بحث هذه المدونة الإلكترونية

الخميس، 4 سبتمبر 2025

زليخة كابل


 أحببتُه كما يحب الناس الربيع، لكنني وجدت نفسي مطرودة إلى صحراء لا ماء فيها.

لم أكن مذنبة. كل ما حدث أنني عند باب بيتنا، حين انزاح عن وجهي جادري الفيروزي، لمحني ابن عمّي. كان وجهًا بين آلاف الوجوه التي رآها من قبل، لكن الناس كانوا هناك… وجوههم كالسكاكين، عيونهم تلمع كأنها تقتنص خطيئة تنتظرها منذ زمن. قالوا: إنها تحاول أن تغويه.
ومن يومها صرتُ سجينة حكم لم أنطق فيه بكلمة.

هربتُ عبر الجبال، وثلجها يلسع جلدي، وجوعي يقرص أحشائي، وقلبي يصفعني بسؤال واحد: لماذا أنا؟ كنتُ أردد في داخلي:
"لستُ زليخة، ولم يكن هو يوسفي."
لكنهم لم يسمعوا غير صدى أصواتهم، ولم يروا غير الوهم الذي صنعوه.

حين بلغت نيويورك، بعد أن فقدتَ كل شيء إلا نفسي، جلستُ أكتب قصتي. كتبتُها بكل ما فيها من دموع وغضب، بكل أسرارها التي قد تشعل حرائق في قلوب كثيرين، أولهم أسرتي. كنت أعرف أن صمتي سيقتلني ببطء، وأن كلماتي، مهما كانت قاسية، هي الخلاص الوحيد الذي بقي لي.


في البدء، أعترف بأن عينيّ شهدتا ما لا يُحتمل على قلب طفل. كنت أراقب الصبية وهم يُجبرون على الرقص أمام رجال لا يرحمون، وكنت أعلم أن كل حركة، كل ابتسامة مفروضة، كانت تحمل وراءها خوفًا عميقًا لا يُرى إلا في الصمت. قلبي تفتت في تلك اللحظات، وخوفي من الإفصاح عن أي شيء كان أقوى من رغبتي في الصراخ، لأن البيت كان يحوي جدرانًا لا تُخترق، وأعينًا تراقب كل همسة وكل نظرة. لأول مرة أعترف أنني لم أكن مجرد شاهدة، بل كنت سجينة خوف صامت، أختزن كل ما رأيت وكل ما عشت، وأعلم أن الكشف عن الحقيقة سيزلزل كل ما بنيت عليه حياتي من أمان.

كان الجو في بيتنا مختلفًا ذلك اليوم، يثقل الصدر برائحة الخوف والبراءة المهدورة، كجدار شفاف يفصل بين طفولتنا والوحشية. صبية صغار يُجبرون على الرقص أمام رجال عيونهم تلمع، وقلوبهم تخفق بين الرهبة والارتباك، بينما تصدح أصوات التصفيق والضحك المزيف، موسيقى غريبة تشقّ الجلد وتترك صدى لا يُمحى.

عمي القاسي، ذو اللحية الكثة، كان محور هذا المسرح الغريب. يصفق بحماسة، يبتسم وكأن هذه الفوضى حفل خاص به وحده. وعندما يلتفت، تختفي النساء في البيت كظلال، أصواتهن محجوبة، وحركاتهن مراقبة، وكأن الصمت نفسه عقوبة. أما الصبية، فكان الخوف يقف بينهن وبين كل خطوة، وابتسامة عمي لم تصل إلى عينيه كانت تحكم المكان بقبضة من حديد.

كل زاوية في البيت كانت مشحونة بالرهبة، كل نظرة تحمل تهديدًا، وكل حركة صغيرة ثقيلة بالمعاني الممنوعة. كنت واقفة هناك، قلبي يصفع صدري، وعيوني تلتقط كل تفصيلة، وكل همسة تفضح مدى سوء هذا العالم. شعرت بالوحدة العميقة والعجز، وكنت أعلم أن هذه الظلمات تختزن أسرارًا لا يُسمح بالبوح عنها.

في تلك اللحظة، فهمتُ أن بَچَه بَازی ليست مجرد رقص أو لعبة، بل مسرح كامل من القوة والظلم، حيث تختلط البراءة بالخوف، والشهوة بالقسوة، وأن الصمت هو الشاهد الوحيد الذي يبقى، يراقب، ويشهد على كل ما يُحكى في الخفاء.



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

الخريطة التي تقودني إليك

 رواية الخريطة التي تقودني  إليك  بقلم  جوزيف مونينغر المقدمة يوم التخرج إنها والدتك، من بين الجميع، هي التي تلتقط الصورة المثالية لك ولصديق...