(رحلة ابن سعيد الضحاك )
كان النهارُ يجمع فتات ضوئه من الأفق حين عدتُ إليكم، أحمل على كتفي ظلَّ مغمومة؛ تلك المرأة التي تركت في قلبي حزنًا مقيمًا، كأنه ختمٌ لا تَمحوه السنون. وما إن هدأ العرق على جبيني حتى صادفتُ ابنَ سعيد الضحّاك—الرجل الذي خان اسمه منذ خرج إلى الدنيا.
كان واقفًا عند حافة الطريق، لا كمن ينتظر صديقًا، بل كمن يتهيّأ لمعركةٍ صامتة. وما إن رآني حتى هزّ رأسه بتبرّمٍ يعرفه كلُّ من جرؤ على الاقتراب من طباعه. تقدّمتُ نحوه، فرماني بنظرةٍ حادّة كأنني أحمل ذنبًا لم أفعلْه، ثم قال بصوتٍ مائلٍ إلى المرارة:
"أسرفتَ في جلد ذاتك…
تُصرّ على رسم وجهٍ لليأس، وتمحو كلَّ أثرٍ للأمل.
فمن أين يأتي الضوء لصفحةٍ قررتَ أنت أن تطليها بالسواد؟"
كان كلامه كحجارةٍ صغيرة تُقذف على نافذةٍ خالية—تُحدث ضجيجًا، لكنها لا تغيّر سكون المكان. والأغرب أنّ الغضب كان يشتعل في صوته، غضبٌ يُخاصم اسمه كما لو أن القدر كتب عليه أن يعيش في مفارقةٍ دائمة. فالضحّاك لم يعرف الضحك يومًا؛ جبينه موطنٌ للسحاب، وضلوعه بيوتٌ للضيق.
وهكذا البشر: أسماؤهم أقنعة…
هديل لا تُغرد إلا عند الشكوى،
وسعيدٌ يطوي حزنه في جيبه كرسالةٍ سرّية،
وغانم لم يغنم إلا الخيبة وما تخلّفه من ندوب.
تأمّلتُ ابن سعيد طويلًا، فرأيته نسخةً مكثّفة من مجتمعٍ يجيد تلميع وجهه قبل أن يقف أمام الناس، بينما يخفي في صدره شقوقًا لا يراها إلا من اقترب كثيرًا. كان واحدًا من أولئك الذين يُتقنون التمثيل؛ يُظهرون ما لا يُبطنون، يمارسون التقية الاجتماعية كأبناء الظلّ، لا أبناء النهار.
وحين كان الليل يهبط على الرمال كعباءةٍ ثقيلة، قفز إلى ذهني سؤالٌ غريب:
من الذي يحفر الأنفاق في الصحراء؟
من الذي يهرب من الضوء ويتقن التخفي؟
لم أجد إلا جوابًا واحدًا: اليَربوع… تمامًا كما يفعل بعض الناس.
وقف ابنُ سعيد أمامي أخيرًا، كتفاه مشدودتان كوتر قوس، وقال وهو يرفع صوته كحكمٍ في محكمةٍ بلا جدران:
"يا ابن مغمومة…
لا أوافقك الطريق الذي تسلكه.
تُشنّع على المدن كلها، وكأنك تحمل غربالًا لا يحفظ من الناس إلا عيوبهم.
أيعقل أن تدخل مدينةً كاملة ولا تجد فيها وجهًا واحدًا يشبه الخير؟"
تقدّم خطوة، وكان صوته يتأرجح بين الغضب والصدق:
"لن أصدق أن الشرّ يعمّ والخير يخصّ.
الحياة يا صاحبي ثنائية:
نورٌ وظلّ…
كسبٌ وخسارة…
ومن سلبك الخير قد يهديك درسًا،
ومن منحك الشرّ قد يدفعك إلى خيرٍ لم تتوقّعه."
ثم أشار إلى الأفق المظلم وقال:
"لا أحد يغادر المدن خالي الوفاض.
من مدينةٍ نأخذ جرحًا،
ومن أخرى نأخذ حكمة،
ومن ثالثةٍ نأخذ إنسانًا واحدًا يكفي ليقول لنا: ما زالت الدنيا بخير."
ثم ختم كلامه بجملةٍ هزّت المرآة التي أحملها في داخلي:
"أما أن تعود من كل مدينة بالسوء وحده…
فهذا ليس حكمًا على الناس،
بل حكمٌ قاسٍ على نفسك."
مدينة صوفي
ما رواه لكم ابنُ مغمومة عن المدن لم يكن إلا ظلًّا باهتًا لا يمسّ الحقيقة. لقد خنق الجمال لأن الجمال مرآةٌ تكشف الإنسان أمام نفسه، وهو رجلٌ إذا مرّ على روضة، حسبها مقبرة؛ وإذا لاح له طيفُ أملٍ ظنّه خداعًا من سراب بعيد. أطال المكوث في موّال الحزن حتى صار صوته نشيدًا من شقوق الروح، وكل من يقرأ حروفه يفرّ كمن يتعقّبه شبحٌ لا يعرف الرحمة.
أمّا أنا… فقد دخلتُ مدينة صوفي ذات مساء، وكانت من المدن التي تُفتح أبوابها بالسكينة لا بالمفاتيح.
الهواء فيها معجونٌ برائحة الكتب القديمة، ورذاذ المطر الأوّل، والأنفاس التي أطلقتها الأرواح في لحظات صفاء نادر.
في إحدى زواياها رأيتُ رجلاً جالسًا، مطبق اليدين على صدره، لا من قيد بل من فرط التأمّل. كان الهدوء يتسرّب من جسده كما يتسرّب الضوء من قنديلٍ قائم في آخر الليل. أشار بعض المارّة إليه بوجل:
— ذاك… ابن عربي.
تقدّمتُ نحوه، وكانت كتبه تفترش الأرض من حوله، تلمع صفحاتها كلّما داعبتها شمس الظهيرة. قدمت نفسي بصوت خفوت:
— أنا ابن سعيد الضحّاك.
فرفع رأسه وقال بصوتٍ كالماء الرقراق:
> “أجمل ما ذُقتُ… أن تنفتح العين على جمال الخلق، فتراه دليلاً يهمس باسم الخالق. كلُّ بهاءٍ في الوجود إنما هو شرارةٌ من نوره، وصدى من جماله.”
واصلت سيري.
هناك، في ناحية يغشاها نورٌ رخيم ينزل على مهل كأنه منسوخ من صفحة ملكوتية، رأيت شيخًا منكفئًا على سجادته، مصحفٌ بين يديه وصمتٌ حوله يشبه أنفاس طفلٍ نائم.
قال المريدون:
— هذا جلال الدين الرومي.
اقتربت، فرفع رأسه، وخرجت الكلمات من فمه كأنها آيات تتلو نفسها:
> “أنا خادمُ كتاب الله ما دام في صدري نورُ نفس.
أنا ذرّة تراب على طريق محمد، المختار من بين الخلق.
فإن جاء من يحيد بكلماتي عمّا أردتُ…
فذلك قلبٌ ضلَّ عن الطريق؛
أعتذر منه،
وأتركه لرحمة الحقّ تمحو ما قال.”
خرجتُ من مدينة صوفي وأنا أعلم أنها ليست مبنيّة من الحجر، بل من المعنى. تدخلها بأقدامك، وتخرج منها بقلبٍ آخر…
إلا ابن مغمومة؛ فقد كان الحزن يمسك بثوبه كلما حاول الرحيل.
---
لكن شهادتي الكبرى لم تبدأ إلا عند باب خراسان.
كانت الريح تجرّ غبارًا بلون النحاس، والناس يفترشون الأزقّة ينتظرون شيئًا يشبه النبوءة. وهناك… عند أصل الباب العظيم، رأيت ما يخلع القلب من مكانه.
الحلّاج.
مصلوبًا كطائرٍ كُسِر جناحه، لكن في عينيه بقية نور لا يقدر أحد على إطفائها. آثار السياط خاطت ظهره بخيوط من نار، وسلاسله ترتجف كأنها تسأل السماء: أيُّ ذنب يرتكبه شاعرٌ أحبّ الله حتى بكاه؟
ومع ذلك…
كان ينشد.
رفع رأسه نحو العلوّ، كأن بينه وبين السماء عهدًا لا يسمعه سواه:
> واللهِ ما طلعت شمسٌ ولا غربت
إلا وحبُّك مقرونٌ بأنفاسي…
تردّد صوته في الشوارع.
بعض المارّة بكى، بعضهم أخفى ارتعاش شفتيه، وأنا — ابن سعيد الضحّاك الذي لا يلين — ترقرق الدمع في عينيّ، لا من الألم بل من جمالٍ يشقّ الروح نصفين.
والسماء تستمع.
والناس يترجمون شعره إلى بكاء.
ثم دوّى الطريق بموكب المقتدر العباسي، يفتح الأرض كما يُفتح كتاب مكتوب منذ الأزل. غير أن الحلاج لم يلتفت، لم ينظر، لم يخش. ظلّ يسكب شعره على الظلام كأنه يسكب نورًا من جهة أخرى.
وكنت قد عزمت أن أغادر المدينة ضاحكًا، أحمل شيئًا من البشر، وأترك خلفي صوفي خفيفة كالنسيم.
لكن الحلاج — في صموده، في نزفه، في نشيده — أعاد ترتيب ما في داخلي.
خرجت من باب خراسان، وصوتُه يتردّد في صدري كنبضٍ ثالث للقلب.
ومضيت أقول:
لن تعرف السعادة… حتى تمرَّ على نار الأحزان.
فيا نارُ كوني بردًا وسلامًا على كل روحٍ ذاقتك،
علّها تعود أقوى… وأصفى… وأقرب إلى الله.
مدينة المذهبي!!
بعد أن غادرتُ مدينة صوفي، لم أُلْقِ عصا الترحال كما يفعل المنهكون، بل وجدتني أسير في دربٍ يقودني إلى مدينةٍ لا أعرف لها اسمًا ولا وصفًا، مدينة كأنها خرجت من ضلع الغيب. كنت أعلم يقينًا أن ابن مغمومة، ذلك الرحّالة القنوط، لم تطأها قدمه؛ فلو اقترب منها لنفرت منه كما تنفر الوحوش من زئير الأسد.
فهو رجلٌ إذا رأى الوردَ بحث عن شوكه، وإذا رأى النورَ غطّى عينيه خشية أن يراه. ولو دخل هذه المدينة لمرّ عليها مرور الغريب الذي لا يرى إلا انعكاس ظله الأسود.
كنت غارقًا في بحرٍ من الأفكار تتلاطم في رأسي كأمواجٍ غاضبة، حين بلغني صوت رجلٍ يتحدث بصوتٍ جهوريٍّ ناصع النبرة، يقول:
"ابنُ المذهبي جرّب كل مذهب، وما ضاق به أحد. أمّا ابنُ مغمومة فقد لقيه… لكنه تجاهله، لأنه لا يشبه رؤيته الضيقة للعالم."
توقفتُ، كمن يُنتشل من غرقٍ آتٍ، والتفتُّ نحو صاحب الصوت. كان رجلاً ذا ملامحٍ أرهقها السفر وأضاءتها الحكمة، فاقتربتُ منه وقلت:
"يا أخا العرب… من ابنُ المذهبي هذا الذي تذكره وكأنه أسطورة؟"
أشار الرجل بيده إلى قمة هضبةٍ قريبة، كأنها كتف الأرض المشرئب نحو السماء، وقال:
"على تلك الرأس الشامخ، سترى رجلاً جرّب المذاهب كما يُجرَّب الملح في البحر… ثم عاد نقيًا كالماء الأول."
ضحكتُ في سرّي ضحكة المتعجب، وقلتُ لنفسي:
"كيف يجرب كل شيء… ويعود نقيًّا؟ أهو رجل أم لغز من ألغاز الوجود؟"
انطلقتُ نحوه اندفاع السهم الخارج من جرابٍ صنعته يدُ القدر. كانت الصخور تحت قدميّ تُصدر صوتًا خافتًا، كأنها تُحدّثني بلغة القدماء الذين مرّوا من هنا. والريح تصطدم بوجهي كمن يحاول ردّي، كأنها تقول:
"ارجع… فالطريق ليس لمن يجهل ما ينتظره."
ولكني مضيت، مدفوعًا بفضولٍ يشبه العطش حين يجد الماء بعيدًا ولكن ممكنًا.
وحين بلغتُ القمة، رأيته…
رجلٌ يجلس فوق صخرةٍ تشبه عرشًا نحتته الرياح، ظهره مستقيم كقوس، ووجهه ساكن كمرآة بركةٍ لا تهتز.
كان فيه شيء من الهدوء الذي يأتي بعد بكاءٍ طويل، وشيء من الضوء الذي يأتي بعد عتمةٍ ثقيلة.
حتى وإن عرف عنها ابنُ مغمومة، فلن يكشف النقاب عنها؛ لأنه يجهل اليين واليانغ… ذلك المفهوم الصيني الذي تعلّمته في رحلتي إلى الشرق البعيد، حيث رأيتُ كيف أن الإنسان هناك يرى في السواد بياضًا، وفي البياض سوادًا، وفي القبح جمالًا، وفي الجمال قبحًا.
هناك أدركتُ أن الشوكة ليست عدوًا للورد، بل هي حارسه، وأن النعمة ليست دائمًا وردة، فقد تُخفي شوكتها في قلبها.
جلستُ بالقرب منه على الصخرة التي تشبه محرابًا، لكنه قال لي دون أن يدير رأسه، وكأنه يرى ما خلف الوجود كله:
— أتيتَ إلى مدينة المذاهب؟
أنا من جرّب كل طريق، وسلك كل درب، وشقّ كل عسيرٍ حتى يظفر بالخلاص… ثم عاد كما هو.
أنا ابنُ المذهبي…
سكت قليلًا، كأنه يمتحن قدرة الريح على حمل صوته، ثم تابع:
— سوف تتعجب أني طرقتُ بابَ التسنّن، والتشيّع، والاعتزال، والتصوّف، والإباضية… وبالنهاية عدتُ مسلمًا كما ولدت.
لا أكثر… ولا أقل.
قلتُ وأنا أبتسم، والدهشة تعضّ شفتي:
— ألم تتأثر بواحدٍ منهم؟ أليس في اتساع الطرق ضياع، وفي كثرة المذاهب ميلٌ للانحياز؟
ابتسم ابنُ المذهبي، وبدت ابتسامته كأنها حكمة تتجسد في ملامح بشر، وقال:
— أنا إنسان… تأثرت بالطبع.
ففي كل مذهب جودةٌ في باطنها سيئة، وفي كل سيئةٍ جودة.
الطريق يا صاحبي ليس في اختيار ما تراه صحيحًا… بل في معرفة ما يجعلك أصدق مع نفسك.
بقيتُ جالسًا أمامه، متقرفصًا، حتى كدتُ أشعر أن الدم توقف في ساقي، وكأن الفالج يطرق أطرافي، لولا أنه مدّ بصره إلى الأفق وقال:
— انهض… واذهب راشدًا.
حان الوقت لأصلي لربي وأخلو إليه.
ثم نهض بخفةٍ لا تشبه سنين الأسفار، وقال وهو يبتعد:
— فالدين… عملٌ بالقلب واليد. لا باللسان.
وقفتُ أراقبه حتى غاب بين الصخور، وكأن الأرض ابتلعته أو أخفته كما تخفي الأم طفلها من برد الليل.
وحين خرجتُ من المدينة، لم أكن كما دخلت.
لم يعد قلبي يبحث عن مذهبٍ يسنده، بل عن دهشة تضيئه.
رأيتُ جمال الإسلام يتجسد في تفاصيل صغيرة لا نلتفت إليها:
في حياء نسمة، في انكسار ضوء، في سجود رجل لا يراه أحد.
وبينما أسير، تجسدت أمامي لوحةٌ تشبه اليين واليانغ نفسها:
في كل قبحٍ جمال،
وفي كل جمالٍ قبح…
وفي التناقض… اكتملت الصورة.
ومضيتُ في طريقي، أدرك أن الحقيقة ليست شيئًا نصل إليه…
بل شيئًا نراه حين نُطهّر أعيننا من ظلال أنفسنا.
مدينة الفلاسفة
ما إن خلفتُ مدينةَ المذاهب وراء ظهري حتى شعرتُ كأن الطريق يدور بي دون قرار،
أضرب أخماسًا في أسداس، كأن عقلي خيمةٌ اقتلعها رياحٌ شرقيٌّة عاتية.
وكانت الشمس عند ميلها، تصبغ الأزقة بلون العِتق، حين سمعتُ أصواتًا تتعالى في سوقٍ لا يهدأ.
اقتربت شيئًا فشيئًا، حتى رأيتُ حلقاتٍ من الناس متشابكةً كعشّ دبابير،
وفي مركزها عراكٌ بين شبابٍ بوجوه يشتعل فيها الجدال،
يتقاذفون الكلمات كما تتقاذف الأمواجُ خشبَ السفينة في ليلةٍ بلا قمر.
فسألتُ عابرًا: ما شأنهم؟
قال:
"اختلفوا في من هو الأسمى: الفارابي أم ابن سينا؟
هؤلاء طلبةُ الفلسفة في الجامع القريب، وهنا بوابة مدينة الفلاسفة والمناطقة."
رفعتُ بصري، فرأيتُ على باب المدينة نقشًا مطرّزًا بخطٍ كوفيٍّ بديع:
"مدينة العقل ومصفاة الحكمة."
قادوني إلى السوق حيث قيل إن الفارابي يجلس،
ولما وصلت إلى زاويته، وجدته راكعًا على عوده،
يداعب أوتاره كما يداعب النسيمُ خدّ النخلة،
وأمامه أوراق متراكمة يخطّ فيها كتابه "الموسيقى الكبير".
وكانت عينه فيها هدوء فيلسوف لا تهزّه العصور،
وسكينته من ذلك الطراز الذي لا يُشترى ولا يُتعلم… بل يُولد مع صاحبه.
دنوت وقلت:
"أنا سعيد ابن الضحّاك… لا يبتسم قلبي إلا لرؤية الفلاسفة والعباقرة."
رفع رأسه، وفي عينيه نور يشبه فجرًا يتكوّن:
وقال:
"لا سبيل إلى السعادة إلا بالفضيلة."
ثم عاد إلى أوراقه وهو يتمتم بصوتٍ هادئ كالمطر:
"غاية الموسيقى أن تهذّب الأخلاق،
وتوقظ في الإنسان الانفعال الذي يرفعه لا الذي يهوي به."
قلت له:
إن رجلًا يدعى ابن مغمومة يزعم أنكم لم تُنتِجوا جديدًا،
بل حملتم ميراث الإغريق، فعربتموه وأسلمتموه لا غير.
تبسّم…
تلك الابتسامة لا تزال معلّقة في ذاكرتي كجرسٍ لا يتوقف عن الرنين.
وقال:
"الفلسفة ليست وقفًا على أمةٍ ولا نسبًا يُورث.
الإغريق سمّوا العلم باسمه،
أما جوهره فكالطير يرحل،
وكالدجاجة تبيض كل يوم…
وكل بيضةٍ حكمةٌ لمن ظفر بها."
لم أكد أفرغ من دهشتي حتى سمعت جلبةً أخرى،
أصوات ركض، صياح، أقدام تختلط ببعضها،
فاستفسرتُ، فقيل:
"يبحثون عن رجلٍ مطارد… يسمّونه ابن سينا."
ضحكت في سرّي:
هل يخفى ابن سينا؟
ذاك الذي يعرفه الشرق كما تعرف النخلةُ ظِلّها!
وأنا غارقٌ في دهشتي،
إذا برجلٍ ملثمٍ يقف بجانبي،
عينيه تلمعان من تحت الغطاء،
وعرفته قبل أن ينطق—هو ابن سينا نفسه.
وضع كفه على فمي وقال بلغةٍ تفيض قلقًا:
"إياك أن تنطق باسمي!
لقد غيّرته هنا… الدهماء لا تفهم العقول التي تسبق زمانها."
أزحت يده وهمست:
"ابن سينا العظيم… مطارد؟!"
قال وهو ينفض عن كتفيه غبار التعب:
"الوهم نصف الداء،
والاطمئنان نصف الدواء،
والصبر أول خطوات الشفاء."
ذكرت له دعوى ابن مغمومة حول أصالة الفلسفة الإسلامية،
فرفع رأسه كمن ينصت لهمس السماء،
ثم قال:
"العقل لا يكتمل إلا إذا عرف حدوده…
وما عرف حدوده إلا من جاوزها أولًا."
تركتُه وقلبي يثقل بأسئلته…
وما هي إلا خطوات حتى وقعت عيناي على مجلسٍ عامر،
في وسطه رجلٌ بملامح حكيم من الشرق: ابن طفيل،
يحكي قصة حي بن يقظان،
والطلبة حوله كالعصافير حول كفّ من الحبوب.
وعلى طرف الحلقة وقف ابن رشد،
يردّ عليه قائلًا بصوته الحاسم الرقيق:
"العقل لا يعارض الشرع،
بل الشرع يدعو إلى النظر بالعقل."
عندها أدركت ما لم يُدركه ابن مغمومة:
أن الفلسفة الإسلامية لم تكن ظلًا باهتًا لماضٍ إغريقي،
بل كانت شجرةً نبتت من ترابها،
سُقيت بنهر الوحي،
وتغذّت بريح العقل،
وصمدت في وجه عواصف التعصب.
وأدركتُ—كما يدرك المسافر حقيقة الطريق بعد ضياعه—
أن دواء كل تعصب: فلسفةٌ عادلة،
وأن طريق اليقين لا يُفتح إلا لمن يجرؤ أن يجرب الشك.
مدينة خرافة
ما إن طويتُ صفحة مدينة الفلاسفة خلف ظهري، حتى انفتح أمامي أفقٌ غارق في ضبابٍ كثيف، كأن السحاب قرّر أن يهبط إلى الأرض ليستقر فوق مدينة تحيط بها أسوارٌ عالية كأنها وُلدت من صخر الزمن.
كانت أبواب الحصن مفتوحة على اتساعها، لكن الظلمة التي تتسرّب منها كانت حالكة كجناح غراب، تُطفئ البصر وتبلع الخطوات.
لم أقطع سوى أمتار قليلة حتى رأيت رجال العسس يجوبون الأزقّة، يفتّشون الحجارة والوجوه والظلال.
وما إن وقع بصرهم علي حتى انقضّوا كمن وجد ضالته، وصاح أحدهم:
"لن تفلت منا يا خرافة!"
تخبّط قلبي، وقلت وأنا أحاول الإفلات من قبضاتهم الثقيلة:
"أنا سعيد بن الضحّاك… من قرية أُضحوكة!"
قهقه أحدهم وقال مستهزئًا:
"وأين تقع أُضحوكة؟ في بلاد القهقهة؟"
وأضاف آخر وقد ضاق صدره:
"كفّ عن نسج القصص يا خرافة!"
ولم يتركوني حتى جاءهم صوتٌ بعيد يهتف:
"قبضنا على خرافة!"
فأفلتوني واندفعوا نحو مصدر الصوت، وتركوني أقف وسط الظلام كمن نجا صدفةً من فم الوحش.
---
سرتُ بعدها مسافةً لا تبلغ فرسخًا، والقلق يعلك أفكاري:
من يكون هذا الخرافة الذي يطارده العسس في جوف الليل؟
لم أجد مأمنًا إلا خانا مفتوحًا، فدخلته لعلّه يخبّئني عن العيون.
وما إن أغلقت الباب خلفي حتى ظهر رجلٌ كان جالسًا في الزاوية، نزع لثامه ببطء وقال بصوت واثق:
"أأنت غريب؟"
أجبته:
"أنا سعيد بن الضحّاك..."
قهقه بخفة وسأل:
"وما آخر طرفة لديك يا سعيد؟"
قلت متنهّدًا:
"أن العسكر يبحثون عن رجل يسمّى خرافة!"
نظر إلي نظرة جانبية، ثم قال مبتسمًا:
"وأنا خرافة الذي يبحثون عنه."
شهقتُ دهشة وقلت:
"فسّر لي ما الذي يجري هنا؟"
جلس مستندًا إلى الجدار، وانحنى صوته نحو الحزن:
"أنا ملاذ كل مكروب… وراحة كل قلب غاص في التفكير حتى الغرق.
كنتُ أروي لأهل المدينة حكاياتٍ تخفّف عنهم وطأة الواقع، فصاروا يلجؤون إليّ كما يلجأ العطشان إلى الماء.
حتى علم الحاكم علموي بأمري، فادّعى أني أنشر السموم التي تُعطّل العقول، وأصدر أمرًا بسجني."
تأملتُه طويلًا وقلت:
"جمعْتُ طرائف العالم للجاحظ… وما رأيت طرفةً أكثر مأساة منك."
ألقى نظرة سريعة حول الخان وقال بصوت خفيض:
"الحاكم وضع مكافأة لمن يأتي بي… لكنك غريب لا مطمع لك، ورأيت فيك صدقًا ندرت رؤيته.
أريد منك أن تهرّبني من هذه المدينة."
قلت مطمئنًا:
"سأصنع لك معروفًا تذكره في كل أساطيرك… لكن قل لي: ما دورك الحقيقي؟ ولماذا يخافك الحاكم؟"
ابتسم ابتسامة العارف وقال:
"كنتُ وزيرًا… وزير الراحة.
حين يثقل المجتمع بالهموم كنت أسدّ الخانة وأفتح لأهله نافذة أمل.
الخرافة ليست كذبة يا سعيد… إنها استراحة للعقول التي أرهقها الصدق المفرط.
وكل مجتمع يحتاجني، مهما ادّعى أنه تخلّص مني."
ضحكت وقلت:
"وفي كل مجتمع… تظلّ هاربًا؟"
ردّ وهو يتلفّت كمن يسمع خطوات قادمة:
"لن تفهم تمامًا دوري… إلا عندما تتكشف المدن أمامك، وتعرف أن الحضارات لا تعيش بالعقل وحده."
---
خرجنا من مدينة الخرافة بعد أن خلّصته من العسس، وصار رفيق رحلتي نحو المدن الآتية.
كنتُ أظن أن الخرافة كلمة يسهل محوها، لكنني رأيت فيها ما يشبه الدواء المُرّ: نحتاجه في الملمات، حين تضيق الحياة ولا يتّسع صدر العقل لكل شيء.
وهكذا مضينا معًا… أزيحُ الغموض عن المدن، ويزيح هو الغموض عن الناس.
خيبة العالم
بعد أن أدرت ظهري لمدينة خرافة برفقة سيدها، انغمسنا في مدينة أخرى، دروبها متعرجة كأعصاب الأرض، وأزقتها ملتوية كأنها متاهة لا ترحم الداخلين؛ من يخطو فيها صعب أن يجد له مخرج.
في قلب هذه المدينة، رأينا رجلاً جالسًا على صخرة، صمته يشبه صمت التمثال المفكر. استرعاني منظره، فاندفعت نحوه سائلاً:
— ماذا بك يا رجل؟
رفع عينيه نحوي، ونطق بصوت هادئ لكنه حاد:
— خيبة العالم… لقد بلغ الإنسان من الحضارة أفقًا بعيدًا، متجاوزًا اللامعقول. استأنس العلم ونظم العالم، لكنه في ذلك طرد الروحانية التي كانت تغمر قلبه… وهذا سبب الخيبة.
نظرت إلى خرافة، فأومأ برأسه، ثم قلت له:
— وما هو ردك أنت؟
ابتسم خرافة بخفة، ونظر حوله بعينين تعكس عمق فهمه:
— من يريد أن يعيش بلا قصة، لن يجد له مكانًا في الحياة. القصة ليست مجرد تسلية، بل هي منسوجة في حمضنا النووي، والخرافة جزء من هذا النسيج. الإنسان كائن خرافي، يقتات على الخرافة، ليس لأنه مغفل، بل لأنه يبحث عن معنى، عن ما يملأ فراغ وجوده…
فجأة، سُمِع صوت خطوات تقترب منا. تقدم رجل، وقدم نفسه:
— أنا اسمي وجود… سمعت حديثكم، ولفت نظري كثيرًا. لدي رأي: الإنسان هو من يعطي لحياته معنى، هو من يغزل خيوط محيطه، ويلملم شتات نفسه بفكرة يتشبث بها.
تقدم خيبة العالم، وقال بصوت مليء بالحرقة:
— الأزمة التي أشعر بها، جئت من غياب الروحانية… تحاصرني المادية من كل اتجاه…
ابتسمت بخفة، وتذكرت ابن مغمومة لما كان في مدينة القط السمين، و هو الذي لم يقدم سوى كشف المثالب، بلا أثر إيجابي. ثم قلت له بهدوء:
— الإنسان دون تجربة روحانية، ودون خيبات، لن يحقق ما يريد ولن يتطور. البحث عن ما يتصوره خير من البقاء مكتوف الأيدي…
نظر إلي مليًا، وكأن كلماتِي أزالت جزءًا من حمله الثقيل، وأخذت في قلبه صدى من الراحة.
خرجت من المدينة، تاركًا خرافة في وسطها، لأن دوره هناك مهم، لإعادة الاتزان إليها. فقد أدركت أن الحياة بلا خيبات، لا تستمر…
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق