بحث هذه المدونة الإلكترونية

الاثنين، 7 أبريل 2025

الزيتونة البيضاء

 

 
 الزيتونة البيضاء
 

أنا ماليكو زامباي، أفريقي الجذور، أرجنتيني الهوية، جنديٌ فرّ من نار الحرب الثلاثية ضد الباراغواي. قد تستغرب، أيها القارئ، من سوادي بين بياضهم، فأمثالي باتوا قلة في هذا الوطن، رغم أننا كنا يومًا الأغلبية... قبل أن تهبط علينا سفن الإيطاليين وتغمرنا موجات النسيان.

كنت في الصفوف الأمامية، لا لبطولةٍ ولا شجاعة، بل لأن لون بشرتي يختصر عندهم ثمن الحياة. حين جاءتني رسالة من زوجتي، سيمونا زامباي، تخبرني أن والدي قضى نحبه بعد اجتياح الحمى الصفراء لبوينس آيرس، ذرفت عيناي أمطارًا لو هطلت على الأرض، لمسحت عنها آثار كل خطواتي الهاربة من جحيم المعارك.

أنقذتني الرسالة... نعم، كنت أريد خوض حربٍ لا هوادة فيها، لكن ما جدوى القتال في صفوف جيش لا يراني إلا درعًا بشريًا؟

كنت أسير في الغابة لا أدري إلى أين، بندقيتي على ظهري، وصوت الطبول في رأسي لا ينقطع. ليست طبول الحرب، بل طبول جدي، حين كان يغني في الليالي الطويلة عن أرضٍ لا أعرفها، لكنها تسكنني. كانوا يقولون: "زامباي مجنون، يغني للأشجار"، لكني كنت أفهمه. هو لم يكن يغني للأشجار، بل كان يناجي أرواح أجدادنا الذين خضبوا هذه الأرض بعرقهم، وجعلوا من السكر والدم توأمين لا يفترقان.


من هنا، عند انحناءة الطريق المؤدي إلى بوينس آيرس البعيدة ، توقفتُ عن الحديث بلساني. أدركت أنني، مهما بلغت من الفصاحة، لا أستطيع أن أعبر عمّا اختلج في قلب سيمونا… تلك الزيتونة التي نبتت في أرضٍ لا تعرف الرحمة، وظلّت واقفة، تتحدى الريح والملح.

لذا، تركتُ الحكاية لها.
تركتها لرسائلها، التي كنت أطويها وأعيد فتحها كأنها كتاب مقدّس. كانت سلوتي في طريق الرجوع، وفيها قرأت قصتها كما لم أسمعها من قبل، كتبتها بخطٍ مرتجف، ودموعٍ جفّ مدادها، لكنها بقيت حارقة.

قالت في أولى رسائلها:

"حين بدأت أتشكل كامرأة، بدأت الحرب عليّ. لم تكن حربًا بالبندقية، بل بنظرات، وهمسات، وخطى تتبعني أينما مشيت. كنت كأنني فريسة في الغابة، الكل يريد قطعة مني."

كانت سيمونا خلاسية، أخذت من السيد الأبيض لون بشرته، ومن أمها الزنجية ملامح الأرض القديمة، وندبة في الروح لا تُشفى. حملت لون الظالم، لكن ملامحها كانت شهادة حيّة على الظلم. كانت تقول إنها لا تعرف لغة أمها، لكنها حين تبكي، تسمع صوتها يُنشد بلغة لا تفهمها، كأن ذاكرة جسدها تغني رغمًا عنها.

كتبت:

"كان هناك رجلٌ يقف قرب نهر الفضة  (Rio de la Plata)، لا أعرف اسمه، ولا أريد أن أعرف. قال لي بصوتٍ مُخنوق بالشهوة: يا لكِ من فتاة ذات قوام جميل! لم ألتفت، لكن صوته صار يلاحقني، كظلٍّ لا يرحل. لم يكن يراني إنسانة، بل بابًا مغلقًا يريد أن يفتحه بالقوة."

مرّت الليالي، وتكررت المطاردة. حتى جاء اليوم الذي امتدت فيه يده… فغرسَت سكينًا كانت تُخبئها تحت فستانها، في راحة كفه، ثم ركضت… لم تلتفت، لم تصرخ، لم تبكِ. فقط ركضت نحو الجنوب، نحو بوينس آيرس، المدينة التي لا تعرف أحدًا ولا تنتظر أحدًا.

"كنت أهرب من قريتي، نعم، لكن في الحقيقة كنت أهرب من جسدي."

وصلت إلى المدينة منهكة، كأن الجبال مشت في عروقها. عند بابٍ مهجور، أغمضت عينيها واستسلمت للنوم. وعندما فتحت عينيها... وجدَتني.

كنت هناك. أسود من الليل، كما كتبت، وعيوني بيضاء كقمرٍ ضاع في بركة ماء. لم أقل لها الكثير، فقط خلعتُ معطفي ووضعته عليها.

سألتها: "من تكونين أيتها الزيتونة السمراء؟"

قالت لي بعد زمن:

"فيك تشكّل حلمي. أنا التي قطعت عهداً أن لا أحب الرجال، وجدتُ نفسي أنظر إليك كمن وجد بيته بعد نفيٍ طويل. كنتَ معجزتي بعد كفري… وإيماني بعد يأسي."

آه يا سيمونا…
أيتها الزيتونة التي نبتت بين الحريق والدموع.
أنتِ رسالتي التي وصلت، رغم الحرب، رغم الطرقات التي يبتلعها الليل.


ولو خيروني بين بندقيتي ورسائلك… لاخترتُ الورق، لا القتل.
فالحبّ، يا سيمونا، هو المعجزة الأخيرة… في هذا العالم المكسور.


كنت في طريقي إلى بوينس آيرس، أقطع الغابة بخطى رجلٍ أنهكه التيه، لا الحرب. الغبار يغطي ثيابي، والجوع يقرص أحشائي، وحذائي لم يعد أكثر من رقعةٍ بالكاد تصمد على أرضٍ تشرب الدم ولا ترتوي.
 

عند مشارف قرية تُدعى "كانيولاس"، سمعت صوتًا يرتفع بين الناس، كمن يُنشد صلاةً بلا كتاب، أو يخطب في مصلين بلا كنيسة. اقتربت، فرأيت رجلاً بلباس كاهن، وجهه يسطع بابتسامة لم أفهمها، كأنها تسخر من الدنيا وترثي لها في آنٍ معًا. كان الناس يلتفون حوله، وهو يقول بصوتٍ عميقٍ متقدٍ كالنار:

"يا هذا... أنت!
تعلو منك رائحة المعارك… لكن اعلم، إن معارك القلوب أشد بأسًا من مجابهة الأعداء!
إن صفعك عدوك على خدك الأيمن، فأدر له خدك الأيسر…"

التفتت العيون نحوي. شعرت بنظراتهم تخترق جلدي، كأنها تبحث عن السيف المختبئ في ظهري، أو عن دمٍ لم يُغسل بعد من يدي. كنت قد خلعت زي الجندية منذ أيام، لكن لا فائدة… في بلادٍ كهذه، لا يختبئ الجندي الهارب مهما غيّر ملامحه. فالرجال قلّة، والأفارقة إمّا في قبور الحرب أو على أرصفة الفاقة. وحدهم الأشباح مثلنا، لا تختفي.

تمتمتُ كمن يبرر خطيئته:

"أنا مجرد فلاح… أنهكني المرض."

لكن الكاهن، الذي عرفت لاحقًا أن اسمه خوان، لم يرمِ عليّ دينونةً، ولم يلوّح بآيةٍ أو لعنة. بل اقترب وقال، بصوتٍ يقطر دفئًا:

"أنا لا أحاكمك… ولا أقضي عليك بشيء.
تعال، أرى في عينيك جوعًا لا تطفئه الحكايات."

مضيتُ معه كأنني طفل ضائع وجد من يشد على يده. مشينا حتى بلغنا بيتًا صغيرًا قرب الكاتدرائية، بنوافذ خشبية تقاوم الزمن، وسقفٍ يميل قليلاً كأنه تعب من الانتظار.

وهناك، من خلف جدار المطبخ، جاءني صوت…
صوت أنثوي، ناعم، يحمل وجعًا لا يخطئه قلبي. كانت تغني بلغةٍ لا أفهمها، لكني عرفتها…
عرفتها كما تعرف النبتة ماءها الأول.
كان ذلك الغناء من أفريقيا… لا من الحنجرة بل من الذاكرة، ذاكرة الأمهات حين يُنشدن لأطفالهن تحت سياط السادة.

تقدّمتُ بخطى متوجسة… حتى رأيتها.

سيمونا.

نعم، كانت هي.
يا لغرابة القدر!
هربتُ من الحرب… فوجدتُها في المطبخ.
هربَتْ من المدينة التي تلاحق فيها الجنود الفارّين أمثالي… فآوتها يد هذا الراهب الطيّب.
كأن كل الطرق التي سلكناها، المتاهات التي ابتلعتنا، كانت تمهّد لهذه اللحظة.

وقفتُ مدهوشًا، عاجزًا عن الكلام، وهي تنظر إليّ، نصف ملعقة في يدها، ونصف دمعة في عينها.

قال الراهب وهو يراقبنا مبتسمًا:

"المعجزات الصغيرة لا تحتاج إلى قديسين… يكفي أن يلتقي قلبان، نجيا من أتون العالم."

نظرت إليها. كانت الزيتونة البيضاء التي نبتت في أرضٍ مشققة، جذورها ضاربة في الظلم، لكن أوراقها تشع رجاءً.

وقلت في نفسي:

"يا سيمونا… يا أغنيتي الضائعة التي وجدتني في الغابة… يا خلاص قلبي من كل الحروب."

 

الفتاة الخلاسية التي وُلدت من رحم الظلم، من فعلٍ لم يختر فيه أحد شيئًا سوى السيد. كانت أمها، "إيزابيل السوداء"، تعمل خادمة في قصر فخم، لا تملك من نفسها إلا صبرها. ليلةً، جرّها السيد من ذراعها وقال لها "أحتاجك"، فأنجبت تلك الحاجة الطفلة التي سُمّيت لاحقًا: سيمونا.

كانت سيمونا بيضاء البشرة، بشعر متمرد لم يعرف الانضباط، وملامح إفريقية لا يخطئها أحد. الكل كان يراها غريبة. "ابنة زنا"، يقول البعض. "هجين بلا وطن"، يقول آخرون. أما هي، فلم تقل شيئًا. كانت تنظر في المرآة ولا تعرف من تكون. تكره لونها الذي لا يُعجب السود، وملامحها التي لا يرضى عنها البيض. تتلعثم إن نطقت الفرنسية، تصمت حين تسمع الغناء الإفريقي، لأنها لا تعرف شيئًا عنه سوى ما تتوارثه الذاكرة الغامضة في طقوس أمها حين تغني للماء.

لم تنل حريتها بسهولة. كان العتق حُلمًا كاذبًا لا يمنحونه إلا لمن رضي عنه السيد، ورضي عنها، لا حبًا، بل شفقة. لم يكن لديه أطفال، وكان الزمن يأكل جسده مثلما يأكل الحرب أبناءها. قال لها في لحظة انكسار: "أنتِ ثمرتي الوحيدة... الزيتونة الأخيرة في أرضٍ جدباء".

ومن يومها، صارت تسمّي نفسها: سيمونا الزيتونة.

تكتب اسمي بجانبها في الرسائل، تذيلها أحيانًا برسم شجرة، أو قلب فيه طيف قارة، كأنها تذكّرني دومًا أننا من شجرة واحدة، وإن تشعبت الفروع واختلط النسغ.

أنا ماليكو زامباي، وهي سيمونا زامباي… من ظلال الألم خرجنا، ولكننا نحمل في أعماقنا بذور حكاية، تنتظر المطر، لتعود وتنبت.


حين قال لي الراهب خوان، وهو يمسح على جبينه كأنما يطرد ظلّ الشك:
"يجب أن تفرّ بجلدك من هذه البلاد، يا ماليكو. الأرجنتين لم تخلق لتحتمل سمرتك، أما البرازيل… ففيها من الأفارقة أمثالك من يملأ الشوارع طربًا ورقصًا، لا خوفًا وهربًا."

نظرت إليه بدهشة لم أُحسن إخفاءها، فقلت، وكأن الصوت قد خرج من صدري لا من فمي:

"وَأترك سيمونا؟ أترك الزيتونة التي نبتت في ظل قلبي، وأسير وحدي في ظلال المنفى؟"

ابتسم خوان الكاهن، لكنها كانت ابتسامة لا تفرح، بل تضع ثقل العالم على كتفيك، ثم قال:

"إن بقيتَ، التهموك… وإن رأوك معها، ظنّوها هاربة، أو زانية، أو مجنونة. لقد أخبرتهم أنها ابنتي، وهكذا ستبقى. أنا من سيخفيها… حتى يحين الوقت. سافر إلى مدينة سالڤادور، استقر هناك، وأرسل برسالة حين تُتاح الفرصة. سنُرسلها إليك… ولو عبر الريح."

كانت سيمونا تقف إلى جواري، لا تنطق، لا تدمع، لكن نظراتها كانت قُبلة لا تُمنح… إلا في لحظة الفقد. كانت تحدّق فيّ كما تحدّق الأرض في المطر قبل أن يرحل. نظرةٌ كانت كافية لأن تنهار الجبال وتنهض من جديد.

أما أنا، فكنت كطفل ضاع صوته بين الشفاه. تمتمت، وأنا أجاهد رعشة الغياب:

"تعتري جسدي قشعريرة لا تُفسّر… ودمعي يهطل على أرضٍ لا تسعني… رغم كل اتساعها."

ضحك خوان، وهو يجاهد أن لا تبدو في ضحكته مرارة:

"هل أنت ماليكو زامباي أم عطيل الأرجنتين؟ لا تقلق… سنرسل إليك ديدمونة. لكن فقط لا تقتلها!"

أجبرني على الابتسام. يا له من راهب يعرف متى يُطعِمك المزاح كمن يداوي جُرحًا بعطر.

في تلك الليلة، حزمنا أمتعة لا تكاد تُرى: بعض الخبز، ملابس مهترئة، وورقة خفية فيها العنوان الذي سأقصده. لكنها لم تكن الأمتعة الحقيقية… كانت الحكاية هي الحمل الأثقل، الحكاية التي بدأناها دون أن نعرف أين تنتهي.

سيمونا كتبت لي شيئًا في الورقة، لم أقرأه إلا لاحقًا. كان سطرًا واحدًا:

"غنِّ لي حين أصل إليك… لا تنادني، بل دعني أعرفك من صوتك، صوتك وحده."

ودّعتها عند باب الكنيسة، لا كما يودّع الرجال النساء، بل كما تودّع الروح جسدها قبل الرحيل. لم ألمس يدها، لم أُقبل جبينها، فقط وقفت… وهي وقفت، وبيننا مسافة من حزنٍ مقدّس لا يُكسر.

**

مشيتُ بعدها في الليل الأرجنتينيّ الموحش، الذي تبتلع فيه الظلال أبناء إفريقيا ولا تترك أثرًا. كنتُ أختبئ بين الحقول، أتنفس بصمت، وأتذكّر كل مرة قيل لي فيها: "أنت لا تنتمي هنا."

وفي اليوم الرابع، وصلتُ إلى النهر، النهر الذي يفصل بين الحلم والمنفى، بين السجن والنجاة.

وقفت على ضفافه، نظرتُ إليه كمن ينظر في عيني الموت، ثم مشيت نحوه، خطوتُ إليه كما يولد الطفل من رحم المجهول. وكلما غاصت قدماي في الماء، تذكرتُ سيمونا، الزيتونة، الشجرة، القصيدة التي لم تكتمل.

وقلت:

"أنا ماليكو زامباي… ابن الأرض السوداء، وحبيب السمراء… ذاهب إلى مدينة سالڤادور، لا هاربًا، بل عاشقًا."

وغصتُ في الماء… لا خوفًا، بل حبًا.


صنعتُ طوافتي بيديّ العاريتين، من جذوع الأشجار المبتلة وعروق الشجر، وركبتُها وأنا أشقّ غباب نهر بارانا، كأنني فأس تمزق الضباب. كنت أجدّف بقوةٍ، والعرق يتصبب من جبهتي، والريح تُلاطم وجهي كأنها تصفعني لتردني، لكنني كنت أردّد بصوتٍ جهور، صوتٍ خرج من جوف عبدٍ لم ينحنِ إلا ليحمل الحرية:

"أيها الفانون، اسمعوا الصرخة المقدسة!
الحرية، الحرية، الحرية!
اسمعوا الصوتَ يُحطّم القيود،
وانظروا إلى عرشٍ تملؤه المساواة النبيلة!"

كان صوتي يتردد فوق صفحة الماء، يعانقه صدى النهر، وتردّه الغابة، وكأنّ الأرض كلها تشاركني نشيدي. أنا ماليكو زامباي، ابن الريح ووريث الظل، لم أعد عبدًا منذ تركت السلسلة الأولى تتهاوى في حوض البلاتا.

كنت أحمل خريطةً مهترئة خطّها لي الراهب خوان ماتياس، الذي اعتقدتُ لوهلة أنه مثل موسى، يهديني الطريق وسط تيه الأمم والأنهار. مشيتُ على قدميّ من بوينس آيرس حتى شاطئ النهر، وكنت أكلّم ذاتي في كل خطوة، حتى بدأت أُحس أنني أسير على جمر الذكريات. الخريطة قالت لي: اتجه شرقًا إلى نهر الأوروغواي. لكن قلبي قال: غيّر المسار، فإن الدرب طويل، والعرَق صار دمًا، والأنفاس ثقيلة.

قالوا إن هناك شعبًا أصليًا، لا يريد رؤية الغرباء، شعبٌ يخاف البشرة الفاحمة كما يخاف الغزال ظل النمر. وأنا؟ أنا ابن فجرٍ جديد، ملامحي خليط بين الظلمة والنور، لا أخشى من يخشاني.

حين بلغت سلفادور، ارتجفت روحي من الفرح. مدن البرازيل تشبه الرقص: ضاحكة، ملونة، مريرة، ولكنها حيّة. لكن الفرح لم يعمّر طويلاً، إذ وصلتني رسالةٌ من سيمونا، مكتوبة بخط يدها الذي أعرفه كما أعرف أنفاسي، رسالة كأنها لُفّت بدموعها وخوفها.


---

"يا عزيزي ماليكو،

أنت لا تعلم كم عانيت… وماذا قد جرى في هذا العالم منذ مغادرتك بوينس آيرس.

بعد أسابيع معتمة، بدأت سياسة التبييض. قرروا أن يزوّجوني رجلاً أبيض، فهم لا يريدون الفحم في أرض الفضة، يريدون أن يمحوا أثر اللون الأسود من تاريخهم...

الكاهن خوان ماتياس؟ لقد كشف عن وجهه الحقيقي،و كشر عن انيابه فهو لم يُرسلك خوفًا عليك بل طوقًا على عنقي، أرادني لنفسه، بوجه الملاك وصوت الشيطان.

أصبحت عبدةً من جديد، لا أملك أمري، وأنا في قيد لا يُرى. أنت بعيد عني… تبعد عني سبعمائة ليغوا، وكل نبضة من قلبي تصرخ باسمك."


---

قرأت الرسالة، وكأن نارًا أُضرمت في صدري. قبضت على الورقة بيديّ المرتجفتين، وشعرت أن قلبي يريد أن يُمزقها من الغيظ. خوان ماتياس! أيها الملاك الساقط، أيها الراهب الشيطان، لبستَ عباءة الدين لتخفي طمعك وجشعك، خدعتني كما خدع المستعمر شعوبنا. لكنني لن أعود إلى العبودية، لا أنا… ولا سيمونا.

أقسمت عند ضفة النهر، أقسمت وأنا أرفع يديّ إلى سماءٍ مثقلة بالغيوم:

"لن أكون عبدًا… ولن تبقى الزيتونة البيضاء وحدها في الظلام!"

 

من حيث انتهى ماليكو زامباي، بدأتُ.
ليس لأنه انتهى حقًا، بل لأنهم أرادوا لنا أن نؤمن بانتهائه. لكنه حيّ فيّ، في رعشة قلبي، في ظلال أحلامي، وفي كل مرآة أرى فيها خصلات شعري تشبه يدَيه حين كان يمررها على عنقي هامسًا: "أنتِ نجاتي، يا زيتونتي البيضاء".

عقدت العزم، وأقسمت بيني وبين الرب، أن أكون راهبة. لا لأنني زهدت في الحياة، بل لأصدّ عنها تلك الحياة التي صارت فخًا. اعتكفت في الدير، التحفت بالسواد، وارتديت الصليب، لا طلبًا للفداء، بل للنجاة.

لكن الكاهن خوان ماتياس لم يكن غافلًا.
اقتادني إلى صالة الدير الباردة، وهناك، كما يُعرض المتاع، أدخل عليّ رجلاً بزي الشرطة، شامخ القامة، عريض المنكبين، عيناه مثل شواطئ الجنوب، آسرة ومخيفة.

"هذا هو غونزالو خواكين"، قال ماتياس، "رجلٌ صالح، سيصونك، كما أوصاني والدك قبل أن يغادر هذا العالم. الحب، يا ابنتي، جميل، لكنك وماليكو لا تتوافقان. إرادة الرب شاءت ألا تكونا معًا".

ما كدت ألتقط أنفاسي، حتى انفتح الباب من جديد، ودخل رجل حليق الوجه، يحمل حقيبة جلدية كأنها صندوق الأسرار.
بصوته البارد قال وهو يخطو بثقة:
"الأمر ليس بالبساطة التي تظنين. لدينا مشروع قومي لتحسين النسل في الأرجنتين، لتوحيد اللون والشكل. لا نريد عناصر دخيلة. لقد عملنا على هذه الدراسة منذ سنوات. البرازيل تستقبل من لا يرغب بالاندماج… أما هنا، فثمة شكلٌ جديد للوطن يُصاغ".

تأملتُه لحظة، ثم انفجرتُ ضاحكة.
ضحكة مرّة، تحمل سخرية القرون.
"أريد أن أصبح راهبة!" قلت. "أليس هذا حقي؟ أليس الدين للجميع؟ ألا ترى صليبي؟ ألا ترى ثوبي؟ راهبة، لا زوجة، لا أنثى في بازاركم".

تأوه خوان ماتياس، وغطّى وجهه بكفّيه لحظة، كأنه يطلب الرحمة. ثم رفع نظره، وفي عينيه برقُ الاتهام، وقال بصوت غليظ:

"لكن ترهّبكِ ليس خالص النية… بل من أجل ذلك القرد!"

قرد؟!
هكذا يُختصر ماليكو، عاشق عمري، في كلمتهم؟
كأنما الحب جريمة، واللون إثم، والذاكرة لعنة.

في تلك اللحظة، عرفتُ أن صمتي قد انتهى.
وأن صليب رقبتي سيغدو خنجرًا، إن لزم الأمر.

 

كنت واقفة خلف نافذة الكنيسة، أراقب الشارع الحجري الممتد مثل شريان جافّ، حين لمحته. رجلٌ عربيّ السحنة، ثيابه تفوح منها رائحة الشرق البعيد، كأنه خرج من بين صفحات كتاب مقدّس، أو هبط من قافلة تجارية عبرت الزمن.

في البداية، ظننته أحد الجواسيس. العينان اللتان لاحقتاني منذ أيام لم تكونا تغفلان عنّي، والشرطي الذي صار ظلًّا لرأسي كان يظهر متى ما خرجت من مكمني، كأنه موكّل بتقييدي حتى في الهواء.

لكني حين اقترب الرجل من بوابة الكنيسة، وأخذ يحدّق في تمثال مريم، ثم همس ببطء وهو ينظر إليّ كأنه يعرفني منذ دهور:
"يبدو أنكِ من أبحث عنه..."
ارتعد داخلي. كنتُ كاثرين حين تثور، فقبضت على حجري الصغير المخفي تحت الرداء، كأنني على وشك الانقضاض عليه، إلا أنه رفع يده فجأة، كمن يعلن البراءة، وقال بهدوء فيه صدق غريب:
"أتيت مرسَلًا من ماليكو..."

ماليكو؟!
حين سمعت اسمه، ارتجف دمي. تجمدت قدماي كما يتجمد البحر عند أول نفحة ثلج. شعرت بقلبي ينبض في عنقي، وقلت له سريعًا، خشية العيون:
"ابتعد عن الكنيسة، واتبعني من بعيد... هناك مكان نلتقي فيه، بعيدًا عن ظل الراهب والشرطي."

تحت شجرة زيتون هرِمة خلف الكنيسة، التقينا. جلس القادِمُ من البرازيل على حافة العربة التي يقودها بنفسه، ثم أمطرني بعدد من الرسائل المختومة بختم ماليكو... 

أخذت الرسائل من يده، ضممتها إلى صدري كمن يعانق قلبًا بعيدًا، ثم همست له بشكرٍ حائر، وغادرت بسرعة قبل أن يطول بنا اللقاء وتلتقطنا العيون. لم أعد أشعر بالرصيف تحت قدمي، كأنني أسير فوق غيمةٍ خفيفة، كل خطوة كانت اقترابًا من ماليكو، من ظلاله، من صوته الذي نبتَ في الورق.

عدت إلى الكنيسة، واختبأت في الزاوية المعتمة خلف مذبح صغير مهجور. كان الوقت ما بعد وقت الظهيرة، والراهبات منشغلات بتلاوة المزامير. فتحت الرسائل واحدة تلو الأخرى، يدُ ماليكو ترتجف بين السطور:

> "سيمونا...
في البرازيل الشمس لا تحرق، بل تعانق. هنا، لا أحد يسأل عن لون جلدك، ولا عن لهجتك، بل عن ما في قلبك. الراهب الذي سلبك حريتك، لن يتمكن من سرقة إيمانك بنفسك. إنّ منعم خوري، ذاك الرجل الذي حمل الرسائل، ليس تاجرًا فقط، بل رجل طيب من سلالة الأنبياء... ترك المشرق لا ليهرب، بل ليحمل النور إلى أرضٍ تحتاجه. لقد قال لي إنه سيكون شاهدي، وإن الرب بارك حبنا، فكيف نخاف بعد ذلك؟"



كنت أقرأ، وأبكي، وأضحك... ضحكةً خافتة مثل رعشة صلاة في ليلٍ طويل.

وفجأة، سمعت خطواتٍ ثقيلة... الباب يُفتح ببطء، ومن خلال الزجاج المعشّق انسكب ظلّان إلى الداخل. الراهب ماتياس، والشرطي الطويل بزيّه الأزرق.

ارتبكت... دفنت الرسائل بسرعة بين طيّات ثوبي، لكن عينيّ خانتاني. الشرطي كان يراقبني كما تراقب البومة فريستها.

قال بنبرة حادة: "الراهبة لا يُسمح لها بالانفراد هنا دون إذن... ما الذي تفعلينه؟ ولماذا عينكِ متورمتان؟ هل كنت تبكين؟"

أردف الراهب بصوت بارد كالسيف: "هناك رجل شوهد يحوم حول الكنيسة، رجل عربيّ، يشبه البدو. هل تعرفينه؟ لقد شوهد يتحدث معك!"

جفّ حلقي. الكلمات علقت في صدري. نظرت إليهم كطفلة أمسكتها أمّها وهي ترسم بالقلم على الحائط. لكني تمسكت بحبي، تمسكت بماليكو، ولم أتراجع.

قلت بصوت خافت لكنه جليّ: "كلا... لا أعرفه."

نظر الراهب إليّ طويلًا، ثم اقترب حتى شعرت بأنفاسه على وجهي وقال: "الشكوك كثيرة حولك، سيمونا... هل تسيرين في طريق الخطيئة؟ هل خنتِ النذور؟"

في داخلي كنت أصرخ:
نعم، أخون صمتكم، ونذوركم، وكهنتكم... لأجل حبٍّ يشبه القيامة.
لكنني لم أنطق.

بل وضعت يدي على صدري، على الرسائل التي تحت الرداء، وابتسمت ببطء. لقد فهمت الآن...
لم يكن الحب خطيئة.
الخوف هو الخطيئة

قال الراهب بحزم:
عليك الاعتراف الآن!"

كنت صامتة، لكن داخلي كان يعترف...
يعترف بحبٍّ ليس له مثيل.
يعترف بماليكو زامباي... الرجل الذي هزم كلّ ظلام العالم بحرف، وأنار طريقي في زمن انطفأت فيه الصلوات.


بعد أن غاب خيال ذينك المأفونَين، غونزالو خواكين الذي يحلم بزواجٍ تُباركه الكنيسة، والكاهن لوسيفر الذي يحمل النار في صدره، كانت عيناي تغرورقان بالعبرات.

نظرت إلى الرسائل الممزقة، وقلت في سري:

"لماذا قادتني قدماي إلى هذا الراهب؟ لماذا لم أُصغِ إلى خالي بيدرو؟"

قال لي ذات مساء:

"لا تثقي بأحد من أهل أبيك. تعالي معنا إلى البرازيل، هناك على الأقل لن تكوني ضحية إلا لجهلك باللغة… أما هنا، فأنتِ غريبة بلغتين: لغتك، ولونك."

لكن قلبي اختار الأرجنتين. الأرض التي رعتني، وأرضعتني من نهرها النمير، الأرض التي قال عنها أبي إنها موطن العهد والوصية. قلت لبيدرو يومها:

"أبي أوصاني أن أذهب إلى الكنيسة… وهذه وصيته، مكتوبة بخط يده. لولاه… ولولا الكاهن… لما كنت أقرأ، وأنت تعرف: في هذا الظلام، لا ينجو إلا من يعرف كيف يقرأ."

نظر إليّ خالي، وهز رأسه، ثم قال قبل أن يولّي:

"أمك ماتت على هذه الأرض… وأنا من دفنها بيدي. لن آخذ من الأرجنتين إلا قبضة تراب، أضعها في قارورة، وأغني لها بلغتنا… اللغة التي رفضتِ أن تتعلميها."

راح يغني… بلغة كانت تغيب في ضباب الذاكرة، وتمنيتُ لو علّمني بعضًا منها.


---

لكني ذهبت إلى الكاهن… ذهبت إلى الرجل الذي كبّلني، وأنا من وُلدت لأفكّ الأغلال والأصفاد.

سقطت أوراق الرسائل من طيّات ردائي الأسود. أخذت أجمعها بسرعة… حتى رأيت ظلّ الكاهن خوان ماتياس، وقد دسّ قدمه على واحدة منها، وسحبها بعينين يشتعلان حنقًا.

قال وهو يرتجف:

"هذا ما كنتِ تخفينه؟ رسائل مشؤومة! قلت لكِ اعترفي… لكي تغتسلي من غبار الآثام!"

أخذ يقرأ… وصوته يرتفع، ووجهه يحتقن حتى كاد أن ينفجر. قرأ سطرًا أو اثنين، ثم مضى دون أن يعقّب، دون أن أنظر في عينيه.

ركضت خلفه، أردت أن أعرف ما قرأ، لكن المدينة ابتلعته.


---

هناك… عند عتبة الكنيسة، عرفت أن لا سبيل لي إلا الفرار. لكن كيف؟ منعم خوري… تاجر المشرق الغامض، مرسال ماليكو، الشاهد الوحيد على حبّي… أين هو الآن؟

هل اختفى كما اختفى ماليكو؟ أم أن ظله لا زال يسير خلف جدران المدينة، يبحث عن طريق يوصلني إلى نجاتي؟

 

ذهبتُ ذلك المساء إلى محلٍ يدعوه الناس "بولبيريا". لم أكن أعرف الكثير عن هذه الأماكن سوى أنها خليط من الحانة والبقالة ومنبر للشعراء المرتجلين... لكنّي كنت أبحث عن شيء لا اسم له، شيء يشبه الذاكرة أو الطمأنينة أو الخلاص.

في الداخل، كان المكان يغلي كمرجل من الأرواح. أصوات الكؤوس، رائحة التبغ، عرق الرجال، ضحك النساء، والوتر المرتجف لغيتار يتكئ على أنين البامبا. رأيت رجلاً من الغاوتشو، يسرق الانتباه من كل شيء. كان يرتدي بنطالًا واسعًا، يعلوه حزام جلدي يضم سكينًا يُعرف هنا بـ"فاكون"، حذاؤه غبارُ السهول، وقبعته تميل على جبينه كأنها تغار على نظراته. ابتسم لي، لكنني شعرت بشيء داخلي ينقبض.

وقف ليُلقي بايادا أمام جموعٍ مبهورة:

> "¿Qué harías si fueras libre, sin patrón ni atadura?"
(ماذا كنت ستفعل لو كنت حرًّا، بلا سيد ولا قيد؟)



رد عليه غاوتشو آخر بسرعة خاطفة:

> "Buscaría campo abierto, donde la vida es pura."
(كنت سأبحث عن أرضٍ مفتوحة، حيث الحياة نقية.)



ضحك الناس، صفقوا، تهامسوا... أما أنا، فقد تجمدت. ليس بسبب الشعر، بل لأن نظرات الغاوتشو الأول كانت تخترقني من تحت قبعته. تلك العينان... أعرفهما. رأيته من قبل. لا... هذا الرجل يشبههم. أولئك الذين كنت أهرب منهم طوال حياتي. رجال  غونزالو خواكين، رجال الكاهن، رجال المال... رجال يتعقبون النساء ولو في ثياب الراهبات!

خرجت من البولبيريا وأنا أرتعد. خطواتي مضطربة، ظلّي يتبعني مذعورًا، وقلب ينبض في ضلوعي كأنه يريد الفرار.

لكن... هناك، على قارعة الطريق، تحت عمود مائل من نور القمر، كان هو... واقفًا. خلع قبعته. اقترب وقال بصوتٍ يحمل ظل الشرق:

– "أنا منعم خوري..."

شهقت، فتابع:

– "أُصبتُ بعيار ناري وكدت أموت. رجل من الغاوتشو أنقذ حياتي، لأنه رأى في وجهي وطنًا، أو ربما نجاة قديمة تشبه حكايته. حملني على حصانه إلى عمق البراري، واعتنى بي كما يُعتنى بطفل جريح. وعندما عرفتُ أنه صديق ماليكو، توسّلت إليه أن يتقصى الأخبار."

سكت لحظة ثم مدّ يده بورقة:

– "الرسالة الأخيرة... كانت الموعد، موعد هروبك. سرقها راهبٌ مرتشٍ من خوان ماتياس، وأوصلها إليّ مقابل المال."

نظرت إلى الرسالة، لمستها بأطراف أصابعي كأنها وردة من الماضي، وقلتُ:

– "لكن... كيف؟ كنتَ على فراش الموت."

ابتسم، ابتسامة من عاش ألف موت:

– "تساوت الحياة والموت عندي. تركت دمشق طلبًا للتجارة، لكني وجدت في الغاوتشو صديقًا، وفي ماليكو شقيقًا، وفيك... خلاصًا."

أردت أن أصرخ، أن أضرب صدره، أن أتوسل إليه أن لا يفعل... لكنه أكمل:

– "لن أعود بدونك، حتى لو مت."

وقبل أن أرد، جاء صوت لا يشبه شيئًا... هدير انفجار!

رجال يصرخون في الشوارع: "لقد عادت الحرب من جديد!"

قال منعم خوري وهو يشد يدي:

– "الحرب ستبدأ من الشمال... نفس الطريق الذي علينا أن نسلكه."

لم آخذ شيئًا. لا ملابسي من الدير، لا كتابي المقدّس، لا صليب أمي. ركبت معه... وكل ما معي دعاء صامت:
"يا رب، بلغني ماليكو... واحفظ هذا الرجل، رسول السلام... ملاكي غابرييل."


بلغتني رسالتها أخيرًا.

سيمونا زامباي… الزيتونة التي حلمت بها في الليالي الوحيدة، وسط الغابات، وتحت المطر، وداخل المراكب المرتجفة في نهر بارانا. قالت إنها قادمة، قادمة بكل ما تبقّى فيها من قوة، لكن صوت الحروف كان يبكي. كتبت:

> "الحرب ضروس، ماليكو… الأرجنتين تنزف، والدماء لا تسأل عن اللون. أريد الوصول إليك، أريد البرازيل، أريد وجهك… ولكن الطرق تلتهمني، والخوف ينهش كل نافذة."



حين قرأت كلماتها، سالت الدموع على الورقة، كما يسيل الدم من جرح قديم أعيد فتحه.

تداخلت الأفكار في رأسي مثل شجرة كثيفة الأغصان، تتصارع فروعها في الريح.

وطني مهدد. أرضي التي كنت ألعن ظلمها، ومراراتها، وقهرها… تُساق الآن إلى حرب لن تبقي ولن تذر.
في هذه الأرض دفنت أبي، واحتضنت جسد أمي، وبكيت عند قبور لا شواهد لها.

أنا لست ذلك العبد الذي يهرب من الموت. أنا ابن هذه الأرض، حتى وإن أنكرتني.

لم أكتب هذا في ردّي إلى سيمونا، لم أجرؤ. لكني عقدت العزم: سأعود إلى الحرب.
سأقاتل، لا لأجل الحكومة، ولا الجنرالات، ولا الرايات.
سأقاتل كي تبقى هذه الأرض على الخريطة.
كي لا تُمحى فضّتها، ولا تُنهب روحها، ولا تُكسر أنفاسها الأخيرة.

لبستُ الآن لباس الحرب من جديد.
لكن ماليكو الذي يعود اليوم… ليس هو من فرّ البارحة.
أنا لا أعود إلى الموت، بل إلى ما تبقّى لي من معنى.
وإن سقطت… فليُقال إن الزيتونة البيضاء… لم تُترك وحدها.

 

على متن عربة منعم خوري  كنت ألتهم الإمبانادا كمن تلتهم ذاكرة قديمة… كان العجين هشًا، تفوح منه رائحة المشرق والحنين، واللحم الحار يتراقص على لساني كما تتراقص خطوات الهارب في البراري. لم أذق مثلها من قبل، رغم أني ابنة أرض تعرف الجوع والخوف والنار.

ناولني إياها منعم خوري، بيده السمراء، الموشومة بأثر السنين، وقال ببساطة:
"هذه فطائر التُركوس… وصفة جلبها عمي من سوريا. أتيت هنا لأصنعها… أو لأهرب من الموت، من طغيان الدولة العثمانية."

ضحكت، وأنا أمسح بقايا الحشو عن شفتي:

"جئت من آخر الدنيا لتبيع فطيرة؟ أم لتشتري موتك يا منعم؟"

ابتسم، لكن صوته كان يحمل شيئًا أعمق من المزاح، شيئًا يشبه اعترافًا:

"ما عساي أفعل؟ الرب اختار لي هذا الطريق. كان ماليكو زامباي منقذي، أخرجني من النهر يوم أوشكت على الغرق، ومن يومها عاهدت قلبي أن أرد له المعروف… بأيّ ثمن."

تلك اللحظة لم أنسها… كانت عيناه، وهما تتلألآن بدمعة سريعة، تقول أكثر مما تفعل الشفاه. كانت دمعة لا تراها إلا مرة في العمر… دمعة الوفاء.


---

اقتربنا من معسكر للجنود، العربة التي نستقلها تهتز تحت وطأة الحصى والارتباك، وصوت العجلات يوشك أن يفضح قلبي الراكض.

قال لي منعم وهو يلقي نظرة على الطريق:

"سيمونا… اخفي نفسك الآن. سيقفوننا للتفتيش… وإن عرفوك، انتهى كل شيء."

زحفت تحت الأغطية، أرتجف بين الظلمة والصمت ورائحة القمح الساخن. قلبي يخبط في صدري كما يخبط طائر في قفص من دخان.

ثم… توقفت العربة.

سمعت صوتًا أعرفه، يزعق في الهواء:

"قف! نحن نبحث عن راهبة هاربة. فتاة ذات ملامح خلاسية، شوهدت قرب هذه الطريق. هل رأيت أحدًا؟"

تجمّدت.

كان هو.

الشرطي نفسه غونزالو خواكين.
الذي أراد أن يتزوجني.
الذي ظنّ أني جائزة تُسلَّم لمن يحمل الشارة.

سمعت منعم يردّ بصوته الذي بدا ثابتًا رغم ارتجافه داخليًا:

"لا أعرف عن راهبات. لكن في طريقي هنا… رأيت فتاة تجري في البراري. قد تكون من تبحث عنها."

كذبة صغيرة… أنقذتني.


---

سُمعت أوامر في الخارج، وخيول تندفع، وأقدام تركض نحو البراري.
أما أنا، فبقيت تحت الأغطية، أتنفّس ببطء، أضم يدي إلى صدري، وكأنها صلاة سرّية تُرفع لا إلى السماء… بل إلى قلب رجلٍ خبأني تحت فطائر الإمبانادا.

في تلك اللحظة، عرفت أن الوفاء ليس كلمة.
الوفاء… أن تكذب من أجل من تحب، وأن تهرب معه لا من أجل الخلاص فقط، بل لأن الخيانة لا تليق بالقلب الذي أنقذك.

أزحت الغطاء قليلاً، نظرت إلى منعم، كان يقود العربة كما لو أنه يقودها في جنازة صامتة، لكني رأيت في عينيه ومضة… تلك التي لا تراها إلا حين تكون النجاة على بُعد صرخة واحدة.


لم أكن مستعدًا لتلك الليلة.
كنا في الوادي الرابع، حيث تعانق البرازيل أحزانها، وتغرق البنادق في الطين كما تغرق الأحلام في عيون من فقدوا الأمل. هناك، وسط الجنود المتعبين، وقف أميرسون... يرقص.

نعم، كان يرقص السامبا، كما لو أن الحرب رقصة، والموت عازف إيقاع أصابه الملل.
كان جسده يلمع بالعرق، وعيناه تتوهجان كمن رأى الله في نغمةٍ وانحنى لها راقصًا.

وقفت أراقبه، صامتًا، وسلاحي العتيق على كتفي كذكرى لم تعد تخصني.
لكن أميرسون قطع صمتي بصوته المتحدي، وهو يهمس:

> "يا ماليكو... علام دخلت هذه الحرب؟"



رمقته دون أن أبتسم، وقلت بصوت أثقل من خطواتي في هذا الوحل:

> "من أجل الأرجنتين."



ضحك. كانت ضحكته ساطعة كطلقة تحطم جدار القلب، وقال:

> "ألست القائل أنها نبذتك؟ طرحتك مثل ثمرة فاسدة على البرازيل؟"



آه، كم ندمت حينها على كل ما بحت به في الليالي الباردة للجنود، حين نتحول جميعًا إلى رواة مكسورين نشتكي أرواحنا لمن لا يسمع.

رفعت رأسي إلى السماء، أشرت إلى تلك الكوكبة التي لطالما ذكرها أميرسون بفخر في ليالي الخيمة:

> "كروزيرو دو سول… كوكبة الصليب الجنوبي. مدينتك سُمِّيت على اسمها. لمَ تركتها؟ لمَ ذهبت إلى أمريكا؟ ولمَ عدت إلى هنا حاملاً السلاح؟"



فجأة، توقف أميرسون عن الرقص، وكأن الموسيقى انطفأت في داخله.
استلقى على قفاه، ضاحكًا حتى ارتجف جسده، ثم قال بصوت مبحوح:

> "يا إلهي… كم في كلامك من العمق والمرارة والحكمة!
كروزيرو دو سول؟ آه… لقد أرشدت بحّارة، وضلّلت قساوسة، ولم ترشدنا نحن، أبناء التراب، الذين لا وطن لهم إلا الرقص والبكاء."



ثم رفع سبابته نحو السماء وأكمل، كأنّه يخاطب القدر:

> "ماليكو… نحن لسنا جنودًا، بل شهود.
نشهد على عالم فقد موسيقاه.
أنا أرقص لأن السامبا تحفظ لي اسمي،
وأنت تقاتل… لأنك خائف أن تنسى من تكون."



صمتّ.
كل كلماته كانت تصفعني بلطف… بلطف يُشبه من ينقذك من الغرق بصفعة.

نظرت إلى الكوكبة التي علمتني أسماء النجوم قبل أن أعرف اسم أبي، وهمست بصوتٍ بالكاد خرج مني:

> "أنا لا أقاتل من أجل الأرجنتين،
بل من أجل ذكرى… اسم… وطن على هيئة امرأة.
رمتني، نعم… لكنها ما زالت تسكن بين الدخان والنار."


الا ان  أميرسون قال لي ، والشرارة تلمع في عينيه كأنما يشعل نارًا من الماضي:

"لم أُخلق عبدًا، لكنهم رأوا في عضلاتي تذكرة عبور. قالوا إن ظهري يصلح لحمل السكر، وإن ساعديّ وُجدا لقطع القصب. باعوني كما تُباع البغال، لكني كنت دائمًا أؤمن أن روحي لا تُشترى."

ثم ابتسم ابتسامةً لا تشبه الهزيمة، بل تشبه النجاة، وتابع وهو ينظر إلى الأفق كأنه يسمع صوت السامبا من بعيد:

"في البرازيل، وجدت اسمي من جديد. لم أعد رقماً في مزرعة... صرت أميرسون، الفتى الذي يرقص رغم القيود، ويضحك رغم السلاسل."

ابتسم أميرسون، وهو يزيح بقايا الطين عن قميصه المثقوب، ثم قال بصوت خفيض، كأنما يسرد صلاةً في محراب السهاد:

"كنت من الكويكرز… أو كما يسخر منّا البعض: أولئك الحالمين بالعدالة في زمنٍ لا يؤمن إلا بالبندقية. جماعةٌ صنعت من الصمت لغة، ومن الحب شريعة، ومن الوفاق دربًا يمرّ من تحت السياط."

سكت قليلًا، ثم تابع، وعيناه تغوران في البعيد:

"حفرتُ الأنفاق بيديّ… لا أنفاق الذهب، بل أنفاق الحريّة. مررنا من تحت البيوت، عبر الحقول، تحت جذوع الذرة اليابسة، كنا كالأشباح، نحفر كي يمرّ العبيد إلى الشمال، حيث لا يبيع الإنسان ظلّه بثمن الرغيف."

ثم أضاف، وصوته يرتجف لا من الخوف، بل من الامتنان:

"سمعتُ عن هارييت توبمان… تلك المرأة التي شقّت الزمن بأنفاسها، عادت مرارًا إلى الجحيم، لتأخذ بيد من بقي هناك. لم تكن امرأةً، بل قطارًا يسير في الليل، لا يضيئه سوى ضوء العدالة."

ضحكتُ بخفةٍ باكية، فواصل هو قائلاً:

"الكويكرز يا ماليكو، لم يكتبوا ملاحم على الورق، بل في الطين، في الأنفاق، في المخابئ. لم يطلقوا الرصاص، بل أطلقوا الحياة… اجترحوا طريقًا لا تحرسه البنادق، بل ترعاه القلوب النقيّة."

حدق في وجهي طويلًا، ثم قال:

"وها أنت الآن، تمضي في دربٍ صنعه أولئك المجانين الطيبون… لا لأنك جندي، بل لأنك تحب. الحرب لم تبدأ في الباراغواي، بل بدأت حين قال أحدهم لآخر: أنت أقلُّ مني لأنك مختلف."

صمتَّ أنا، وأحسستُ أن بندقيتي صارت أثقل… لا من الحديد، بل من التاريخ.

ثم همس أميرسون وهو يربّت على كتفي:

"لا تنسَ… لسنا أحفاد العبودية فقط، بل ورثة المحاربين الذين حفروا الأرض ليصنعوا منها جسرًا للحب."

كان صوته يرافقني حتى في نومي… كما لو أن أحد الكويكرز ترك لي دعاءً في صدري: "كل حفرةٍ للحريّة… هي قبرٌ للاستعباد."


أنا سيمونا زامباي، الزيتونة التي نبتت على أرضٍ لا تسعها الشجرة، ولا يحتملها الهواء. عشتُ دهورًا من الألم في سنواتٍ قليلة، كنتُ فيها جسدًا مطاردًا، روحًا معلّقة بين الكنيسة والسوط، وبين الحبّ والهرب. لكني اليوم أكتب... لا لأبكي، بل لأروي.

ماليكو زامباي... ذلك الفتى الأسود، الذي عبر النهر كمن يعبر الجحيم، من أجل حبٍّ لم يكن في هذا العالم مكانٌ له. كان يقول لي إنّ الورق أطهر من الرصاص، وإنّ الحكاية أقوى من السلاح. لكنه عاد للحرب. عاد، لأن في قلبه شعلة لا تنطفئ، لأنه لم يكن عبدًا، بل حرًّا يخاف على وطنٍ لا يراه.

كنا نخطط أن نلتقي، ذات مساء، في مرفأ صغير قرب مدينة "پورتو أليغري". كان قد بعث لي برسالة أخيرة، أخفاها منعم خوري في طيّات سلة التوابل، فيها خريطة اللقاء، وقطعة من قميصه القديم، كأنما أراد أن يقول: "أنا حيّ، سأكون هنا".

لكن ماليكو لم يأتِ.

وصلني الخبر من جندي فرّ من المعركة. قال إنّه رأى رجلاً أسود البشرة، يلوّح بعلمٍ ممزّق، ويصرخ باسم سيمونا، قبل أن تصيبه رصاصة في صدره.

رأيته في المنام، يسقط على ركبتيه، يبتسم، كأنه يسلم روحه لشيءٍ يعرفه.

كانت بندقيته لا تزال على كتفه.

قالوا إنّه مات وهو يردد ترنيمة قديمة، أغنية كانت أمّه تغنيها له، أغنية عن الزنوج الذين قُطعت قيودهم، ولم يعرفوا ماذا يفعلون بالحرية.

في تلك اللحظة، انطفأ العالم في عينيّ، لكني لم أصرخ، لم أضرب صدري، لم أتمزق كما تفعل الأرامل في المزامير. بل فتحتُ نافذتي، وغنيت. غنيت أغنيته. جعلتُ المدينة كلها تسمع... أن من مات لم يكن عبدًا، بل نبيًّا من سلالة الزنوج.

مضى عام.

أقفلت الدير.

لم أعد راهبة، ولا جارية، ولا زيتونة هاربة.

أنا امرأة تحررت.

منعم خوري، الرجل الذي حمل رسائل ماليكو، الرجل الذي كذب من أجلي، وخاطر من أجلي، وبكى من أجلي... بقي إلى جانبي. لم يطلب شيئًا. لم يمسّني بكلمة. فقط كان هناك، كجدارٍ لم يُبنَ بالحجارة، بل بالإيمان.

ذات مساء، كنت أجلس قرب شجرة زيتون غرستها في حديقة بيتي الصغير في سالڤادور، سألني:

"هل يمكن للزيتونة أن تنبت مرتين؟"

نظرت إليه، وقلت:

"إن كانت الجذور لا تزال حيّة... فلمَ لا؟"

تزوجنا بعد عامين.

لم يكن حبًا مجنونًا. بل كان سلامًا. كان يدُ ماليكو التي امتدت من قبره، وقالت لي: عيشي.

وأنا عشت.

أربي أولادي على أغاني ماليكو، على الحكايات التي تركها، على الحروف التي كتبها لي بين طلقات الرصاص. وكلما سألتني ابنتي عن اسمها، أقول لها:

"أنتِ الزيتونة البيضاء، لأنكِ ثمرتنا... أنا وماليكو... ومنعم الذي زرعها في أرضٍ جديدة."

الآن، وأنا أكتب هذه السطور، أسمع في الخارج صوت الموسيقى.

سامبا تُعزف في الهواء.

وضوء شمس البرازيل يلمع فوق الورق.

أنا سيمونا زامباي.

وهذه قصتي.

ولن تكون الأخيرة.

لأن كل شجرة... تبدأ من حبة، والحبة هي الحكاية.

والحكاية... لا تموت.

 

النهاية

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

الخريطة التي تقودني إليك

 رواية الخريطة التي تقودني  إليك  بقلم  جوزيف مونينغر المقدمة يوم التخرج إنها والدتك، من بين الجميع، هي التي تلتقط الصورة المثالية لك ولصديق...