بحث هذه المدونة الإلكترونية

الجمعة، 18 أبريل 2025

ألما تفاحة اسطنبول

 

ألما: تفاحة إسطنبول

 



سقطتُ من شجرة عائلة عريقة تتفيأ ظلالها في إسطنبول، لكن سقوطي لم يكن بسبب خطيئة، بل كان قَدَرًا رماديًا، كصفحة تُنتزع من كتاب قبل أن تُقرأ.

لم تسندني الأرض حين وُلدت. كانت قاسية، لا تنبت سوى الشوك. وكنتُ، رغم أنني الطفلة الوحيدة للأسرة، نبتةً نُسيت في زاوية الحديقة، لا ماء يسقيني ولا يد تدفئني. أمي... لم أعرف حتى صوتها. قالوا إنها ماتت بعد ولادتي، لكن قلبي، الذي حفظ ملامحها في حلمٍ غامض، يهمس لي دومًا: "أمك لم تمت، بل أُخذت منكِ عنوة."

أبي؟ شيخٌ طاعن في العُمر، غارق في صمته، يسبح في تسابيح لا تصلني، لم يرفَعني على كتفه يومًا، لم يقرأ لي حكاية قبل النوم. وحده عمي، عدنان بيك، اعتنى بي... إن جاز لنا أن نسمي ذلك "اعتناءً". رجل جاف كأشجار الشتاء، يعلو صوته ولا يعلو قلبه، يضبط البيت كما يضبط ساعة جيبه القديمة، بلا دقيقة زائدة ولا ثانية عاطفة.

كبرتُ وأنا ألتمع كتفاحة نُسيت في علبة مخملية... جميلة، نعم، لكن بلا طعم للسكّر، بلا دفء من يد تقطفها بحب.

وذات فجرٍ شاحب، هربت. ارتديتُ زيّ شابٍ وسيم، كأني واحدٌ من الشراكسة الذين كانت جدتي تحكي عنهم، وخرجتُ إلى طرق إسطنبول المتعرجة... بلا هدى، بلا خريطة، فقط بخيط خفي يقودني إلى أمي، التي أؤمن –رغم كل شيء– أنها على قيد الحياة.

أنام تحت الأشجار، في الحدائق المنسية، في زوايا الأسواق حيث لا يصل أحد، أتنكّر، أختبئ، وأتسلل بين الأزقة كظلٍ يبحث عن جذوره. لا أخاف الليل، فقد اعتدتُ عتمته في بيتنا، لكني أخاف أن أصل متأخرة... أن تكون أمي قد نسيت اسمي.

أنا ألما... تفاحة إسطنبول، من شجرةٍ ضاعت أوراقها، تبحث عن غصنها الأصلي، عن حضنها الأول، عن امرأة ربما لم تمت، بل اختُطفت من فردوسها.

في سوق "كاباتاش"، بين صياح الباعة ورائحة التفاح الناضج، كانت تجلس امرأة عجوز خلف عربة خشبية، تبيع تفاحًا لامعًا كأنها ترتّب نجمات صغيرة على منديل العمر. اقتربتُ منها بخطى حذرة، وقلت الاسم الذي أعطاني إياه أحد المتشردين: – "قالوا إنكِ كنتِ تعملين في قصر عدنان بيك."

رفعت بصرها ببطء، تثبّتت من ملامحي كأنها تقرأ في وجهي سطرًا قديمًا من كتاب النسيان، ثم همست كأنها تهمس لروح: – "يا ألما... أمك هي من أطلقت عليك هذا الاسم."

شهقتُ، كأن كلّ الهواء في السوق انسحب دفعةً واحدة.

– "كانت تريد في البداية اسم حواء، لكنها حين رأتك، قالت: لا... إنها ألما... تفاحة سقطت من جنّتي."

ثم مالت نحوي وهمست بخشية: – "أمك أرمنية يا ابنتي... كانت خادمة مثلي، لكن وجهها لم يكن يشبه أحدًا... كأنها من سلالة الضوء."

سكتت العجوز، نظرت حولها مرتعبة كأن الجدران تصغي، ثم تابعت بصوت متهدّج:

– "ثمة رجل... ضابط عثماني سابق، اسمه جودت، يسكن في الحيّ الأرمني. هو وحده من يملك مفاتيح الغوامض. لكن... كوني حذرة يا ألما. من يبحث عن الأم، قد يجد الوطن أو الهاوية."

وسأقفل راجعة إلى عمي، عدنان بيك. كان جنديًا في الجيش العثماني، لكن لا تظنوه من المنتظمين، بل كان من "الدلّي"، أولئك الجنود المتهورين الذين خاضوا المعارك برؤوس عارية وقلوب ملتهبة. كان فخره دائمًا أنه قاتل بلا خوذة، وأن صوته في الميدان كان يرعب الخصم أكثر من طبول الحرب.

وربما كان ذلك ما صبغ تصرفاته: التهور، الحدة، الغلظة. لم يكن وحشًا، لا، فالحكم بهذه الطريقة مجحف... الإنسان متناقض، مركّب من عُقد ونور وظلال. رأيته يبكي على وفاة أبي، لا كقائد صارم، بل كطفل ضائع فقد الطريق. حينها فقط، عرفت أن ما نراه قسوة، قد يكون درعًا صُنع من ألم قديم.

طوال رحلتي، وأنا أبحث وأُنقّب عن أمي، أبلغ من العمر ثمانية عشر ربيعًا. في إحدى الطرق الترابية، صادفتُ رجلًا يحمل صندوق تفّاح على ظهره. لما رآني بزيّ الفتى الشركسي، اقترب مني وناولني تفاحة وقال بلهجة آمرة كمن يعطي جنديًا أمرًا:

– "خُذ!"

كنت أتضوّر جوعًا، فمددتُ يدي بشكرٍ خفي. لكنّه، قبل أن أضع التفاحة في فمي، أضاف:

– "أنا آدم هذه الأرض، أحرثها وحدي. لما لا تعمل معي؟ مات أبي وأنا طفل صغير، ثم تبعه عمّي وأنا فتى يانع، وهأنذا أفلحها شابًا. فيك ملامح الخير، لا تخذلني."

لم أجب. في داخلي كنت أصرخ: (آه لو تعلم أنني فتاة تتخفى بثياب فتى)، لكني تماسكتُ، واصطنعتُ نبرة خشنة وقلت:

– "أنا ماضٍ إلى حي الأرمن... ولا أظنني أجيد عزق الأرض."

ضحك، وبدت ضحكته كأنها ترتدّ على جذوع الشجر من حولنا، ثم قال:

– "وهل كنتُ أجيد الفلاحة من قبل؟ كلّ إنسان يتعلّم... ما من أحد خرج للدنيا يعرف شيئًا. لكنك ذاهب إلى الأرمن؟ لا تفعل."

سألته، وقد شدّني صوته المتحوّل إلى همس:

– "ولماذا تقول هذا؟"

اقترب أكثر، وخفض صوته حتى كاد يهمس لروحي:

– "الأرمن، في عيون الدولة العليّة، خارجون عن القانون... احذر يا فتى، فالخطوة نحوهم قد تكون خطوة خارج الحياة."

"اسمي... سنان أوغلو."

نطقها وهو يحدّق إلى الأفق، كأن اسمه لم يكن مجرد حروف، بل قوس نار يشق الغيم. ولما نبتت شفتاه باسمه، شعرت أن الكلمة بدأت هناك... من فمه. كأن هذا الكون المتشابك، هذه الأزقة التي طوّحتني من حضن إلى حضن، كانت تمهد لتلك اللحظة: أن أسمع اسمه، وأن أسقط معه.

لكني لم أكن أعلم أن السقوط سيكون حرفيًا.

يا للعصف الذي هبط على المدينة، دون نذير، دون تحذير، دون رحمة.

انفجرت الطلقة الأولى كأن السماء انشقت عن غضبٍ قديم، لا يشبه الرعد، بل يشبه صراخ أمّ فقدت وليدها في الفجر. ثم تتابعت الطلقات، لا كطلقات، بل كطبول جهنم تُقرَع في أحشائي. ارتجّت الأرض، تصدّعت الجدران، وشعرتُ أن إسطنبول كلّها... تهوي.

لم يدخل الجنود... بل اقتحمونا كذئاب جائعة، كقُطّاع طرق في ليلة باردة. لم يكونوا وجوهًا، بل خوذات سوداء وعصيّ لا تفرق بين لحمٍ أو حجر. كانوا يطاردون شيئًا لا نراه، شبحًا لا ندركه، وكأنهم يبحثون عن "الذنب" نفسه ليمسكوه من عنقه.

صراخ، عويل، نساء يركضن حفاة، رجال يسقطون فوق بعضهم، أطفال يبكون تحت المقاعد. أصوات البساطيل وهي تفتك بالأزقة مثل سكاكين تنحت لحم المدينة. رائحة البارود ممزوجة برائحة الخوف. إسطنبول لم تعد إسطنبول... تحوّلت إلى كابوس عثماني يلتهم أبناءه.

لم أدرِ من أنا، ولا أين، ولا إلى أين. كنتُ جسدًا ينجرّ من عاصفة. لكنني رأيت سنان، وسط كل ذلك الجنون، كأنه جزيرة في عاصفتي. جذبت ذراعه بقوة، وصرخت:

– "اهرب!"

ركضنا معًا، أنا وهو، كما يركض الحلم من كوابيسه. تجاوزنا شاحنة محترقة، وزقاقًا ضاق علينا كرحمٍ يلفظ أبناءه. قفزنا فوق جدار منخفض، إلى الزاوية خلف السور، وهناك... سقطنا معًا.

سقطنا كما تسقط تفاحة لم تنضج بعد. تفاحة لم تقطفها يد، بل قذفتها الريح من شجرة القدر، إلى صخرة الحقيقة.

وفي لحظة، خانني الغطاء.

انسدل شعري على وجهي، كشلال يفضح السرّ، وانكشفتُ. نسيتُ خوفي، نسيت قناعي، نسيتُ أنني في جسد فتى شركسي. كنت أنزف، لا دمًا، بل هوية. أنفاسي تتقطع كأني أغرق. وسنان... كان يحتمي بصدر امرأة.

رفع عينيه نحوي، ورآني.

لا، لم يرَ فتاة. بل رأى خيانة.

رأى كل الأكاذيب التي اختبأت تحت ردائي، رأى نظراته السابقة تتقلب في ماضيها، رأى اللمحات، الهمسات، والاحتمالات... تنهار.

وكان الصمت بيننا... أثقل من الرصاص. أفظع من الحرب. أبطش من الجنود.

منذ ذلك اليوم، لم يتحدث إليّ.

كان يمرّ بي كمن يمرّ على جثمانٍ دفن قلبه بيده. لا ينظر، لا يعبس، لا يبتسم. كأنه لم يعرفني قط. كأننا لم نسقط معًا. كأن الأرض لم تبتلعنا كحبيبين موؤودين.

أما أمه... تلك المرأة الطيبة التي نادتني يومًا "فتى الشركس الجميل"، والتي مسحت على رأسي كأني ابنها، دخلت عليّ في المساء.

جلست بصمت طويل. لا لوم مباشر، لا غضب، فقط شيء يشبه انكسار الأمهات. نظرت إليّ كما تنظر الأم إلى طفلتها التي كسرت وعاء الأسرار، وقالت بصوت بينه وبين البكاء خيط رقيق:

"لماذا خدعته بلباسك؟ ابني... لا يكشف جسده أمام النساء. وأنتِ... رأيتِه وهو يعزف الأرض، مكشوف السيقان، مكشوف القلب."

آه يا سنان أوغلو...

لو تدري أنني لم أخدعك، بل كنت أبحث عن وجه أمي في ملامحك.
لو تدري أنني لم أركض من الجنود، بل كنت أركض من ذاتي.
لكنني الآن أعرف...أن السقوط لم يكن على الأرض، بل في عينيك.


صمتُّ.


كل الكلمات في داخلي كانت تتصارع. قلبي يقرع مثل طبول الحرب. وفي لحظة، انهمرت القصة من فمي كما ينهمر المطر من غيمة مكتومة منذ قرون.

قلت لها كل شيء.

عن أمي، التي قالوا إنها ماتت، وعن اسمي، "ألما"، التفاحة التي سقطت من جنة لم أرها قط، وعن الهروب من قصر عدنان بيك، عن بحثي عن امرأة لها وجه الضوء، وعن حلمٍ قديم ما زال يدفعني لأركض... حتى وأنا أتداعى.

قلت لها إنني لم أرتدِ ثياب الرجال لأخدع أحدًا، بل لأحمي ذاتي. قلت لها إنني كنت أرسم لنفسي فرصة للنجاة... لا خيانة.

حين انتهيت، خيم صمت يشبه نهاية صلاة. ثم تمتمت الأم بصوت فيه حنو الجبال:

"ما كنتِ وحدكِ يا بنتي... حتى لو حسبتِ نفسك وحدكِ."

نظرت إليّ، ثم أغلقت الباب خلفها. وفي الخارج... رأيت سنان، واقفًا عند عتبة البيت، يداه مشدودتان خلف ظهره، عيونه لا تلامسني.

لكنه... لم يرحل.

وربما، فقط ربما... كان ذلك اعترافًا صامتًا، بأن الحقيقة، مهما كانت عارية، تبقى أشرف من قناع. 

 


عدتُ من عند سنان أوغلو وأمه، وقد ارتديت العمامة من جديد. عدت شبحًا شراكسيًا في مدينة تنظر إليّ بألف عين ولا ترى وجهي. عدت كما بدأت... وحيدة، متنكرة، لكن قلبي لم يعد كما كان.

كان في قلبي الآن حجران لا يذوبان: حب لم يكتمل... واسم امرأة لم أكن أعرف أنها أنا.


---

غالاته، ذلك الحي المعلّق بين البر والبحر، بين الأرمن واليهود والإيطاليين والخيال، حيّ يشبه صندوق الموسيقى، ما إن تفتحه حتى تتراقص الأرواح القديمة. دخلته كأنني أعبر بابًا من الزمن.

الضابط جودت؟ سأل عنه في المقاهي التي تعبق برائحة القهوة والبرتقال، في بيوت العجائز التي ما زالت تحفظ قصصًا كأنها صلوات... حتى وجدته.

كان شيخًا ذا لحية ناصعة، يحمل نظرة عسكرية، لكن روحه بدت متعبة من التاريخ. نظر إليّ، تأملني، ثم هزّ رأسه كمن يرى شبحًا يعود من غبار المعارك.

– "أنت ابن رابعة..."

شهقتُ، فحتى اسمي لم يكن حاضرًا، وأنا لم أذكر لها اسمي الحقيقي.

– "أنت من عيناك... تلك الشرارة، ذلك التوق، ذلك الجوع للحقيقة. لا أحد يملكه إلا هي."

ثم تنهد، كأن صدره أُفرغ من سنوات:

– "رابعة... كانت امرأة خارقة. جمعت النساء في زمنٍ لا يجتمعن فيه إلا للندب. ناقشت الشيوخ، قرأت تفسير الجلالين، وعلمت الصغيرات أن العلم لا يُحبس في صدور الرجال فقط."

سكت، ثم تمتم كأنما يداري سرًّا:

– "لكنها لم تكن رابعة فقط... كانت راحيل. من يهود إسطنبول. أسلمت... طواعية، حبًا، فكرًا، لا خوفًا. كانت تقول إن الروح لا تعرف الطائفة حين تشتهي النور."

سألته، وأنا أكاد أذوب:

– "أين ذهبت؟ أين هي؟"

هزّ رأسه كمن فقد شيئًا لن يعود:

– "اختفت. فجأة، كأنها ذابت في جدار جامع، أو تلاشت مع نجم الفجر. لا أحد يعلم... لكني أعتقد أنها تركت خلفها سرًا ينتظر من يكشفه."


وقفت على عتبة الغموض، وشعرت أني لأول مرة لا أهرب من الحقيقة، بل أركض نحوها.

"أمي كانت راحيل... رابعة... امرأة من النور. وأنا؟ أنا ألما، التفاحة التي سقطت من شجرة الدين، من غصن المعرفة، من حضن لا اسم له... بعد."

 

ما قاله ذاك الرجل جعل الدم يهرب من أطرافي، كأن جمرةً باردة سقطت على روحي:

"ثمة طيف أنثى يظهر عند كل فجر على جسر غالاته... ترتدي نفس لباس رابعة، ثم تختفي فجأة. يقولون إن روحها لا تهدأ، تبحث عن إنصاف لم يتحقق."

ارتجف جلدي كما لو أن أحدًا نادى باسمي من قاع الغيب.

رابعة؟ أمي؟ طيف؟ على جسرٍ تعبره آلاف الأرجل كل يوم دون أن تلاحظ أن فيه شقًا يطل على عالم آخر؟

لا أدري... أهي خرافة؟ أم نداء قديم يعرف طريقه إلى قلبي؟

لم أحتمل البقاء ساكنة. كنت كمن استيقظ من حلمٍ داخله حلم، يركض من دون أن يعرف إلى أين، فقط لأنه إن لم يركض... سيموت اختناقًا.

خرجت من الحيّ ركضًا. عبرت الأزقة كما تعبر النار الهشيم، أسابق الفجر قبل أن ينقضي، قبل أن يتبخر الطيف.

وصلت إلى جسر غالاته.

يا الله... كم بدا مختلفًا عند الفجر.

لم يكن مجرد جسر حجري يعبر فوق مضيق... بل بدا لي كأنما معلق بين عالمين. الماء تحته يلمع بلون رمادي باهت، والهواء يزفر بردًا فيه رائحة غياب، والمدينة ما زالت تتثاءب، تخرج من نومها كسيدة عجوز تقلب في صندوق ذكرياتها.

وقفت هناك، أختبئ خلف عمود من أعمدة الجسر، أراقب... أتنفس... أترقب.

ثم... رأيتها.

واقفة هناك، عند حافة الجسر، ظهرها إليّ. لا حركة، لا التفاتة، فقط وقفة كأنها تنتظر شيئًا لا يأتي. الثوب الأبيض الفضفاض... هو هو. يشبه تمامًا ما وصفته العجوز في سوق كاباتاش. شعري انتصب كأن نسمة من عالم آخر مرّت بي.

اقتربت خطوة.

ثم أخرى.

لكنني توقفت.

لأنها... رفعت يدها.

كأنها تشير إليّ، أو إلى جهة خلفي، أو إلى زمنٍ مضى. لا أدري، لكن قلبي بدأ يقرع كطبول الإنذار.

صرخت، أو هكذا خُيّل لي. أردت أن أنادي: "أمّي!"... لكن صوتي لم يخرج. كان الهواء ثقيلًا، كأن الكلمات لا تقدر على الطيران فيه.

وفجأة...

اختفت.

نعم، ببساطة... اختفت.

كأنها لم تكن جسدًا بل حلمًا، كأنها لم تمشِ على هذا الجسر، بل عبرت من خلاله إلى شيء لا يُرى.

وقفتُ في مكاني مذهولة، أنظر إلى البقعة التي كانت فيها، أحاول أن أستعيد ملامحها... أن أفهم.

هل كانت حقًا هناك؟

هل هي أمي؟

أم أن الجسر استدرجني إلى أحد أوهامه؟

لكنني حين عدت إلى البيت، إلى مرآتي، إلى صمتي، وجدتُ شيئًا قد تغيّر.

ربما لم ألتقِ بها... لكنها كانت تعرف أنني أبحث. وكانت، بطريقة لا أفهمها، تنتظرني.

ومن يومها، صرت أكتب على جدار غرفتي، بالحبر وبالدم:

"ثمة أرواح تمشي قبلنا، ترسم لنا الطريق، وتنتظر عند كل فجر على الجسر... أن نصل."

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

الخريطة التي تقودني إليك

 رواية الخريطة التي تقودني  إليك  بقلم  جوزيف مونينغر المقدمة يوم التخرج إنها والدتك، من بين الجميع، هي التي تلتقط الصورة المثالية لك ولصديق...