه منذ سنين، لكنه لم يفقد إحساسه بالنغم.

كان مفتاح يمرّر أصابعه على الأوتار برفق، فتنثال النغمات كأنها قطرات ماءٍ على صخرٍ قديم. عندها قال مسفر، وقد عقد حاجبيه في تفكير:

— يا مفتاح، لماذا يجب أن نبدأ بالمفتاح؟

ابتسم مفتاح ابتسامة هادئة، وقال وهو يشير إلى المدرج الموسيقي المرسوم على ورقة أمامه:

— المفتاح يفتح كل مغلق… والمفتاح الموسيقي يفتح كل مغلق في اللحن. بدونه لا نتلمّس الطريق بين النغمات، ولا نعرف موضع الخطوة الأولى.

هزّ وحيد رأسه كأنه اكتشف سرًا كان غائبًا عنه، ثم قال:

— كنت أجهل كيف أرتّب الأنغام، حتى تعرّفت عليك. كنت أسمعها مبعثرة، كأنها كلمات بلا نحو.

أما العازف الأطرش فكان صامتًا كعادته. لم يكن يسمع شيئًا مما يدور حوله، لكنه كان يحدّق في أصابع مفتاح وهي تتحرك فوق الأوتار. كانت عيناه تتبعان كل حركة، وكل انزلاقٍ دقيق بين وترٍ وآخر، حتى يلتقط ببصره ما عجز سمعه عن التقاطه.

وكانت يده، حين يمسك عوده، تُفصح عمّا في قلبه كما تفصح الكلمات في أفواه الآخرين.

كنتُ أحتفظ بتلك اللحظات بين جدراني، كما تحتفظ الآلة الموسيقية بذبذبات الصوت بعد انطفائه.

لكن بين تلك الوجوه التي كانت تجتمع حول دكان مفتاح، كان هناك رجلٌ آخر…

راجو.

كان يعمل في السوق، يقدّم الشاي والقهوة، ويجلب الطعام للعازفين والباعة. رجلٌ هادئ، قليل الكلام، لا يرفع صوته إلا نادرًا.

وذات يوم، بينما كان مسفر يقف عند باب الدكان، اقترب منه راجو وقال بصوتٍ خافت:

— أنا غاضب من مفتاح.

ثم ابتسم ابتسامةً غامضة وأضاف:

— هو ليس مفتاحًا… بل قفل.

ضحك مسفر كعادته وقال:

— قفل؟! هذه أول مرة أسمع مفتاحًا يتحول إلى قفل!

لكن راجو لم يضحك. كان في عينيه شيءٌ آخر… شيء يشبه العزم الصامت.

وكان وحيد، الذي كان الناس يصفونه بأنه ناسج خيوط السوق لأن الأخبار تمرّ عبره كما تمر الخيوط في النسيج، يراقب الحوار من بعيد.

اقترب قليلًا وقال:

— ما بك يا راجو؟

تنفّس راجو ببطء وقال:

— مفتاح ليس شخصًا جيدًا. يظهر أمامكم الطيبة… ومن خلفكم إنسانٌ شرير.
— أخذ حقي… ولم يرده.

ساد صمت قصير.

حاول وحيد أن يطفئ شرارة الغضب قبل أن تكبر.

— يا راجو، الخصومات تُحل بالكلام… لا بالغضب.

لكنني، أنا السوق، شعرتُ يومها أن شيئًا قد تحرّك في الظل.

كثيرًا ما رأيت كيف تبدأ الصراعات بكلمة… وتنتهي بطعنة.

وفي ليلةٍ أخرى، حدث أمرٌ صغير لم ينتبه إليه كثيرون.

كان العازف الأطرش يسير بين الأزقة حين لمح راجو يحمل سكينًا.
لم يسمع شيئًا، لكنه رأى بوضوح لمعان النصل في ضوء المصباح.

وفي صباح اليوم التالي حاول أن يخبر مسفر بما رأى. أشار بيديه، ورسم في الهواء شكل السكين.

فقال مسفر بعد أن فهم بعض الإشارات:

— تقصد أن راجو كان يحمل سكينًا؟

ثم هزّ كتفيه وقال:

— هذا طبيعي… هو يعمل في محل يقدّم المأكولات والمشروبات.
— حمل السكين ليس جريمة.

حاول العازف الأطرش أن يوضح أكثر… أن الأمر لم يكن عاديًا، وأن في حركة راجو شيئًا مريبًا. لكن أحدًا لم يفهم قلقه.

البشر كثيرًا ما يسمعون… لكنهم لا يفهمون.

ثم جاءت تلك الليلة…

ليلةٌ ثقيلة، كان الظلام فيها كثيفًا كحبرٍ سُكب على الأزقة.

كانت الجريمة خفية، صامتة، كأنها وُلدت من صمت الليل نفسه.
لم يسمع أحد صراخًا، ولم ترتفع ضجة في السوق.

لكن العازف الأطرش رأى شيئًا.

رأى شخصًا ينسلّ بين الظلال، يرتدي لباسًا أسود حتى بدا كأنه قطعة من الليل انفصلت عنه. كان يتحرك بحذر، ويلتفت خلفه كمن يخشى أن تفضحه العيون.

حاول الأطرش أن يتبعه، لكنه اختفى بين الأزقة.

وفي الصباح… ظهرت الجثة.

اجتمع الناس، وارتفعت الهمسات، وامتلأ السوق بالخوف.

ولأن البشر يخافون من الصمت…
فقد تأخرت الشكوك قليلًا حتى اتجهت إلى العازف الأطرش.

قال بعضهم:

— هو كان يتجول في السوق تلك الليلة.

وقال آخرون:

— لا أحد يعرف ما يدور في رأس هذا الرجل الصامت.

وهكذا صار الصمت نفسه تهمة.

وقف الأطرش بينهم يحاول أن يشرح ما رأى. كان يشير بيديه إلى الظل، وإلى الرجل الذي كان كقطعة من الليل.

لكن أكثرهم لم يفهم إشاراته.

وبينما كانت الشبهة تشتد حوله، وقف مسفر صامتًا لحظة طويلة… ثم رفع صوته أخيرًا.

قال:

— كفّوا عن هذا الظلم.

وأشار إلى الأطرش وقال:

— هذا الرجل لا يسمع… لكنه يرى ما لا نراه.

ثم التفت إلى الناس وقد بدا الغضب في صوته وقال:

— أتتهمون رجلاً عاش عمره بين الأوتار؟
— أتتهمون من جعل حياته نغمًا؟

ثم قال عبارته التي بقي صداها طويلًا بين جدراني:

— إن من يدندن الأَنغام… لا يقتل الأنام.

ساد صمتٌ ثقيل في السوق، كأن الكلمات أصابت القلوب كوترٍ صادقٍ أصاب نغمته.

ثم أخبرهم مسفر بما قاله له الأطرش من قبل عن السكين… وعن الظل الذي كان يرتدي السواد.

وبعد قليل، حين فحص رجال الشرطة الجسد، قال أحدهم:

— الطعنة عميقة…
— سكينٌ حاد.

ارتجف مسفر قليلًا.

تذكّر حديث الأطرش… وتذكّر السكين.

وقال بصوتٍ خافت:

— فات الأوان…

لكن الحقيقة، مثل نغمة صافية، لا تختبئ طويلًا.

سرعان ما تكشّف أن القاتل هو راجو، الذي كان يقدّم الشاي والقهوة للجميع. الرجل الهادئ الذي أخفى في صدره غضبًا طويلًا بسبب خصومة مع مفتاح.

حين امتلأ قلبه بالغيظ، أظلمت نفسه حتى لم يرَ أمامه إلا طريقًا واحدًا…

طريق الجريمة.

أما العازف الأطرش، فقد وقف بعد ذلك طويلًا عند باب السوق، يحدّق في الأوتار، كأنه يبحث بعينيه عن ظل تلك الأصابع التي علّمته كيف يرى الموسيقى.

وأنا، سوق الموسيقى في حيّ العود، ما زلت أحتفظ بصدى تلك الحكاية بين أحجاري.

فالموسيقى قد تملأ المكان…

لكن غياب المفتاح
يجعل النغم كله أقل حلاوة.


دموع السوق!!!

كنت أظن أن الأسواق، كالأشخاص، تنسى... لكن سوق الموسيقى، ذاك العتيق البارد، لا ينسى أصحابه.
أنا السوق، نعم، السوق نفسه، الذي تعلّق على جدرانه الغبار كما تعلّقت على أوتاره الذكريات.
سوقٌ خمد فيه صدى الطرب، وسكنت أنغامه كما تسكن الأرواح في جسد نائم لا يحلم.

ومع ذلك...
لم أسلُ عنهم.
فالحنين، هنا، ليس ترفًا عاطفيًا، بل هو هواءٌ يُتنفّس، ودمٌ يسري في جدراني الحجرية.
كنت أعبر أيام الركود كعجوز يجرّ خطاه في رواقٍ معتم.
حتى كدت أن أنسى ملامحه... ذاك الأسمر الوديع، وتلك الابتسامة التي لا تفارق قسمات وجهه، وكأن وجهه شُكّل من أنغام، لا من لحم وعظم.

كان ذلك اليوم مختلفًا، وكأن السماء رمشت لعيني مرة أخرى.
انبعث صوت أم كلثوم من مسجّل "مسفر" العتيق، يئنّ في زوايا السوق بنبرة حزينة:

> "بعد ما صدّقت إني قدرت أنسى...
بعدما قلبي قدر يسلاك ويقسى..."



وحينها... دخل "سالم".
لا كما خرج منذ سنوات، حين ودّع السوق واقفًا، ثابت الخطى، بل عاد مقعدًا، يتكئ على كرسيٍّ متحرّك.
كأنما الزمن التهم قدميه، وترك له قلبًا يمشي نيابة عنه.

كنتُ على وشك أن أغني بمقام "السيكا"، أن أرحّب به كما يرحّب البحر بمراكبه العائدة...
لكن حبل السعادة كان قصيرًا، كأن شيئًا ما في النغمة انكسر.
رأيت وجهه… نعم، هو هو… لكنه ليس هو تمامًا.
الابتسامة كما كانت، ولكن خلفها تعبٌ لا يُقال.

كان الناس يلتفون حوله.
وحين اقتربت منه، كدت أُقبّل رأسه من فرط شوقي.
لكن شيئًا لفت نظري...
ذاك الذي يدفع كرسيه، وجهه مألوفٌ حد الألم.
كأنني رأيته طفلًا يركض بين الدكاكين.
أتراه "طارق"؟!
نعم، هو طارق...
ذلك الصبي الذي رحل برفقة "نديبة"، زوجة سالم، ذات يومٍ لم يعد فيه أحد.

لكنه عاد.
شابًا هذه المرّة، يدفع سالم كأنه يعيده إلى مكانه لا إلى محلٍّ مغلق.

وللمفارقة...
هو من فتح المحل.
هو من رتّب الأعواد، ونفض عن النغمات غبار الغياب.
هو من أعادني إلى الحياة، أنا السوق، البارد، الذي كاد ينسى كيف تُعزف الحياة.

سالم كان يُشرف بعينيه، يتأمل، يدمع، ويهزّ رأسه كأنه يبارك كل وتر يُربط، وكل مقام يُجسّ.

قريبًا منهم، وقف "وحيد"، و"مسفر"، و"سامح"، وكلهم كانوا شهودًا على زمن مضى.
أما "علي الأطرم"، فكان يبكي…
يبكي بكاءً لا صوت فيه، يحمل عودًا كما يحمل الزائرون ورودًا، يريد أن يغني أغنية فهد بن سعيد:

> "عشرة سنين وافترقنا في ليلة...
باسباب كلام فارق خليل خليله..."



لكنه لم يغنِّ…
عليّ، ذلك الصامت، كان صوته دموعه.

والعجيب أن الدموع، تلك التي عهدناها للوجع، كانت أيضًا حاضرة في الفرح.
أدركت عندها أن الإنسان لا يبكي من الحزن وحده، بل يبكي حين يفيض قلبه، حين لا تسعفه اللغة، فيتكلم الدمع.

أما طارق...
فكان شعلة السوق الجديدة، يدير المحل وكأنه وُلد فيه.
وكان سالم ينظر إليه بعين الأب، أو بالأحرى، بعين العازف الذي وجد في مقامه فرعًا حيًّا يشدّ به وتره الأخير.

"كل دقة بتعليمة"، يقول المثل.
وسالم تعلّم أن الحياة، مثل المقامات الموسيقية، لها فروع وتفرعات…
وطارق كان فرعه، وكان سالم… شجرة نغم، لم تمت جذورها.

 

 سوق العود: حين رنّت الكعوب على مقامات العشق

لم أكن في يومٍ من الأيام مجردَ مربّع بلاط بارد، أو رفًا مرصوصًا بأشرطة كاسيت علاها الغبار...
كنتُ السوق، نعم، أنا سوق العود، المكسوُّ بشقوق الزمن، والمغمور بأسرار الزوّار، أسمع كل همسة، وأحفظ كل تنهيدة.

ذات ظهيرة مشوبة بحرارة الغيم، دخلت "هي"...
رباب.

كانت خطواتها تطرق بلاطي كما يقرع العسكر طبولهم في مواكب الغلبة، كعبها العالي يشقّ الهواء بنغمة صارمة، كأنها موسيقى مارش عسكري ضالّ وسط نغمة طرب قديم.
كنتُ أخشى – نعم، أخشى – أن ينحشر كعبها في إحدى فرجاتي، فأصرخ من الألم أو الحنين، لا أدري.

رباب، تلك الفتاة المغناج، لا تظهر دائمًا، لكنها حين تأتي تُحدث رجّة في السوق. لا تبتسم كثيرًا، لكن غمزتها تكفي لارتباك الهواء... تشبه سميرة توفيق حين كانت الدنيا أجمل، ومسفر – صاحب المسجّل المتقادم – يشغّل أغنيتها المفضّلة وكأنه يغازلها من بعيد:

> "يا أسمر يا حلو...
يا بدر ضاوي بأعلى فلك..."



أهو مسفر يحاول لفت انتباهها لأنه يشبه الأغنية لونًا؟
ربما.
لكن الريح لا تسير على مقاس الألحان.
رباب لم تكن تهتم. كانت تأتي لتشتري أشرطة الطقّ، تلك التي لا تُباع في المتاجر الرسمية، بل في دهاليز الفرح الشعبي. أغنيات نساء يُغنين للحياة في عرس... أو لفراق محتمل.

في تلك المرة، لم تُكمل رباب ما جاءت من أجله.
وقعت عيناها على طارق، الشاب الذي يبيع في الزاوية، يفرز الأشرطة بنصف تركيز، ويغني لنفسه أحيانًا كمَن يحاول النجاة من صخب الحياة...
التقيا بعينيهما،
رنة كعب
ونظرة…
فاشتعل شيء في الهواء،
واشتغل السوق بنغمة لا تُباع.

طارق، من تلك اللحظة، أصبح فراشة. حلق في سموات لا سقف لها.
أما أنا، فكنت أراقبه... أقرأ ارتباكه في مشيته، في ترتيب الأشرطة، في صوت عبدالحليم وهو يهمس:

> "جانا الهوى... جانا..."



لكن الحب، يا صاحبي، لا يسير على مقام واحد.
سرعان ما انكسرت النغمة.
أمه، نديبة، وقفت بينه وبين الحلم كما يقف جدار صامت بين عاشقين.

قالت له بحدّة، وهي تغلي من الداخل:

> "مستحيل يا ولدي أزوّجك رباب...
هذي تبغى تنتقم مني... تبي تحطك جسر توصل به لي... لا تساعدها ضدي إن كنت تعتبرني أمك."



طارق ارتبك، ثم احترق، ثم صمت.
الحب حين يُمنع لا يموت، بل يتحوّل إلى سيل داخلي من الأغاني التي لا تُسمع.
ناداها:

> "يا أمي! أحبها، والحب ليس بيدي!"



لكن نديبة نظرت إليه كما تنظر الأم لطفل يريد نارًا ليلعب بها:

> "راح تنساها... لا تقطع قلب أمك... أرجوك..."



وانطفأ طارق.

أنا السوق، رأيت كيف تغيّرت ملامحه. كيف صار صوته منخفضًا. كيف يعلّق الشريط ثم يتأمّل الغلاف دون أن يفتحه.
صار يغني مع عبدالكريم عبدالقادر:

> "قبل اللقاء كانت حياتي...
حياتي بألف خير...
وبعد اللقاء كل شي...
أشوفه غير وغير..."



رباب؟
عادت. كأن شيئًا لم يكن. كانت تمرّ من جانبه، تشتري شريطًا، تغمز لمسفر، وتنصرف.
لكنه لم يعد ينظر إليها كما كان.
لم يعد يطير.
طارق أصبح ثقيلًا كأغنية حزينة تتكرّر.

أما أنا، السوق، فبقيت هنا...
لا أطرد أحدًا. لا ألوم أحدًا.
أنا المكان الذي تُباع فيه الأشياء، وتُشترى فيه الذكريات.

لكن هناك أمرًا واحدًا لا يُباع:
الحب.
ومهما دفعت مال الدنيا،
فلن تشتري قلبًا يرفض أن يُباع.


أنا سوق الموسيقى... حيث لا يصدأ النغم

أنا لستُ دكّة حجر، ولا رصيفًا واهنًا تنام عليه البضائع،
أنا سوق الموسيقى... أنا سوق العود، المكان الذي تتوضأ فيه الأرواح قبل أن تعزف،
المكان الذي تتهجّى فيه العيون الحبّ من غلاف كاسيتٍ قديم، أو من صوت أم كلثوم يصعد مع الغبار من مذياعٍ متهالك.

فيّ طنين، وفيّ وجع، وفيّ أناشيد لم تكتمل...
لا شيء يضيع هنا، كل همسة لها رنين، كل دمعة لها مقام.

وها هي رباب...
دخلت من بوّابتي كأنها لا تدخل مكانًا بل ذاكرة.
كانت تمشي على أطراف غيمها، بثوبٍ يعزف الحنين، وعينين مُضرجتين بندى لا يشبه المطر.

ما كانت رباب زبونة...
كانت سؤالًا قديمًا يعود.

وقفت عند وحيد، صاحب المحل المتهالك، الذي تتدلّى من سقفه أشرطة الماضي كشعور الحنين المبتور.
وحيد... رجل يعرف متى يصمت ليصغي جيدًا، ومتى يهزّ رأسه كما لو كان يقول للموسيقى: "أكملي لو سمحتِ".

قالت له، بنبرة تُشبه ارتعاش وتر مهجور:

> "نديبة كانت تحب أبوي...
ما صار نصيب... هو توفى، لكن هي ما قدرت تنسى.
دايم توقف بطريقي، وكأنها تحاسبني على ذنب لم أرتكبه.
تقول إنه لعب بمشاعرها... وإنه، في النهاية، اختار بنت عمه."



تنهّدت.
كانت تنهيدتها طويلة كجملة ناقصة لم تجد فاعلها.
ثم تابعت، وهي تلتفت حولها كأن الذكرى صارت شبحًا يتبعها:

> "أنا شاكة... في شي صار بينهم.
مو طبيعي حقدها...
اللي يحب بصدق، يحب كل شي يمتّ له بصلة… حتى أنا."



وحيد اقترب بنظره، لا بجسده،
كانت عيناه تسألان من حيث صمت فمه،
ثم قال، بفضول يشبه ملامسة جرح:

> "وش اللي صار؟ قولي..."



لكن قبل أن تتكلم، مرّوا...
رجال الهيئة، بخطواتهم التي تشبه الطرق على باب الخوف.
عيناهم لم تكن ترى فقط، بل تحكم.
وحيد تراجع...
تذكر "سلمى" التي أشعلت له في قلبه قيدًا، وكادت أن تتركه خلف القضبان.

همس لها، بنبرة فيها قلق محكوم بالذكاء:

> "انصرفي يا رباب...
اللي صار، ما نقدر نعرفه... والله أعلم.
بس لو بقيتي، أنا راح أروح فيها."



رباب نظرت إليه...
نظرة لم تكن وداعًا، بل تعبيرًا عن شيء لم يُولد بعد.

ثم خرجت.
وغاب عطرها بين أزقتي...
لكنني، أنا السوق، احتفظت به، كما أحتفظ برائحة العود المُعتّق،
وكما أحتفظ بأسرار لا يفضحها إلا الصدى.

يقولون:
"السر لا يبقى في فم امرأة."
لكن رباب… لم تكن امرأة عاديّة.
كانت قصيدة مشطوبة السطر الأخير،
ربما قالت نصف الحقيقة، وربما خافت من الحقيقة كاملة.
لكنّ العالم ينهار دومًا بسبب أنصاف الحقائق...
ألا تعلمون؟

ومن يومها...
لم تعد.
لا هي، ولا ظلّها، ولا شتاتها الجميل.

وأنا؟
أنا سوق العود،
رأيت فجر حبها، وسمعت أول تنهيدة له،
كما شهدت غروبه، حين خفت صوتها وارتجف ظلّها على جدراني.

أنا السوق،
الذي يعرف أن الموسيقى لا تموت،
لكن العشّاق... حين يرحلون، يتركون وراءهم نغمة مكسورة، لا يُصلحها الزمن.

 

أنا السوق… وأنا النغمة التي لا تزال ترتجف في جوف العود

 

لم أكن يومًا حجارة مرصوفة أو سقفًا من صفيح،

كنتُ صدرًا كبيرًا يحتضن الأنغام،

أنا سوق الموسيقى في "العود"...

ذاك الركن العتيق الذي كان فيه العود يُعرض كما تُعرض الموشحات في بلاط الأندلس،

والناي يُجسّ كما تُجسّ الشفاه المرتجفة في ليلة حبٍّ أولى.

 

كنتُ أعرف الزائر من خطوته،

أميّز العازف من الهائم، والبائع من الحالم،

وأتنفس مع كل وتر يُجرب، وأشهق مع كل نغمة لا تكتمل،

كنتُ بيتًا لذوي اللمسة الخفيفة، الذين لا يتكلمون كثيرًا،

لأنهم يُلقون أسرارهم في جوف آلة موسيقية، لا في أذن بشر.

 

كان اسمي يُقال بخشوع: "سوق الموسيقى في العود"،

وكانت جدراني تحفظ أسماء من عزفوا فيها،

تمامًا كما تحفظ المخطوطات أسماء كتبتها أنامل نادرة.

لكن الزمان كفّ عن مجاملتي...

وجاء مصباح.

 

دخل مصباح كما يدخل الضوء صدعًا في حائط قديم.

صوته عذب، مشيته واثقة،

كأنه لا يبيع العود، بل يُغريه أن يعود للحياة.

 

كان عازفًا… لا، كان مخلوقًا من لحن.

عيناه تلمعان حين يُمسك الناي،

وصوته إذا تنحنح، أصغت له الجدران.

 

كل من في السوق أحبوه… بل انشدّوا إليه كما تنشد السنونو لأغصان الماء.

حتى وحيد… صاحب المحل الذي خبأته في أحد أضلعي،

ظننته وفِيًّا… لكنه ما لبث أن انجذب لضوء مصباح، ونسي جذوري.

 

سمعتهما في ركن من أركاني

مصباح يهمس:

 

"راح يجون موظفين البلدية… يخططون، يشوفون المكان."

ووَحيد يرد بصوت خافت:

"إذا بنطلع بشيء، خير... ترى هذا محلي!"

 

محلّه؟

نسِي أنني من أعطيته جدارًا يسند بضاعته،

وسقفًا يحميه حين ينهمر الشتاء كذكريات موجعة.

 

لم أُبكِ يومًا، لكن تلك الليلة… شعرت أن أحدهم يعزف على صدري نغمة النهاية.

 

مصباح كان يُردّد بشغف:

 

سوق جديد... أكثر رحابة، أكثر ضوءًا، أكثر حياة!""

لكنني كنتُ أتساءل:

هل كل جديد لا يكتمل إلا بمحونا؟

هل لا يُقام الحلم إلا على أنقاض القلب؟

 

أنا لا أرفض الغد،

لكنني أرفض أن يُكسر وتر الماضي دون أن يُعاد ضبطه أولًا.

أنا لا أهاب الزوال،

لكنني أخشى النسيان.

 

 

أعلم أن جدراني تصدّعت،

وأن بلاطي صار يحفظ وقع الأقدام لا صدى الألحان،

لكنني… لا زلت أحنّ إلى أول نغمة نُفخت من نايٍ خشبي،

إلى وتر ارتعش عند أنامل طفلٍ لأول مرة،

إلى بائعٍ يعزف قبل أن يُساوم.

 

اعذرني يا قارئي، إن أطلْت البوح،

فالحجر، إذا نُصت إليه، حكَى.

وأنا السوق...

آخر من يتكلم حين يصمت الجميع.

 

من حارب النغم غلبه!!

 

أنا سوق الموسيقى.
أرى الوجوه كل يوم: من يدخل ليبتاع وترًا جديدًا، ومن يساوم على طبلة عتيقة، ومن يجرّب نايًا كأنما يبحث عن صوته الضائع.

لكن ذات صباح جاءني دواس. لم يأتِ ليشتري آلة لنفسه، بل ليبتاع آلات موسيقية باسم الجيش. كان يسير بين الدكاكين مضطرب الخطى، جبينه يتصبب عرقًا، وعيناه تفرّان من العيدان المعلّقة والطُّبول التي تلمع جلودها تحت شمس السوق. بدا كمن يخجل من النغم، وكأن اللحن يطارده.

وعند بوابة المحل الكبير التقى بصديقه وحيد، فوقفا يتحدثان همسًا. وحيد يبتسم ساخرًا، بينما صوت دواس كان مكسورًا، كأنه يستغفر وهو ينطق كلمات غير مرتاحة.

قال دواس وهو يشيح بوجهه عن الطبول والنايات:
– "الجيش طلب مني شراء آلات نحاسية وفلوتات… لكن قلبي يثقل بها. أشعر بالندم… غصّة في صدري… كأني أخون روحي."

ابتسم وحيد بحنوّ، وربت على كتفه:
– "الموسيقى فرج، يا دواس، وليست ضيق. الحياة بلا موسيقى غلطة. مهما حاولنا أن نهرب منها، ستظل تطاردنا. لا تخف من اللحن… أليس القرآن يُتلى بنغم؟"

أضاف دواس متردّدًا:
– "حتى طالبان، يا وحيد… قرأت أنهم حرموا الموسيقى في أفغانستان."

رد وحيد بابتسامة خفيفة:
– "كوندان لال سايجال، مغني وممثل أفغاني شهير… ألم تسمع له أو تشاهد له فيلم؟"

اتخذ دواس ذريعة طالبان ليبرر موقفه المجحف، متجاهلًا أن القمع لا يخلق صمتًا أبديًا، بل يزيد الحاجة إلى صوت آخر. لم يدخل هذا القطاع حبًّا في الوتر، بل لأنه المكان الذي عزف الناس عن دخوله. وما لبث أن اصطدم بأهل قريته، الذين نظروا إليه كعازف على مزامير الشيطان:
– "كيف ينفخ في ناي إبليس؟ كيف ينقر على طبول الجحيم؟"

أما هو فكان يردّد:
– "لو كان الأمر إنشادًا فقط لهان، لكن هذه الآلات تحدث خللًا في حياة الإنسان."

رأى الفارابي مخدوعًا، وابن سينا غافلًا، والغزالي متسامحًا أكثر مما يجب حين مدحوا الموسيقى. عنده، "اللحن" في اللغة خطأ، فكيف يكون مدحًا إن صار موسيقى؟

ضحكت حتى كادت جدراني المتهالكة أن تسقط على المارة، ودمعت عيناي من القهقهة؛ لأنه لم يحتمل مواجهة الموسيقى، وهي التي تحتاج عقلًا وفلسفة قبل أن تُحتمل. فما كان منه إلا أن طلب نقله من هذا القطاع إلى مكتب إداري. عنده، كل نغمة ضلالة، وكل وتر فتنة.

وحين يسأله الناس:
– "أين تعمل يا دواس؟"
كان يجيب باقتضاب:
– "في الجيش… بعيدًا عن الآثام."

لكنني، أنا السوق، كنت أعرف سره. لم يضع يده على وتر، لكنه بقي قريبًا من الصدى. ينظم العازفين، يوقّع أوامرهم، كأن الطبول تُقرع بالحبر.

وظل السؤال يلاحقه: هل من يفتي له أن تنظيم أهل العزف لا يقل عن عزفهم؟

لقد أراد دواس أن يحارب اللحن.
لكني أقول له، وأنا السوق، الشاهد على كل ناي ودف وعود:
من يحارب اللحن… سيغلبه.

فكل شيء في الكون يُدفن في صمته… إلا الموسيقى، فإنها تعود حتى من بين الرماد.

خرج دواس من السوق كما دخل: لم ينسجم.
لكن ظل صدى النايات يتبعه، حتى في صمته، كظلٍ لا ينفك عنه.

 

هل رأى الحب عربيدًا مثله؟

 
أنا سوق الموسيقى؛ المنسيّ بين الأزقة والصوت والحجر.
أرضٌ مترعة بالمحال والآلات، كل حجرٍ فيّ يحتفظ بصدى وتر، وكل زاوية تهمس بذكرى عابرة. من يمرّ بي يتحرّك، وإن كان جوفه فارغًا؛ فهكذا الدنيا: الجماد قد يهزّ، لكن من يهتزّ قد يصير جمادًا.
أتنفّس الألحان، وأشمّ نفحات الزمن في مفاصلي. في كل ركن حكاية، وفي كل آلة صوتٌ خافت لا يسمعه إلا من أرهف قلبه.
في صمت الصباح وهدير المساء، يطرق أبوابي العربيد.
رجلٌ مكسور، قلبه يئنّ على وترٍ لم ينقطع صداه. يخطو فوق أرضي بخطواتٍ مثقلة، وكل وقعةٍ من قدميه تشبه جرّة ربابة أو نواح نايٍ شجيّ. ثم يرفع صوته الأجشّ نحو السماء:
«هل رأى الحب سكارى مثلنا؟»
يلتهم
دروب المدينة سيراً بثيابه متسخة أسماله ممزقة، لكنه يفترش أرضي كمن وجد ملاذه الأخير بين الأنغام. رائحة الشراب تلتصق به، غير أن الموسيقى تسري في جسده دفئًا، توقظ أوتاره كمن يبعث ميتًا من سباته. فإذا صحا، راح يبحث عن رفاقه في الأزقة، عن شركاء النشوة صباحًا ومساءً. وحين تعترضه عيون الزبائن، يواجههم بصوتٍ متعب:
«أنا أكاد أتقطع من الجوع… ما ذقت الزاد منذ أيام… ففي كل كبدٍ رطبةٍ أجر!»
وإذا نال مالًا صرخ، لا طمعًا، بل لأن العشرين ريالًا ـ كما يقول ـ «تفتح الشرايين». ثم يتجه إلى المطعم البخاري القريب، فيما تلاحقه نظرات المارة بدهشةٍ وخشيةٍ من فوضاه.
لكن قلبي ـ أنا السوق ـ يعرفه أكثر.
يعرف كيف كان موظفًا في شركة مرموقة، كيف خذله الزمن، وكيف خلعته زوجته حين أسقطه الإدمان في هوّة الشراب.
وحيد اشهر العازفين في السوق يعرف الكثير عني، لكنه صدّ العربيد، مع أنني أسمع عوده الرنّان كل مرة يبوح:
«أنا كل ما أقول التوبة يا بوي
ترميني المقادير يا عين
وحشاني عيونه السودة يا بوي
ومدوبني الحنين يا عين
متغرّب والليالي يا بوي…»
حين يعزف، تخمد فوضى العربيد.
يتحوّل من نارٍ مشتعلة إلى ماءٍ راكد، كطيرٍ دخل قفصه مختارًا. وكل من يلج بوابتي، صغيرًا كان أم كبيرًا، لا بد أن تمسّه الموسيقى؛ فهي قدر الداخلين، وأنس المتوحشين.

وذات مرّة، بعدما خفّت الأصوات، وسكن العود بين يدي وحيد، تطلّع إلى العربيد طويلًا، كمن يبحث عن إجابة لا عن شفقة، ثم سأله بهدوءٍ مشوب بالحيرة:
«لماذا لا يستقرّ بك الحال، وتعود كما كنت؟»
ضحك العربيد ضحكةً قصيرة، خرجت مكسورة كوترٍ قديم، ثم قال وهو يحدّق في فراغ السوق:
«في صحبة الناس وحشة،
وفي صحبة النغم أُلفة.
من يألف المغنّى ينسى المعاناة،
ويعشوشب المعنى في خياله…»
سكت بعدها، كأن الكلام أثقل عليه من الصمت، وأسند ظهره إلى جدارٍ شهد كثيرًا من انكساراته.
أما وحيد، فظلّ واقفًا عند عوده، تتقاذفه الأفكار:
أيكون هذا الرجل الشريد مجرّد بقايا موظفٍ أسقطه الشراب؟
أم أنه صورة معاصرة لفيلسوفٍ كلبيّ،
لم ينقصه سوى برميلٍ يعيش فيه،
يتكسّع به في حيّ العود،
زاهدًا في الاستقرار، ساخرًا من نظامٍ لم يرحمه، مختارًا التشرّد لا هربًا، بل تمرّدًا صامتًا على عالمٍ لم يمنحه سوى الخذلان؟
وأنا — سوق الموسيقى — أراقب المشهد من حجري وصمتي،
وأفهم ما عجز وحيد عن الجزم به:
أن بعض الأرواح، حين تذوق الخسارة حتى الثمالة، لا تعود قادرة على العيش بين الناس، فتلوذ بالنغم فلسفة، وبالفوضى مذهبًا، وبالتيه وطنًا مؤقتًا.
العربيد ليس ضيفًا عابرًا في أزقتي،
بل فكرةٌ تمشي على قدمين،
وترٌ مكسورٌ في لحنٍ كبير، لا يكتمل إلا به.
وحين يهبّ صمت الليل على أركاني، يتذكّر زوجته التي أحبها من شغاف قلبه. تفيض دموعه، ويهتز صوته مع محمد عبده:
«لنا الله يا خالي من الشوق
من الشوق وأنا المولع…
على ناري…»
ثم، إذا أفاق من صخبه، أصغى إلى أم كلثوم.
صوتها الذي يحرّك الجماد ويعلّمه الرقص. حتى أنا أذوب مع نغماتها:
«أين من عيني حبيبٌ ساحر
فيه عزٌّ وجلالٌ وحياء…»
أراه يذوب، يتنقّل بين ماضٍ ينهشه وحاضرٍ يثقله، في دوّامة عشقٍ وخسارة.
مرّة يصرخ في المارة غاضبًا:
«أهكذا توقفون سياراتكم؟ لتعاكسوا النساء؟ هذا عيب!»
ومرّة، عند الأذان، يرفع قلبه للسماء، يتوضأ في الشارع ويدخل المسجد، كأن شيئًا من إنسانيته ما زال يقاوم الانهيار.
أنا سوق الموسيقى، أراه من زاويتي وأتعجب.
كيف تعيد الألحان دفءَ روحه؟ كيف تجعل قلبه يرقص رغم الخراب؟
العربيد، بكل فوضاه وصراخه، جزءٌ مني؛
وترٌ مكسور في لحن السوق الكبير،
وسرٌّ لا يعرفه أحد… سواي.

 

كل غريب بالسامري معجب!!

من يرهف سمعه إلى هذا اللون النجدي العريق لا بد أن يخلب لبه ويطرب قلبه، فأنا السوق المشيد من الحجارة، وأحمل بين أزقَّتي تاريخًا من الأصوات والقصص التي لم تُروَ بعد. لم أجمع شتات نفسي أمام سيمبسون، ذلك الغريب الذي دخل السوق في يومٍ ربيعي، مفتونًا بفن السامري، يحدوه شغف لم أعرف له مثيلًا.
سيمبسون، الغريب بين أهل السوق، لم يكن وحده من ذاق عسل هذا الفن. ومن يقترب من خلية النحل عليه أن يحاذر من اللسعات! لكنه الأشد تعلقًا به، حتى أن كل حجوزات العودة إلى وطنه ألغيت بمجرد دخوله السوق. اعتكف في أركاني الضيقة، يراقب، يسجل، يتعلم… يريد أن يدون كل ما يعرف عن هذا الفن، عن الرقصات، عن الطبول، عن الأصوات التي تهز القلب قبل الأذن.
غرق سيمبسون في مياه السامري، حتى صارت عملية إنقاذه عسيرة، وغريقٌ كهذا يتعلق بأي قشة يجدها، فكانت قشته الفن نفسه، السامري.
كنت أسمعه يردد في أرجائي أغاني أهل السوق:
"يا أهلي وين دار الوليف..."
و*“صبتني يا غزالا في الشرافة غريب...”*
لم يكن يفهم كل المعاني بدقة، فكل لغة تختزن في طياتها ثقافة لا تُحمل إلا إذا عشت في سوقها، تقود عربة الإحساس والموسيقى معًا.
صار سيمبسون لا يبرح محلات السوق، يقبل على محل سالم، يتعلم منه، ومن كل صغير وكبير يصادفه في السوق. لكنه كان يجد نفسه دائمًا بين يدي مسفر، الذي علمه رقصة السامري، أو بالأحرى لعبة السامري، وهو يردد الأشعار وكأنها طيران في الميدان، والطبول تدور من حوله، وسيمبسون يحاول تقليده بكل ما أوتي من قوة. كل هذا يجري في زقاقٍ أمام ناظري، وكنت أبتسم، لأنني جمعت كل الخلان، حتى الذين لا يعرفون لغتي أو فني الشرقي، في قلب السوق هذا.
ولازال صوت عبدالله غريب يتردد في أركاني:
"مثل باكي الصويب اللي ترايد عناه..."
العناء لا يبرح ظهور الرجال. يقولون عن الغريب: لماذا أتى يدرس السامري؟ هل يريد نسبه لهم؟ أم أنه جاسوس؟ المؤامرة في أذهانهم حاضرة دائمًا، وأي كلمة خاطئة عن أهل السوق قد تُعتبر خيانة.
وسيمبسون كان يرد، ربما لأنه لم يفهم كل ما يُقال:
"هذه الفنون، مع بساطتها، آسرة… تجعل القلب يتراقص والجسد يتمايل..."
ورغم رهبة القصص التي تحكي عن الجن والجني الذي يدخل في بدن من يحضر حفلات السامري، كان يقول لنفسه: إنها مجرد مشاعر انتشت بها الأرواح، قوة خفية تتملك الراقص، لا أكثر ولا أقل.
أما أنا، السوق، فأرى في عينيه رهبة وخوف من هذه القصص، وكما أشاهد عشقه لهذا الفن الذي لا يبرح قلبي ولا يهدأ له وجدي، فن السامري الذي ما زلت أطرب به نفسي وبكل من يزوره.

 

 

هبت هبوب الموسيقى

 
في ركنٍ بعيد من السوق، حيث تختبئ الزوايا بين ضوضاء الباعة وصخب الأصوات، أقيمت محلة صغيرة، كأنها قلب السوق النابض، وأنا السوق، أستمع وأتذكر كل شيء، وأحتفظ في أروقتي بكل همسة وحكاية. هنا، على طاولة مستديرة قديمة، خشبها متصدع لكنه صامد، اجتمع عبدالكريم هبوب مع مجموعة من الشباب، وبراد الشاي يفوح منه البخار، يملأ المكان بدفء الألفة… شايهم وسلوتهم، رفيق حديثهم وسند أصواتهم.
كنت أنا السوق، حاضراً صامتًا، أستمع دون أن يراني أحد، وكل زاوية من أركاني تحفظ وقع الكلمات. قال عبدالكريم، بصوتٍ نغمي، وكأن كلماته تصنع لحنها الخاص في المكان:
"هل تعلمون أن أغنية هبت هبوب الجنة لمحمد عبده كانت السبب الذي جعلني أنضم للجيش؟ حينها شعرت أن عليّ أن أذود عن حياض الوطن."
ومع كل كلمة، عاد بالذاكرة إلى معركة الخفجي، حيث كان يقف على رمال الصحراء الحارقة، مدافعًا عن وطنه، بينما كان جيش صدام حسين يزحف، وكانت الأغنية سلاحه، وشعاعها نور في الظلام.
كان يردد الكلمات بصوت يملأ قلبه وقلب زملائه، فتتحول الأصداء إلى طاقة تحارب معهم:
"هبت هبوب الجنة .. وين انت ياباغيها
عدونا خاب ظنه .. والروح نصخيها
ياولد ذا يومك .. ياولد
ياولد مالومك .. ياولد
لو بذلت الروح ماتبالي
الوطن ناداك .. ناداك يالغالي"
حينها اقترب منه رجل آخر، مذهولًا من قوة الكلمات، وسأله: "أين سمعت هذه الكلمات؟"
أجابه عبدالكريم: "إنها أغنية لمحمد عبده…"
انفجرت مشاعر الرجل، وبكى من قوة النغمة والوطنية، ثم استجمع كل شجاعته، وصارع مع عبدالكريم بكل ما أوتي من قوة حتى تم طرد الجيش المعتدي. ارتفعت أصوات النصر، ليس بالرصاص وحده، بل بالإيمان والوطنية واللحن الذي جمعهم، فأصبح الصوت نفسه سلاحًا.
عاد عبدالكريم بعدها إلى حكاياته في السوق، ليعلم الشباب كيف تحولت الأرض من ساحات المعارك إلى أرض الموسيقى، وكيف أصبح الفن سلاحه الجديد:
"أرض الموسيقى أرحب… والفن هو السلاح الذي نحارب به اليوم. أغنية هبت هبوب الجنة لم تكن مجرد لحن، بل رسالة صارت جزءًا مني، ومن اسمي. ومن هنا أصبح الجميع يناديني عبدالكريم هبوب."
كنت أنا السوق أستمع بدهشة، وكل زاوية وكل ركن في جسدي يردد صدى كلماته، وكل خطوة في أروقتي تحفظ تلك اللحظة البطولية: شاب تحول من دروب الحرب إلى أفق الفن، يحمل أغنية في قلبه، وحكاية في صوته، ويعلّم من حوله أن الفن لا يزيّن الحياة فقط، بل يصنع الإنسان ويهب الوطن قوته… ويعلّم أن النغمة أحيانًا تفعل أكثر مما تفعله الرصاصة.

 


ليلة الجسَاس الاخيرة
 

هكذا أبدا دائمًا، وها قد حفظتم مقدمتي أو بالأحرى أدوار ألحاني، فما أنا سوى سوق العود… ذاكرة الخشب والوتر، ودفتر الحكايات التي لم يُدوَّن أكثرها، ومأوى الأصوات الهاربة من القمع، ومحراب الموسيقى الذي ظل واقفًا في وجه العاصفة.
بين أزقّتي الضيقة، تعلّمت الجدران الإصغاء، وحفظت في تجاويف حجري ارتعاش النغم، ورجفة الخوف، ودمعة الفرح، ونشيج القهر. هنا، لم تكن الموسيقى ترفًا، بل خلاصًا. ولم يكن العود آلة، بل رئة يتنفس بها المنهكون.
شهدت حكايات لا تُحكى، وقصصًا لو خرجت من صدري لانفجر صخري… ومن بينها حكاية بكر أبي سمرة.
كان بكر الآتي من أرض الحجاز، يحمل في صوته إرث مكة وحواريها، وفي أنفاسه بقايا المجرور، والينبعاوي، والمجس، والدانات، والمواويل، والكسرات التي وُلدت يتيمة ثم أُعدمت قبل أن تكتمل. كان يعتمر عمامة لا تسقط من رأسه، كأنها جزء من جمجمته، أو كأن رأسه خُلق لها. وإذا جلس يعزف، سكنت الأزقة، وتوقف الطير عن خفق أجنحته، وهبط ليستريح على أكتاف أحجاري العتيقة، مصغيًا لصوت لو وُزّع على مدينة لكفاها.
في ذلك النهار، كانت المطاردة… رأيت النسوة يهربن في أزقتي كغزلان مذعورة، والغبار يتصاعد خلف أقدامهن، وصدورهن تعلو وتهبط كأنها على وشك الانفجار. رجال الهيئة خلفهن، بوجوه متجهّمة، وخطى لا تعرف الرحمة.
لم يجدن ملجأً إلا بيت بكر. بيت شعبي هرِم، أكل عليه الدهر وشرب، يكاد ينحني حتى يقبّل الأرض، لكنه ظل واقفًا مثل صاحبه.
دخلن فجأة، وبكر غارق في عزفه، يناجي عوده كمن يبوح بسرّ عمره. كانت بين أيديهن الطبول، والطيران، والأورغ، وآلات لا تعرف الذنب، لكن الذنب كان دائمًا يُلصق بالجمال.
قالت إحداهن، وهي تلتقط أنفاسها، وغوايش الذهب ترتجف في معصمها:
— يا لحية الغانمة… رجال الهيئة خلفنا، وليس لنا مأوى بعد الله إلا أنت.
عرف بكر أن الوقت لا يسمح بالتفكير. كأنه بين كماشتين تضيق عليه: نسوة داخل الدار، ورجال يتربّصون خلف الباب. والآلات… لو خرجت معهن، لكانت المجاهرة بالمعصية كما يسمّونها.
قال بهدوء، من يعرف كيف يخبئ العاصفة في صوته:
— اتركن الآلات في هذه الصناديق، واخرجن من الباب الخلفي.
وكان للبيت الشعبي أبواب كثيرة، مثل الأسرار التي يخبئها. خرجت النسوة، واختفى صدى خطواتهن، وبقي قلبي الحجري يخفق انتظارًا.
خرج بكر إليهم. وقف في وجوههم بثبات رجل لم يرتكب ذنبًا سوى أنه أحب الموسيقى.
— هل تبحثون عن شيء؟
قال أحدهم بحدّة:
— لا تتغافل… وين النسوان اللي كانوا داخل؟
ابتسم بكر ابتسامة خفيفة، وقال:
— ما عندي أحد، وإن دخلتم ولم تجدوا شيئًا فسأشتكي عليكم.
تردّدوا. وبرغم سطوتهم، كان في صوته يقين أربكهم. حتى جاء رجل وقال:
— شفتهم في الشارع الثاني، ركبن تاكسي.
انسحبوا، وبقي بكر واقفًا عند الباب، يتنفّس كمن خرج لتوّه من تحت الماء. ومنذ ذلك اليوم، ارتفع صيته في أضلعي. صار اسمه يتردّد مع كل وتر، ومع كل دقّة طبل، ومع كل تنهيدة عاشق للفن. عشرون عامًا وهو يغنّي: المجس، والدانات، والمواويل، والمجرور، والينبعاوي، والكسرات… حتى صار صوته جزءًا من نبضي.
وفي أحد الأيام، بينما كان بكر غارقًا في عزفه، سُمع نداء مسفر من بعيد:
— بكر أبو سمرة! تعال أشرب معي بيالة شاي، وأسمع منك فنونك الحجازية!
ابتسم بكر، وسمح للضيف بالدخول، بينما كان وحيدًا لا يكف عن تسجيل كل حركة لكل وتر في دفتره، ينقّب في المجس والدانات والينبعاوي والكسرات، كأنه يحاول حبس الصوت في الحبر قبل أن يهرب.
جلس مسفر، وصارت البيالة بين يديه، يسمع ويستمع بتمعّن لكل نغمة، وكل مقام. وفي زاوية أخرى، كان ناجي العواد يقف، يسمع الكسرات، يستلذ بها كما لو كانت حكاية لا يمكن لأحد غيره فهمها، كأن الموسيقى أفرغت قلبه من كل ضجيج العالم، وتركته أمام العود، أمام بكر، أمام الزمن الصامت.
وعندئذ، امتزج صمت السوق مع صوت العود، وصارت الأصوات كلها تعيش في الداخل والخارج، بين الأزقة وبين الدفتر المفتوح، وبين الشاي وبين نفَس الحكاية، كما لو أن كل وتر وكل كلمة تُسجَّل في ذاكرة هذا السوق الخالد.
ثم جاء اليوم الذي صمت فيه كل شيء. لم يأتِ بكر. انتظرته. طال انتظاري. وجدوه ميتًا في بيته. وانطلقت الشائعات في أزقّتي:
قالوا إن القاتل من أهل النسوة الطقّاقات.
وقالوا إن رجال الهيئة انتقموا بعد أن عرفوا بالخدعة.
وبقيت الحقيقة ضائعة، تتخبّط بين الخوف والسكوت. أما أنا… سوق العود… فما زلت أشعر بالوحشة. لأن بعض الأصوات لا تُعوّض، وبعض الغياب لا يُملأ، وبعض الرجال… إذا رحلوا، أخذوا معهم قطعةً من روح المكان.

 

  ختامها في قلب حي العود، حيث تتشابك الأزقة كأوردة مدينة قديمة، كان الليل يلف كل حجر وكل زاوية بسُخامه الثقيل. صوت الأوتار كان خافتًا، كما لو أن النغمات تخشى الإفصاح عن أسرارها، والهواء محمّل برائحة الخشب القديم والغبار.
وفي إحدى الليالي الحالكة، عبرت امرأة جسد الظلال. خطاها كانت كوشوشة سرية بين الدكاكين والأحجار العتيقة، ثم انزلقت بين صمت المكان قطعةً من أوراق ملفوفة. لم يعرف أحد ماذا كانت تحمل، ولم يكن أحد ليجرؤ على لمسها. لكن منذ تلك اللحظة، تغير شيء ما.
الأحجار القديمة بدأت تهمس بصوت خافت، والأزقة بدأت تتحرك وكأنها تتنفس. شيء ما انتشر بين الزوايا، يحرّك صمتها ويهمس بأسرارها. كل خطوة، كل صدى، كل نغمة صادرة من الكمان أو العود بدا وكأنه يحمل رسالة لا يفهمها إلا من يملك أعينًا لتقرأ التاريخ وأذنًا لتسمع الصمت.
وكل ليلة، كان يتكشف قليلًا من السر، حتى جاءت اللحظة التي لم يعد فيها بالإمكان الصمت أكثر. كان الحي كله شاهدًا، والأوتار كلها شاهدة… على ما كان مخفيًا طوال دهور.
حينها، ومع أول نغمة صادرة من حجر قديم، أدركت أن كل ما شهدته الأزقة والأحجار لم يكن سوى صرخة صامتة، وأن من يحكي هذا كله، من يشعر بكل صوت، ويعرف كل سر… هو أنا.
أنا السوق.

 

ختامها موسيقى...


ما زلت هنا، أتنفس من بين شقوق الجدران، أغمض عينيّ على وقع الأوتار، وأصغي للذاكرة كمن يصغي لنغمةٍ أخيرة على وشك أن تنقضي.

مرّ زمنٌ طويل منذ أن ضجّت أروقـتي بالأصوات، ضحك، عزف، خصام، وغناء. مرّ زمنٌ وأنا أراقبهم، أولئك الذين مرّوا بي... تاهوا في الممنوع، ثم وجدوا خلاصهم في المسموح.

اليوم، وقد أوشكت الحكاية على نهايتها، لم يتبقَ إلا هو.

وحيد.

ذاك الفتى الذي ظلّ يُشاكسني، يطلّ من خلف كل حكاية، يتلصّص على أسراري، كأنني ألواح مقدسة لا تُقرأ دفعة واحدة، بل تُكتشف نغمةً بنغمة. لم أُفرد له جناحي من قبل، لا لشيء، بل لأن الوقت لم يكن قد حان.

وحان.

رحل وحيد. نعم، غادرني حين أتاه عرضٌ موسيقيٌّ كبير. دعاه النغمُ إلى مسرحٍ أوسع، وفرقةٍ تعزف للحياة لا للموت، فلبّى النداء.

تسألني: كيف تحوّل الرفضُ إلى احتفاء؟ كيف انتهى عهد الخوف، وبدأ زمن الاعتراف؟

أقول لك: انطوى العهد القديم. بات من الماضي.

وحيد، الذي كان يخفي العود تحت عباءته، صار اليوم اسمًا لامعًا، عازفًا يُشار إليه بالبنان. باع محله، نعم، فلم يعد للضيق مكان في قلب امتلأ بالعوالم الواسعة.

والمحل؟ صار لسلمى.

نعم، سلمى. كانت طفلة تتطلّع للعود كما يتطلّع العاشق لمحبوبه خلف زجاج نافذة. اليوم، تديره بنفسها، تعلّم العزف عليه، بكل فخر، بلا وجل.
كان ممنوعًا عليها، فأصبح حقًّا مكتسبًا.

أما رجال الهيئة، الذين كانوا يراقبون كل وترٍ يهتز، وكل ضحكةٍ تُفلت من قلب عازف، فقد تقلّصت أدوارهم، باتوا ناصحين لا حرّاسًا، وظلّ السوق... لي وحدي.

رأيت سالم يعود، يفتح محله بعد غيابٍ طويل، كمن يعود إلى وطنه بعد منفى.

و أما زوجته نديبة أخر ما قالته

و هي تخلع باب حزنها :

"كنت أظن أن الحياة ممرٌ ضيق... باب يولد منه الإنسان، ثم يمشي إلى موته بخطٍ مستقيم.

لكنني، عندما بدأت أخوضها، وجدتُ الأبواب تكثر، تتناسل، بعضها يُفتح بالحب، وبعضها بالخيانة، وبعضها لا يُفتح إلا بكسرك إياها.

لم أعد أعرف من أين دخلت.

لكنّي على يقين أنني لن أخرج من الباب ذاته."


ومسفر؟ صار يُصوّر يومياته على جواله، يُوثّق نبض السوق في فيديوهات قصيرة لا تخلو من نكتة.
علي الأطرم غدا مؤثرًا، له جمهور يتتبع أثره كأنما هو نجم غلاف.
وصقر... صقر لم يعد ذلك الفتى الخجول. صار فنانًا يُفتخر به، حتى أبوه الذي طالما كره الموسيقى، صار يصفق له في المجالس.

وناجي؟ لم يعد. فالعقاب من جنس العمل، والسوق لا ينسى من باعه بثمن الخوف.

أما العجيب العجاب... فهو سامح.

ذاك المطوّع المتشدد، الذي جاءني يومًا متخفيًا، صار من أشهر من يُغني الشيلات، يحكي كيف هذّبت الموسيقى روحه، وصقلت حنجرته، وجعلته يُحب لا يُكفّر.

و راجح ظل متخبطاً في بيداء من كثبان الخواطر لم يجد واحة لكي يروي عطش فكره فهو مترنح في برزخاً ما بين حلال و حرام.

كلّهم عادوا، أو تغيّروا، أو اختاروا طرقًا لم تكن تُخطر على بال.

لكن... وحيد هو من عادني من حيث بدأ.

جاءني ذات صباحٍ كأنما يعود إلى حضن أمّه.
رأيته يُصافح الوجوه، يعانق الأصدقاء، يضحك، كأنّه لم يغادرني يومًا.
ما زالت نغمة صوته تشبه عزف البدايات. بهجةٌ خام، صدقٌ طفولي، موسيقى لم تُدنّس.

أنا السوق.
جمعتهم كلّهم، كما تجمع القصيدة قوافيها، وكما يجمع العود نغمه في صدرٍ ضيّقٍ لكنه لا يخون اللحن.

أنا سوق الموسيقى.

في داخلي عاش العود، واختبأت النغمة، وتهجّأ العشّاقُ أسماءهم على دفاتر اللحن.
وفيَّ التقى من خاف الموسيقى، مع من جعلها سلوته.
وفيَّ بكى من رفضها، وضحك من استسلم لها.

وها أنا، كما بدأت... أُنهي.

ختامها موسيقى.
وليس مسكًا، لأن المسك يفنى، لكن الموسيقى... تبقى.



النهاية

 

 

الخريطة التي تقودني إليك

 رواية الخريطة التي تقودني  إليك  بقلم  جوزيف مونينغر المقدمة يوم التخرج إنها والدتك، من بين الجميع، هي التي تلتقط الصورة المثالية لك ولصديق...