بحث هذه المدونة الإلكترونية

السبت، 30 أغسطس 2025

ملحمة الخرابيش


 ملحمة الخرابيش!!

 

في قلب الحارة القديمة، حيث الجدران العتيقة تصرخ بصمتها، وتفوح من الأزقة رائحة الخبز الطازج والدفء البشري، برزت أسرة آل الصوان. كانوا، في نظر الناس، مجرد صخبٍ بلا أثر، أقدامهم تدق الأرض كالأواني الفارغة، وألسنتهم تمطر ثرثرة وادعاء بلا جدوى. أما أثرهم الحقيقي، فهو كظلٍ ضعيف يذوب مع الشمس.

ومن بين هذه الأسرة خرجت فئة غريبة، ماكرة في طموحاتها، أطلق عليها أهل الحارة اسم "الخرابيش". لم يعرفوا معنى المشاركة، ولم يفهموا الانتماء. كانوا كالصدأ الخفي الذي يتسلل بين المعادن، أو كالأشواك التي تعتلي طريقًا ممهدًا لتعيقه. تسللوا إلى بيوت الناس، وملأوا المجالس بابتسامات مزيفة وكلمات ملونة بالخداع، كل كلمة منهم تحمل رغبةً جامحة في السيطرة.

وأمام هذا الخراب البطيء، تصدّر المشهد كبيرهم، عنان، رجل اسمه يخالف ما يمثله؛ فهو في أسفل الأرض وليس في عنان السماء، طموحه أكبر من قدراته، وسعيه نحو العمدانية أشبه بحلم مستحيل. يرى نفسه عظيمًا، قوته في المال وحده، ولا يكاد يعرف قيمًا أخرى. وبجانبه كان أخوه، خسيف، الذي أطلقت عليه الحارات المجاورة اسم "شفة"، فشفته العظيمة كانت علامة مميزة عليه، كما لو أن الطبيعة نفسها أرادت أن تفضح تفاهته.

كانت الحارة، قبل مجيئهم، عامرة بالعدل والطمأنينة. الرغيف كان يُقسم، والفرح يزداد حين يجتمع الناس على باب بيت واحد. لكن بمجرد أن بسط الخرابيش أيديهم، تبدل كل شيء؛ خبا ضوء الحارة، تفرّق جمعها، وصار كل جميل فيها مهدّدًا بالفساد.

ومن هنا تبدأ الحكاية، حكاية معاكسة لما رُوي عن الحرافيش، فهؤلاء لم يكونوا ملح الأرض، بل كانوا شرارته، يزرعون الخراب حيث كان النقاء.

في الحارة  ذاتها، حيث الجدران العتيقة تتنفس تاريخًا ممتدًا وأزقتها تفوح منها رائحة الخبز الطازج والدفء البشري، كان ابن محظوظ يتربع على عرش العمدانية. نصبوه الأهالي زعيمًا، لكن جناحه كان مهيضًا، وقوته على الحارة ضعيفة كسحاب صيف عابر. لم يستطع فرض سيطرته، وترك المجال مفتوحًا أمام الخرابيش، الذين سكنوا أطراف الحارة، يتسللون كالصدى الخفي، حتى امتد فسادهم إلى قلبها وأصبحوا عشيقها الخفي، نخروا الحجر والخشب كالسوس، وسيطروا بعد ذل وهوان.

لم يعد في الحارة بصيص أمل بعد سنوات من العدل. كان الكل  ينتظر الفرج بصمت، ويطوف في الحارات شعور بالغموض والخوف. وفي خضم هذا الصمت، انتشرت أسطورة في قلوب الأهالي: طيف كبير الصواني، "ذهبان"، يزورهم في المنام، يمشي بين البيوت كالنور، يضيء زوايا الحارة المظلمة، ويمنحهم شعورًا بالسكينة والاطمئنان. فالإنسان، مهما طال الليل، يحتاج إلى اعتقاد ليواسي نفسه من ضغوط الحياة العصيبة.


أما مبروك، من الخرابيش، فكان يرتدي ثوب المصلح أمام الناس، بينما في جوفه تنمو بذور الفساد. شب على ذل أسرته، والآن صار في القمة، حيث منحه والده عنان مكانة لا يستحقها. أمام الأهالي، أظهر نفسه بصورة حسنة، دهن كلماته بالعسل، لكنه يزرع سم الأفكار بين الناس بخفة ماكرة.

يصيح في أرجاء الحارة:
"ابشروا يا آل صوان… سنملأ صوانيكم من الرغيف والأمل..."

لكن الحقيقة كانت مختلفة؛ الرغيف والأمل الحقيقيان لا يُمنحان بالكلام وحده، بل بالعمل والكفاح والصبر. ووسط كل هذا، بقيت الحارة تنتظر، متشبثة بالأمل، تبحث عن نور ينبعث من الداخل، لا من كلمات المصلحين المزيفين، فالأمل، كما تعلم الحارة، يحتاج إلى جهد وصبر قبل أن يتحقق.

وقف بدر وسط الأزقة الضيقة، عيناه مشتعلة بالغضب، صوته يرتفع على وقع خطوات الحارة:
"لن نفلح ما دام عنان هو الخازن! ابن محظوظة بلا سيطرة… عين عنان خازنًا للمال، ووزع أموال الحارة على الخرابيش، من مطلقات وأرامل… كل شيء في يدهم!"

أجاب رجل من الأهالي، محاولًا تلطيف الجو:
"اتقِ الله يا بدر… هم من أهل الصلاح، وجدهم خربوش كان زعيم الحارة!"

ابتسم بدر ابتسامة باردة، ونظر إليه بحدة:
"إصلاحهم؟! لا، ليس من أجل الحارة… إنما من أجل مصالحهم الذاتية فقط. كل ما يفعلونه هو لمصلحتهم، لا لخير أحد غيرهم."

شعرت الحارة كلها بثقل كلمات بدر، وكأن الصمت الذي يعقبها يثبت على صدورهم أكثر من أي حكاية عن فساد الخرابيش.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

الخريطة التي تقودني إليك

 رواية الخريطة التي تقودني  إليك  بقلم  جوزيف مونينغر المقدمة يوم التخرج إنها والدتك، من بين الجميع، هي التي تلتقط الصورة المثالية لك ولصديق...