بحث هذه المدونة الإلكترونية

الجمعة، 5 سبتمبر 2025

عُمر الشقي

 عُمر الشقي

كان قدرنا أن نحيا بعيدًا عن تراب بلادنا، نلهث خلف سراب إريتريا المعلّق تحت سطوة الطاغية أسياس أفورقي، ذاك الذي جثم على صدورنا منذ عام 1993 بعد حربٍ طويلة ومريرة ضد إثيوبيا. لكنّي لن أفتح باب السياسة، فالسياسة حكاية مملّة، وأنا أريد أن أحكي عن شيء آخر.. عني أنا.

خلف كل هذا التاريخ والدماء، ثمّة إنسان بسيط يرزح تحت مأساة مختلفة. أنا ذلك الإنسان.


اسمي سمير. وُلدت في الرياض، ومنذ أن أبصرت النور لم يخرج من لساني سوى العربية، ولاسيما بلهجتها السعودية التي التصقت بي كما يلتصق الظل بالجسد. العربية لم تكن لغتي الأصلية، فأنا ابن التغرينية الإريترية، غير أنّ هذه اللغة لم تجرِ يومًا على لساني. لقد اختارتني لغة الضاد، صارت أمي وأبي، وهويتي التي التصقت بروحي قبل أن أملك أي هوية على الورق. غير أنّي عشت عمري بلا هوية، طالبًا يتنقّل من الابتدائية إلى الثانوية، يحمل كتبه في يده، لكن قلبه مثقل بفقدان ورقة صغيرة كان يمكن أن تغيّر كل شيء.


كبرتُ وأنا أرى زملائي يخطّون أحلامهم بوضوح، بينما كنت أعيش على الهامش، مقيّدًا بقيودٍ لا تُرى. إلى أن جاء اليوم الذي بدأت فيه الحكومة السعودية حملات التصحيح، مُعلنة أنها لن تعاقب المتخلّفين عن نظام الإقامة، بل منحتهم مهلةً للمغادرة. عندها لم يعد أمامي سوى الرحيل.

كان أهلي قد سبقوني إلى السودان، البلد الأقرب إلى إريتريا، حيث حصلوا بسهولة على الجنسية السودانية. أمّا أنا، فقد بقيت وحيدًا في مواجهة السؤال الصعب: كيف أصل إليهم؟

المفتاح كان عند أختي. همست لي ذات مساء أن ثمّة رجلًا يعرف الطريق، يستطيع أن يهرّبني عبر البحر. قال لي:
"لا تخف.. لقد دُفع للعسكر ما يكفي، لن يجرؤ أحد على سؤالك. ستصعد العبّارة كأي مسافرٍ عادي. فما عليك سوى أن تدفع لي عشرة آلاف ريال سعودي."

كان ذلك في عام 2015. لا أنسى تلك الليلة وأنا أضع قدمي على سلّم العبّارة في ميناء جدة. البحر أمامي، أسود كسواد قدري، والريح تصفر في أذني كأنها تسخر من قلقي. وفي داخلي خليط من خوف ودهشة، كأنني أهرب من قيدٍ طويل إلى فضاء مجهول.


في عرض البحر الزاخر، كان الموج يتلاطم كأنما يخاصمني، أو كأن غضبًا مكتومًا يسكن صدره لأنه علِم أنني تركت الرياض.
الرياض التي عرفت دروبها كما يعرف المرء خطوط كفّه، والتي ما زالت طفولتي عالقة في حي العود بين أزقته الضيقة، حيث تركت ذكرياتي تتلاشى خلف ظهري وأنا أرحل.

على متن العبّارة، وبين وجوه غريبة وصمت مثقل بالبحر، وقعت عيناي على رجلٍ سوداني مسنّ.
كان جالسًا على الأرض، كأنه يكلّم نفسه، رأسه يكسوه الشيب، ولحيته كثيفة سوداء تتخللها خيوط بيضاء، بشرته شديدة السمرة، وعيناه كبيرتان جاحظتان تحملان بريقًا من التعب والدهشة. ارتدى ثوبًا سودانيًا فضفاضًا، ومن هيئته بدا كأنه قطعة من زمن بعيد جرفه البحر معي إلى هذا المركب.

اقتربت منه وسلّمت:
ــ السلام عليكم.

رفع رأسه، وردّ التحية بترحيب غامر يفيض دفئًا، ثم ما لبث أن فتح قلبه وحكايته.

قال بصوتٍ فيه شجنٌ خافت:
ــ كنتُ أرعى الغنم في شمال السعودية منذ سنين بعيدة… كان لي رزق بسيط أقتات منه، حتى جاء اليوم الذي غيّر حياتي. مات صاحب الغنم، وكان بلا ولدٍ ولا وريث، فوجدت نفسي مطرودًا، مهدّدًا بالترحيل. فررت إلى الرياض، واستظللت ببيت أحد أقاربي في حي غُبيرة. هناك صرت أعمل سائق شاحنات صغيرة لنقل الأثاث…

كان يحكي بحسرة يغلّفها شيء من الفرح، كأن ماضيه خليطٌ من مرارة وبهجةٍ متقطّعة. تابع وهو يبتسم ابتسامةً عابرة:
ــ تزوجت من قريبةٍ لابن عمي، وأنجبت منها أولادًا وبناتًا…

ثم توقف فجأة، كأن ذاكرته انكسرت عند منعطف، وقال وهو يمد يده نحوي:
ــ غفلت عن التعريف بنفسي… أنا حميد جاد الله آدم.

ابتسمت بدوري وقدمت له نفسي:
ــ سمير شاكر.

نظر إليّ طويلًا، ثم قال وهو يهز رأسه:
ــ اسمك يختلف عن قصتك المريرة… أترى أن للاسم علاقة بمسار حياة صاحبه؟

سؤاله أصابني بصمتٍ قصير، قبل أن يعود هو لمواصلة حكايته، كأن الجرح الذي بداخله أصرّ أن يفيض:
ــ أولادي ماتوا، وبناتي زوّجتهن. أما زوجتي… فموتها كسر ظهري. قد تسألني كيف دفنتها، فأخبرك أن أخاها استخرج لها الأوراق، وأُعيد جثمانها إلى الخرطوم حيث ووريت الثرى. وأنا اليوم أمضي إلى الخرطوم… أريد أن أكون قريبًا منها. استغليت ظروف المهلة التي وضعتها الحكومة لتعديل الإقامة، ورحلت.

سكت، ثم أدار بصره نحو الأفق البعيد، حيث كان البحر يذوب في زرقة السماء، كأنه يبحث هناك عن وجهٍ رحل ولن يعود.

 

 اجتاحتني أعاصير من الأفكار، وأحلام سوداء وأخرى بيضاء، وقليل منها ملوّنة. حلمت أن العبّارة تعطّلت، وأن خفر السواحل جاءوا واصطحبوني، ثم أودعت في السجن. كنت قابعًا على ظهر العبّارة، غارقًا في أوهامي، ولم يسترح بالي إلا عندما بلغت الميناء حقًا. حينها فقط أيقنت أن ما يقولونه صحيح: بلوغ برّ الأمان يمنح الطمأنينة والأمان.

 


وصلتُ إلى بورتسودان، وهناك بدأت صفحة جديدة من حياتي. لم يكن الأمر عسيرًا؛ حصلت على الجنسية السودانية بسهولة، وكأن كل تلك السنوات من التيه لم تكن سوى كابوس عابر.

لكن ذاكرتي الآن متعبة، مثخنة بالثقوب. حادث مروري كاد أن يخطف روحي جعلني أفقد الكثير من تفاصيل الماضي. كنت على حافة الموت، لولا لطف الله الذي انتشلني. وربما – كما يقولون – "عُمر الشقي بقي".

يبدو أن مصيري مشدود بخيوط الشقاء. السودان كانت مسرحًا لأحداث جسام، انشقت أرضه نصفين، وصار شعبه محاصرًا بين جيشين يقودان البلاد نحو هاوية لا نهاية لها. لن يهتم أحد بمصير الناس إلا إذا كان محرومًا من كل أسباب الحياة، فالحروب يشنّها المترفون المنعمون، ولا يخوضها إلا المعوزون البائسون، الذين تتحطم حياتهم كأوراق الشجر في عاصفة هوجاء.

أكتب لكم الآن من شقة صغيرة في الطابق العاشر بالقاهرة. المكان ضيق، والجدران تتسع لذكرياتٍ أكثر من أن تتسع لأثاثه البسيط. أنا إنسان كسيح، أمشي بالعكازات، وبدونها أسقط، أثر الحادث الذي كاد أن يقضي على حياتي وما زلت أستشعره في كل خطوة. أنظر إلى الأسفل من نافذتي، وأرى شوارع المدينة تضج بالحياة، بينما أشعر بأن عالمي قد تجمد عند لحظة الألم الأولى، لحظة الانقسام بين الموت والحياة.

أكتب لكم لأني مضطر. الكتابة هي متنفسي الوحيد، وسيلة أفرغ بها الكرب الذي يلتف حول قلبي مثل ثعبان خفي. ربما لا أجد في الكلمات خلاصًا، لكنها تمنحني شعورًا بالوجود، شعورًا بأنني لا أزال حاضرًا في عالمٍ يبدو أحيانًا عديم الرحمة.

الذاكرة مثقلة، ثقيلة، لكنها مرايا لتجاربٍ لا تُنسى. كل لحظة خوف، كل مرة شعرت فيها بأن الموت يقترب، تركت بصمة في روحي. علّمتني أن الصبر ليس انتظارًا سلبيًا، بل فن مواجهة الحياة بكل قسوتها وظلامها، ومع كل شعاع أمل صغير يلوح في الأفق، أتعلم كيف أستمر رغم كل شيء.

ورغم كل هذا الشقاء، أكتب. الكتابة تمنحني إحساسًا بالسيطرة على حياتي، ولو كان مجرد وهم مؤقت. وربما أيضًا لأنها تمنحني فسحة أمل صغيرة، شعاعًا يربطني بالحياة، وكأنني، في كل كلمة أكتبها، أجد نقطة أمان وسط عاصفة لا تهدأ، وأحاول أن أستنشق قليلًا من هواء الحرية، ولو كان مجرد وهم بعيد.

 

في طفولتي بالرياض، كنتُ جزءًا من مثلث لا ينفك عن بعضه: محمد، يوسف، وأنا. كانوا يسمّوننا في الحارة "الثلاثي المرح". كنا نتسكّع بين الأزقة الضيقة كأنها مسرحنا، ونجوب متوسطة حطين في حي المرقب كأنها قلعةٌ تخصّنا وحدنا. تلك المدرسة العتيقة المائلة إلى السقوط، جدرانها مشققة، وأبوابها تصرّ كلما فُتحت، لكنها ثابتة في قلبي لا يزحزحها زمان. لا تزال أصوات الطلاب تضج في ذاكرتي، ولا يزال صدى صوت الأستاذ سامي يجلجل في أذني، يناديني ويصرخ ويشرح بحدة. أحيانًا أغمض عينيّ وأسأل نفسي: يا ترى، ماذا فعلت بك الأيام يا أستاذ سامي؟

كنتُ يومها شقيًّا حتى النخاع. أتذكر مطاردة لن أنساها ما حييت. تفوّهت بكلمة مقذعة سمعتها من بعض الصبية بلغة الباكستانيين، ولم أدرِ أن اللفظ الصغير قد يتحول إلى حجر ضخم يُقذف في وجه صاحبه. رأيت الرجل يندفع نحوي، وجهه محمرّ كالجمر، وأوداجه تنتفخ من الغضب، وأنفاسه تتلاحق كالثور الهائج. أطلقت ساقيّ للريح، أبحث عن مهرب.

ركضت حتى وصلت قرب بيت محمد، وصحت من أعماقي:
ــ "محمد! يا محمد!"

خرج مسرعًا، يدرك بفطنته أن ورطة ما تطاردني. لمح الرجل يلهث خلفي، وما إن وقع بصره على المشهد حتى انفجر ضاحكًا، ضحكة صافية قوية، فيما كنتُ أدور حوله كفأر مذعور يستنجد به. صرخت:
ــ "اشغله عني حتى أفرّ إلى بيتنا!"
ليس هذا وقت الضحك!!

مدّ محمد ذراعيه محاولًا تهدئة الرجل والتحدث إليه، بينما استغليت اللحظة وهربت بجلدي. ضحكة محمد تلك ما زالت ترنّ في رأسي حتى اليوم، كأنها بصمة لا تمحى. كان ضاحكًا مثقفًا، يبتسم بوعي، وتغمرني ابتسامته بحنان غريب.

أما يوسف، فكان حكاية أخرى. في الحارة كان أشبه بحاتم الطائي، كريمًا، يوزع المال على من يحبّ، لا على الجميع. كنا نتهامس حول سرّ ما بين يديه، نتساءل: من أين له هذا السخاء؟ حتى جاء يوم رأيناه جالسًا في المسجد الأبيض، ذاك الذي يسمّيه الناس "مسجد الحضارم"، وقد حلق شعره تمامًا. في ذلك اليوم انطلقت شائعة تقول إن ماله مشبوه، لكن الحقيقة بقيت غامضة حتى اليوم. كان يوسف رجل أسرار، يخفي أكثر مما يُظهر، وكأن بعض الأسرار إن خرجت، بعثرت معه أرواحنا.

سنواتي في الرياض لم تكن مجرد طفولة، بل كانت طبقات متراكمة من الضحك والوجع معًا، مشاهد محفورة في الذاكرة لا تُمحى. لكن ما غيّر مسار حياتي حقًا لم يكن في طفولتي، بل في الحادث الذي قلب حياتي رأسًا على عقب.

بعد أن غادرت السعودية بحرًا إلى السودان،
جمعتني هذه البلاد بأهلي من جديد، حصلت على الجنسية السودانية، واعتبرتها وسامًا أعلقه على صدري.ثم عدت إلى السعودية بتأشيرة بعثتها أختي. بدأت أعمل في شركة، اشتريت سيارة جديدة، فرحتُ بها، لكن الفرحة لم تدم طويلًا. أحسست بالعيون تلاحقني والصدور تضيق بي، كأن الرزق إذا جاء متأخرًا صار موضع ريبة، لا نعمة.

وفي يوم مشهود، حملتني الطريق إلى المطار لاستقبال أختي القادمة من السودان. كنتُ مفعمًا بالبهجة، يرافقني اثنان من أبناء خالاتي. لم نكن نعلم أن الطريق كان يخبئ لنا فاجعة سوداء.

تقلبت سيارتنا ثماني مرات متتالية، وكلما انقلبت شعرت كأن الزمن ينفصل عن جسدي، ثم ارتطمت بنا الأرض بقسوة، واستقرّت السيارة كجثة باردة. تناثرت شظايا الزجاج فوق الإسفلت الملتهب، وامتزجت رائحته برائحة الدم. سُحبتُ من بين الحديد الملتوي بصعوبة، وجسدي مثخن بالجراح، بينما وعيي يتلاشى بعيدًا، ينسحب من الحياة كما ينسحب البحر عند الجَزر.

دخلت في غيبوبة امتدت شهرين. كنت بين الحياة والموت، عالقًا في منطقة رمادية، لا أعرف من أنا ولا من حولي. كانوا يرون جسدي مسجّى، أما روحي فكانت تسبح في فراغ لا نهاية له.

حين أفقت، لم أعرف معظم الوجوه. لم أتعرف على أحد إلا حين يبدأ بحكاية قصة قديمة عني، فيضحك محمد ساخرًا من شقاوتي القديمة، فأبتسم رغم ارتباكي. أما يوسف، فكان يمسك يدي برفق، فأبكي بصمت لا أملك تفسيره.

منذ ذلك اليوم صرت غريبًا حتى عن نفسي. ذاكرتي باتت دفترًا عتيقًا، يرفض أن تُكتب فيه الأسطر الجديدة، ويصرّ على الاحتفاظ فقط بما نُقش منذ زمن بعيد.

هكذا بدأت رحلتي مع النسيان. تعلمت أن الشقاء لا يعرف نهاية، لكنه لا يوقف المسير. لذلك ظللت أتوغل في دروب حياتي، أبحث عن فسحة نور. وحين وطئت القاهرة لأول مرة، أحسست أنني وجدت شعاعًا يشبه الحياة. ربما سُمّيت القاهرة لأنها تقهر الآلام.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

الخريطة التي تقودني إليك

 رواية الخريطة التي تقودني  إليك  بقلم  جوزيف مونينغر المقدمة يوم التخرج إنها والدتك، من بين الجميع، هي التي تلتقط الصورة المثالية لك ولصديق...