اليوم الخامس
انغمس مسعود في محبرة أفكاره، يسحب النبض من قلبه كما يُستنزف الدم من جرحٍ مفتوح.
كان يكتب بعصبيةٍ تشبه الحمى.
هل كانت مذكّراته؟ أم وصيّته الأخيرة؟
سؤال ظلّ يتأرجح في ذهن صفية الواقفة خلف الباب، بعدما طلب منها ألّا تطرق وألّا تدخل.
لم يعتد مسعود هذا الجنون، رغم أنه كاتب. كتاباته كانت نادرة، متقطّعة، كأنها محاولات بائسة لمصالحة ذاته التي لا تهدأ.
أما صفية فكانت تشعر بجمرٍ يلسعها تحت جلدها، جمرٍ لا يُطفأ، كأن البيت نفسه يتنفس من صدرها.
رنين الهاتف لم يتوقف.
ورغم قلقها على مسعود، مضت نحوه في الممرّ القصير المفروش بسجادة حمراء باهتة.
على الرفّ المزدان بمزهرية ذابلة، رفعت السماعة بيدٍ مرتجفة.
– ألو…
جاءها صوت رجل بعيد، متقطع الأنفاس:
– ألو… هذا منزل مسعود فالح؟
– صوتك بعيد… من يتحدث؟
تلعثم الصوت كمن يختنق:
– لدينا… من أجله… هنا…
ثم انقطع الخط.
تجمّدت صفية، تحدّق في الهاتف الصامت.
رفعت عينيها نحو التقويم على الحائط: ٥ ديسمبر ١٩٨٥.
توقفت اللحظة عن التنفس.
تناهت أصوات خافتة من غرفة الكتب، وقع أشياء تتناثر، فركضت نحو الباب.
وجدت الكرسي فارغًا، الأوراق مكدسة، الحبر ما زال رطبًا.
الخط واضح، لكنه غريب، كأنه كتابة وحيٍ لا تخص البشر.
رن الهاتف مرة أخرى.
– لدينا… من أجله… هنا…
ثم صمتٌ ميت.
همست صفية في نفسها:
> هل يكتب ما سيحدث قبل أن يحدث؟
تقدّمت بين الغرف، تبحث عنه.
لم تجده.
لكنها وجدت على الأريكة ورقة، كأنها سقطت من السماء:
> "الغيب عن المرء محجوب… والحاضر بين يديه موهوب…"
ثم طَرْقٌ على الباب.
ظلّ ثقيل يبتلع الصالة.
لم تجرؤ على الحركة.
كان الطارق بلا ملامح، بلا صوت، بلا زمن.
لمعت في ذهنها كلمات قديمة، من زمنٍ بعيد، من فم خالتها منيرة — أم مسعود — حين قالت:
> "يا صفية… البيت هذا مشؤوم.
من يوم سكنّاه وهو يطرد الخير من عتباته.
يقول أبو مسعود: ساحرٌ سكنه قبلنا، وأنا أقول: ليس ساحرًا، بل قبيلة من الجنّ تسكن الأساس.
أتعرفين ما حدث حين بنوه؟ دفنوا خروفًا أسود عند أول لبنة، حسدًا أو نذرًا، ومن يومها وكل من يسكنه يُصاب بخمس لعنات لأن البيت اعيد ترميمه في الخامس من ديسمبر من عام 1985 !"
ارتجفت صفية.
خطت إلى المرآة، نظرت إلى وجهها الشاحب.
هل هذه هي؟
شعرها اختلط بالرماد، وجبينها أثقله الوقت.
هل تشيخ لأن البيت يشيخ؟
وفجأة، سمعته — صوت مسعود يأتي من عمق الجدران:
> "الداخل إلى الدار مفقود… والخارج منها مولود…"
ارتعش جسدها.
هل هو صوته فعلًا؟ أم أن البيت صار يتحدث بلغته؟
تقدّمت نحو المطبخ، بخطواتٍ تحاول النجاة من الهواء الثقيل.
على الطاولة، قرب آلة تقطيع اللحم، ورقة أخرى ملطخة بدمٍ داكن.
الدم لم يجف.
كتبت بخطٍ يشبه خط مسعود:
> "سمعتُ صوتًا هاتفا في السحر… نادى من الغيب غفاة البشر…"
وقفت صفية، لا تعرف إن كانت تقرأ أم تُستَحضَر.
كل ما حولها بدأ يتنفس ببطء، كأن الجدران تراقبها.
حتى صمت المكان صار له نبض.
عادت بخطواتٍ مرتجفة إلى طاولة الهاتف.
لم يكن الجهاز هناك.
فقط الأوراق والصور القديمة.
رفعت بصرها نحو الجدار.
تجمّدت عيناها عند صورةٍ مشطوبة:
سماح — عمة مسعود.
ملامحها مطموسة بخطٍ أسود، لكن نظرتها تخترق العتمة.
وفي تلك اللحظة، انسكب صوتٌ في أذنها من جهةٍ لا تُرى:
> "البيت هذا لن يهنأ من يعيش فيه...
لأن فالح — أخوي — بناه من مال أبي،
وأخذ ما ليس له،
وأنا دعوت عليه... دعوة المظلوم لا تُردّ."
ارتجف الهواء.
تذكّرت المشهد القديم:
سماح تبكي عند الباب، بناتها حولها، وفالح — والد مسعود — يقف كطاغيةٍ لا يرحم.
> "أغربي عن وجهي أنتِ وبناتك!"
مضت سماح تبكي وتدعو:
> "الله لا يوفّق من ظلم… ولا من بنى على وجعٍ بيتًا."
ومنذ ذلك اليوم — أو ربما قبله —
لم يعرف هذا البيت سكينةً قط.
ثمة صوت غليظ انبثق من العتمة يقول لصفية:
> "ما رأيكِ فيما قرأتِ يا صفية؟"
ارتجف قلبها.
تعرف هذا الصوت — تعرف رنينه العميق، نبرته التي تسكن الذاكرة.
لكن... من أين يأتي؟
اقترب الصوت منها أكثر، كأنه يخرج من بين الجدران لا من بين الشفاه:
> "كنتِ بطلة في القصة يا صفية…
الأقدار ليست بيدي، ولا بيدك…
إنها بيد من كتب الكون أول مرة."
شهقت صفية.
كان الصوت صوت مسعود فالح.
زوجها الذي ظنّت أنه ضاع بين الحبر والجنون.
التفتت، فرأته جالسًا خلفها، بهدوءٍ يشبه الظهور بعد الغياب.
أمامها على الطاولة مخطوطة مفتوحة، عنوانها: "اليوم الخامس".
كانت قد غطست فيها حتى أذنيها، تقرأها كما ينزل الغريق في قعر الماء.
وحين أنهت السطر الأخير، شعرت أنها تنهض من غيبوبةٍ طويلة.
قالت وهي تتنفس بصعوبة:
> "ظننتها واقعًا… عشت فيه أحداثًا جسامًا…
رأيتك تكتب دمك، وسمعتُ الجدران تناديني بأسماءٍ أعرفها ولا أعرفها..."
ابتسم مسعود، ابتسامةً هادئة فيها صفرة تعبٍ قديم:
> "القصة التي لا تعيشينها بكل جوارحك، ليست قصة يا صفية.
الكتابة ليست حبرًا، بل حياة أخرى نحترق فيها لنعرف من نكون."
تطلعت إليه بعينين لا تزالان معلقتين بين الحقيقة والوهم:
> "هل البيت مسحور؟
أم محسود؟
أم أن دعوة العمة سماح ما زالت تطاردنا؟"
خفض عينيه نحو الأوراق، كمن يسمع صوتًا من مكانٍ آخر.
قال بصوتٍ خافتٍ متردّد:
> "ربما... لست أدري."
صمتٌ ثقيل سقط بينهما.
الهواء صار باردًا، والبيت تنفّس ببطءٍ غريب.
على الجدار، ساعةٌ قديمة توقفت عقاربها عند الخامسة تمامًا.
رفعت صفية رأسها نحو مسعود… فلم تجده.
فقط الكرسي الفارغ، والمخطوطة المفتوحة على السطر الأخير:
> "الداخل إلى الدار مفقود، والخارج منها مولود..."
وبينما كانت عيناها تتسعان، سمعت صوته من جديد — هذه المرّة من داخل الجدار:
> "اليوم الخامس لم ينتهِ بعد يا صفية..."
النهاية
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق