مشاوير ثقافية
المجد لله في الاعالي!!
في القاهرة، قلتُ لأخي يزيد، الذي كانت خبرته بالمدينة كالعجين الطري لم تسخن بعد في فرن التجارب والرحلات:
– علينا أن نمضي إلى وسط البلد.
ابتسم وقال بحماس طفل يكتشف مدينة أسطورية:
– أريد أن أتعرف على القاهرة حقًا.
ركبنا سيارة تاكسي، وكان السائق نحيلًا، كأن جسده يشكو من قِلّة القوت وطول الطريق. بدا صغيرًا على مقعد القيادة، ومن فوق المرآة الداخلية تدلّى صليب صغير بجانبه تمثال لمريم العذراء. في المقابل، كانت داخل السيارة زينات ملونة وأضواء تومض كأننا في مدينة ألعاب لا ينقصها سوى قطع التذاكر.
فتحتُ معه باب الحديث وسألته:
– كيف ترى مصر بعد الثورة؟
أجاب وهو يحدّق في الطريق أمامه:
– مصر تغيّرت كثير... لم تعد هي مصر التي كانت.
كنا في تلك الأيام بعد الثورة ضد حكم الإخوان، لكن السائق سرعان ما انعطف في حديثه إلى ما يشغل باله أكثر، وقال بصوت مائل إلى الحكمة:
– الإخوان طيبين، لكنهم مش رجال سياسة. السياسة محتاجة مناورة ودهاء، وده ما كانش عندهم.
قلتُ له متسائلًا:
– لماذا ذكرت الإخوان؟
ابتسم ابتسامة خفيفة وقال:
– يمكن عشانك لاحظت الصليب وتمثال مريم وعرفت إني قبطي. أنا فعلًا مسيحي، وبقولها بفخر. لكن الصراحة؟ الإسلام دين جميل في التعامل، دين أخلاق ورحمة. بس دخول الدين في السياسة؟ دي كانت غلطة كبيرة... وده اللي أوقع الإخوان.
كانت السيارة تمضي تشق شوارع القاهرة من التجمع الخامس إلى حي الحسين، بينما الصليب الصغير يتأرجح مع هواء المكيف، كأنه يهمس:
«الْمَجْدُ للهِ فِي الأَعَالِي، وَعَلَى الأَرْضِ السَّلاَمُ، وَبِالنَّاسِ الْمَسَرَّةُ"».
وما إن اقتربنا من الحسين حتى بدأت المآذن تعلو بالأذان، والناس تتقاطر من الأزقة لأداء صلاة العشاء.و كأن المآذن تردد الآيات القرآنية :
(ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون).
وقفنا هناك، بين صوت المؤذن وصلبان المرايا، بين نور المئذنة ولمعان العذراء، فشعرتُ أن القاهرة — هذه المدينة المتعبة الجميلة — لا تزال تعرف كيف تُصلّي بطريقتها الخاصة، وكيف تجمع المختلفين في قلبٍ واحدٍ نابضٍ بالحياة.
***
أوسخ شعب!!
ركبتُ سيارة أجرة في قلب القاهرة.
كان السائق رجلاً ممتلئ الجسد حتى إن الكرسي الذي يجلس عليه اختفى تحت وزنه. صوته أجشّ غليظ، لكنه يخفي خلف تلك الخشونة روحًا مصرية دافئة… تلك الروح التي تمزج النكتة بالمرارة في آنٍ واحد.
ركبتُ أنا وأخي، ويبدو أنه ظنّنا من السودان — فلون البشرة أحيانًا يكفي ليحكم الناس على غيرهم قبل أن يفهموهم.
انطلق يكيل المديح لأهل السودان، وأنا بدوري قلدتُ لهجتهم مازحًا:
ــ «إييييي يا زول!»
فضحك، وراح يثرثر في السياسة قليلًا، ثم ينتقل بين أحاديث الشعوب والثقافات، يتناولها بخفةٍ لا تخلو من الجهل، كما يفعل كثيرون حين يظنون أن العالم مجرد دردشة على مقود سيارة.
راودتني فكرة فجأة، فقلت له مبتسمًا:
ــ طيب يا معلم، هقول لك أسماء دول، وانت قول رأيك فيهم.
قال: تمام يا باشا.
قلت: السودان؟
قال: «السودانيين طيبين أوي، بس حكومة الإخوان وحشة، هما ولاد النيل زيّنا.»
قلت: الأردن؟
قال: «حكامها من الهاشميين، ناس كويسين.»
قلت: سوريا؟
قال: «شعب مش فاهم، بس بشار كان رئيس كويس!»
قلت: الكويت؟
ضحك وقال: «كلها مصريين، يعني بلد كويسة جدًا!»
قلت: قطر؟
قال: «شعب كويس، حكومة سيئة.»
ثم سألته بابتسامة خفيفة:
ــ والسعودية؟
تغيّر صوته فجأة، وقال جملة جعلتني ألتزم الصمت:
ــ «أوسخ شعب على أطهر بلد.»
نظرتُ إليه طويلًا، ثم قلت بهدوء:
ــ ليه مش العكس؟ ليه مش كلهم طاهرين زي بلدهم؟
ردّ قائلاً وهو يهز رأسه:
ــ «هما بييجوا هنا عشان الملاهي الليلية بس، يسكروا... ويعملوا اللي ما يتقالش.»
صمتُّ، وتركت السيارة تمضي في طريقها بين زحام القاهرة، حتى بلغنا وسط البلد، قرب كوبري قصر النيل — كوبري العشاق، كما يسميه المصريون.
لم أجد معي فكة، فذهبت إلى كشك صغير وصرفت ورقة نقدية. عدت إليه وقلت له:
ــ تعرف كم الحساب؟
قال: «عشرين جنيه.»
ناولته المال وقلت بابتسامة خفيفة:
ــ حسابك واحد وعشرين، والجنيه الزيادة من «أوسخ شعب في أطهر بلد.»
تجمّد لحظة، ثم انفجر ضاحكًا وقال بدهشة:
ــ إنت سعودي؟! يا حبيب قلبي، ما كنتش صادق في كلامي!
قلت له:
ــ وانت ما خلتش لا صدق ولا كذب!
ضحكنا معًا، ثم مضى كلٌّ منّا في طريقه.
تركني وهو يلوّح بيده من نافذة التاكسي، وتركتُ خلفي حكاية أخرى من حكايات القاهرة…
المدينة التي لا تكفّ عن امتحانك، ثم تبتسم لك كأنها تقول: ما تزعلش، كده إحنا المصريين.
***
الأعشى في القاهرة!!
في قاهرة المعزّ، كنتُ عائداً من مدينة نصر بعد جولةٍ طويلة في سيتي ستارز مول.
الليل كان يهبط ببطءٍ على المدينة، والهواء مشبعٌ برائحة البنزين وموسيقى أم كلثوم التي تتسلّل من المقاهي القديمة.
مررتُ بالقرب من المنصّة التي اغتيل عندها السادات، فتوقّفت لحظةً وضربتُ له تحيّةَ تعظيمٍ وسلام.
ليس لأنّي أعيش في الماضي، بل لأنّ التاريخ في القاهرة لا يموت، بل يتسكّع معنا في الشوارع كشيخٍ يعرف أسرار الجميع.
لكن دعنا لا نضيع، يا قارئي العزيز، في دهاليز السياسة،
فكما قال أرسطو: الإنسان حيوانٌ سياسيّ...
وأنا في تلك اللحظة لم أكن سوى دابّةٍ تائهةٍ تبحث عن وسيلة نقل.
أوقفتُ تاكسيًا صدئًا يقوده رجلٌ تجاوز السبعين،
كان وجهه خريطةً نحتها الزمن بمسامير التعب،
وعيناه مطفأتين كشمعتين ذابتا في عتمة الحياة.
ابتسم لي، أو ظننتُ ذلك، وقال بصوتٍ مبحوح:
> "اتفضل يا بيه... على فين؟"
انطلقت السيارة تشقّ الزحام في استسلامٍ رتيب،
وكلّ شيء بدا طبيعيًا... حتى دخلنا طريقًا معتمًا،
طريقًا لا يُرى فيه حتى ظلّ المصباح.
وفجأةً، صمت السائق، ثم قال بارتباكٍ خافت:
> "يا بيه... بص حضرتك، أنا ما بشوفش كويس بالليل... قولّي الطريق إزاي!"
تجمّدتُ مكاني.
سائق لا يرى!
ونحن في قلب القاهرة!
لم أجرؤ أن أقول شيئًا؛ فالرجل في عمر أبي، ولا يليق أن أعاتبه.
وهكذا وجدتُ نفسي — وأنا أرتدي نظّارتي —
أتحوّل إلى مرشد طريق كليل العينين لأعشى البصر!
أصف له الشوارع، وأشير إلى المنعطفات، كأنّني دليلٌ يقود القدر.
يا للمفارقة...
أن ترى بعينين مثقلتين بالعدسات،
وتقود من لا يرى،
في مدينةٍ لا يعرف أحدٌ فيها إلى أين يذهب بالضبط.
****
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق