بحث هذه المدونة الإلكترونية

الخميس، 11 سبتمبر 2025

شيكو

 

 


 

 

كان شيكو طفلاً لا يعرف السكون، يملأ يومه باللعب والأحلام. وفي صباحٍ مشرق، خطرت له فكرة بدت عظيمة في ذهنه الصغير: أن يصبح بطلاً خارقًا يساعد الآخرين. فما كان منه إلا أن اندفع إلى غرفته، يفتش بين أغراضه بحثًا عن زي يليق بمغامرته الجديدة.

أخذ منشفته البنية ولفّها حول عنقه كأنها عباءة، ثم ارتدى بيجامته البنية، وأخفى ملامحه خلف قناعٍ بني صغير، وانتعل حذاءه البني أيضًا. وقف أمام المرآة برهة، يتأمل نفسه وكأنه يرى صورة بطلٍ جديد وُلد للتو، لكنه سرعان ما عبس وهو يتمتم:
ــ "لكن ما اسمي؟ كيف يعرفني الناس؟"

هرع إلى أمه التي كانت تتابع التلفاز بهدوء، ووقف أمامها بملامح جادّة تفوق عمره، قائلاً:
ــ "اتخذت قرارًا يا أمي… سأساعد الناس مثل سوبرمان وسبايدرمان وباتمان. لكن أحتاج إلى اسمٍ يليق بي."

رفعت الأم عينيها نحوه وابتسمت قائلة:
ــ "ما رأيك أن تكون شيكو الخارق؟ تمامًا كما أن سوبرمان هو الرجل الخارق."

أضاء وجه شيكو فرحًا:
ــ "فكرة رائعة! لكن… كيف سأساعد الناس؟"

ساد صمت قصير، ثم أرخى شيكو رأسه متفكرًا، حتى غلبته غشاوة عجيبة، فإذا به يجد نفسه محلّقًا في السماء. كانت المدينة تحت قدميه صغيرة مثل لعبة، والريح تعصف بثوبه البني وهو يتمايل بين الغيوم. فجأة تناهى إلى سمعه الخارق صوت استغاثة:
ــ "أنقذوني… النجدة! لقد سرق اللص حقيبتي!"

اندفع شيكو الخارق من عليائه، وهبط على اللص مثل نسرٍ جريء، وانتزع الحقيبة من يده. ركضت المرأة نحوه، شاكرةً ممتنّة، ثم أخرجت من حقيبتها قطعة شوكولاتة، وقالت بابتسامة:
ــ "خذ يا بطل… تستحقها."

التهم شيكو الشوكولاتة بسرعة، ومسح فمه ضاحكًا:
ــ "القوة الخارقة! عليّ الآن أن أسلّم هذا اللص إلى العدالة."

اقترب من اللص الذي كان ملقى على الأرض، وحاول أن يحمله، لكنه كان ثقيلًا سمينًا، فشعر بالعجز. عندها خطرت له فكرة غريبة: "سأضربه حتى يفقد وعيه!" وأخذ يلوّح بيديه الصغيرة ويعضه بأسنانه، حتى ارتفع صراخ الرجل يتوسل النجاة، والمرأة تصيح:
ــ "كفى يا شيكو، لقد قمتَ بالواجب!"

وإذا بالسماء تذوب من حوله والمدينة تتلاشى… ليفيق على صوت أمه تهزّه وتقول:
ــ "كفى يا شيكو! كنتَ تعض الوسادة وأنت نائم، وفمك ملطخ بالشوكولاتة. قم واغسل وجهك."

جلس شيكو فاغر الفم، يحاول استيعاب ما جرى، ثم قال لها بانفعال طفولي:
ــ "كنت أطير يا أمي! أطير مثل سوبرمان! ألم تقولي إن البشر لا يطيرون؟"

ابتسمت الأم بهدوء:
ــ "البشر لا يطيرون يا بني، كل من حاول سقط… ألا تذكر عباس بن فرناس الذي حدثتك عنه؟ لكن في الخيال يا شيكو، كل شيء ممكن. الخيال هو ما يجعل المستحيل واقعًا."

أطرق شيكو برهة ثم قال بجدية طفولية:
ــ "لقد ساعدت المرأة، وكانت كريمة، أعطتني شوكولاتة. أما أنتِ، فدائمًا تمنعينني عنها!"

قهقهت الأم ضاحكة وقالت:
ــ "أمنعك حتى لا تكون مشاغبًا لا يهدأ."

لكن شيكو أصرّ بعناد:
ــ "لكنني أريد الشوكولاتة… سأوزّعها على الفقراء، مثل الأمير الذي ساعد الفقير في قصتكِ. ستكون الحكاية: الأمير والفقير وشيكو!"

ثم رفع حاجبيه متسائلًا ببراءة:
ــ "لكن يا أمي… ماذا يعني فقير؟"

أشارت الأم نحوه بحنان وقالت:
ــ "اذهب إلى عمك سابيو الحكيم، ستجده قرب مكتبته… هو من سيشرح لك المعنى."

وهنا، ارتسم على وجه شيكو بريق مغامرة جديدة، وكأن الحلم لم ينتهِ بعد…

مضى شيكو نحو المكتبة بخطوات صغيرة يملؤها الفضول، لكنّه لم يجد عمَّه سابيو بين رفوفها الشاهقة. بدت له المكتبة أشبه بغابةٍ من الورق والحروف، والكتب مصطفّة كجنود لا نهاية لهم. وقف الصبي متأمّلاً، وعيناه تبحثان بين الأغلفة الملونة، حتى وقعت نظرته على كتاب يحمل صور حيوانات. مدّ يده بخجل ليمسكه، غير أنّ ما حدث بعد ذلك كان أعجب من الخيال؛ إذ تحرك كتاب آخر من تلقاء نفسه، وانزلق من بين الرفوف، وطار في الهواء كطائر غامض، حتى استقر بالقرب من شيكو المندهش.

وفجأة، انفرجت صفحاته ليخرج منها نور ساطع غمر المكان. سمع شيكو صوتًا عميقًا يصدح من بين الأوراق:
"أنا كتاب الحكايات… ادخل إلى جوفي، وستجد عوالم لا حصر لها من القصص!"

ارتجف قلب شيكو لحظةً، لكنّه سرعان ما تذكّر: "أنا شيكو… البطل الخارق! كيف أخاف؟" ثم تساءل في نفسه: "لكن إن دخلت… كيف سأخرج؟"

فأجابه الكتاب بصوت رخيم:
"إن قلتَ: افتح يا كتاب، فتحت لك صفحتي… وإن قلت: أغلق يا كتاب، أغلقتها وعدت إلى عالمك."

ظلّ شيكو يردّد الكلمات بين شفتيه، كمن يحفظ تعويذة سحرية:
"افتح يا كتاب… أغلق يا كتاب…"

وفي لحظة حاسمة، عقد عزمه وقفز داخل الكتاب. عندها راحت الصفحات تتقلب بسرعة هائلة، حتى انطبقت فجأة، وظهر على الغلاف عنوان مخيف:
"حكايات الغابة التعيسة."

دخل شيكو عالمًا غريبًا؛ غابة غارقة في العتمة، لا يضيئها سوى خيوط متفرّقة من ضوء القمر. هناك، لمح دُبًّا صغيرًا واقفًا عند جذع شجرة، وعلى صدره علامة صفراء لامعة كأنها مريلة أطفال. اقترب منه شيكو متعجبًا وقال ساخرًا:
– "يبدو أنك ما زلت صغيرًا!"

رفع الدب رأسه وهو ينبش في جوف الشجرة باحثًا عن الطعام، وردّ بحدة:
– "لا تسخر مني! اسمي شمس، أنا من دببة الشمس… وهذه العلامة الصفراء على صدري هي سرّ اسمي."

انفجر شيكو ضاحكًا:
– "دب يرتدي مريلة أطفال!"

فاشتعل وجه الدب غضبًا وزمجر:
– "إيّاك أن تقترب… وإلا ضربتك!"

ابتعد شيكو بخطوات مترددة، لكن بصره سرعان ما وقع على أشجار كثيفة محمّلة بالموز. اشتعل جوعه، وبدأ يأكل بنهم، حتى غطّت صرخات القردة المكان:
– "صبي يأكل الموز… صبي يأكل الموز!"

حاصروه من كل صوب، وأحدهم صاح مهدّدًا:
– "أمسكوه! لا بد من تأديبه…"

لكن أنثى قرد تقدمت والدموع تلمع في عينيها:
– "لا تؤذوه! دعوني أحتضنه… لقد قتلت الأسود قردي الصغير، أريده عوضًا عنه."

تملك الرعب قلب شيكو، ففرّ هاربًا وسط الغابة المظلمة، بينما القردة تتقافز بين الأغصان خلفه. حاول أن يطير، لكنه كان أثقل من أن يعلو؛ فقد أثقل بطنه بالموز. وحين كاد ييأس، أبصر بومةً ضخمةً جاثمة على غصن عالٍ، بعين واحدة متقدة. همس أحد القردة:
– "إيّاكم أن يدركه البوم الأعور… فهو لا يرحم فريسته!"

تضاعف خوف شيكو، فأطلق ساقيه للريح حتى خف وزنه، وارتفع بجناحي خياله إلى السماء. لكن البوم الأعور انقضّ عليه كالبرق، وخطف بمخلبه وشاح شيكو البني، فمزقه شر ممزق. سقط الصبي من عليائه، والقرود تحيط به من أسفل، والبوم يهبط نحوه كالصاروخ.

أغمض عينيه يائسًا، وفي اللحظة الأخيرة تذكّر التعويذة:
"أغلق يا كتاب! أغلق يا كتاب!"

وما هي إلا لحظة حتى وجد نفسه يخرج من بين صفحات الكتاب، ليقع بين يدي عمّه سابيو الذي كان يراقب ما يجري بدهشة.

قال العم بصرامة:
– "لماذا دخلت الكتاب يا شيكو؟"

أجابه الصبي وهو يلهث:
– "الفضول… الكتاب كلّمني!"

ابتسم سابيو بحزن وقال:
– "المغامرة لم تنتهِ… الكتاب لن يهدأ حتى تكمل حكاياته. أنظر! إنه يتحرك من جديد."

صرخ شيكو وهو يحاول الفرار:
– "لن أعود! البوم الأعور يريد قتلي، والقردة تريد الانتقام… لكن الدب شمس…"

قاطعه العم سائلاً:
– "وماذا قلت لدب شمس؟"

أطرق شيكو رأسه خجلاً:
– "سخرت منه… وقلت إنه صغير يلبس مريلة."

تنهد العم وقال بحزم:
– "إذن عليك أن تعود وتصلح ما أفسدت، فللكلمات أثرها، وللاستهزاء عواقبه."

تمتم شيكو برجاء:
– "دعني حتى الغد يا عمي… فقط حتى الغد."

وعاد الكتاب يلمع على الرف، كأنه يتنفس، بانتظار عودة شيكو…
 

كان شيكو طفلاً لا يعرف السكون، يملأ يومه باللعب والأحلام. وفي صباحٍ مشرق، خطرت له فكرة بدت عظيمة في ذهنه الصغير: أن يصبح بطلاً خارقًا يساعد الآخرين. فما كان منه إلا أن اندفع إلى غرفته، يفتش بين أغراضه بحثًا عن زي يليق بمغامرته الجديدة.

أخذ منشفته البنية ولفّها حول عنقه كأنها عباءة، ثم ارتدى بيجامته البنية، وأخفى ملامحه خلف قناعٍ بني صغير، وانتعل حذاءه البني أيضًا. وقف أمام المرآة برهة، يتأمل نفسه وكأنه يرى صورة بطلٍ جديد وُلد للتو، لكنه سرعان ما عبس وهو يتمتم:
ــ "لكن ما اسمي؟ كيف يعرفني الناس؟"

هرع إلى أمه التي كانت تتابع التلفاز بهدوء، ووقف أمامها بملامح جادّة تفوق عمره، قائلاً:
ــ "اتخذت قرارًا يا أمي… سأساعد الناس مثل سوبرمان وسبايدرمان وباتمان. لكن أحتاج إلى اسمٍ يليق بي."

رفعت الأم عينيها نحوه وابتسمت قائلة:
ــ "ما رأيك أن تكون شيكو الخارق؟ تمامًا كما أن سوبرمان هو الرجل الخارق."

أضاء وجه شيكو فرحًا:
ــ "فكرة رائعة! لكن… كيف سأساعد الناس؟"

ساد صمت قصير، ثم أرخى شيكو رأسه متفكرًا، حتى غلبته غشاوة عجيبة، فإذا به يجد نفسه محلّقًا في السماء. كانت المدينة تحت قدميه صغيرة مثل لعبة، والريح تعصف بثوبه البني وهو يتمايل بين الغيوم. فجأة تناهى إلى سمعه الخارق صوت استغاثة:
ــ "أنقذوني… النجدة! لقد سرق اللص حقيبتي!"

اندفع شيكو الخارق من عليائه، وهبط على اللص مثل نسرٍ جريء، وانتزع الحقيبة من يده. ركضت المرأة نحوه، شاكرةً ممتنّة، ثم أخرجت من حقيبتها قطعة شوكولاتة، وقالت بابتسامة:
ــ "خذ يا بطل… تستحقها."

التهم شيكو الشوكولاتة بسرعة، ومسح فمه ضاحكًا:
ــ "القوة الخارقة! عليّ الآن أن أسلّم هذا اللص إلى العدالة."

اقترب من اللص الذي كان ملقى على الأرض، وحاول أن يحمله، لكنه كان ثقيلًا سمينًا، فشعر بالعجز. عندها خطرت له فكرة غريبة: "سأضربه حتى يفقد وعيه!" وأخذ يلوّح بيديه الصغيرة ويعضه بأسنانه، حتى ارتفع صراخ الرجل يتوسل النجاة، والمرأة تصيح:
ــ "كفى يا شيكو، لقد قمتَ بالواجب!"

وإذا بالسماء تذوب من حوله والمدينة تتلاشى… ليفيق على صوت أمه تهزّه وتقول:
ــ "كفى يا شيكو! كنتَ تعض الوسادة وأنت نائم، وفمك ملطخ بالشوكولاتة. قم واغسل وجهك."

جلس شيكو فاغر الفم، يحاول استيعاب ما جرى، ثم قال لها بانفعال طفولي:
ــ "كنت أطير يا أمي! أطير مثل سوبرمان! ألم تقولي إن البشر لا يطيرون؟"

ابتسمت الأم بهدوء:
ــ "البشر لا يطيرون يا بني، كل من حاول سقط… ألا تذكر عباس بن فرناس الذي حدثتك عنه؟ لكن في الخيال يا شيكو، كل شيء ممكن. الخيال هو ما يجعل المستحيل واقعًا."

أطرق شيكو برهة ثم قال بجدية طفولية:
ــ "لقد ساعدت المرأة، وكانت كريمة، أعطتني شوكولاتة. أما أنتِ، فدائمًا تمنعينني عنها!"

قهقهت الأم ضاحكة وقالت:
ــ "أمنعك حتى لا تكون مشاغبًا لا يهدأ."

لكن شيكو أصرّ بعناد:
ــ "لكنني أريد الشوكولاتة… سأوزّعها على الفقراء، مثل الأمير الذي ساعد الفقير في قصتكِ. ستكون الحكاية: الأمير والفقير وشيكو!"

ثم رفع حاجبيه متسائلًا ببراءة:
ــ "لكن يا أمي… ماذا يعني فقير؟"

أشارت الأم نحوه بحنان وقالت:
ــ "اذهب إلى عمك سابيو الحكيم، ستجده قرب مكتبته… هو من سيشرح لك المعنى."

وهنا، ارتسم على وجه شيكو بريق مغامرة جديدة، وكأن الحلم لم ينتهِ بعد…














 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

الخريطة التي تقودني إليك

 رواية الخريطة التي تقودني  إليك  بقلم  جوزيف مونينغر المقدمة يوم التخرج إنها والدتك، من بين الجميع، هي التي تلتقط الصورة المثالية لك ولصديق...