بحث هذه المدونة الإلكترونية

الخميس، 17 أبريل 2025

موسوعة اسطنبول - رشاد أكرم قوجو


 

 موسوعة إسطنبول (İstanbul Ansiklopedisi)

تعريف عام:

عمل موسوعي ضخم وغير مكتمل.

كُرّس لتوثيق التاريخ الاجتماعي والثقافي لمدينة إسطنبول.

يجمع بين الدقة التاريخية والحكايات الشعبية بأسلوب سردي فريد.

أسسها وكتبها المؤرخ التركي رشاد إكرم قوجو.



---

مؤلف الموسوعة: رشاد إكرم قوجو (1905–1975)

ولد في إسطنبول ودرس التاريخ في جامعة إسطنبول.

عمل مساعدًا للمؤرخ أحمد رفيق ألطيناي.

بعد إصلاح التعليم سنة 1933، ترك الجامعة وبدأ التدريس في مدارس ثانوية.

كتب مقالات صحفية، ونشر روايات تاريخية وسير ذاتية بأسلوب أدبي.



---

مشروع الموسوعة:

بدأ العمل عليها في نوفمبر 1944.

وصفها بأنها "السجل العظيم للمدينة".

كان الهدف إصدار 24 مجلدًا.

توقف العمل عند المجلد الحادي عشر، عند حرف "غ" في الأبجدية التركية.

سبب التوقف: صعوبات مالية.



---

محتوى الموسوعة:

توثق:

المباني والشوارع

الشخصيات التاريخية والعامة

العادات والتقاليد

الأحداث اليومية

الأساطير الحضرية


الأسلوب يمزج بين التأريخ العثماني والموسوعات الغربية.



---

الأرشيف الرقمي:

في عام 2017، قامت جامعة قادر هاس ومؤسسة SALT بجمع وترميم الأرشيف.

يتضمن الأرشيف:

أكثر من 40,000 وثيقة

مقالات غير منشورة

مسودات

رسومات توضيحية


تم رقمنة الأرشيف وإتاحته عبر موقع:
istanbulansiklopedisi.org



---

أهمية الموسوعة:

مرجع فريد لفهم الحياة اليومية في إسطنبول خلال القرنين الـ19 والـ20.

توثق ما لم تذكره السجلات الرسمية من تفاصيل اجتماعية وثقافية.

 

 تفاصيل

 

"موسوعة إسطنبول" (İstanbul Ansiklopedisi) التي كتبها رشاد أكرم قوجو ليست موسوعة تقليدية فقط، بل هي بمثابة حكاية كبرى عن روح المدينة. هذه بعض أبرز مواضيعها:


---

1. الأحياء والأسواق

وصف دقيق لأحياء إسطنبول مثل الفاتح، بي أوغلو، أوسكودار، كاديكوي، بشيكتاش وغيرها.

قصص الشوارع، الزقاق، والأماكن المجهولة.

تطور الأسواق مثل البازار الكبير وسوق التوابل، وحكايات تجّارها.



---

2. الشخصيات العثمانية والمحلية

حكام، وزراء، قضاة، دراويش، فقهاء، وحتى مجانين إسطنبول.

يسرد قصص شخصيات هامشية مثل الشعراء الشعبيين، الباعة الجوالين، واللصوص الأسطوريين.

شخصيات نسائية مثيرة للجدل تركت أثرًا في الحياة اليومية.



---

3. الطقوس والعادات

تفاصيل عن حفلات الختان، الأعراس، الجنائز، واحتفالات رمضان.

عادات الغسل في الحمام التركي.

طقوس الدراويش والموالد الصوفية.



---

4. الأساطير والخرافات الحضرية

قصص عن جنّ يسكنون آبارًا أو حمّامات.

حكايات مبانٍ مسكونة، وبئر لا قاع لها.

طيف امرأة يظهر على جسر غلاطة في الفجر.



---

5. الحرف والمهن التقليدية

الحلاق، النحاس، الخباز، الشمعداني، بائع البوظة، وغيرها.

وصف لطقوس العمل، وأدوات كل حرفة، وأشهر ممتهنيها.



---

6. الحيوانات في المدينة

القطط، الكلاب، والخيول في الأزقة.

الطيور المرتبطة بالمآذن، مثل الحمام والبوم.

حتى السمك في البوسفور له حكايات.



---

7. اللغة العامية والمصطلحات الشعبية

مفردات إسطنبولية قديمة، أمثال دارجة، كلمات فارسية وعثمانية الأصل.

تحليل لغوي واجتماعي لها.



---

8. المباني التاريخية والمعمار

الجوامع، الكنائس، الحمامات، المدارس، الزوايا الصوفية.

تفاصيل معمارية نادرة، ومصادر حجارة البناء والزخرفة.



---

9. الجرائم والأحداث الغريبة

جرائم مشهورة في الأزمنة العثمانية.

قصص القتلة، النصّابين، المختفين، والمحاكمات الغريبة.



---

10. الحياة الليلية والتسلية

المقاهي، الملاهي، مسارح الظل (كراكوز وعيواظ).

مغنّيات الحانات، راقصات البطن، المهرجين.



---

ملاحظات إضافية:

الموسوعة كتبت بأسلوب روائي وشعبي وليس أكاديميًا صرفًا.

لا تغطي المواضيع بترتيب صارم، بل تتداخل وتتفرع، كأنها سرد حي نابض.

كثير من المقالات تحتوي على رسومات توضيحية فنية. 


****


 البعد اللغوي والاجتماعي للكلمات اليومية

 

في موسوعته الضخمة "إسطنبول أنسكلوبيدياسي" (Istanbul Ansiklopedisi)، لم يغفل رشاد أكرم كوجو البعد اللغوي والاجتماعي للكلمات اليومية، بل خصّص حيزًا زاخرًا لتحليل المفردات الإسطنبولية القديمة، تلك التي كانت تُستعمل في الأسواق والمقاهي والبيوت، وتختزن في نطقها خليطًا من الفارسية والعثمانية والعربية، وتعكس روح الحياة في المدينة قبل الحداثة.

فيما يلي حكايات لغوية وتحليل اجتماعي لأبرز تلك المفردات، كما ترد في الموسوعة، أو بأسلوب يعكس مقاربته:


---

1. بَرَكَتْ (Bereket):

الأصل: عربي (بركة)، لكنها اكتسبت طابعًا عثمانيًا في النطق والمعنى.

المعنى في الحياة اليومية: كانت تُقال عند الانتهاء من الطعام، أو عند البيع والشراء: "الله يباركلك، بركت olsun!"

تعليق كوجو:


> "كانت كلمة (بركت) أكثر من دعاء؛ كانت عقدًا غير مكتوب بين البائع والمشتري، تضمن الرضا والتسليم."




---

2. جَدان (Cadden):

الأصل: من الفارسية جاده، بمعنى الطريق.

الاستخدام الإسطنبولي: كانت تُستعمل للإشارة إلى الطرق الواسعة، خصوصًا التي تؤدي إلى ساحات المساجد الكبرى.

كوجو يعلّق:


> "في إسطنبول، لم تكن الطرق مجرد ممرات، بل أمكنة للقاء وتبادل الحكم والقصص. الجادّة هي موضع حكاية."




---

3. دولَمه (Dolma):

الأصل: من الفعل التركي dolmak، أي "امتلأ".

المعنى: طبق تقليدي يُحشى بالخضار واللحم، لكنه أيضًا رمز اجتماعي.

البُعد الثقافي:


> "الدولمة كانت رمز كرم العائلة العثمانية؛ طبقٌ لا يُؤكل وحدك، بل يُوزّع على الجيران، وتُعلن به المناسبات."
كما قال كوجو:
"الدولمة ليست طعامًا… إنها إعلان محبة."




---

4. كَفْتَن (Kaftan):

الأصل: فارسي.

الاستخدام: لباسٌ فاخر يُرتدى في المناسبات، أو يُمنح كعلامة رضا من السلطان.

الدلالة الاجتماعية:


> "من يُعطى قفطانًا، كأنه نال مرتبة وجودية جديدة، وأصبح جزءًا من التاريخ المصنوع في القصر."




---

5. قَهوة خانة (Kahvehane):

الأصل: تركي/فارسي: قهوة + خانة (مكان).

المعنى: مقهى، لكنه عند كوجو يعني:


> "برلمان الظل في الأحياء العثمانية، حيث تُناقش أمور السياسة والدين والشعر بين رشفة وأخرى."




---

6. باشه (Paşa):

الأصل: عثماني فارسي.

المعنى: لقب رسمي، لكنه أيضًا صار يُستعمل في التحبب أو السخرية.

التحليل الاجتماعي:


> "حين تنادي طفلك بـ'باشه'، فأنت ترفع مقامه، وتحمّله مسؤولية أخلاقية في آن."




---

7. خُرْج (Hurç):

الأصل: فارسي.

المعنى: حقيبة قماشية كبيرة للسفر.

الدلالة:


> "كل خرْج كان يحوي ذكريات امرأة في طريقها إلى الحج، أو جندي مغادر إلى البلقان."




---

تعليق رشاد أكرم كوجو الختامي في أحد مدخلاته:

> "كل كلمة إسطنبولية هي أثرٌ لغويّ حيّ، هجين لكنه جميل، يروي قصة عن الناس قبل أن تروي عن القاموس."



> "عندما تفقد المدينة لغتها اليومية، لا تفقد فقط نطقها… بل تفقد روحها، لهجتها، ومزاجها."
 

*****

في موسوعة إسطنبول (İstanbul Ansiklopedisi) التي كتبها المؤرخ والأديب رشاد أكرم كوجو (Reşad Ekrem Koçu)، تظهر مجموعة واسعة من الشخصيات التاريخية المرتبطة بمدينة إسطنبول، ليس فقط من السلاطين والسياسيين، بل أيضًا من الحرفيين، المتصوفة، الشعراء، المجانين، قطاع الطرق، والغرباء الذين مرّوا من المدينة وتركوا فيها أثرًا. يمكن تصنيف الشخصيات إلى عدة فئات، ومن أبرزهم:


---

أولًا: السلاطين والعظماء

السلطان محمد الفاتح: باني إسطنبول العثمانية، وله فصل خاص حول فتح القسطنطينية.

السلطان سليمان القانوني: يظهر في سياق تنظيم المدينة والتشريعات.

السلطان عبد الحميد الثاني: يظهر في عدة مواضع، لا سيما في سياق التحولات السياسية والاجتماعية.



---

ثانيًا: العلماء والمتصوفة

الشيخ إسماعيل حقي وعزيز محمود هدائي: يمثلان تقاليد التصوف في إسطنبول.

قاضي زاده الرومي: من علماء الرياضيات والفلك في الحقبة العثمانية.

إبراهيم حقي أرضرومي: صوفي وفيلسوف، له إشارات في قسم المدارس والزوايا.



---

ثالثًا: الشعراء والكتّاب

نديم (Şair Nedim): شاعر البلاط، له حكايات ليلية في بساتين إسطنبول.

باكي (Bâkî): أحد كبار شعراء العصر الذهبي العثماني، كثيرًا ما يُذكر في وصف المجالس.

يحيى كمال بياتلي: الشاعر القومي الذي أحب إسطنبول وكتب عنها بحنين خاص.



---

رابعًا: الغرباء والعجائب

الفرنجي المجنون (Deli Frenk): شخصية مجهولة الهوية كانت تتجول في إسطنبول عاريًا، وترد عنها قصص غريبة.

الجنرال الفرنسي سيباستيان: الذي دخل المدينة مع الحملة الفرنسية وكتب مذكرات عن الأسواق والحريم.

حكاية الرجل الأرمني الذي كان يتنكر في زي امرأة ويبيع البخور في المقابر.



---

خامسًا: شخصيات شعبية وغريبة

فتحي القباقيجي: بائع قباقيب شهير يُقال إنه كان يُؤلف أغاني في طريقه للعمل.

الحاج رستم الجزار: جزار شعبي تحوّل دكانه إلى ملتقى فكري غريب.

علي المجنون: رجل مسنّ معروف بجنونه الجميل، اعتاد أن يخطب في القطط.

 

***

 

قصص موسوعة إسطنبول 


رشاد أكرم كوجو، في موسوعة إسطنبول، لم يكتب فقط عن الأحياء والشوارع والمقاهي، بل أيضًا عن الشخصيات التي صنعت هذه المدينة أو تركت بصمتها عليها، ومن أبرزهم السلاطين العثمانيون. لكنه لم يتناولهم كتواريخ جافة أو قوائم حكام، بل كحكايات نابضة بالحياة، ربط فيها بين السلطان والحي، بين السياسة والناس، بين العظمة والجنون.

إليك بعضًا من السلاطين الذين وردت عنهم حكايات في الموسوعة، بأسلوب قصصي كما يحبّه رشاد:


---

1. السلطان أحمد الأول (1590-1617)

> صاحب جامع السلطان أحمد أو الجامع الأزرق. يقول رشاد إن أهل إسطنبول ما زالوا يسمونه "الولد الطيب" لأنه لم يعش طويلًا، ومات شابًا، لكنه ترك تحفة معمارية تُصلّى فيها الأرواح قبل الأجساد. في بعض الحكايات الشعبية، يقول الناس إن السلطان كان يسمع الأذان في الحلم قبل أن يُبنى الجامع، كأن المئذنة سبقت الحجارة.




---

2. السلطان إبراهيم "المجنون" (1615-1648)

> هذا السلطان عاش بين القصور والكوابيس. كتب رشاد أن سكان حي "توبكابي" ما زالوا يتندرون على قصة السلطان الذي أغرم بامرأة بدينة من العامة، وطلقها من زوجها ليجعلها جارية القصر. وكان يُلقي أكوام الذهب من الشرفة، ثم يُغلق النوافذ ويصرخ: "الذهب لا يضيء الليل". في إحدى الحكايات، قال إنه أراد أن يُزوّج البحر، فصب العطر في البوسفور.




---

3. السلطان عبد الحميد الثاني (1842-1918)

> حكاية هذا السلطان في موسوعة رشاد ليست فقط عن السياسة، بل عن عزلته في يلدز. يسرده كراهب في ثوب سلطان، يسمع قرقعة السيوف في عقله، ويخاف من الصحف أكثر من المدافع. كتب رشاد أن عبد الحميد لم يكن يحب المسرح فقط، بل كان يخاف من الحكاية التي تُروى خارج المسرح، لأنها قد تُطيح بعرشه.




---

4. السلطان سليمان القانوني (1494-1566)

> في حكايات إسطنبول، يُذكر السلطان سليمان لا فقط كفاتح أو مشرّع، بل كالعاشق الذي كتب الشعر تحت اسم "محبي"، والذي سار ذات يوم إلى قبر "روكسلان" في حديقة توبكابي، وقال للمولى: "الحب أعظم من الخلافة أحيانًا".




---

5. السلطان محمد الفاتح (1432-1481)

> بطل فتح القسطنطينية، لكن رشاد يروي أيضًا كيف أحب المدينة بعد أن فتحها. كان يمشي ليلاً متخفيًا في "كابالي تشارشي"، يستمع إلى الحكايات، ويشتري القهوة بنفسه، ويقول للبائع: "عاصمة روما هذه الليلة ليست سوى كوب مرّ".

قصص اضافية:


1. السلطان إبراهيم: نافذة تطل على الجنون

الحكاية:

كان السلطان إبراهيم يُطلّ من شرفته في قصر طوب قابي، يتأمل البوسفور كما لو كان مرآة لروحه المتكسرة. أغرم بجارية بدينة تُدعى "شكر باره"، فاستدعى زوجها وطلّقها منها بنفسه. قال له: "اذهب... هذا أمر سلطاني. والسلطان لا يُسأل عن قلبه."

ثم أمر بجمع أفخر أنواع الفرو والحرير ليُغطي بها غرفه. كانت له غرفة يدعوها "مغارة الرغبات". صبّ العطور في البحر، وسأل حراسه: "هل البحر الآن أجمل؟"

تعليق رشاد:

> "لم يكن مجنونًا كما يظن العوام، بل كان شاعرًا أُجبر على الحكم. كل ما فعله أنه وضع قلبه في العرش، فقتله البلاط."




---

2. عبد الحميد الثاني: المسرح الذي أخاف السلطان

الحكاية:

في قصر يلدز، كان السلطان عبد الحميد يجلس في الظل، يكتب ملاحظاته على الصحف الأجنبية، ويرسم الخرائط بخط يده. لكنه كل مساء، يذهب إلى المسرح الداخلي في القصر.

في إحدى الليالي، شاهد مسرحية عن ملك يُخلع بسبب شاعر. فأوقف العرض، وطرد الممثلين، وأمر بكتابة مسرحية جديدة يكون فيها الشاعر هو الخائن.

تعليق رشاد:

> "عبد الحميد لم يخف من المؤامرات، بل من الكلمة. كان يؤمن أن الحكاية التي تُروى بلا إذنه، قادرة على إشعال إمبراطورية."




---

3. السلطان سليمان القانوني: الدموع التي سقطت في "السليمانية"

الحكاية:

حين بنى معمار سنان جامع السليمانية، دعا السلطان سليمان ليراه. وقف السلطان أمامه وبكى. سأله سنان: "هل أعجبك؟"

قال السلطان: "لقد جعلتني صغيرًا أمام الله، وهذا أعظم مما كنت أرجو."

وفي الليل، كتب في ديوانه بيت شعر:

> "يا قلب، لا تكن سلطانًا على الناس، بل خادمًا عند باب الرحمة."



تعليق رشاد:

> "كان سلطانه لا في القوانين، بل في الشعر. وكان يرى في الحجر لغة، وفي القباب صدى الروح."




---

4. محمد الفاتح: القهوة التي شربها بعد الفتح

الحكاية:

بعد فتح القسطنطينية، دخل السلطان محمد وحده إلى كنيسة آيا صوفيا، وخلع نعليه، ومشى على رخامها. ثم خرج إلى أحد أزقة غالاتا، متخفيًا، واشترى قهوة من بائع يوناني.

قال له البائع: "أيها السيد، اليوم دخل جيشكم المدينة."

رد السلطان وهو يرفع الغطاء عن وجهه: "بل دخلتُها كما يشرب المرء فنجانًا من القهوة... بحذر، وبشغف."

تعليق رشاد:

> "كان يعرف أن القسطنطينية لا تُفتح بالسيف فقط، بل بالاحترام. لهذا شرب أول قهوة له من يد يونانية."




---

5. السلطان أحمد الأول: الصبي الذي بنى جامعًا للرحمة

الحكاية:

كان السلطان أحمد في السادسة عشرة حين أمر ببناء الجامع الأزرق. قال للمعمار: "أريد جامعًا لا يخيف الناس، بل يضمّهم." رفض تسميته باسمه، لكنه أُجبر على ذلك.

يُقال إنه كان يجلس في صحن الجامع بعد صلاة الفجر، متخفيًا، يسمع دعوات الناس، ويبكي حين يسمع اسم والدته.

تعليق رشاد:

> "مات صغيرًا، لكنه بنى صرحًا لا يموت. وما الجامع الأزرق إلا قلبه الذي أراد أن يظلّ ينبض في إسطنبول، إلى الأبد."



****

"القاتل الوسيم في حي كوزلتشمه"

موقع الحدث: حي كوزلتشمه – إحدى ضواحي إسطنبول القديمة المشهورة بجمالها الطبيعي وقربها من البوسفور.

القصة:

في ثلاثينيات القرن العشرين، كان هناك شاب يُدعى جميل، معروف في الحي بوسامته ولباقته، يعمل حلاقًا في دكان صغير مطلّ على الزقاق الخلفي للميناء. كان النساء يتعمدن المرور من أمام دكانه فقط ليرينه وهو يحلّق للحجّاج أو الجنود، يبتسم لهن دون أن يبادل أحدًا كلمة.

لكنّ جميل الوسيم كان يخفي سرًا مظلمًا، إذ توالت الشائعات عن اختفاء رجال غرباء قدموا إلى الحي ولم يُروا بعد زيارتهم له. لم يكن هناك دليل، سوى نظراته الغامضة، وهدوءه المريب، وكلمات عرافة مجنونة كانت تقول: "في وجهه فتنة، وفي يده حدّ السكين".

وذات يوم، اختفى رجل فرنسي يُدعى "موريس"، كان يعيش في نيشانطشي، بعد أن شوهد يدخل دكان جميل. وبدأت الصحف تتحدث عن "القاتل الوسيم"، لكن الشرطة لم تجد جثة، ولا أداة جريمة. فقط موسى الحلاقة... وماء الكولونيا.

وبقي الحي يروي حكاية "جميل الوسيم"، الذي عاش ومات دون أن يُدان، وأصبح رمزًا للحكايات الليلية، حيث يُقال إن طيفه يظهر في المرآة إن نظرت إليها بعد منتصف الليل في كوزلتشمه...


---

تحليل رشاد أكرم قوجو:

رشاد لا يعرض القصة كخبر بوليسي فقط، بل يستخدمها ليرسم صورة عن الحياة الاجتماعية، خرافات النساء، خوف الناس من الوسامة الغامضة، وولع إسطنبول بالحكايات. وفي الهامش، يربط القصة بتاريخ المنطقة، وتحولاتها بعد دخول الحداثة إليها.

 

****

 
"الطبيب الذي يعالج بالأغاني"

في حيّ الفاتح، حيث تختلط أدعية المساجد بأصوات الباعة، وُلدت أسطورة لا تشبه أحدًا.


---

كان اسمه د. يعقوب نور الدين، خرّيج مدرسة الطب السلطانية، لكنه لم يُعرف بين الناس كطبيب أمراض أو جراح... بل كـ"مداوي الأرواح بالغناء".

كان يلبس معطفًا رماديًا طويلًا، يحمل حقيبة طبية فيها دواء، وسُلَّمًا موسيقيًا خشبيًا صغيرًا.
يزور مرضاه في بيوتهم، يضع السماعة على قلوبهم، ثم يسأل:

> "هل تفضل مقام الحجاز أم الصبا؟"




يقول المرضى إنهم كانوا يشفون بعد أن يُنشد لهم بصوت رخيم:

لأرملة ثكلى، غنّى: "يا ظبيةً أشجت فؤادي بنظرة"

لطفل مشلول، أنشد: "قمْ وارقصْ على جراحك، فالرقص دواءٌ من السماء"




اتهمه البعض بالشعوذة، وقالوا إن طبّه خرافة.
لكن مفتي إسطنبول كتب فيه فتوى سرية قال فيها:

> "ما دام لا يأخذ على غنائه مالًا، فدَعْه يغنِّ، فلعل الله جعل في صوته بلسمًا."




---

في يوم خريفي، زار يعقوب دارًا للمجانين، وبدأ يُغني.
بكى المجانين… وسكتوا…
ثم في اليوم التالي، أُغلق الدار، وقيل إن المرضى خرجوا منه "أصحّاء… أو مجانين آخرين".


---

واختفى الطبيب.
قال بعضهم إنه قُتل.
وقال آخرون إنه دخل في آلة غريبة – بيانو عثماني ضخم – واختفى بين مفاتيحه.

لكن في ليالي الشتاء، حين يسكن كل شيء، يُقسم بعض المسنين أنهم يسمعون صوتًا رقيقًا من خلف الجدران يغني:

> "من قال إن الشفاء في الإبرة؟ أحيانًا يكفي أن يسمع القلب لحنًا أحبه في طفولته."




---

تعليق رشاد أكرم قوجو:

> "لو كانت إسطنبول جسدًا، لكان د. يعقوب قلبها الذي يدق بالأغاني بدل الدم."
 

 *** 


الكاهنة المتمردة في جامع السلطان أحمد

قصة من القرن السابع عشر، في زمن السلطان مراد الرابع، ذلك الذي حرم شرب القهوة والتبغ والمجون، لكنه لم يحرّم الهواجس.


---

كانت تُدعى فيروز شاه خاتون، من عائلة تركمانية غامضة، تنكرت في زيّ رجل، وأطلقت على نفسها اسم "الشيخ عارف البلخي"، وادّعت أنها وليّ صوفي جاء من بخارى حاملاً علمًا لدنيًا.

دخلت إسطنبول في هيئة درويش متصوف، ترتدي خرقة الدراويش وتحمل عصا منحوتة عليها طلاسم فارسية، وبدأت تُلقي خطبًا غريبة بعد صلاة الفجر في باحة جامع السلطان أحمد. لم تكن تتحدث كواعظ، بل كـ"كاهنة"، تنطق بألغاز عن المصير، والأرواح، وقصص عن عوالم وراء البحر الأسود.

قالت مرة:

> "إسطنبول ليست مدينة، بل جُبّة لبسها الجنّ يومًا وتاهوا بين دروبها."




---

في البداية، اجتمع الناس من أجل الغرابة، ثم صاروا يأتون لطلب البركة، ومنهم من باع أساوره ليقدّم لها هدية. نساء طبقة البازار أحببنها. والأرامل صدّقنها. ورجال العلم خافوها.

لكن أحد فقهاء البلاط كتب تقريرًا إلى السلطان، وفيه:

> "يوجد كاهن على هيئة شيخ، يسكر الأرواح بكلماتٍ مسمومة، ويهزّ سلطان العلم بالشعوذة."




---

ذات يوم، داهم الجنود مجلسها، لكنهم حين أمسكوا بها وفتّشوا عمامتها، سقط شعرٌ طويل من تحته.
وصُدم الجميع.
إنها امرأة!


---

اختفت تلك الليلة.
قال البعض إنها أُعدمت سرًّا.
وقال آخرون إنها هربت إلى مدينة بورصة، وصارت تعرف باسم "المرأة الناسكة في جبل أولوداغ".
لكن الأطفال في إسطنبول ظلّوا يرددون أغنية:

> "من رآها يَحذَر…
هي ليست شيخًا ولا بشر…
من جامع السلطان أتت…
وعند قمر الليل اختفت…"




---

تعقيب رشاد أكرم قوجو:

> "كانت حكاية فيروز شاه خاتون مثل الغبار الذي يدخل قلب المدينة، لا يُرى… لكنه يُغيّر لون الضوء."

****


"المجنون الذي زرع الورد في مقابر إدرنة"

مكان القصة: مقابر حي سرايجيك في مدينة إدرنة – القرن التاسع عشر

الراوي: بوّاب عجوز في جامع السلطان بايزيد الثاني


---

كان يُدعى عثمان المجنون، رجلاً طويلاً نحيفًا، يرتدي دائمًا عباءة حمراء باهتة، ويضع فوق رأسه تاجًا من الزهور الذابلة. لم يكن له بيت ولا زوجة ولا أهل. لكنه كان يظهر فجأة كل صباح، ومعه كيس مليء ببذور الورد، ويبدأ في زرعها بين شواهد القبور.

كان الناس في البداية يسخرون منه:

> "مَن هذا الذي يُزيّن القبور بورود؟ أيظنها عرائس؟"



لكنه لم يُجبهم أبدًا. كان يرد عليهم بابتسامة غريبة، ويهمس:

> "كل ميتٍ ينتظر من يعتذر له."




---

مع مرور السنين، تحوّلت المقبرة إلى بستان ورد غريب. وكانت بعض النساء يأتين إليه ويبكين، فيقول لهن:

> "ابكي، لكن لا تنسي أن تزرعي وردة لمن ظلمكِ، فربما يصالحك في المنام."




---

في أحد أيام الشتاء، اختفى عثمان. لم يُرَ بعدها أبدًا. لكن في الليلة التي اختفى فيها، وُجدت عند قبره المفضّل وردة حمراء كبيرة، رغم الثلج والصقيع.


---

تعقيب رشاد أكرم قوجو:

> "هذه ليست مجرد قصة عن مجنون، بل عن رجل حوّل الحزن إلى جمال، والموت إلى وردة. لم يكن مجنونًا، بل ربما كان قديسًا لم يعترف به أحد."



****


علي المجنون: خطيب القطط في أزقة فنر

في أحد أزقة حي فنر العتيق، حيث تتعانق الجدران الرطبة وتتكئ المنازل الخشبية على ذكريات القرن التاسع عشر، كان ثمة رجل يُدعى علي المجنون. لم يكن اسمه الحقيقي "مجنونًا"، لكن أهل الحي لم يعرفوه إلا بهذا الاسم. كان نحيل الجسد، طويلًا، يرتدي دومًا معطفًا من صوف مهترئ حتى في عز الصيف، ويلف على رأسه عمامة بيضاء تتدلى منها خيوط زيتية.

ما ميّز علي عن سائر مجانين إسطنبول، هو أنه كان يخطب في القطط. نعم، كل يوم قبل المغرب، يتوجه إلى ساحة صغيرة قرب جامع الفتحية، ويبدأ في المناداة بصوت جهوري:

> "أيّتها الهررة الطاهرة، يا بنات الحارات العتيقة، أما آن لكن أن تتطهرن من دنس القمامة؟!"



فتجتمع القطط حوله، بعضها يستلقي، وبعضها الآخر يموء أو يلعق يديه، وكأنها تُصغي بعرفان غريب.

كان يبدأ خطبته بما يسميه "الفتحة القططية"، ثم يسرد قصصًا عن قط عاشق أُغرم بقطة مولية السلطان، أو عن قط طُرد من التكية لأنه سرق السمك من طنجرة الدراويش، وينهي بكلمات تشبه الدعاء:

> "اللهم اجعلني فأرًا إن كذبت على واحدة منكن، يا نساء إسطنبول الأنيقات الممشوقات الشوارب!"



وكان بعض الصبية يرمونه بالحجارة، لكنه يرد بجملة واحدة فقط:

> "إنهم لا يفهمون لغة القطط!"



ذات يوم، اختفى علي. قيل إنه مات، وقيل إن أحد الباشوات تبنّاه سرًا، وقيل أيضًا إن سلطان القطط استدعاه إلى "حارة السماء" ليصبح مفتي الهررة.

لكن الأغرب أن القطط، بعد اختفائه، باتت تجتمع في نفس الساحة، في نفس الموعد، وكأنها تنتظر... خطبة لم تأتِ.


---

رشاد كوجو يعلّق في الهامش:

> "لعل إسطنبول، تلك العجوز المتأنقة، كانت ترى في علي المجنون مرآةً لجنونها القديم... لذلك لم تنسَه، كما لم تنسَ قططها."


****


الفرنجي المجنون: الأجنبي العاري في ساحة بيازيد


كان اسمُه مجهولًا. لا وثيقة تعرّفه، ولا أحد عرف من أين أتى. لكن أهل إسطنبول في القرن التاسع عشر أطلقوا عليه لقبًا لم ينسوه: "الفرنجي المجنون" (Deli Frenk).

ظهر أول مرة في ساحة بيازيد، عاريًا إلا من قطعة قماش بيضاء لفّها حول خصره، يمشي حافيًا في عز الشتاء، وجسمه أبيض كالحليب، كأنّه خرج للتو من حمّامٍ روماني قديم. كان طويل القامة، ذا عينين زرقاوين تنظران بلا رمش، وتعلو وجهه ابتسامة حائرة.

كان يتحدث، لكن بلغته الفرنسية الركيكة لا يفهمها أحد. أحيانًا يهتف:

> "Je suis la lune! أنا القمر!… لقد رأيت إسطنبول من فوق، وكل شيء فيها رمادي!"



وأحيانًا يجلس في وسط الشارع ويرسم بالطباشير خرائط لمدن لا وجود لها، ثم يبكي ويقول:

> "سرقوا أوروبا مني! سُرقت باريس، لا تصدقوا الصحف!"



وكان يحمل أحيانًا كتابًا ممزقًا من روايات فولتير أو روسو، ويقرأ منه للغربان، أو يضعه فوق رأسه وكأنه تاج.


---

لكن الأغرب، أن الشرطة لم تقبض عليه قط.

بل قيل إن أحد الضباط العثمانيين في زمن السلطان عبد المجيد قال:

> "دعه، إن له دورًا لا نعرفه. من يدري؟ ربما هو رسول الجنون من أوروبا."



وقيل إن أحد المشايخ وصفه بأنه "ممسوس، لكنه مبروك".


---

نهايته؟

في يوم ماطر من شتاء عام 1864، شوهد للمرة الأخيرة على جسر غلطة، يضحك وهو يلوّح للبحر. قفز… ولم يعُد.

البعض قال: غرق.

البعض أقسم أنه رآه بعد سنوات في البازار الكبير يرتدي عباءة الدراويش.

وآخرون قالوا: لقد عاد إلى باريس، لكنه ترك إسطنبول مجنونة قليلاً... إلى الأبد.


---

رشاد كوجو يعلّق:

> "الفرنجي المجنون لم يكن مجنونًا. كان مرآة المدينة، تعكس الجنون الأوروبي، وتذوب في صمت إسطنبول. كل مدينة عظيمة تحتاج إلى مجنونٍ أجنبي… ليذكّرها بأنها ليست وحدها في الحلم."


****


حكاية الرجل الأرمني الذي تنكّر في زي امرأة وباع البخور في المقابر

في أحد أحياء إسطنبول الأرمنية القديمة، حيث تنام الشرفات على أكتاف بعضها في قربالة كومكابي، عاش رجل أرمني يُدعى – بحسب ما تواتر – هاروتيون سركيسيان. لم يكن غنيًا ولا معروفًا، لكنه اشتهر بعد موته أكثر مما اشتهر حيًّا، والسبب؟ حكاية عباءته الأنثوية.


---

كان يلبس زيّ امرأة ويبيع البخور!

نعم، فقد اعتاد هاروتيون أن يخرج كل خميس وجمعة من داره، متنكرًا في زيّ امرأة عجوز: يرتدي تنورة سوداء طويلة، ووشاحًا يغطي رأسه، ويحمل سلة من القش، وفيها أنواع البخور والعطور الشعبية، ويتوجه إلى مقابر الأرمن والكاثوليك والمسلمين على حد سواء، وهو يردد بصوت متهدّج:

> "بخور للراحلين... عطر لأرواح الأحباب... يا من فقدتم نوركم، هذه شعلتكم..."



وكان يقلد صوت امرأة كبيرة ببراعة مذهلة، حتى أن بعض النساء كنّ يشتكين له عن أزواجهن أو أبنائهن، ويطلبن منه "دعاء الأرواح الطيبة".


---

السر الغامض

مرّت سنوات وهو يفعل ذلك، لا يُشكّ فيه، حتى توفي فجأة في بيته، وتبيّن عند الغُسل أنه رجل!

ضجّ الحي الأرمني، وخرجت إشاعات تقول:

إنه كان يعاقب نفسه على ذنب قديم، فقد تسبّب في موت حبيبته بغير قصد.

وقال آخرون: كان فنانًا مسرحيًا فاشلًا، لم يجد جمهورًا إلا بين الموتى.

وأقسمت امرأة أنها رأت زوجها المتوفى يبتسم كلما مرّت "العجوز الأرمنية" قرب قبره.



---

تعليق رشاد أكرم كوجو:

> "في مدينة مثل إسطنبول، حيث تتقاطع الأرواح واللغات والقبور، يمكن لرجل أن يعيش كـ امرأة، ويُصدق… لا لشيء، سوى لأن الموتى لا يُكذّبون، والحيّ أحيانًا يبحث عن صدقة البخور أكثر من صدقة الفِهم."



****

الجنرال الفرنسي سيباستيان: الذي ضاع في البازار وكتب عن الحريم

لم يكن سيباستيان مجرد جنرال. كان ضابطًا فرنسيًا صغير الرتبة، شارك في الحملة الفرنسية على مصر، ثم وصل إلى إسطنبول في بداية القرن التاسع عشر بصفته مراقبًا عسكريًا، لكنه بقي هناك، ولم يعد أبدًا إلى بلاده.


---

وقع في أسر المدينة... لا في أسر العثمانيين

ما إن وصل سيباستيان إلى إسطنبول، حتى تغيرت ملامحه. ترك زيه العسكري، وارتدى عباءة شرقية وعمامة صغيرة، وأخذ يتجول في المدينة كأنه أحد الدراويش. كان يقيم في بيت خشبي قرب تلة أيوب، ويقضي صباحاته في المقاهي، وبعد الظهر في الحمامات العامة، وليله بين البازار الكبير وسوق العطارين.

كتب في مذكراته:

> "هذه المدينة ليست عاصمة، إنها كائنٌ حيّ... أنثى متقلبة، إن اقتربتَ منها بشهوة ابتلعتك، وإن اقتربتَ منها بحذر أغرقتك في تفاصيلها."




---

حكايته مع الحريم

من أطرف ما ذكره رشاد كوجو عنه، أنه قضى أشهرًا يحاول فهم نظام الحريم العثماني. تنكر مرّتين:

1. مرة في هيئة خصي حبشي، حاول التسلل إلى قصر صغير في بشكتاش.


2. ومرة أخرى في زيّ بائعة مسابح، اقترب من نافذة أحد القصور ليسمع حكايات الجواري.



لم ينجح، لكنه كتب وصفًا ساخرًا قال فيه:

> "النساء في الحريم لا يختلفن عن نساء فرساي، سوى أنهن يعرفن كيف يصنعن القهوة بعيون مغمضة."




---

نهايته الغريبة

اختفى سيباستيان من السجلات العسكرية الفرنسية، ولم يُعرف له قبر رسمي.

لكن رواية متواترة تقول إنه دُفن في مقبرة المسلمين باسم مستعار: سليمان فرنسيز أوغلو.

وأُشيع أن أحد أحفاده كان درويشًا صوفيًا في القرن العشرين، يُنشد بالفرنسية واللسان العثماني المختلط.


---

رشاد كوجو يعلّق:

> "إن بعض الفرنسيين لم يغزوا الشرق... بل غزاهم. سيباستيان لم يكن جاسوسًا، بل عاشقًا تائهًا. ولعل إسطنبول أحبّته لأنه لم يحاول أن يغيّرها... بل سلّم نفسه لجنونها المالح."


*****

 

 الكاهنة المتمردة في جامع السلطان أحمد

 

في إحدى زوايا جامع السلطان أحمد – ذاك البناء الباذخ الذي أراد السلطان أن ينافس به بهاء آيا صوفيا – ظهرت ذات يوم في عشرينيات القرن العشرين امرأة غريبة الأطوار، محجّبة لا كالمألوف، بعيون زرقاء ولهجة فيها رنة عبرية خفيفة.

يقول رشاد أكرم كوجو:

> "كانت لا تُشبه نساء إسطنبول، لا في هيئتها ولا في صوتها… كانت تمشي كأنها تعرف الأرض قبل أن تُبنى، وتصلّي كأنها تُصلح صمت التاريخ."



اسمها الحقيقي غير معروف، لكن الناس أطلقوا عليها لقب "الكاهنة"، وقيل إنها كانت يهودية الأصل، اعتنقت الإسلام بعد أن تأثرت بقراءة التفسير العثماني للقرآن، وقررت أن تتخذ من الجامع سكنًا ومأوى.

لم تكن تتسول، بل كانت تجلس بعد الفجر، وتبدأ بقراءة شرح الجلالين بصوت مرتفع، فتأتي النساء ليتعلمن منها، في زمن لم يكن فيه تدريس النساء للنساء شيئًا مألوفًا في الجامع.

> "لم يكن أحد يعرف من علّمها، لكن معرفتها فاقت بعض الخطباء. وجرأتها كانت تُربك الشيوخ… كانت تقرأ وتشرح، ثم تقول: أنتنّ حُرّات، والله أكبر مما قيل عنكنّ."



وبدأ بعض الرجال المحافظين يشكون أمرها إلى الوقف، قائلين:
"امرأة تُحدّث النساء في الجامع؟ من سمح لها؟"
لكن كل من اقترب منها، عاد مرتبكًا. كانت تجيب بثقة، ثم تختفي في الأروقة.

وفي يوم عاصف من شتاء إسطنبول، اختفت.

قيل إنها عادت إلى ديانتها، وقيل إنها قُتلت، وقيل – كما يعلّق كوجو –:

> "هي لم تكن يهودية ولا مسلمة… كانت تبحث عن الله في أصوات النساء، وفي الكتب، وفي جدران السلطان أحمد. ربما رحلت، لكنني أسمعها أحيانًا حين أزور الجامع في الفجر… صوتها كأنه يرتّل من خلف المحراب."




---

تعليق رشاد كوجو (الحرفي تقريبًا):

> "إسطنبول لا تحتفظ بكل زوارها، بل تُبقي أثرهم في الزوايا.
الكاهنة، أو تلك المرأة الغريبة، لم تكن ضالة ولا واعظة…
كانت شاهدة على لحظة كسر فيها الدين قيوده، وتكلمت فيه امرأة."


****

 

 زهرة بائعة اللبن في حي أيوب


في أحد الأزقة المتفرعة من حي "أيوب" العتيق، حيث تنام الأرواح على أعتاب الأضرحة، كانت فتاة تُدعى زهرة تتجوّل كل صباح بسطل نحاسي فيه لبن طازج، وصوت عذب يملأ الحي بنداءات شبيهة بالترتيل:

> "لبن اليوم من عند زهرة… دعوة صادقة لكل من يشتري."



كانت يتيمة، لم يُعرف لها أهل، لكنها أصبحت معروفة في الحي، ليس فقط بلبنها، بل بصوتها، وابتسامتها، وشالها الأخضر الذي يشبه ستائر الزوايا الصوفية.


---

تعليق رشاد أكرم كوجو:

> "في إسطنبول، بعض الأصوات لا تُشترى ولا تُعلَّم. صوت زهرة كان واحدًا منها. كانت تغني اللبن كما يغني الدراويش الذكر، وكأنها تُطهِّر الحي بعبورها اليومي."




---

وذات فجر، سمعها شيخ من الدراويش يمرّ في زقاق "مرمرة مِدَرَسِه"، فوقف، وقال لمن معه:

> "اسمعوا… هذه بنت الفطرة. دعاؤها لا يُقال، بل يُسكب."



ومنذ ذلك اليوم، صار بعض أهل الحي يشترون اللبن لا ليشربوه، بل ليستمعوا إليها، ولـ"السكينة التي تحملها معها" كما قال كوجو.

لكن زهرة اختفت فجأة. قيل إنها مرضت وماتت، وقيل إن عائلة ثرية من "كاديكوي" تبنّتها، وقيل أيضًا إن أحد مشايخ الطريقة خَبّأها في تكية لتُعلَّم القرآن.


---

تعليق كوجو الختامي:

> "في حي أيوب، اختفى اللبن، وبقيت رائحة الطفولة على الجدران.
زهرة كانت أكثر من بائعة… كانت صلاة تمشي، وسطل نحاسي فيه شيء من الرحمة."



> "كلما مررت بجانب ذلك الدكان المغلق، أشمّ حليبًا لم يُصب بالحموضة قط."


****


 علي المجنون في حي الفاتح

 

كان عليٌ، كما يروي سكان الفاتح، شابًا وسيمًا، طويل القامة، نظيف الثياب على غير عادة "المجانين". لا يشتم ولا يصرخ، لكنه يتحدث مع الأشجار ويحيي المآذن، ويقف أمام أبواب الجوامع كأنه ينتظر دعوة من الغيب.
كل صباح، يظهر في شارع فوزي باشا، حاملاً كيسًا صغيرًا، فيه خبز يابس، وزجاجة ماء، وربما وردة جافة. كان يوزع الخبز على القطط، ويسقي الحمام، ثم يجلس على درج مدرسة قديمة، ويغني بصوت رخيم:

> "إسطنبول مدينة لا تنام، لكن قلبها تعب..."



وحين يسأله أحدهم:
ـ من أنت؟
يرد بهدوء:
ـ أنا مرآة المدينة، تراني مجنونًا؟ اسأل قلبك، لا عقلك...


---

الرواة قالوا عنه...

قالت عنه امرأة مسنة كانت تبيعه البسطرمة:

> "كان يعرف أسماء كل الأشجار في الحي، ويقول إن الشجرة التي تُنسى تموت واقفة من الحزن."



وقال بائع كتب:

> "قرأ كتاب ديوان الحلاج عندي، وبكى. ثم وضع الورقة بين صدره ومشى... لم أره أسبوعًا بعدها."




---

موته الغريب...

ذات يوم، اختفى علي. بحث عنه الناس. بعد ثلاثة أيام، وجدوه نائمًا في باحة جامع الفاتح، رأسه على حجر، ويداه معقودتان كمن ينتظر صلاة لم تأتِ.
أعلنوا وفاته، وشيّعه الحي كله. حتى الغرباء بكوه.
لكن المفارقة أن قطة بيضاء تبعته حتى القبر، وجلس طائر الدوري على شاهد قبره لأيام. قالوا:

> "حتى الحيوانات فهمت من كان، ونحن لم نفهمه إلا بعد فوات الأوان."




---

رشاد أكرم كوجو حين كتب عن علي، لم يكتب عنه كـ"مجنون"، بل قال:

> "كان علي المجنون عقل إسطنبول في زمنٍ خرفت فيه العقول... وفي حيّ الفاتح، حين يغيب العقل، يضيء القلب، ولو للحظة."


****


الشاعر نديم 


في "موسوعة إسطنبول" يُذكر شاعر نديم (Şair Nedim) كأحد أبرز وجوه الأدب العثماني في القرن الثامن عشر، وصوتٌ مميزٌ من أصوات "عصر اللذات" المعروف باسم عصر التوليب (Lale Devri)، وهو العصر الذي ازدهرت فيه الفنون والحدائق والحياة الباذخة في إسطنبول، قبل أن تنهار فجأة مع أول شرارة من نار الثورة.

حكايات نديم في موسوعة إسطنبول:

1. شاعر القصر وابن الحارة:
رغم أن نديم عاش في كنف القصر العثماني، وكان مقرّبًا من الصدر الأعظم إبراهيم باشا، إلا أن روحه بقيت معلّقة بالحارات الضيقة، والمقاهي الشعبية، وموائد الشعر التي كان يجتمع فيها مع "العوام" كما يقول رشاد قوجو. كان يُلقب بـ"شاعر الخمر والزهور"، لكنه في العمق كان ساخرًا لاذعًا، يكتب عن المفارقات الاجتماعية في إسطنبول، عن تناقضات المتدينين، وغرابة رجال السلطة.

2. الحدائق والبوسفور والقصائد:
يروي كوجو عن إحدى الحكايات الطريفة، حين نظم نديم قصيدة في مديح امرأة كانت تمر من أمامه في قارب على ضفاف البوسفور، ولمّا سمعها السلطان محمود الأول، ضحك وقال: "نديم لا يرى في الماء سوى وجه امرأة، حتى لو غرقنا جميعًا في الطوفان!".

3. صراعه مع الشيوخ والوعاظ:
أحد أكثر المواضيع التي تناولها كوجو عن نديم هو سخريته من الشيوخ الذين يحرّمون كل شيء بينما يعيشون في الخفاء حياة رغيدة. وفي أحد المواقف، كتب نديم بيتًا شعريًا يُشبّه فيه شيخًا جليلًا بأنه "يشرب السرور من كأس الفتاوى"، مما أثار موجة استياء أدت إلى منعه مؤقتًا من النشر في بعض الدواوين الرسمية.

4. نديم والموت بعد الثورة:
مع سقوط "عصر التوليب"، ثار الإنكشارية، وقُتل إبراهيم باشا، وأُحرقت بعض القصور، وهرب نديم من إسطنبول. تقول إحدى الحكايات في الموسوعة إنه عاد بعد سنوات إلى جامع السليمانية، متخفيًا، لا لشيء إلا ليقف هناك ويتأمل المئذنة التي طالما كتب عنها، ثم رحل في صمت، كما لو أن القصيدة الأخيرة لم تُكتب بعد.


---

تعليق رشاد أكرم كوجو:

> "نديم ليس شاعر البلاط فقط، بل شاهدٌ ساخرٌ على جنون مدينة تتأرجح بين اللذة والموت، بين الشعر والسيف، بين زهرة التوليب وقطع الرقاب.


****

 

الشاعر باكي

 

الشاعر باكي (Bâkî)، كما يسرده رشاد أكرم كوجو في موسوعة إسطنبول، هو صوت البذخ الأدبي في القرن السادس عشر، شاعر السلطنة العثمانية، وابن إسطنبول المدلل، الذي قال عنه السلطان سليمان القانوني يومًا:

> "هو تاج شعري كما أنا تاج للملك."



من حكايات الشاعر باكي في موسوعة إسطنبول:


---

1. ابن البازار... وفتى القصور

ولد باكي في حي تشاكماق جيلار بإسطنبول، وكان ابن مؤذن فقير. لكنه لم يرضَ بأن يبقى مجرد قارئ قرآن أو خطيب جامع. بل سعى في طريق العلم، حتى تسلل إلى الدواوين، وصعد في سلّم الأدب، يكتب القصائد للوزراء ويجالس الأمراء، ويقول:

> "أنا ابن إسطنبول، لكن لساني أمير."



يحكي رشاد قوجو أن باكي كان يرتاد مكتبة مسجد الفاتح، حيث كان يجلس عند العمود السادس، يقرأ ديوان المتنبي، ويقارن ألفاظه بكلام العجم والترك، ثم يهمس:

> "أريد لغةً مثل نَفَس الليل على البوسفور... شفافة، وتلدغ."




---

2. بين السلطان والشاعر... قصائد وغيرة

أحبّه السلطان سليمان القانوني، واصطحبه في بعض حملاته، وكان باكي يُلقب بـ"شاعر السلطان". لكن الأمراء والفقهاء لم يرضوا بعلاقته بالسلطان، وكانوا يتهامسون:

> "كلماته تفتن القلوب... لا يصلح أن يكون نديم الملك!"



ويروي كوجو أن باكي حين مات السلطان، كتب قصيدة رثاء شهيرة هزّت إسطنبول كلها، وقال فيها:

> "يا سليمان، لم تمت... بل نزلت من قصر إلى قصر،
من الأرض إلى قبة الفردوس."



وكان الناس يتلونها في الأسواق كما يتلون آيات.


---

3. باكي والماء العذب في حي أيوب

في إحدى الحكايات، يروي كوجو أن باكي كان يجلس على ضفاف خليج القرن الذهبي، عند نبع ماء صغير في حي أيوب، وهناك ألّف واحدة من أجمل قصائده عن الماء والحب، وكتب بيتًا يقول فيه:

> "لا الحب يُشرب دفعة واحدة،
ولا العيون تُطفأ بالدمع."




---

4. حكاية القُبلة الممنوعة

يُروى أنه كتب غزلًا في فتاة من الحرملك العثماني، وصلت كلماته إلى الوصيفات، ثم إلى الحاجب، ثم إلى السلطان نفسه. قيل له:

> "أأحببت جارية من الحريم؟"
فقال:
"أحببتُ ظلها، يا مولاي، أما الجسد... فحرام عليّ."




---

5. الموت في حضن القصيدة

مات باكي في إسطنبول، لكنه لم يُدفن في مقابر العوام. تقول الموسوعة إنه دُفن في تربة خاصة بجوار جامع السلطان سليم، وأن قبره كان يُزار من الشعراء، فيُقرأ عليه ديوانه، لا الفاتحة.

ويكتب رشاد أكرم كوجو:

> "كان باكي يجيد اقتناص الجمال من قلب الصمت،
حتى أن إسطنبول لم تنسه بعد خمسمئة عام."


****

 

يحيى كمال بياتلي

 

يحيى كمال بياتلي (Yahya Kemal Beyatlı)، كما يقدّمه رشاد أكرم كوجو في موسوعة إسطنبول، ليس مجرد شاعر... بل ضمير أمة تتأرجح بين الأطلال والحداثة.
هو شاعر الحدائق المفقودة، ومؤذن الهوية، الذي كتب لإسطنبول كما تُكتب القصيدة للمعشوقة الغائبة.


---

حكايات يحيى كمال في موسوعة إسطنبول:


---

1. صوت الحنين من مقدونيا إلى جامع السلطان أحمد

وُلد في مدينة أسكوب (Üsküp)، لكنه قال دائمًا:

> "إسطنبول هي التي ولدتني شعريًا."



يحكي كوجو أن الشاعر حين كان في العشرين من عمره، صعد إلى مئذنة جامع السلطان أحمد قبل الأذان، وبكى. سأله المؤذن: – ماذا بك يا ابن مقدونيا؟
فقال:
– لأن هذا النداء، هو آخر ما تبقى لنا من الشعر الذي كنا عليه.


---

2. حين خاف الشعر من فرنسا

سافر يحيى كمال إلى باريس، وهناك درس التاريخ والأدب، لكنه ابتعد عن الشعر لسنوات، كما تقول الموسوعة.
ذات ليلة، جلس في مقهى "فلور" يقرأ قصيدة فرنسية، فصمت طويلًا، ثم قال لصديقه:

> "في هذه المدينة، تذوب القصائد في النبيذ... أما في إسطنبول، فتُسكب في الآذان."




---

3. قصيدة ولدت من صوت الأذان

من أشهر حكاياته التي يرويها كوجو، قصيدة "صوت الأذان في جامع السلطان سليم". كتبها في لحظة وجدٍ، حين سمع الأذان بصوت شيخ كفيف، فكتب:

> “Bir tek duâ gibi gökten ezanlar yükselir.”
(كالدعاء الواحد... يصعد الأذان من السماء.)



ويُقال إن هذه القصيدة كانت تُقرأ في المجالس كأنها دعاء.


---

4. معركة ضد الشعر الغربي

كان يحيى كمال في معركة مستمرة مع ما سماه "الشعر المستورد". رفض تقليد الفرنسيين أو الألمان، وقال في إحدى مقالاته:

> "القصيدة التي لا تفوح منها رائحة البوسفور... لا تنتمي إلينا."



وكتب قصيدة عن إسطنبول قال فيها:

> “Sana dün bir tepeden baktım aziz İstanbul
Görmedim gezmediğim, sevmediğim hiçbir yer.”



> (نظرت إليك من التلّ البارحة، يا إسطنبول العزيزة
فلم أرَ فيك مكانًا لم أعشقه، أو لم أمشِ فيه.)




---

5. الموت كغروبٍ فوق البوسفور

في أواخر أيامه، جلس يحيى كمال في قصر صغير مطلّ على البحر، وكان يقول:

> "أريد أن أموت كما تموت القصائد الجميلة... ببطء، بصمت، بين زُرقة وماء."



ويروي كوجو أنه توفي بصوت منخفض، وقال آخر جملة له:

> "إذا دفنتموني، اجعلوا قبري مواجهاً لإسطنبول... فقلبي لن يرحل."




---

تعليق رشاد أكرم كوجو:

> "كان يحيى كمال لا يرى في إسطنبول مدينة، بل معشوقة تنتظر الاعتراف.
كان آخر شعراء الزمن الكلاسيكي، وأول من زرع ورد الهوية في تراب الحداثة."


*****

 

فتحي القباقيجي

 

فتحي القباقيجي (Fethi Kapancıoğlu)، كما يرد اسمه في بعض الحكايات الشعبية وفي موسوعة إسطنبول لرشاد أكرم كوجو، ليس من كبار الشعراء ولا من النبلاء، بل هو شاعر الظل، ورسام الأرصفة، وناقد المقاهي الصامت.
شخصية متوارية في أطراف الذاكرة العثمانية المتأخرة، عاش في إسطنبول في بدايات القرن العشرين، وكان يُلقب بـ"القباقيجي" لأنه كان يعمل في تركيب مقابض الأبواب (قباق)، ثم تحوّل في آخر عمره إلى شاعر ساخر ومُدوِّن شعبي للحياة اليومية في حي كاديكوي وبالات.


---

حكايات فتحي القباقيجي في موسوعة إسطنبول:


---

1. الرجل الذي كان يُصلح الأبواب... ويكتب عن القلوب

بدأ حياته كحرفي يصنع مقابض الأبواب من النحاس، لكن في الليل، كان يُسمع وهو يُلقي الأبيات لأصدقائه في مقهى "مليح أفندي" في حي فنر:

> "إذا ما انغلق الباب... فذاك أمر مقدور،
لكن إذا أُغلق القلب، فمفتاحه في قبضة المجانين."



يحكي رشاد كوجو أن الناس كانوا يأتون إليه لا ليُصلح أبوابهم، بل ليسمعوا حكاياته عن الأزقة، والنساء اللاتي كنّ يرمين له القصائد في أوعية القهوة.


---

2. القباقيجي والمجنون الفرنجي

كان لفتحي صديق يُدعى "جورج المجنون"، أرمني يوناني يعيش في غالاتا.
يروي كوجو أن الاثنين كانا يجلسان عند منحدر "ألشاكدام" ويكتبان معًا قصائد هجائية عن السياسيين العثمانيين، ثم يعلّقونها على أبواب المساجد دون توقيع، مذيّلة بكلمة واحدة:

> "القباقيجي مرَّ من هنا."




---

3. عاشق الكلمة الشعبية

فتحي لم يؤمن بالشعر الرسمي ولا بالشعر الفرنسي الطاغي في تلك الفترة. بل كان يكتب بالمزج بين العامية والإيماءات اليومية.
ومن أشهر مقاطعه كما يذكرها كوجو:

> "يا إسطنبول، يا بنت الألف باب،
لي فيكِ حبيبةٌ... اسمها لا يُقال،
كلما طرقتُ دارها، ردّتني قطة على الدرج."




---

4. الفتى الذي دوّن إسطنبول بالأقفال

في نهاية المطاف، بدأ فتحي يعلّق مفاتيح قديمة في أماكن غريبة من المدينة:

مفتاحٌ على جدار القلعة البيزنطية

مفتاح في حديقة جامع أيوب

ومفتاح على باب دار السينما في شارع الاستقلال


كل مفتاح كان مكتوب عليه بيت شعري قصير، مثل:

> "افتح... ولا تسأل عما وُرَاء الباب."




---

5. الرحيل بلا ضجة

اختفى فتحي فجأة، ولم يعرف أحد أين ذهب.
قال أحد أصدقائه، كما يروي كوجو:

> "فتحي لم يمت... لقد أقفل المدينة وذهب."



وفي إحدى الليالي، وجدوا آخر قصيدة له مكتوبة على قطعة خشب قرب جسر غلطة:

> "إن سألت عني الريح... قل لها:
كنتُ القباقيجي، والشعر مفتاحي الوحيد."




---

تعليق رشاد أكرم كوجو:

> "فتحي القباقيجي ليس شاعرًا رسميًا، بل ذاكرة هامشية كتبت إسطنبول من ثقوب المفاتيح... من عيون القطط، ومن صمت السلالم."


****


حكاية العالم الذي تجرأ على النجوم

لم يكن قاضي زاده الرومي قاضيًا ولا روميًا تمامًا. وُلد في بورصة لكنه حمل "الرومية" نسبةً إلى أراضي الروم العثمانية، و"القاضي" لأن والده كان من رجال القضاء. ولكن الشاب الطموح لم يسلك طريق القضاء، بل اختار أن يُلاحق أسرار الكون.

وصل إلى إسطنبول في زمن السلطان محمد الفاتح، وقد سبقه صيته كعالم رياضيات وفلكي. التحق بـ مدرسة سراج الدين، وهناك بدأ يدرّس الهندسة والفلك بأسلوب أثار إعجابًا وريبة في آنٍ واحد. كان يشرح دوران الأفلاك وكأنها ترقص على نغمة رياضية، ويقيس الزمن لا بالساعات، بل بنبض الكواكب.

سُئل مرةً في حلقة علمية في مسجد "الفاتح":

> "هل صحيح أن الأرض تتحرك؟"
فأجاب بصوت هادئ:
"إنها لا تقف، ولكننا لا نكاد نشعر."



هزّت كلماته بعض العقول المتحجرة، واعتُبر جرأته "مقلقة". لكن السلطان، الذي كان يعشق المعارف، احتفظ به في مجلسه، وأوصى أن يُحترم.

حكاياته في إسطنبول لا تُعد:

مرةً علّق ساعة شمسية في فناء مدرسته، فلما سُئل عن فائدتها، قال:


> "تعلم التواضع… فكلما حسبت الوقت، تذكّرت أن لكل شيء أجلًا."



ومرةً أراد أحدهم أن يسخر من فلكه، فقال له:


> "إن لم تعجبك أفلاكي، فاركبها… فلعلّك ترى من فوق ما لم ترَ من تحت."



كتب ملاحظاته في مؤلفات فلكية وصلت إلى تلامذته في مرصد أولوغ بيك، فقد كان من كبار تلامذته ومحبّيه.


---

تعليقات رشاد أكرم كوجو:

"كان قاضي زاده تجسيدًا للذهنية العلمية في مطلع الدولة العثمانية، التي لم تكن تعارض العلم بل تحتضنه، ما دام يحترم حدود الفقه."

"إسطنبول لم تكن فقط مدينة السلاطين، بل أيضًا مدينة النجوم، حين كانت تُرصد من على مآذنها، لا من مراصد أوروبا فقط."

"في حكاية قاضي زاده الرومي، نفهم كيف أن العثمانيين في بداياتهم، كانوا أكثر انفتاحًا على علوم الطبيعة من عصور لاحقة غرقت في التقليد."


*****


حكاية الرجل الذي قرأ الكون كأنه كتاب مفتوح

كان يُلقب بـ"الشيخ"، لكنه لم يكن مثل سائر الشيوخ.
ولد في أرضروم في القرن الثامن عشر، لكنه أحبّ إسطنبول كأنها مهوى روحه، فجعل من زيارتها محطة معرفة وحنين. لم يكن إبراهيم حقي متصوفًا زاهدًا فقط، بل كان أيضًا عالمًا في الفلك، والرياضيات، والنفس، وترك أثرًا خالدًا في "معرفة الحق"، كتابه الذي جمع فيه أسرار الروح والكون.

دخل إلى إسطنبول أول مرة من بوابة أدرنة كابي، حاملاً معه مخطوطة صغيرة ووجهًا مضيئًا بنور العلم. في أحد أزقتها، سأل بائع كتب:

> "هل عندك كتابٌ يُحدّث عن النفس كما تُرى في المرآة؟"
فرد البائع ضاحكًا:
"النفس تُرى في الدموع، لا في المرايا يا مولانا."



ابتسم إبراهيم حقي، واشترى دفترًا، كتب فيه أول بيت من ديوانه:

> "العالم مرآة الحق، فيه تقرأ نفسك وتعرف ربك."




---

حكايته في الزاوية المجهولة من إسطنبول:

استضافه بعض مشايخ يني كابي، وهناك ألقى دروسًا في تفسير العلم بلغة المحبين. كان يقول:

> "إن حركة الكواكب ما هي إلا رقصة في حضرة الواحد الأحد، وما النفس إلا خيط ضوءٍ يبحث عن أصله."



كان الأطفال يركضون خلفه في أزقة أوسكودار، ينادونه: "حجي النجوم!"
وفي أحد أيام الشتاء، جلس في قهوة الكتبجية في بايزيد، فأنشد بيتًا وهو يشرب من كأس الشاي:

> "ما رأيت شيئًا إلا ورأيت الله قبله، وبعده، ومعه."




---

تعليقات رشاد أكرم كوجو:

"إبراهيم حقي هو المثال الصارخ على ما يمكن أن يكون عليه المسلم الموسوعي: شاعرًا، عالمًا، متصوفًا، فلكيًا، وفيلسوفًا."

"لم تكن زيارته لإسطنبول مجرد عبور، بل أشبه بحضور مؤقت لنبيّ لا يُؤسس دينًا، بل يوقظ العقول."

"كتابه معرفة الحق يجب أن يُقرأ كما تُقرأ النجوم: لا بعين واحدة، بل ببصيرة المحبين."


*****

حكايات رستم الجزار


رستم الجزار لم يكن شاعرًا، ولا فيلسوفًا...
بل كان جزارًا بدقنٍ حليق، يضع فوق رأسه طربوشًا صغيرًا، ويعلق صورة لسقراط بجوار ميزان اللحم.


1. دكان أم مقهى فكري؟

في حي تشوكورجوما بإسطنبول، فتح رستم دكانه لبيع اللحم... لكنه شيئًا فشيئًا بدأ يعلّق على الجدران أقوالًا مأثورة بالطباشير، مثل:

> "اللحم زائل... أما الفكر، فله طعمٌ لا يُطهى."



ومع الوقت، أصبح دكانه ملتقى غريبًا:

شاعر أرمني يقرأ قصائد على صوت فرم اللحم

سيدة من فنر تناقش أفلاطون

بحار من قاسم باشا يصرخ: "ديفيد هيوم خرب بيتي!"



---

2. ميزان لا يزن إلا الحقيقة

كان لرستم ميزان قديم من النحاس. يقولون إنه لم يكن يزن اللحم فقط، بل كان يزن الأفكار.
فمن قال فكرة عميقة… أخذ خصمًا على الكيلو.
ومن تفلسف كثيرًا دون معنى… زاد عليه السعر.

قال مرةً لزبونٍ تحداه في منطق أرسطو:

> "اللحم لا يكذب… والفكرة الجوفاء لا تُشبع."




---

3. خصومته مع إمام الحي

الإمام كان يراه زنديقًا، لأنه كان يقرأ تاريخ ابن خلدون على عظام الضأن، ويضع على طاولة التقطيع ديوان المتنبي.
فقال له مرةً:
– يا رستم، هذه ليست مكتبة، هذه دكان جزار.
فردّ عليه:
– والإنسان لحمٌ وروح، وأنا أبيع الإثنين... بالكيلو.


---

4. عشاء الأربعاء: وليمة الفلاسفة

كل أربعاء، كان رستم يغلق دكانه بعد العصر، ويقيم "عشاء الفكر".
يجتمع فيها الغرباء: شاعر، عامل تنظيف، محاسب يكتب الشعر، وفتاة تدرس القانون.
وكان الموضوع يتغير كل أسبوع:

"هل الله يحب اللحم؟"

"هل الذبح رحيم؟"

"هل سقراط كان سيأكل الكباب؟"


وفي إحدى الليالي قال:

> "أنا لا أبحث عن الحقيقة، بل عن صلصة تجعلها تُؤكل دون مرارة."




---

5. نهاية اللحم وبداية الأسطورة

اختفى رستم فجأة.
تقول بعض الروايات إنه رحل إلى طاجيكستان، وأسس هناك أول دكان جزار فلسفي.
وتقول أخرى إنه قُبض عليه لأنه باع لشرطي قطعة لحم وكتب عليها:

> "هذه ليست لحمة… هذه فكرة عنك."



وآخر ما كُتب على باب دكانه:

> "رستم الجزار، بائع اللحمة والأفكار.
فتحنا شهيتكم… والآن أغمضوا أعينكم."




---

تعليق رشاد أكرم كوجو:

> "رستم لم يكن يقطع اللحمة، بل كان يقطع أوهامنا عن أن الفكر لا يسكن إلا في الأبراج… لقد جعل من كل شريحةٍ فكرًا، ومن كل زبونٍ مشروعَ حوار."


*****

 حكايات الأساطير والخرافات الحضرية الإسطنبولية، كما وردت في الموسوعة


1. جنيّ بئر قاسم باشا

في حي قاسم باشا، كانت هناك بئر مهجورة، يقال إنها تعود إلى العصر البيزنطي، وكانت تُغطى بلوح حجري ضخم.

يحكي الأهالي أن امرأة جاءت في الثلاثينات من القرن الماضي تبحث عن ابنها، وسمعت صوته يهمس من داخل البئر:
"أمي، أنا هنا، لكن لا ترفعي الغطاء."

فلما رفعت الغطاء، اختفى الصوت، وسقطت مغشيًّا عليها.

كوجو يعلّق:

> "ليست كل الآبار للماء، بعضها يُفتح على بُعدٍ آخر… حيث يقيم الجنّ، كأنهم بقايا المدينة غير المرئية."




---

2. حمام الجن في فنر

في حي فنر، كان هناك حمّام قديم مهجور، تحكي النساء أنه بعد منتصف الليل، يُضاء من الداخل، وتُسمع أصوات ضحك وماء يتصبب، لكن لا أحد بداخله.

قالت عجوز أرمنية كانت تسكن الحي:

> "الجنّ يحبون الحمامات كما يحب البشر القهوة… لا ليتنظفوا، بل ليسترقوا حرارة الأجساد التي اغتسلت هناك."



كتب كوجو:

> "كان يُقال إن دخول الحمام دون ذكر اسم الله، قد يتركك عاريًا في عوالم أخرى."




---

3. طيف امرأة جسر غالاتا

في كل فجر، عند جسر غالاتا، هناك من يقسم أنه يرى امرأة بثوب أبيض تقف عند الحافة ثم تختفي في الهواء.
يقال إنها فتاة انتحرت في 1922 بعد أن خُدع قلبها على يد ضابط يوناني، ولم يُدفن جسدها أبدًا.

بائعو الشاي في المنطقة يقولون إنهم يرون ظلالاً تتحرك، وتختفي فور رفع الأذان الأول.

كوجو كتب في الحاشية:

> "غالاتا جسر بين اليابسة والروح… وما سقط فيه لا يغرق، بل يبقى معلقًا بين الصبح واللازورد."




---

4. خرافة الخان الملعون في بيوغلو

في أحد الخانات القديمة قرب شارع الاستقلال، تقول الأسطورة إن مسرحيًا فاشلًا شنق نفسه داخل غرفة رقم 12، ومنذ ذلك الحين، لا يستطيع أي ساكن النوم في تلك الغرفة، حيث تُسمع ضحكات عالية، وصوت تصفيق حاد.

مرةً، جاء فنان شاب ليسكن الغرفة، فوجد على الحائط مكتوبًا بخط أحمر:

> "أنا لست فاشلًا، أنتم الذين لا تفهمون المسرح."



كوجو يعلّق:

> "بعض الأشباح لا تطلب الرحمة… بل التصفيق."




---

5. ظلّ الدراويش في جامع السليمانية

يحكى أن بعض المصلّين يرون، أثناء السجود، ظلّ درويش بعباءة بيضاء يمشي في صفوف الصلاة، ثم يختفي.

رُوي أن هذا الظل كان لأحد تلاميذ سنان المعماري، دفن في مكان مجهول داخل المسجد، وكان لا يفوّت صلاة الفجر.

كوجو يكتب:

> "كل مسجد في إسطنبول، فيه من بقي عالقًا بين صلاتين."




---

6. البومة في برج الفتاة (Kız Kulesi)

كانوا يقولون إن بومةً ضخمة تظهر كل عام في يوم معيّن، وتدور حول البرج ثلاث مرات ثم تصمت.
يقال إنها تجسيد لروح فتاة بيزنطية حُبست في البرج خوفًا من نبوءة موتها، لكنها ماتت بلدغة أفعى تسللت مع سلة الفواكه.

البعض يعتقد أن البومة تحرس الحكاية من أن تُنسى.


---

تعليق كوجو الختامي:

> "إسطنبول تُخفي في ليلها ما لا يُقال في كتب التاريخ.
إن أردت أن تفهم المدينة، لا تسأل المؤرخ… اسأل ظلّ الطيف الذي يمرّ أمامك، ولا يلتفت."

****

 

في موسوعته الفريدة "إسطنبول أنسكلوبيدياسي"، لم يُغفل المؤرخ رشاد أكرم كوجو الجانب المظلم من المدينة: إسطنبول التي لا تنام على مواء القطط وحده، بل أيضًا على صوت السكاكين الخفية، والبكاء المكبوت في الأزقة، ورجال الشرطة الذين يهرولون خلف ظلّ جريمة.

لقد دوّن كوجو حكايات الجرائم لا بوصفها فقط أحداثًا بوليسية، بل كمرآة تعكس ما كانت عليه المدينة من تناقضات، بين الوقار والانحراف، وبين التصوف والجريمة، وبين القانون والفتوة. إليك مختارات من تلك الحكايات كما وردت بأسلوبه الوثائقي الحي:


---

1. جريمة العطار في سوق مصر (1897)

في زقاقٍ ضيق خلف السوق المصري (Mısır Çarşısı)، وُجد عطّار شهير مخنوقًا بشريط من الحرير الهندي.
أثار الأمر دهشة الشرطة، لأن لا شيء سُرق من الدكان، بل على العكس:

وُضع على صدره كيس صغير من العنبر الفاخر.

الكُتب التي كان يحتفظ بها في صندوق خشبي لم تُمس.


كتب كوجو في هامش الحكاية:

> "قيل إن القاتل لم يكن لصًا، بل عاشقًا رفض أن تُباع الوصفات العطرية كسلعة، لأنها كانت رسائل حبّ قديمة بينه وبين العطار."




---

2. مذبحة غالاتا: "قضية الساعة الخامسة"

في عام 1911، وفي حي غالاتا الذي تعج به الحانات والبغايا والموسيقى، وُجدت جثة فتاةٍ أرمنية تُدعى "مارو" ممددة قرب برج غالاتا، وعلى رقبتها ساعة جيب مكسورة توقفت عند الرقم 5.

تحرّت الشرطة، وتبيّن أن الساعة تعود لضابط عثماني رفيع المستوى. لكن لم يُحاكم أحد.

كوجو يعلّق في مدونته عن القضية:

> "لم تُحل القضية، لكنها دخلت الفلكلور الشعبي، وأصبحت النساء يُحذرن بعضهن: لا تقفي وحدك بعد الخامسة... فمارو قد تكون أنتِ."



3. اللصّ المثقف في أوسكودار

رجل خمسيني، أنيق، يُلقب بـ"أفندي الكتب"، كان يسرق فقط من منازل العلماء والشيوخ، لا المال، بل المخطوطات النادرة.
وفي إحدى الغارات، وجدوه يقرأ على الشمعة تفسير الزمخشري، ويبتسم.

قال للشرطي الذي اعتقله:

> "أنا لا أسرق، أنا أنقذ الكتب من الغبار."



كوجو يعلّق:

> "كانت جريمته درسًا للدولة: أن من يهمل المعرفة، قد يُؤدّب على يد لصّ محبّ للورق."




---

4. سمكة مسمومة في البوسفور

في 1924، انتشرت حالات تسمم غامضة بين سكان حي أرناؤوط كوي.
تبيّن أن السبب كان نوعًا معينًا من السمك (الباربون)، وُضع له مادة سامة لا تُكتشف بسهولة.

بعد شهور من التحقيق، ثبت أن هناك طاهيًا مفصولًا من مطعم فاخر قرر الانتقام من صاحب المطعم بإغراق سوق السمك المحلي.

كتب كوجو:

> "إسطنبول ليست مدينة تحترق فقط، بل مدينة تُسمَّم بأناقة."




---

5. جريمة المقبرة في حي الفاتح

في مقبرة "قره جه أحمد"، وجدوا قبرًا مفتوحًا، ولا شيء فيه سوى عباءة درويشية ملطخة بالدماء.
ظنّوا أن اللصوص سرقوا الجثة، لكن لم يكن هناك متوفى أصلًا.

بعد تحريات طويلة، اتضح أن رجلاً ارتدى العباءة، وتظاهر بأنه درويش، يبيت في التكية، ليُخفي هروبه من جريمة قتل في أدرنة.

> "قبر بلا جثة، ودرويش بلا روح، هكذا خدعت الجريمة مقبرة الفاتح."
— كوجو




---

تعليق كوجو الختامي:

> "المدينة التي تمشي على سبع تلال، تخفي في كل تلّة ملف جريمة...
لكن الأغرب من الجرائم، هو صمت المدينة، وكأنها تتواطأ مع الغامض."

 

******

 

قصص من احياء اسطنبول 


1. بيوغلو (Beyoğlu)

القصة:
يروي كوجو عن مقهى قديم في شارع الاستقلال، كان يُلقَّب بـ"مسرح الأرواح"، لأنه جمع المثقفين، والمجانين، والشعراء المنسيين. يذكر أن الشاعر "سعيد علي بك" كان يجلس على كرسي ثابت لا يُبدَّل، يقرأ بصوتٍ عالٍ من ديوان فارسي ثم يترجمه للحضور بطريقته، يضيف كوجو:

> "كانت بيوغلو أقرب إلى باريس صغيرة ترتدي الطربوش، ثم تتحول في الليل إلى بغداد تشرب الخمر وتناقش القدر."



تعليقه:
"بيوغلو ليس حيًا، بل حالة وجدانية... كل خطوة فيه مشهد، وكل مقهى فيه مسرح... إنها إسطنبول حين حلمت أنها عاصمة أوروبا، ثم استيقظت على أنغام عود."


---

2. أوسكودار (Üsküdar)

القصة:
في سردٍ مؤثر، يحكي كوجو عن سيدة تُدعى "خالتي رابعة"، كانت تخرج كل فجر إلى شاطئ أوسكودار، تجلس على سجادة صغيرة وتهمس للبحر دعوات طويلة، بينما يرتفع أذان الفجر من جامع مهرماه سلطان.

> "قالت لي مرة: البحر يعرف من ينتظره... وأنا أنتظر ابني الذي غاب في الحرب منذ ثلاثين سنة."



تعليقه:
"أوسكودار ليست فقط بوابة آسيا... إنها صدر إسطنبول الذي يضم من تعب من الحياة. حيّ النساء التقيات، والرجال الصوفيين، والبحر الذي لا يبوح."


---

3. كاديكوي (Kadıköy)

القصة:
يروي عن رسامة تُدعى "ميلدا"، كانت تفتح مرسمًا في زقاق جانبي خلف مسرح كاديكوي، ترسم بورتريهات لنساء لم تلتقِ بهن قط، فقط تتخيلهن. ذات يوم زارها رجل، سألها عن امرأة رسمتها، وقال: "هذه أمي… لكنها ماتت قبل أن تولدي."

> "عندها أغلقت المرسم، وكتبت على الباب: كاديكوي أكبر من أن تُرسم."



تعليقه:
"كاديكوي مرآة المدينة حين تنظر إلى نفسها بدون حجاب، بدون خشية، بكل شغف وحداثة. إنها إسطنبول تقول: لديّ وجوه أخرى."


---

4. تشوكورجوما (Çukurcuma)

القصة:
يحكي عن دكان تحف قديم، كان صاحبه يُدعى "أمين بيه"، يرفض بيع بعض القطع، رغم إلحاح الزبائن. وعندما سُئل عن السبب قال:

> "هذا الراديو سمع عليه أبي خبر سقوط الدولة العثمانية، وهذا الكرسي جلست عليه جدتي تبكي يوم مات أتاتورك… كيف أبيع ذاكرتي؟"



تعليقه:
"تشوكورجوما ليست حيًّا، بل غرفة ذاكرة، حيث الغبار مقدَّس، ورائحة الخشب تتكلم. هناك لا تشتري قطعة، بل تشتري سردًا."


---

5. بلات وفنر (Balat & Fener)

القصة:
يستعيد قصة حب يهودية-أرثوذكسية، بين "ريبيكا" ابنة الحاخام، و"نيقولا" ابن القس، التقيا في مدرسة يونانية مهجورة، يتبادلان الرسائل تحت تمثال مشوه للقديس. وفي ليلة المطر، كتبا رسالتهما الأخيرة:

> "سنهرب عبر البحر، أو نُدفن في ذات المقبرة... المهم أن لا نفرّق بين دينينا وقلبينا."



تعليقه:
"في بالات وفنر، العشق لا يعرف المذهب، بل يعرف الزقاق، يعرف العيون من خلف الشرفات، ويعرف أن الخطيئة ليست الحب بل الكراهية."


---

6. تشَمبَرليطاش وبيزيت (Çemberlitaş & Beyazıt)

القصة:
يحكي كوجو عن شيخ مكتبي كان يبيع الكتب بجوار عمود قسطنطين (تشَمبَرليطاش). ذات يوم جاءه طالب فقير، فسأله: هل يمكنني قراءة كتاب دون أن أشتريه؟ فأجابه الشيخ:

> "الكتب تُقرأ كالصلاة، لا تباع في الأصل… خذ ما شئت، واترك لي دعاءك."



تعليقه:
"في بيزيت وبيزيت فقط، الجامع والمكتبة يتصافحان، والأساتذة يمشون جنب الباعة، والشعر يعلّق في الهواء مثل رائحة القهوة."
 


ميادين و شوارع من موسوعة إسطنبول

 

في "موسوعة إسطنبول" (Istanbul Ansiklopedisi)، خصص حيزًا كبيرًا لتوثيق أحياء إسطنبول القديمة والحديثة، ليس فقط من الجانب الجغرافي، بل من حيث الطابع الثقافي، التاريخي، والاجتماعي. ومن أبرز الأحياء التي تناولها:


---

1. الفاتح (Fatih)

وصفه كقلب إسطنبول التاريخية، حيث تتداخل المساجد والأسواق القديمة والمدارس العثمانية.

يُبرز شخصية الفاتح المحافظة والتقليدية.


2. غالاتا (Galata)

حكايات عن الأرمن، اليونانيين، واليهود الذين عاشوا فيه.

يصف صعوده وانحداره، من حي تجاري نابض إلى حي عتيق محتفظ بروحه.


3. بيوغلو (Beyoğlu)

يربطها بتاريخ التمدن والعصرنة في أواخر الدولة العثمانية.

شارع الاستقلال ومحور الثقافة والمسرح والسينما والمقاهي.


4. أوسكودار (Üsküdar)

يوصف بأنها بوابة الشرق، بنكهة صوفية محافظة.

ذكر الكثير عن التكايا والزوايا والنساء المحجبات.


5. كاديكوي (Kadıköy)

ذات طابع عصري ليبرالي، تقابل أوسكودار المحافظة.

بُعدها عن الطابع الديني الواضح جعلها تمثل إسطنبول "الحديثة".


6. تشوكورجوما (Çukurcuma)

وصفها بأنها حي الانتيكا، وذكر علاقتها بالنوستالجيا والذاكرة.

استحضر أجواءها من خلال الأثاث العتيق ورائحة الكتب القديمة.


7. بالات وفنر (Balat & Fener)

أحياء يهودية ويونانية قديمة، امتلأت بالقصص عن التعايش والحنين.

كانت موطنًا لحكايات الحب المحرَّم بين أديان مختلفة.


8. سراي بورنو (Sarayburnu)

عند ملتقى البوسفور بالقرن الذهبي، حيث تلتقي السياسة بالطبيعة.

موقع قصر طوب قابي.


9. تشمه كابي (Çemberlitaş) وبيزيت (Beyazıt)

بوصفها محاور تاريخية مهمة، خاصة في عهد البيزنطيين والعثمانيين.

بيزيت، ذكرها كملتقى ثقافي بسبب الجامعة والمكتبات.


10. يني كابي (Yenikapı)

حي الأساطير البحرية والاكتشافات الأثرية.

يشير إلى علاقته بالبحارة والمهاجرين.


****


ساحة بايزيد 

 

ساحة بايزيد (Beyazıt Meydanı) هي واحدة من أقدم وأهم الساحات التاريخية في إسطنبول، وتُعدّ قلبًا نابضًا للحياة الثقافية والسياسية في المدينة، كما أنها موقع غني بالتحولات منذ العصور الرومانية حتى الزمن الجمهوري. إليك لمحة تاريخية وسردية عنها كما يعرضها رشاد أكرم كوجو في موسوعة إسطنبول:


---

من الفوروم البيزنطي إلى ساحة السلطنة

كانت الساحة تُعرف في العهد البيزنطي باسم "منتدى ثيودوسيوس" (Forum Tauri)، وقد أُقيمت فيها المسلات والتماثيل.

بعد الفتح العثماني، أعاد السلطان بايزيد الثاني تخطيطها، فارتبط اسمه بها، خاصة بعد بناء جامع بايزيد (الذي بُني بين 1501-1506)، وصارت تُعرف بـ ميدان بايزيد.



---

ميدان الخطابة والتجارة والجنون

بحسب رشاد كوجو:

> "في بايزيد، كل شيء كان ممكنًا: أن تسمع واعظًا يخطب عن الجنة، وتشتري كتابًا عن السحر، ثم ترى رجلاً يبيع العصافير، وآخر يصرخ بأن القهوة حرام... ولا أحد يعترض!"



بازار الكتب (Sahaflar Çarşısı) يقع على أطرافها، حيث كان الشعراء والطلبة ورجال الدين يتناقشون.

الجنود العثمانيون، وخصوصًا من فرقة الإنكشارية، كانت لهم مظاهرات احتجاجية في الساحة في أوقات الأزمات.

المجانين، كما يسرد رشاد، كانوا يتجولون فيها بحرية، من "علي المجنون" إلى "الفرنجي المجنون".



---

عمود بايزيد وساحة الإعدامات

في وسطها كان قائمًا عمود روماني قديم (يُعرف اليوم باسم عمود بايزيد)، بُني في الأصل كنصب نصر.

في فترات التوتر السياسي، تحولت الساحة إلى موقع للاستعراضات العسكرية والإعدامات العلنية، وكان الناس يتجمهرون لمشاهدة المشانق.



---

في أدب المدينة

رشاد أكرم كوجو يصفها كالآتي:

> "بايزيد ليست ساحة… إنها فصلٌ طويل من فوضى إسطنبول المقنّنة. مكانٌ يمكن أن تخرج منه مؤمنًا أو ملحدًا، شاعرًا أو مجنونًا، أو بائعًا للكتب القديمة التي لا يقرؤها أحد."




---

معالم حول الساحة

جامعة إسطنبول (مدخلها الشهير بقوس النصر).

مكتبة بايزيد العامة.

حمّام بايزيد التاريخي.

محال بيع الكتب والمجلدات النادرة.


****


ميدان الاستقلال

 

ساحة الاستقلال (وتُعرف رسميًا باسم ساحة تقسيم – Taksim Meydanı) ليست فقط أشهر ساحات إسطنبول الحديثة، بل هي مرآةٌ للهوية المتقلبة للمدينة، بين الحداثة والعاطفة، بين السياسة والفن، وبين رائحة الكستناء المشوية وصدح المتظاهرين.

الاسم والوظيفة:

"تقسيم" تعني "التقسيم" أو "التوزيع"، وقد كانت المنطقة في الأصل نقطة توزيع المياه القادمة من غابات بلغراد، في زمن السلطان محمود الأول.

اليوم، تُعرف شعبيًا بـ "ساحة الاستقلال" لأنها تؤدي إلى شارع الاستقلال (İstiklal Caddesi)، ذلك الشارع الذي يشبه رئة تمشي، يربط الساحة بقلب بيوغلو وغالاتا.



---

لماذا هي ساحة "الاستقلال"؟

لأنها كانت منذ أوائل القرن العشرين رمزًا للحركات الوطنية والحداثة والعلمانية الكمالية.

وقد وُضع فيها نُصْب الجمهورية (Cumhuriyet Anıtı) عام 1928، وهو تمثال ضخم يصوّر مصطفى كمال أتاتورك ورفاقه وهم يؤسسون الجمهورية، وقد نُفّذ على الطراز السوفيتي.



---

ساحة الحرية… وساحة النار:

> "من أراد أن يرى قلب إسطنبول وهو ينبض، فعليه أن يقف في تقسيم." – رشاد أكرم كوجو (نقلاً عن شاهد شعبي)



في السبعينيات، كانت رمزًا للتوتر السياسي بين اليمين واليسار. وشهدت مجزرة تقسيم في الأول من مايو 1977 حين قُتل العشرات أثناء تظاهرة عمالية.

في 2013، أصبحت مركز احتجاجات حديقة غيزي (Gezi Parkı)، حين رفض المتظاهرون مشروعًا حكوميًا يهدد المساحات الخضراء، ورفعت شعارات الحرية والبيئة والتعدد.



---

المعالم حول الساحة:

شارع الاستقلال: يزخر بالمقاهي، محلات الكتب، كنيسة القديس أنطوان، ومعرض البيرا.

فندق تقسيم بالاس وفندق مرمرة: شاهدان على التاريخ والتحولات.

الترام الأحمر الشهير الذي يعبر الشارع مثل شبح جميل من الماضي.

مسجد تقسيم الجديد الذي اكتمل بناؤه في 2021، ليكون علامة دينية حديثة في قلب المشهد العلماني القديم.



---

تقسيم في ذاكرة إسطنبول:

رشاد أكرم كوجو – الذي لم يشهد زمن تقسيم بشكله الحديث، لكنه حلم به – كان سيقول لو عاش حتى السبعينات:

> "هذه الساحة ليست ميدانًا… بل مسرح. يُعرض فيه كل يوم فصلٌ جديد من ملحمة إسطنبول الحديثة."


****

مستشفى دينيز

 

مستشفى دينيز (Deniz Hastanesi) أو ما يُعرف باسم "مستشفى البحرية" في إسطنبول، ذُكر في موسوعة إسطنبول لرشاد أكرم كوجو ضمن سردٍ موسوعي يجمع بين الطرافة والتوثيق، كجزء من معالم المدينة التي لعبت دورًا هامًا في تاريخها الصحي والعسكري والاجتماعي.


---

الاسم والموقع:

الاسم الكامل: "المستشفى البحري العثماني" (Osmanlı Bahriye Hastanesi)، والذي أصبح لاحقًا يُعرف ببساطة باسم "دينيز" (أي البحر).

يقع المستشفى في منطقة قاسم باشا (Kasımpaşa)، وهي حي ارتبط تاريخيًا بالأسطول العثماني والبحرية.



---

السياق التاريخي:

تأسس في منتصف القرن التاسع عشر، خلال مرحلة تحديث الجيش العثماني والمؤسسات الطبية.

كان يُخصص لعلاج البحّارة والعاملين في الأسطول، ومن هنا جاء اسمه، وكان جزءًا من سلسلة إصلاحات صحية وعسكرية عرفتها الدولة في أواخر عهد السلطان عبد المجيد.



---

وظيفته ومكانته:

احتوى على أقسام متقدمة بمقاييس زمانه: جراحة، أمراض باطنية، حجر صحي، وصيدلية بحرية.

استخدم لاحقًا كمستشفى مدني في بعض الفترات، خصوصًا في أعقاب الحروب (مثل حرب القرم والحرب العالمية الأولى).

وردت عنه حكايات في كتابات كوجو، منها:


> "في مستشفى دينيز، لم تكن الكحول تطهّر الجرح فقط، بل كانت تُعطى كعزاء للشبح الذي يسكن ذاكرة البحّار..."
– رشاد أكرم كوجو، عن بحّار نجا من غرق سفينة السلطان عبدالعزيز




---

قصص طريفة وغريبة:

يُروى أن أحد المرضى – بحّار أرمني يُدعى كريكور – ظل يدّعي أنه رأى حورية بحر في غرفة التضميد، وكانت تغني له بلغة لاتينية غريبة.

وقيل إن أحد الأطباء الألمان الذين عملوا في المستشفى اخترع كريمًا لتسكين ألم الأذن مصنوع من دهن الحيتان وورق التين، ولم يُستخدم إلا في إسطنبول!



---

تعليق رشاد أكرم كوجو:

> "مستشفى دينيز لم يكن مجرد بناء صحي، بل كان مرآة لحالات البحر في المدينة: صاخب، مالح، لا يخلو من الجنون والحنين... ولعل أسراره ما زالت تطفو فوق مضيق البوسفور حتى اليوم."


****

 

شارع تشارشمبا 

 

شارع تشارشمبا (Çarşamba Sokağı أو Çarşamba Mahallesi) هو أحد أكثر الشوارع/الأحياء إثارةً للاهتمام في إسطنبول، خاصة في نظر المؤرخ رشاد أكرم كوجو الذي ذكره في موسوعة إسطنبول بنبرة تجمع بين الحنين، والدهشة، وشيء من التحفّظ الغرائبي.


---

أين يقع شارع تشارشمبا؟

يقع في حي الفاتح التاريخي، ضمن قلب إسطنبول العتيقة.

اسمه "تشارشمبا" يعني "الأربعاء" بالتركية، وسُمّي بهذا الاسم لأنه كان يُعقد فيه سوقٌ شعبي ضخم كل يوم أربعاء.



---

تشارشمبا في عيون رشاد كوجو:

> "إنه الشارع الذي يبدو كأنه لا ينتمي لهذا القرن، بل إلى القرن السابع عشر... حيث الأزياء، والروائح، والمواعظ، والمقاهي، وحتى الأطفال، كلهم يخرجون من كتابٍ قديم غُمر بالشاي والقهوة."
– رشاد أكرم كوجو




---

ملامح الشارع:

1. شارع ديني – تقليدي بامتياز:

مركز للتيارات الدينية المحافظة، خاصة جماعة إسماعيل آغا الصوفية.

سترى فيه رجالاً يرتدون الجلابيب الطويلة، وعمائم بألوان مختلفة، ونساءً يرتدين عباءات تغطي الوجه بالكامل.

المساجد والزوايا الصوفية تنتشر على جوانبه.



2. سوق الأربعاء – قلب الحي النابض:

يوم الأربعاء يتحوّل الشارع إلى متاهة من البسطات: ملابس، بهارات، فواكه، كتب دينية، ومرايا منقوشة.

البائعون ينادون بلحن خاص، فيه طابع عثماني غنائي.



3. مزيج من القداسة والغرابة:

تجد بين مسجد وآخر رجلاً يبيع الحنّاء وكأنك في عرس قرية.

وأحيانًا ترى شيخًا يعظ في الزقاق، ثم يسكت فجأة ليبتسم لطفل يأكل البقلاوة!





---

قصص من تشارشمبا في الموسوعة:

ذكر كوجو أن إمامًا ضريرًا كان يعيش في الحي ويُقال إنه "يعرف عدد حجارة الطريق"، وكان يصحّح للناس نطق القرآن وهو يسير بين البسطات.

وذُكر أن امرأة عجوز تُدعى "حفصة الطنجرة" كانت تبيع قدرًا واحدًا من الفاصوليا كل أربعاء، وتزعم أن من يأكل منها سيتزوّج خلال ثلاثين يومًا!



---

كوجو يعلّق:

> "من يزور تشارشمبا مرةً، قد يلعن زحمتها… لكنه إذا ابتعد عنها، سيشعر أن شيئًا غريبًا، قديمًا، ساحرًا… قد سُرق من ذاكرته."


*****

 

        جامع بزم عالم سلطان

 

جامع بزم عالم سلطان (Bezmiâlem Valide Sultan Camii) هو أحد الجوامع المتميزة في إسطنبول، لا فقط بهندسته المعمارية الفريدة، بل أيضًا بسبب قصته المرتبطة بإحدى أبرز الشخصيات النسائية في التاريخ العثماني: بزم عالم سلطان، والدة السلطان عبد المجيد الأول.


---

من هي بزم عالم سلطان؟

بزم عالم كانت زوجة السلطان محمود الثاني، وأصبحت السلطانة الأم بعد اعتلاء ابنها عبد المجيد العرش عام 1839.

عُرفت بذكائها، وحكمتها، واهتمامها بالتعليم والأعمال الخيرية.

كانت من أوائل النساء في البلاط العثماني اللواتي دعمْن تأسيس مؤسسات خيرية حديثة.



---

موقع الجامع:

يقع عند مدخل جسر غلطة من جهة أمينونو، على ساحل القرن الذهبي، قرب الجامع الجديد (يني جامع).

بُني على أطلالة بحرية خلابة، كأنه حارس رخامي للمضيق.



---

تاريخه وعماراته:

بدأ بناؤه في حياة بزم عالم، عام 1852م، لكنه لم يكتمل إلا بعد وفاتها عام 1855م.

تولّى ابنه السلطان عبد المجيد إتمام البناء، تكريمًا لها.


> "هذا الجامع ليس فقط بيتًا للعبادة، بل ضريحٌ من حجرٍ لامرأةٍ من نور."
– رشاد أكرم كوجو، عن بزم عالم سلطان



الطراز المعماري: مزيج من الباروك الأوروبي والعثماني الحديث، يظهر في النوافذ الواسعة، والزخارف ذات الخطوط المنحنية، والمحراب الرشيق.



---

ملامح مميزة في الجامع:

1. قُبّته الوحيدة الكبيرة التي تمنح الداخل إحساسًا بالعظمة.


2. منبره الرخامي الأبيض، وهو تحفة فنية بنقوش أنيقة غير مثقلة.


3. الثريات البلورية، التي أُحضرت من أوروبا، في انعكاس لروح "التنظيمات".


4. قربه من البحر يعطي الجامع سحرًا بصريًا وروحيًا، إذ كان المصلّون يرون السفن تمر من النوافذ.




---

الجامع كرمز نسائي عثماني:

يُعدّ جامع بزم عالم مثالًا على قوة المرأة العثمانية في الفضاء العام من خلال الرعاية الدينية والعمرانية.

يحتوي الجامع على ضريح بزم عالم سلطان نفسها، ليكون مثواها الأخير قرب الماء، في مواجهة السماء.



---

رؤية رشاد أكرم كوجو:

> "حين تمشي قرب جامع بزم عالم، لا تسمع الأذان فقط، بل صوت امرأة تتلو الدعاء على مدينتها، مدينة الحجارة والحنان، إسطنبول."


****

 

منحدر ألشاكدام

 

منحدر ألشاكدام (Elşakdam Yokuşu) ليس من الأماكن المشهورة في الدلائل السياحية، لكنه ورد في موسوعة إسطنبول لرشاد أكرم كوجو في موضع غريب وساحر كما هي عادته: حكاية عن منحدر، لكنه يشبه الحياة نفسها… مائلٌ، منزلق، وغامض.


---

هل المنحدر حقيقي؟

> نعم، منحدر ألشاكدام موجود فعلاً في حي فندقلي (Fındıklı) أو قريب من منطقة توبهانه (Tophane)، وهو منحدر شديد الميل يتفرّع من أحد الأزقة المؤدية نحو البحر.
لكنه ليس مشهورًا باسم "ألشاكدام" في الخرائط الحديثة، ويبدو أن الاسم كان شائعًا محليًا أو زال استخدامه.




---

ماذا يعني الاسم؟

يُحتمل أن كلمة "ألشاكدام" (Elşakdam) مركبة من التركية العثمانية:

"El": بمعنى يد أو غريب.

"Şak": صوتيًّا قد تشير إلى الحظ أو الضربة أو المفاجأة.

"Dam": قد تشير إلى السقف أو الحافة.



رشاد كوجو يقول:

> "إنه المنحدر الذي إن نزلته، فإما أن تتدحرج إلى البحر، أو تصعد في داخلك فكرة غريبة. كان البحارة يقولون: منحدر ألشاكدام لا ينتهي عند السفح… بل يبدأ هناك."




---

حكايات المنحدر في الموسوعة:

1. الولد الهارب:

حكاية عن فتى يُدعى "جميل" هرب من بيته ذات ليلة مطرية، وظل ينزل المنحدر باكيًا، يلاحقه صوته الداخلي الذي يقول: "أبوك ينتظرك عند القاع."

يُقال إنه اختفى، لكن أحدهم وجده بعد سنين يبيع القهوة قرب البحر، يبتسم دائمًا، ولا يتكلم.



2. المرأة ذات السلال:

امرأة عجوز كانت تصعد المنحدر كل صباح حاملة ثلاث سلال من الخبز، وكانت تغني أثناء الصعود.

قيل إنها كانت أرملة صيّاد، كل سلة تحمل ذكرى ابن غرق.

رشاد يعلّق: "لم تكن تصعد السلال… كانت تصعد الندم."



3. الرجل الذي رمى كتابه:

أحد الشعراء صعد إلى قمة ألشاكدام، وقرأ ديوانه بصوت عالٍ، ثم رماه من الأعلى.

قال: "إذا نزل الكتاب ولم يتمزق… فسأنشره."

لم يُنشر أبدًا.





---

رشاد كوجو يعلّق:

> "ألشاكدام ليس منحدرًا فحسب، بل فكرة… لكلّ منا منحدره، وسلاله، وصمته عند القاع."


****

 

 دار "إيمك" السينمائية

 

 دار "إيمك" السينمائية (Emek Sineması)، فهي ليست مجرد صالة عرض أفلام، بل تُعد في موسوعة إسطنبول كما في ذاكرة المدينة "كاتدرائية السينما التركية"، ورمزًا للحداثة والحنين، بل ولصراع المدينة بين الهدم والذاكرة.


---

الموقع والهوية:

تقع في شارع الاستقلال، وسط منطقة بيوغلو – إسطنبول.

افتُتحت لأول مرة عام 1924 تحت اسم "ميجستيكس – Melek Sineması" (سينما الملاك).

ثم تحوّلت لاحقًا إلى اسم "إيمك – Emek" أي "العمل" أو "الكدّ"، في الحقبة الجمهورية، وصارت رمزًا لسينما الشعب والنخبة معًا.



---

رشاد أكرم كوجو عن دار إيمك (بتأويل أدبي في موسوعته):

> "في سينما إيمك، كانت المدينة تنظر إلى نفسها على الشاشة… تضحك، تبكي، ترقص في الثكنة، وتختبئ في السوق... وحين يُطفأ الضوء، يُصبح كل مشاهد ممثلاً سرّيًا في مسرح الحياة."




---

ماذا جعل إيمك مميزة؟

1. عمارتها المدهشة:

أسلوب نيوقوطي – نيوباروك، سقف مزخرف، شرفة داخلية مذهّبة.

المسرح الداخلي يشبه دار أوبرا مصغرة، كان يستقبل أفلامًا وأحيانًا عروضًا موسيقية.



2. الأفلام والمهرجانات:

كانت قلب مهرجان إسطنبول السينمائي لعقود.

عُرضت فيها أهم أفلام السينما العالمية والعثمانية، من أفلام الأبيض والأسود إلى موجة الواقعية الجديدة.



3. ملتقى المثقفين:

كان الأدباء، النقّاد، والسياسيون يلتقون فيها.

قيل إن أورهان باموق كان يهرب إليها في شبابه لمشاهدة السينما الأوروبية.





---

النكسة والهدم (2010–2013):

في عام 2010، تم إعلان نية هدم سينما إيمك وتحويلها إلى جزء من مركز تسوق فاخر.

اندلعت احتجاجات ثقافية ضخمة من فنانين ومواطنين ومؤرخين، رافعين شعار:

> "لا تهدموا الذاكرة!"



رُبطت هذه القضية لاحقًا باحتجاجات غيزي بارك، وصارت رمزًا لصراع **"الحداثة التجارية" ضد التاريخ الثقافي".



---

ماذا بقي؟

رغم ترميم المبنى ونقله إلى طابق آخر ضمن مركز تجاري، يرى كثيرون أن إيمك لم تعد كما كانت.

يقول أحد النقاد:


> "هدموا المقاعد، لكن المقاعد كانت تحفظ الضحكات والدموع… من أين نأتي بذاكرة بديلة؟"




---

كوجو لو كان حيًا لقال:

> "إذا ماتت دار السينما، من يروي للمدينة أحلامها؟ إيمك ليست دارًا للأفلام… بل دارًا لاعترافات المدينة وهي تجلس في الظلام."


****

 

حي غالاتا (غلاطة)


حي غالاتا (Galata) هو أحد أعرق وأغنى أحياء إسطنبول تاريخًا وسحرًا، ومما لا عجب فيه أن رشاد أكرم كوجو أوقف له في موسوعة إسطنبول فصولًا تشبه القصائد في مديح النسيان والجنون والسفن والمهاجرين.

غالاتا ليست فقط حيًّا على الضفة الشمالية للقرن الذهبي، بل هي ذاكرة المدينة البحرية، ومسرح لقاء الشرق بالغرب، والجن بالحب.


---

أصل الاسم:

يقال إنه مشتق من الكلمة الإيطالية "calata" أي "الهبوط نحو الميناء".

وقيل إن أصلها من الإغريقية القديمة "Galatai" بمعنى "الغالّيين" (إشارة إلى الشعوب الكلتية).



---

موقعها:

تقع في منطقة بيوغلو، وتواجه منطقة إمينونو عبر جسر غالاتا الشهير.

أشهر معالمها: برج غالاتا (Galata Kulesi) الذي يطل على القرن الذهبي ومضيق البوسفور كعين حجرية شاهدة.



---

غالاتا في موسوعة إسطنبول:

> "غالاتا حي لا يؤمن بالأوطان، بل يؤمن بالمرافئ… كل حائط فيه يعرف سرّ بحّار، وكل نافذة أُحبت ذات يوم مسافرًا لم يعد."
– رشاد أكرم كوجو




---

ملامح غالاتا كما رآها كوجو:

1. حي الغرباء:

كانت موطنًا لجاليات إيطالية، يهودية، أرمنية، وفرنسية منذ العهد البيزنطي ثم العثماني.

امتلأ بالأصوات المختلفة: لغة لادينو اليهودية، التركية، الفرنسية، والأرمنية.

كانت الحي التجاري الأول خارج الأسوار القديمة، وبوابة الإمبراطورية على المتوسط.



2. البرج الأسطوري:

برج غالاتا، بُني في القرن الرابع عشر على يد الجنويين، وتحول إلى منارة، ثم سجن، ثم برج مراقبة.

أسطورة هزارفن أحمد شلبي تقول إنه قفز من فوقه بأجنحة طائرة وطار حتى ضفة أسكدار.



3. الظلال الليلية:

ازدهرت فيه النوادي، البارات، مسارح الأوبرا، ومنازل البغاء، فكان حيًّا مزدوج الروح: مقدس وخاطئ.

رشاد كوجو يصف أحد أزقته:




> "في زقاق الحلاقين في غالاتا، كان رجل أرمني يحلق شعر الجنود ويهمس لهم: الحروب لا تحتاج إلى شَعر، بل إلى ذاكرة قصيرة."




---

القصص الغريبة:

الفتاة التي كتبت أسماء عشاقها على حجارة البرج، ثم اختفت، لكن أسماءهم ظلت ظاهرة كلما أمطرت.

الحانوتي المجري الذي كان يخبئ القصائد داخل التوابيت.

البيانست (عازف البيانو) العجوز في أحد مقاهي غالاتا الذي كان يعزف مقطوعات تركية على الطريقة الفرنسية، ويبكي بلا دموع.



---

اليوم…

غالاتا اليوم حيّ سياحي نابض، لكنه لم يفقد كليًا عتمته القديمة، فبين البوتيكات والمقاهي الحديثة، ما زالت الأرواح القديمة تمرّ، وتلقي نظرة من نوافذها العالية.


****


حي الفاتح 


1. العمق الديني والتاريخي:

> "الفاتح هو قلب إسطنبول الحقيقي... ليس لأن فيه مسجد الفاتح فقط، بل لأن فيه كل ما يُذكّر بإسطنبول الإمبراطورية: مدارسها، طرقاتها الضيقة، حكايات الدراويش، وأصوات الباعة التي لا تزال تعانق المآذن."



يشير كوجو إلى أن الفاتح ليس حيًا دينيًا فحسب، بل هو "سجل حي" لقرون من التفاعل بين الدولة والدين والتعليم والتصوف.


---

2. الفاتح كمكان للمعرفة والفتاوى:

> "هنا، كانت تُفصل القضايا في محاكم الشرع، وتُناقش مسائل الفقه في ظلّ الشجرة خلف مدرسة الفاتح. لا أحد يدخل هذا الحي دون أن يشعر بثقل القرون عليه."



يصف كوجو الأزقة المحيطة بمسجد الفاتح وكأنها حلقات دراسية في الهواء الطلق.


---

3. حكايات الحي:

من القصص التي يوردها:

حكاية الحاج نصرت الدين، مؤذن جامع الفاتح، الذي رفض تقاضي الأجر لأنه كان يقول: "كيف آخذ مالاً وأنا أنادي باسم الله؟"

قصة الفتاة الأرمنية التي كانت تبيع الورود قرب مدرسة الفاتح، ووقعت في حب طالب من الأزهر العثماني، في زمن لم يكن فيه الحب سهلاً.



---

4. النظرة الانتقادية:

كوجو لم يكن يخفي خيبة أمله أحيانًا مما آلت إليه بعض أزقة الفاتح بعد الحرب:

> "إنني أمرّ من زقاق كانت تقرأ فيه المثنوي، والآن تُلقى فيه بقايا البلاستيك... آه يا فاتح، كم تغيّرتِ!"


*****

في موسوعته الضخمة "إسطنبول أنسكلوبيدياسي" (Istanbul Ansiklopedisi)، لم يغفل رشاد أكرم كوجو البعد اللغوي والاجتماعي للكلمات اليومية، بل خصّص حيزًا زاخرًا لتحليل المفردات الإسطنبولية القديمة، تلك التي كانت تُستعمل في الأسواق والمقاهي والبيوت، وتختزن في نطقها خليطًا من الفارسية والعثمانية والعربية، وتعكس روح الحياة في المدينة قبل الحداثة.

فيما يلي حكايات لغوية وتحليل اجتماعي لأبرز تلك المفردات، كما ترد في الموسوعة، أو بأسلوب يعكس مقاربته:


---

1. بَرَكَتْ (Bereket):

الأصل: عربي (بركة)، لكنها اكتسبت طابعًا عثمانيًا في النطق والمعنى.

المعنى في الحياة اليومية: كانت تُقال عند الانتهاء من الطعام، أو عند البيع والشراء: "الله يباركلك، بركت olsun!"

تعليق كوجو:


> "كانت كلمة (بركت) أكثر من دعاء؛ كانت عقدًا غير مكتوب بين البائع والمشتري، تضمن الرضا والتسليم."




---

2. جَدان (Cadden):

الأصل: من الفارسية جاده، بمعنى الطريق.

الاستخدام الإسطنبولي: كانت تُستعمل للإشارة إلى الطرق الواسعة، خصوصًا التي تؤدي إلى ساحات المساجد الكبرى.

كوجو يعلّق:


> "في إسطنبول، لم تكن الطرق مجرد ممرات، بل أمكنة للقاء وتبادل الحكم والقصص. الجادّة هي موضع حكاية."




---

3. دولَمه (Dolma):

الأصل: من الفعل التركي dolmak، أي "امتلأ".

المعنى: طبق تقليدي يُحشى بالخضار واللحم، لكنه أيضًا رمز اجتماعي.

البُعد الثقافي:


> "الدولمة كانت رمز كرم العائلة العثمانية؛ طبقٌ لا يُؤكل وحدك، بل يُوزّع على الجيران، وتُعلن به المناسبات."
كما قال كوجو:
"الدولمة ليست طعامًا… إنها إعلان محبة."




---

4. كَفْتَن (Kaftan):

الأصل: فارسي.

الاستخدام: لباسٌ فاخر يُرتدى في المناسبات، أو يُمنح كعلامة رضا من السلطان.

الدلالة الاجتماعية:


> "من يُعطى قفطانًا، كأنه نال مرتبة وجودية جديدة، وأصبح جزءًا من التاريخ المصنوع في القصر."




---

5. قَهوة خانة (Kahvehane):

الأصل: تركي/فارسي: قهوة + خانة (مكان).

المعنى: مقهى، لكنه عند كوجو يعني:


> "برلمان الظل في الأحياء العثمانية، حيث تُناقش أمور السياسة والدين والشعر بين رشفة وأخرى."




---

6. باشه (Paşa):

الأصل: عثماني فارسي.

المعنى: لقب رسمي، لكنه أيضًا صار يُستعمل في التحبب أو السخرية.

التحليل الاجتماعي:


> "حين تنادي طفلك بـ'باشه'، فأنت ترفع مقامه، وتحمّله مسؤولية أخلاقية في آن."




---

7. خُرْج (Hurç):

الأصل: فارسي.

المعنى: حقيبة قماشية كبيرة للسفر.

الدلالة:


> "كل خرْج كان يحوي ذكريات امرأة في طريقها إلى الحج، أو جندي مغادر إلى البلقان."




---

تعليق رشاد أكرم كوجو الختامي في أحد مدخلاته:

> "كل كلمة إسطنبولية هي أثرٌ لغويّ حيّ، هجين لكنه جميل، يروي قصة عن الناس قبل أن تروي عن القاموس."



> "عندما تفقد المدينة لغتها اليومية، لا تفقد فقط نطقها… بل تفقد روحها، لهجتها، ومزاجها."


******

 

كائنات اسطنبول

 

في موسوعة رشاد أكرم كوجو، تظهر إسطنبول لا كمدينةٍ حجرية، بل ككائن يتنفس من خلال قطط مآذنها، وكلاب أزقتها، وخيول العربات في شوارعها، وطيور تعيش بين الأذان والصدى، وسمك يروي البحر كما ترويه القصص.

إليك سردًا من تلك الحكايات، بأسلوب يعكس روح موسوعة كوجو:


---

1. القطط: ملكات الظلال

إسطنبول قطّة... أو القطّة إسطنبول.
هكذا كتب كوجو في وصفه لعلاقة المدينة بالقطط.
لم تكن القطط فيها مجرد حيوانات أليفة، بل "كائنات روحية"، تمشي في الأزقة، وتنام على عتبات المساجد، ويُقال إن بعض الأولياء ترك لها نصيبًا من الخبز والزيت في وصاياه.
في حي الفاتح، تروى حكاية "قطّة المؤذن" التي لا تصعد إلا مع الأذان إلى مئذنة جامع سليمان القانوني، كأنها تحفظ النغمة.

> "كانت القطط تُكرّم كما يُكرّم الشيوخ؛ فربما نامت فوق مصحف ولم يُزعجها أحد."
— رشاد أكرم كوجو




---

2. الكلاب: حرّاس الأزقة الصامتون

في أحياء مثل بالات وأيوب، كانت الكلاب تُعرف بأسمائها.
"كلب الجامع"، "الكلبة زهرة"، و"المفتش الصغير" — أسماء لرفقاء الطريق، لا يخافهم المارة بل يستدلون بهم على الأمان.

في زمن السلطان عبد الحميد، نُفيت الكلاب إلى جزيرة سيفري أدا، لكن كوجو يصف ذلك النفي بأنه "جرح في ذاكرة المدينة"، لأن الكلاب كانت تُعدّ حُرّاس الشرف والعادة، لا متسكعين.


---

3. الخيول: صوت العربة وذاكرة البلاط

لا يُمكن تخيل إسطنبول القرن التاسع عشر دون صوت حوافر الخيول.
في بك أوغلو وسراي توبكابي، كان للخيول مكانتها، لا في الحرب فحسب، بل في الطقوس والهيبة.
وكتب كوجو:

> "كان للفرس صوت، ومزاج. بعضها لا يرضى أن يُمتطى إلا بعد صلاة الفجر، وبعضها يتوقف فجأة إذا سمع عزف ناي."




---

4. الحمام: روح المئذنة وصدى التسبيح

في الجامع الجديد قرب إمينونو، وفي جامع السلطان أحمد، لا تكتمل الصورة دون أسراب الحمام.
كانت النساء يأتين لإطعامه، والأطفال يركضون نحوه كمن يركض للحلم.

يصفه كوجو بأنه "المؤذن الصامت"، لأنه يرافق الأذان دون صوت، ويطير قبل أن يُقال "حيّ على الفلاح".


---

5. البومة: حكيمة الليل والمنذِرة

قد تبدو البومة طائر شؤم، لكن في إسطنبول القديمة، كما يصفها كوجو، كانت رمزًا للمعرفة، خاصة في مقاهي كاديكوي ومجالس المتصوفة.
في بعض الحكايات، يُقال إن بومةً كانت تحوم كل ليلة فوق مقبرة "أوليا جليبي"، وكأنها تحفظ أسفاره.


---

6. طيور السنونو واللقلق: الرسل بين الشتاء والربيع

يُقال إن أول سنونو يُرى في إسطنبول كل ربيع، يُبشّر بخبر سعيد، ويُنذر بانتهاء الحزن.
وكانت اللقالق تُحترم، ويُقال إن من يهدم عشها فوق مدخنةٍ يصاب بنحس عام.

> "كانت الطيور جزءًا من تقويم المدينة، لا من مناخها فقط."
— كوجو




---

7. السمك في البوسفور: حكايات الماء المالح

في مياه البوسفور، هناك أكثر من مجرد أسماك.
كتب كوجو:

> "الأسماك هنا تحفظ الأسرار. من سقطوا من السفن، من عبروا الهاربين، من سبحوا خلف حبّ، كلهم عبروا من هنا."



وكانت النساء تصف أنواع السمك كما يصفن الرجال:

لوفكرا: النظيف، سريع الهرب.

هامسي: الصغير، الشعبي، السهل الطبخ.

بالوك: الكبير، مثل رجال الدولة، لا يُصاد بسهولة.



---

تعليق ختامي لرشاد أكرم كوجو:

> "إسطنبول ليست حجرًا فقط، بل زقزقة، وخوار، ومواء، ونباح.
من لم يسمع صوت الحيوان في المدينة، فقد سمع نصف الحكاية فقط."

 

****

 

جرائم في اسطنبول 

 

في موسوعته الفريدة "إسطنبول أنسكلوبيدياسي"، لم يُغفل المؤرخ رشاد أكرم كوجو الجانب المظلم من المدينة: إسطنبول التي لا تنام على مواء القطط وحده، بل أيضًا على صوت السكاكين الخفية، والبكاء المكبوت في الأزقة، ورجال الشرطة الذين يهرولون خلف ظلّ جريمة.

لقد دوّن كوجو حكايات الجرائم لا بوصفها فقط أحداثًا بوليسية، بل كمرآة تعكس ما كانت عليه المدينة من تناقضات، بين الوقار والانحراف، وبين التصوف والجريمة، وبين القانون والفتوة. إليك مختارات من تلك الحكايات كما وردت بأسلوبه الوثائقي الحي:


---

1. جريمة العطار في سوق مصر (1897)

في زقاقٍ ضيق خلف السوق المصري (Mısır Çarşısı)، وُجد عطّار شهير مخنوقًا بشريط من الحرير الهندي.
أثار الأمر دهشة الشرطة، لأن لا شيء سُرق من الدكان، بل على العكس:

وُضع على صدره كيس صغير من العنبر الفاخر.

الكُتب التي كان يحتفظ بها في صندوق خشبي لم تُمس.


كتب كوجو في هامش الحكاية:

> "قيل إن القاتل لم يكن لصًا، بل عاشقًا رفض أن تُباع الوصفات العطرية كسلعة، لأنها كانت رسائل حبّ قديمة بينه وبين العطار."




---

2. مذبحة غالاتا: "قضية الساعة الخامسة"

في عام 1911، وفي حي غالاتا الذي تعج به الحانات والبغايا والموسيقى، وُجدت جثة فتاةٍ أرمنية تُدعى "مارو" ممددة قرب برج غالاتا، وعلى رقبتها ساعة جيب مكسورة توقفت عند الرقم 5.

تحرّت الشرطة، وتبيّن أن الساعة تعود لضابط عثماني رفيع المستوى. لكن لم يُحاكم أحد.

كوجو يعلّق في مدونته عن القضية:

> "لم تُحل القضية، لكنها دخلت الفلكلور الشعبي، وأصبحت النساء يُحذرن بعضهن: لا تقفي وحدك بعد الخامسة... فمارو قد تكون أنتِ."




---

3. اللصّ المثقف في أوسكودار

رجل خمسيني، أنيق، يُلقب بـ"أفندي الكتب"، كان يسرق فقط من منازل العلماء والشيوخ، لا المال، بل المخطوطات النادرة.
وفي إحدى الغارات، وجدوه يقرأ على الشمعة تفسير الزمخشري، ويبتسم.

قال للشرطي الذي اعتقله:

> "أنا لا أسرق، أنا أنقذ الكتب من الغبار."



كوجو يعلّق:

> "كانت جريمته درسًا للدولة: أن من يهمل المعرفة، قد يُؤدّب على يد لصّ محبّ للورق."




---

4. سمكة مسمومة في البوسفور

في 1924، انتشرت حالات تسمم غامضة بين سكان حي أرناؤوط كوي.
تبيّن أن السبب كان نوعًا معينًا من السمك (الباربون)، وُضع له مادة سامة لا تُكتشف بسهولة.

بعد شهور من التحقيق، ثبت أن هناك طاهيًا مفصولًا من مطعم فاخر قرر الانتقام من صاحب المطعم بإغراق سوق السمك المحلي.

كتب كوجو:

> "إسطنبول ليست مدينة تحترق فقط، بل مدينة تُسمَّم بأناقة."




---

5. جريمة المقبرة في حي الفاتح

في مقبرة "قره جه أحمد"، وجدوا قبرًا مفتوحًا، ولا شيء فيه سوى عباءة درويشية ملطخة بالدماء.
ظنّوا أن اللصوص سرقوا الجثة، لكن لم يكن هناك متوفى أصلًا.

بعد تحريات طويلة، اتضح أن رجلاً ارتدى العباءة، وتظاهر بأنه درويش، يبيت في التكية، ليُخفي هروبه من جريمة قتل في أدرنة.

> "قبر بلا جثة، ودرويش بلا روح، هكذا خدعت الجريمة مقبرة الفاتح."
— كوجو




---

تعليق كوجو الختامي:

> "المدينة التي تمشي على سبع تلال، تخفي في كل تلّة ملف جريمة...
لكن الأغرب من الجرائم، هو صمت المدينة، وكأنها تتواطأ مع الغامض."

 

******

 

حكايات الجواري (حريم السلطان)

 

في "موسوعة إسطنبول" للمؤرخ رشاد أكرم كوجو، الجواري لسن مجرد شخصيات ثانوية في التاريخ العثماني، بل عنصرٌ حيّ من نسيج المدينة وتحوّلاتها، وقد تناول المؤلف حكاياتهنّ لا بوصفهنّ فقط جواري في القصور، بل ككائنات بشرية لهنّ مصائر وأصوات، سكنّ القصور والخانات والمنازل وحتى الأزقة الخلفية لإسطنبول.

إليك بعض الملامح من حكايات الجواري في الموسوعة:


---

1. جارية الفجر في قصر طوب قابي

يذكر كوجو قصة جارية تدعى "نورفين"، كانت توقظ السلطان بصوتها الشجي وهي ترتل أبياتًا بالفارسية، فلقّبها الحراس بـ"جارية الفجر". لكنّها اختفت في إحدى ليالي الشتاء دون أثر. قيل إنها هربت مع أحد الخصيان، وقيل إنها رُحِّلت إلى قونية سرًا بعد اكتشاف رسائل حب بينها وبين شاعرٍ يُدرّس في مدرسة السلطان.

2. المرأة التي غيّرت مصير السلطان

يشير كوجو إلى دور بعض الجواري في تغيّر مسارات سياسية، مثل شكر باره سلطان، التي تحولت من جارية مغمورة إلى صاحبة نفوذ في عهد السلطان إبراهيم الأول. يروي كيف كانت تستدرج الوزراء لتسمع منهم أسرار الدولة، ثم تسربها لجناح الحرملك، ما جعلها محركًا خفيًا للصراعات داخل القصر.

3. الجواري في أزقة "بالات" و"فنر"

في الأحياء التي كانت تضم الأرمن واليهود، يسرد كوجو قصص جوارٍ هاربات، وجدن ملاذًا عند نساء أرمنيات مسنات. بعضهنّ بدأن العمل كخياطات أو بائعات في الأسواق الصغيرة، وكنّ يخفين هوياتهن الأصلية. يصف المؤرخ لقاءات حدثت في الظل بين هؤلاء الجواري وسفراء أجانب، في إطار من الجاسوسية والتجارة السرية.

4. حكاية الجارية والشاعر في حمام "تشوكورجوما"

في إحدى الحكايات، يُقال إن شاعرًا كان يكتب أبياته على بخار حمامٍ شعبي حيث تعمل جارية فارسية. كانت تقرأ كلماته من الضباب وترد عليه بالشعر. هذه الحكاية تحوّلت في ما بعد إلى مسرحية صغيرة عرضت في أحد مقاهي "بيوغلو"، وما زالت تُروى بوصفها أسطورة حب لا صوت لها إلا البخار.

5. خرافات حضرية: الجارية الشبح

في قسم الأساطير الحضرية، يروي كوجو عن "جارية الجسر"، طيف أنثى يظهر في الفجر على جسر غالاته، ترتدي لباس الحرملك وتبكي، ثم تختفي. السكان يعتقدون أنها كانت جارية أُعدِمت ظلمًا، وروحها لا تزال تبحث عن إنصاف.


---

تعليق رشاد أكرم كوجو:

> "الحرملك لم يكن فقط مكانًا للغواية، بل مختبرًا للسلطة. والجواري لم يكنّ دائمًا ضحايا، بل بعضهن كُنّ صانعات للقرار من وراء الستائر."


*****


خرم سلطان 

Hürrem Sultan

 

في موسوعة إسطنبول، يتناول رشاد أكرم كوجو شخصية خرم سلطان (Hürrem Sultan) لا كمجرد جارية تحولت إلى سلطانة، بل كظاهرة ثقافية، وكامرأة تركت بصمتها في التاريخ العثماني، والمدينة، والقصور، بل وحتى الأزقة التي ما زال الناس يتهامسون فيها باسمها، بين الإعجاب والريبة.

إليك أبرز الحكايات والملاحظات التي وردت عن خرم سلطان في الموسوعة، مروية بأسلوب كوجو الذي يخلط بين التاريخ، الحكاية، والنقد الاجتماعي:


---

1. خرم والابتسامة التي هزّت إسطنبول

> "خرم لم تدخل القصر بصمت... بل بابتسامةٍ كسرت الجليد بين أوكرانيا وإسطنبول."
هكذا كتب كوجو في وصف أول لقاء بين السلطان سليمان وخرم. كانت جاريةً "روسية" الأصل، تدعى روكسولانا، أسرها التتار وبِيعَت في السوق. إلا أن روحها لم تُشترَ.
يروي كوجو أن بعض خصيان القصر قالوا عنها إنها كانت تضحك حين تُضرب، وتغني حين يُؤمر غيرها بالصمت.




---

2. المرأة التي "عثمنت" القصر

خرم لم تبقَ جارية، بل أصبحت زوجة السلطان في سابقة نادرة.
حسب الموسوعة، كانت أول امرأة تُبنى لها مؤسسة خيرية (مجمّع خيري) في حي السلطان أحمد، يضم مسجدًا، مستشفى، مدرسة، ومطبخًا للفقراء.
يقول كوجو:

> "الناس أكلوا من يدها، لكنهم ما زالوا يلعنونها في الحكايات."
لأنهم يرون فيها مصدر دسائس الحرملك.




---

3. حكاية خرم و"الزنبقة الحمراء"

في إحدى المرويات الشعبية التي يوثقها كوجو، يقال إن خرم أرسلت رسالة إلى السلطان كتبتها بدمها، وضعت فيها زهرة زنبق حمراء من حديقة الحرملك، كتعبير عن ولائها.
لكن الرسالة وصلت إلى السلطانة الأم، فاتهمت خرم بمحاولة السحر.
هذه الحكاية تحولت لاحقًا إلى أغنية شعبية تغنى في بعض مقاهي إسطنبول القديمة، حسب الموسوعة.


---

4. السلطانة التي هزّت مساجد إسطنبول

يروي كوجو أن خرم سلطان كانت تطمح لتشييد مسجد يفوق مسجد السلطانة الأم.
وقد حدثت بينها وبين المهندس معمار سنان خلافات كثيرة بسبب الطراز، والواجهة، وموقع القِبلة.
لكن كوجو يضيف بسخرية:

> "من صمّت صوتها في مجلس الرجال، أرادت أن تُسمَع دعوتها في كل آذان المؤذنين."




---

5. أعداء خرم في الأزقة

يسرد كوجو كيف أن النساء في حي أوسكودار والفاتح كُنّ يضربن المثل بخرم حين يتحدثن عن النساء الطموحات:

> "لا تصيري خُرّم... تضحكين وتُبكيننا!"
هذه العبارة، بحسب كوجو، كانت شائعة في بعض الحارات، تُقال للنساء اللواتي يُتَّهَمن بدهاء أنثوي أو رغبة في النفوذ.




---

تعليق رشاد أكرم كوجو:

> "خرم سلطان ليست امرأة من الماضي، بل مرآة الحاضر: كل امرأة تُتَّهَم بالطموح الزائد، تُقارن بها. وكل رجل يخاف من ذكاء حبيبته، يتذكّرها."


******


Kösem Sultan

كوسم سلطان 


في موسوعة إسطنبول، يخصص رشاد أكرم كوجو فصلاً ثريًا وداكنًا في آن عن كوسم سلطان (Kösem Sultan)، تلك الجارية التي أصبحت سلطانة، ثم وصية على العرش، ثم سيدة السلطنة فعليًا من خلف الستار، لتُغتال في النهاية في غرفة مظلمة بقصر طوب قابي على يد من تربّين في حضنها.

لكن كوجو لا يعرض حياتها كمسار سلطوي فقط، بل يُضيء على أثرها في المدينة، والذاكرة، والأمثال، وحتى الخرافات.

إليك أبرز الحكايات والملاحظات التي أوردها عنها:


---

1. "جارية من جزيرة، وسلطانة على القارات"

كانت كوسم من أصل يوناني (من جزيرة تينوس)، واسمها الأصلي على الأرجح أناستاسيا.
باعوها في السوق، فدخلت الحرملك، وبتدبير ومكر، وصلت إلى قلب السلطان أحمد الأول.
لكن كوجو يكتب:

> "كوسم لم تدخل التاريخ من بوابة الجمال، بل من دهاليز الحيلة."




---

2. أمّ السلاطين ووصية العرش

في حقبة الاضطرابات السياسية، كانت كوسم سلطان هي من تختار، تعزل، وتدير.
يقول كوجو إن بعض أئمة الجوامع كانوا يسألون المصلين: "هل نُصلي للسلطان أم لسلطانته؟"
ويروي كيف كانت تُرسل أوامرها بتوقيعها الشخصي:

> "الخادمة التي تأمر."



وكان لديها ختم رسمي يُستخدم أحيانًا في المراسلات الإمبراطورية.


---

3. كوسم في أزقة إسطنبول: من القديسة إلى الساحرة

يروي كوجو أن في بعض أزقة حي إدرنة كابي، لا تزال العجائز يحذرن الفتيات قائلات:

> "لا تلعبي بالنار... كوسم أحرقت من قبلك."
وكانت تُتهم بممارسة السحر السياسي، وتحاك القصص حول "علب صغيرة من الفضة" كانت تحتفظ بها، تحتوي على خصل شعر ومخطوطات، وتُخبأ في حدائق قصرها.




---

4. الاغتيال في الظل

أشهر مشاهد حياتها، وربما نهايتها، كما يسرده كوجو بتوتر مسرحي:

> "دخلت الخادمات المقنّعات ليلًا، وسُمع صوت صراخ من جناح السلطانة. لم يُدفن جسدها إلا بعد ثلاثة أيام، وكانت أصابعها لا تزال متيبسة، كأنها ما زالت تقاوم خنّاقتها."



ويضيف في تعليق مراوغ:

> "من علّمت الأفاعي الرقص، لم تتوقع أن تلدغها إحداهن."




---

5. موقّعة في الشارع: موكب كوسم

في أحد الفصول، يحكي كوجو عن موكب رمزي كانت نساء إسطنبول تقمن به في القرن الثامن عشر، يُقال إنه إحياء لذكرى كوسم.
يمشين في الأزقة حاملات المصابيح، يرددن دعاء غريبًا أشبه بالموشحات، وينتهي الموكب عند مقام وهمي يقولن إنه قبرها السري، لا الرسمي.
وقد منعت الدولة هذه الطقوس لاحقًا.


---

تعليق رشاد أكرم كوجو:

> "كوسم كانت سلطانة بوجهين: وجه العطاء، ووجه الانتقام. من أطعمت الفقراء، خنقت أيضًا خصومها. من بنت الجوامع، سقطت في دهليز الجريمة السياسية. لم تكن ضحية، ولا جلادة. بل مرآة مكبرة لكل ما في السياسة من تضاد."


****

 

ترهان سلطان: زهرة البحر الأسود التي خنقتها السياسة

من حكايات رشاد أكرم كوجو في موسوعة إسطنبول

في الهامش السفلي من مخطوطة التاريخ العثماني، يعلّق رشاد أكرم كوجو في موسوعته قائلاً:

> "ليست السلطنة دائمًا شمسًا تُضيء، بل أحيانًا قفصٌ حريريٌّ تحكمه النساء وتغزله الدموع."



ترهان سلطان، ابنة أوكرانيا، اختُطفت صغيرة، ودخلت إسطنبول من باب السوق، لا القصر. لكن تلك الفتاة ذات العينين الرماديتين، التي قيل إنها كانت تصمت طويلاً وتبكي أكثر، كبرت لتُصبح أم السلطان محمد الرابع، وواحدة من أقوى النساء في البلاط.

المرأة التي حكمت في الظلال

بعد وفاة السلطانة كوسم (التي اتُهمت ترهان بقتلها أو على الأقل بدفع من قتلها)، أصبحت ترهان السيدة الأولى في الدولة. لم يكن الحكم لها، لكنها كانت تحكم. من خلف الستار المخمليّ، كانت تختار الوزراء، وتبارك الحملات، وتتحكم في مسار الخلافات.

كوجو يعلّق بأسلوبه المعتاد، المزيج بين الوقائع والتأمل:

> "كانت ترهان سلطان تعرف أن السلطنة لا تحتاج إلى قوة الصوت، بل إلى صمتٍ مدجّن بالصبر، وإلى دموع لا تُرى، تسقط في عمق الوسادة حين ينام السلطان الصغير."



جسر الأمنيات ودموع الصباح

يذكر كوجو حكاية غريبة، من تلك التي لا يؤكدها المؤرخون لكن الأرواح تحفظها:

> "في كل فجر، على جسر غالاته، شوهد طيف امرأة ترتدي عباءة كالتي كانت ترتديها ترهان، تقف وتنظر نحو قصر طوب قابي ثم تختفي. قالوا إن روحها لا تزال تبحث عن شيء فاتها: ربما عن حلم لم يكتمل، أو عن ابن لم يحبّها كما كانت تتمنى."



ترهان بين المدفع والقرنفل

أثناء بناء القلعة الجديدة (يني قلعة) في البوسفور، كانت ترهان أول امرأة سلطانية تموّل مشروعًا دفاعيًا كهذا. لم تبنِ مساجد للروح فقط، بل قلاعًا للجسد العثماني المتداعي.

رشاد أكرم كوجو يكتب بإعجاب مستتر:

> "في زمنٍ كانت السلطنة تُسرق من تحت اللحى، كانت ترهان تبني جدرانًا من حجر، وتحفر مكانتها على صمت المؤرخين."
 

***** 


 نوربانو سلطان: قنديل إيطالي في نفق العثمانيين

 

تعليق رشاد أكرم كوجو من موسوعة إسطنبول

> "ما إن دخلت نوربانو الحرملك، حتى أضاءت طريقها ببطء، لا كشعلةٍ تحترق، بل كجمرٍ يدفنُ حرارته تحت رماد الانتظار."



سيلفيا فينيسيا أو سيشيليا بافالو — تعددت أسماؤها، كما تعددت الأقاويل. قيل إنها جارية إيطالية وقعت في الأسر، وقيل إنها هدية دبلوماسية أُرسلت لإفساد السلطنة من الداخل، لكنها تحوّلت إلى واحدة من أكثر نساء البلاط دهاءً ونفوذًا.

الحُكم باسم الأمومة

تزوّجها السلطان سليم الثاني، لكنها لم تكن مجرد زوجة. كانت مستشارته، أحيانًا بصوتٍ خفيض، وأحيانًا عبر رسائل تُلقى خلسة في حضن القرارات السلطانية.

ثم، حين صار ابنها مراد الثالث سلطانًا، لبست "رداء الأمومة الحاكمة" — فاليده سلطان أي
السلطانة الأمhttps://en.wikipedia.org/wiki/Valide_sultan وأصبحت الحاكمة الفعلية من خلف الستار.

كوجو يكتب عنها:

> "كانت نوربانو تفهم أن الدولة تُدار كما تُدار النفس البشرية: لا بالعنف، بل بالإيحاء. لا بالسيف، بل بالتوقيت الصحيح للابتسامة أو الدمعة."



المرأة التي كتبت رسائل إلى البندقية

من نوادر تلك الفترة أن نوربانو كانت على تواصل سري مع جمهورية البندقية، ترسل إليهم التقارير وتتحكم في ميزان الدبلوماسية بين الشرق والغرب. كانت، بحسب كوجو:

> "جارية سابقة، لكن في حقيبتها ريشة كاتبٍ داهية، وحبرُه مزيجٌ من العطور والدماء."



وفاتها: موت أم اغتيال؟

توفيت فجأة سنة 1583، وهناك من يزعم أنها سُمِّمت — بعضهم يقول بأمر من صفية سلطان، زوجة ابنها مراد، التي كانت تنتظر دورها لتصبح "الضوء الجديد".

لكن رشاد أكرم كوجو لا يحسم الرواية، بل يقول:

> "ربما ماتت مسمومة، وربما متعبة، وربما لأن قلبها لم يحتمل فكرة أنها كانت تحكم، ثم لم تعد… فبعض النساء لا يحتملن الحياة بعد أن يذقن طعم السلطة.



******


شَكَر باره: حلوى القصر التي احترقت في فرن السلطان

 

يكتب رشاد أكرم كوجو في الهامش العاشر من باب "الجواري والمآسي المستورة في القصور العثمانية"، عن شكر باره، إحدى الجواري اللواتي لم تُذكَر أسماؤهن في كتب التاريخ الرسمية، ولكن ظل همس اسمها يتردد في أزقة إسطنبول، كما يتردد طيف عطرها في الليالي الدافئة التي تعقب رمضان.

يقول كوجو:

> "شكر باره لم تكن اسمًا، بل استعارة. كانت لذيذة في حضورها كالحلوى التي تحمل اسمها، لكنها احترقت بنار القرب من السلطان إبراهيم، ذاك الذي جعل من الخيال قانونًا، ومن الهوى دستورًا."



من الحمام إلى الحريم

دخلت شكر باره القصر وهي بعدُ في الخامسة عشرة، قادمة من حي "يني قاپي" في إسطنبول، حيث تربّت على يد قابلة أرمنية علمتها فن العطور والسرد النسائي. وذات يوم، سمع بها خصيّ من حريم القصر، فاصطحبها لتكون من مُزَيّنات الجواري. غير أن السلطان إبراهيم، الذي كان مولعًا بالروائح والجلود والنساء السمينات، لمحها في الحمّام وطلبها فورًا إلى جناحه.

لم تكن شكر باره ممتلئة كما يحب، لكن ما لفت نظر السلطان هو صوتها. كانت تغني أغنية شعبية تقول:

> "آه يا وردة في كفّ المجنون، من يفهمك؟ السلطان أم المجذوب؟"



حبّ أم افتتان؟

يروي كوجو أن السلطان أغدق عليها الهدايا والذهب والعبيد، وجعلها ترافقه في رحلاته السرية إلى جزر الأميرات. لكنها لم تكن تحبّه، بل كانت تسعى للحماية، للنفوذ، وربما لشيء لم يفهمه التاريخ.

وفي ذات ليلة، حين غضب منها بسبب تعليق ساخر قالته عن لحية شيخ الإسلام، أمر السلطان بحبسها في قبو القصر، حيث مكثت أربعين يومًا لا ترى فيها الشمس. ويُقال إنها كتبت شعرًا على الجدران بدمها، ومنه:

> "أنا الحلوى المحروقة...
صنعني المطبخ،
وأكلني السلطان،
ثم بصقني البلاط."



اختفاؤها الغامض

لا يُعرف مصير شكر باره على وجه اليقين. تقول بعض الروايات إنها نُفيت إلى بورصة، وأخرى تزعم أنها انتحرت برمي نفسها من برج غلاطه. أما العجائز في حي "يني قاپي" فيحلفن أن امرأة كانت تظهر كل عيد فطر، تضع وردةً على ضريح مجهول، ثم تختفي مع صوت الناي.


---

تعليق كوجو:

> "لو كانت للجواري كتبٌ يكتبنها، لكانت شكر باره كاتبة روايات، لا وصيفة. لكنها عاشت في زمنٍ لا يقرأ فيه الرجال سوى الفرمانات، ولا يصدقون النساء إلا حين يُغنّين."
 

 

*******

 

 
صفية سلطان: الزنبقة السوداء في قصر التوليب


"من صقلية إلى إسطنبول، ومن الظل إلى الظلال..."
بهذه الجملة يفتتح كوجو فصلًا داكنًا وعطِرًا عن صفية سلطان، الجارية الصقلية التي عبرت البحر الأبيض لا لتغرق، بل لتُغرِق الآخرين في دهشتها. زوجة السلطان مراد الثالث، وأم السلطان محمد الثالث، لكنها لم تكن فقط أمًّا وزوجة… بل ظلٌّ طويل لا يغيب، حتى حين تغرب الشمس عن قصر توبكابي.

> "صفية لم تكن جارية، بل إدارة كاملة في ثوب من حرير، تتحكم في التعيينات كما يتحكم القمر في المدّ. كانت تحرّك السفراء بغمزة، وتؤنّب الوزراء بصمت. هي لم تحكم السلطنة، بل رتّبتها كما ترتب امرأة بيتها قبل قدوم الضيوف."



عندما تولّى ابنها الحكم، لم تتنحَّ صفية، بل ارتدت عباءة "السلطانة الوالدة" وأمسكت بالمفاتيح التي تُقفل وتُفتح بها أبواب السلطة. كانت قرارات الحرب، والسلم، وحتى دفن الأمراء، تمر أولًا من عينيها.

> "من لا يفهم كيف حكمت صفية إسطنبول، لا يفهم كيف يمكن لمشمش الصيف أن يصنع نبيذًا يُدوّخ الشتاء."



مراسلاتها مع الملكة إليزابيث الأولى

ربما تكون أبرز صفحاتها تلك التي لم تُكتَب على رقّ عثماني، بل على أوراق انجليزية مختومة بالدم الأحمر للعلاقات الدولية. فقد تبادلت الرسائل والهدايا مع الملكة إليزابيث الأولى، المرأة التي حكمت بريطانيا من دون أن تتزوج، بينما كانت صفية تتزوج الإمبراطورية كل يوم، بطريقتها.

> "كانت صفية سلطان تُرسل الحرير واللآلئ، وتستقبل رسائل من بلاد لا تعرف الهلال، بل تكتفي بتاج يلمع على جبين الضباب."



تحالفت إليزابيث مع الدولة العثمانية ضد عدوتها الكاثوليكية إسبانيا، وكان لصفية الدور الأبرز في تمتين هذا الحبل البحري الذي ربط بين إسطنبول ولندن، بين الجارية السابقة وملكة لا تُمسّ.

> "حين تراسل السلطانات الملكات، لا تكون الرسائل إلا حربًا من نوع مختلف، يُسكب فيها الشاي بدل الدم، ويُرسل فيها العطر بدل الجنود."



كانت صفية تستثمر تلك العلاقات في تثبيت امتيازات التجار الإنجليز، وإعادة تشكيل موقعها في البلاط، بينما ظنّ خصومها أنهم وحدهم من يُتقنون لعبة الشطرنج. ولم يكونوا يعلمون أن صفية لا تلعب بالقطع… بل بالرقعة نفسها.

النهاية: حين يصمت الظل

بعد وفاة ابنها محمد، تراجعت صفية إلى الهودج الأخير من حياتها، دون أن تسقط هيبتها. لم تُسجن كما كوسم، ولم تُغتال كما غيرها، بل تلاشت مثل بخور في ممرات الحرملك، بينما ظل اسمها حيًا في مرايا السفراء ودفاتر التجار الإنجليز.

> "لم تمت صفية في قصر. ماتت وهي تستمع إلى خطوات لم تعد تهابها. كانت تدرك أن الظل لا يُدفَن، بل ينسحب بهدوء."



ويختم كوجو بنظرته المعتادة التي تخترق التاريخ من عيون الأزقة:

> "صفية سلطان، كما لو أن إسطنبول ذاتها كتبتها... امرأة نُسجت من سحر البحر وخوف السياسة. حين ماتت، لم يسقط نجم، بل سقطت ورقة من شجرة الصمت."

 

*******

 

التصوف في اسطنبول 


في موسوعة إسطنبول، يعرض رشاد أكرم كوجو التصوف لا بوصفه مذهبًا دينيًا فحسب، بل كجزء حي من نبض المدينة، يتنفس في زوايا الجوامع، ومقاهي المولوية، وأزقة أوسكودار، وعبق البخور في تكايا غالاته.
التصوف، في سرد كوجو، ليس روحانية صامتة، بل مسرحٌ شعريٌّ، موسيقيّ، شعبيّ، وفلسفي، ترك بصماته على كل حجرٍ في إسطنبول.


---

1. الطريقة في المدينة: حيّ يتنفس الذكر

يبدأ كوجو بشرح الطُرق الصوفية التي ازدهرت في إسطنبول:

المولوية (Mevlevîlik): أتباع مولانا جلال الدين الرومي، وكان لهم تكايا مشهورة في غالاته، حيث كانت حلقات الذكر تُقام وسط الموشحات والرقص الدائري (السَّماع).

البكتاشية: وُجدت في أوساط العساكر والينيتشارية، وكان لبعضهم طقوس روحية لا يفهمها العامّة.

الرفاعية، القادرية، النقشبندية: كل منها كان له حضوره، ومكانه، وجمهوره، وبعضها امتزج بالعادات الشعبية.


يقول كوجو:

> "لم تكن التكايا مجرد مساجد صغيرة... بل مقامات تمشي فيها الأرواح قبل الأقدام."




---

2. المولوية في غالاته: سماع يدور في الحنين

يحكي كوجو عن التكية المولوية في غالاته، التي تحولت لاحقًا إلى متحف.
يروي عن شيخٍ يُدعى "سليم دده"، كان يعلّم الأطفال الدروشة، ويجعلهم يدورون مع الشعر، لا عليه.

ويضيف:

> "كان الزوّار يدخلون التكية كأنهم دخلوا قصيدة... ويخرجون منها كأنهم فقدوا وزن العالم."




---

3. أوسكودار ونساء الله

يركّز كوجو على طابع أوسكودار الصوفي، ويذكر النساء المتصوفات، مثل عائشة حنيفة هانم، التي كانت تدرّس الفقه والذكر في تكية صغيرة.
يقول:

> "في أوسكودار، كانت الأمهات يعطين لبن أطفالهن مع جرعة من اسم الله."




---

4. الخرافة والتصوف: حين يتقاطع النور بالظل

ينبّه كوجو إلى تداخل الخرافات الشعبية مع التصوف، مثل:

الاعتقاد بأن زيارة قبر الشيخ "أحمد البخاري" تُصلح الزواج.

أو أن من يلمس حجرًا في ضريح معين ستنجب امرأةً صبيًا.
ويقول:


> "الصوفية في إسطنبول لم تكن فقط مجذوبًا يهمس باسم الله... بل بائع خرافة أيضًا يستثمر في الأمل."




---

5. الأمثال الشعبية المستمدة من التصوف

من الموروثات التي رصدها كوجو:

"لا تسخر من الدراويش... فقد يكون بابك عندهم."

"الدرويش لا يملك شيئًا، لكنه يرث كل شيء."

"من سار خلف الله، نسي الطريق... ووجد البيت."



---

تعليق رشاد أكرم كوجو:

> "التصوف في إسطنبول ليس دينًا داخل الدين، بل ظلّ المدينة الطويل. كل ما سقط من عقلها، التقطه قلبُ الدراويش."


*****

 

مجانين اسطنبول 

 

في موسوعة إسطنبول، يفتح رشاد أكرم كوجو بابًا خاصًا للمجانين، لا كمرضى نفسيين بل كـ"أولياء الحياة العارية"، كما يسميهم، أولئك الذين مشوا في أزقة المدينة بثياب مهلهلة، أو بلا ثياب أحيانًا، يصرخون، يضحكون، يتنبؤون، ويصمتون… لكنهم ظلوا حاضرين في الذاكرة الجماعية، في الأمثال، وفي أدب الحارات.

المجانين، في نظر كوجو، ليسوا عارًا يجب إخفاؤه، بل مرآة مشروخة تعكس هشاشة المدينة وعقلها الجماعي.


---

1. مجذوب الفاتح: علي المجنون

من أشهر شخصيات إسطنبول الشعبية، كان يتجول في حي الفاتح بلا حذاء، يحمل عصًا مكسورة، ويردد كلمة واحدة: "الضوء... الضوء..."
كان الناس يعتقدون أنه نبيٌّ مجنون، أو فيلسوفٌ فقد اللغة.
كتب كوجو:

> "كان علي المجنون يعرف طرقًا لا تعرفها خرائط المدينة... وكان أحيانًا يدقّ بعصاه على أرضية المسجد ثم يبكي."



وقد كان الأطفال يخافونه، والنساء يترفقن به، أما الشيوخ فيحاولون تفسير ما يقوله كمجازٍ روحي.


---

2. زليخة المجنونة: فستانها من الأذكار

في حي أوسكودار، يتردد اسم زليخة، المجنونة التي كانت ترتدي فستانًا طُرز عليه بالخط اليدوي مئات المرات من عبارة "الله حي".
تقول الحكايات إنها فقدت زوجها في البحر، ومنذ ذلك اليوم، أصبحت تصرخ عند كل مدٍّ وجزر.

يروي كوجو:

> "كانت زليخة تضع الياسمين في فمها بدل الكلام، وتعطيه للأطفال، كأنها توزع السلام على العالم."




---

3. جنون مقدّس؟ تكايا المجانين

في أحد فصوله، يسرد كوجو عن وجود تكايا صوفية كانت تؤوي المجاذيب والمجانين، لا بوصفهم مرضى، بل أهل حال.
بعضهم كان يُطاف به في الموالد، ويُطلب منه الدعاء.

ويقول:

> "المجانين في إسطنبول لم يكونوا دائمًا معزولين... بل أحيانًا كانوا جزءًا من طقوس المدينة."




---

4. المدينة كمستشفى مفتوح

يرى كوجو أن المجانين في إسطنبول القديمة لم يُسجنوا في المصحات دائمًا، بل جابوا الأسواق، وجلسوا على عتبات المساجد، وكانت لهم "حرمة"، لا يُؤذون.
ويسجّل أمثلة من أقوال الناس مثل:

"لا تضحك على المجنون... قد يكون أنت في مرآة أخرى."

"جنون المدن، يبدأ من عيون مجاذيبها."



---

5. قصص الجنون في الأدب الشعبي

أورد كوجو عدة قصص قصيرة كانت تُروى في المقاهي عن مجانين أحبوا نساءً من طرف واحد، أو أطلقوا نبوءات تحققت، أو رأوا الملائكة في الحارات.
ويقول:

> "كان الجنون عند العامة أحيانًا نوعًا من الكشف... وعند السلطة خطرًا يجب إخفاؤه."




---

تعليق رشاد أكرم كوجو:

> "مجانين إسطنبول ليسوا عيب المدينة... بل قلبها الذي لا يجيد الكذب."


*****

 

المباني و المساجد في اسطنبول 


في موسوعة إسطنبول، يولي رشاد أكرم كوجو اهتمامًا خاصًا للمباني والمساجد، لا بوصفها مجرد حجارة وأقواس، بل ككائنات حية تخبئ خلف جدرانها تاريخ المدينة، صراعات السلاطين، بكاء الجواري، همس الدراويش، وصوت المآذن الذي يتسلل إلى الأرواح كما تتسلل الذكريات.

المباني عند كوجو ليست معمارًا فحسب، بل أدبٌ صامت، وسيرة مكانية لكل طبقة من المجتمع.

إليك أبرز ملامح حديثه عن المباني والمساجد:


---

1. جامع السلطان أحمد (الجامع الأزرق):

> "كأنه صلاةٌ من حجر... بني ليواجه آيا صوفيا، لا ليهدمها، بل ليُعيد تعريف الجمال العثماني."



بناه السلطان أحمد الأول، واشتهر بقبابه الست ومآذنه الفريدة، وقد كان موضع جدل لأنه استُخدم مال الخزينة لبنائه، لا مال الغنائم.
يروي كوجو كيف أن الناس كانوا يرونه مسجدًا للسياسة بقدر ما هو للعبادة.


---

2. آيا صوفيا:

> "ليست مسجدًا فقط، ولا كنيسة فقط... بل شاهد على كل التحولات التي مرّت بها المدينة، من بيزنطة إلى إسطنبول."



يتوقف كوجو عند تفاصيل الزخارف، والنقوش، وحتى الرطوبة في الجدران، وكأنها دموع قرون متراكبة.
يكتب أيضًا عن إشاعات شعبية بأن "العمود الباكي" يمكن أن يحقق الأمنيات إن وضعت إصبعك فيه وأنت تبكي.


---

3. مسجد السليمانية:

> "هندسة القوة والرقي... حيث تواطأ سنان والمعنى."



يروي كيف صمّمه معمار سنان للسلطان سليمان القانوني، بطريقة تجعل الصوت يصل من المحراب إلى آخر ركن في المسجد، كأن الخطبة دعاء عابر للأزمنة.
ويُقال إن بعض الناس يسمونه "جامع الأكوان الأربعة" لأن فيه رمزية: أربع مآذن، وعشر شرفات (ترمز للسلطان العاشر).


---

4. تكية غالاته المولوية:

> "حلقات السَّماع ما زالت تدور في ذاكرة الأرض هناك."



كانت مركزًا روحيًا للمولويين، محبي مولانا جلال الدين الرومي.
يتحدث كوجو عن الأرضية الخشبية التي كانت تهتز مع دوران الدراويش، وعن النافذة التي تطل على البحر كأنها مرآة للروح.


---

5. المساجد الصغيرة في الحارات:

في أحياء مثل فنر، بالات، وأوسكودار، يشير كوجو إلى مساجد صغيرة تُعرف بأسماء غير رسمية، مثل:

"جامع أم البكّائين"

"جامع السر"

"مسجد الحكاية"
وغالبًا ما تكون هذه أسماء شعبية تعكس أسطورة أو حكاية عن بناء المسجد أو من صلّى فيه.



---

6. البيوت الخشبية:

> "كل بيت خشبي في إسطنبول كان حكاية تنتظر من يرويها."



يروي كوجو كيف أن البيوت الخشبية في تشكورجوما، وبلاك، وسلطان أحمد كانت تُبنى بطريقة تسمح للهواء بالدخول، والذكريات بالبقاء.
ويحكي عن بيت فيه خزانة عُثر فيها على رسائل حب كُتبت بين امرأة أرمنية وضابط عثماني، استُخدمت لاحقًا في مسرحية شعبية.


---

تعليق رشاد أكرم كوجو:

> "كل مبنى في إسطنبول، هو دفتر غير مكتمل. كل مئذنة، إصبع يشير إلى الله... لكن أيضًا إلى الشعر، والسلطة، والحنين."


****

 

الأغوات في اسطنبول


في موسوعة إسطنبول، يتناول رشاد أكرم كوجو موضوع الخصيان (القصرجية أو الأغوات) بجرأة وعمق، بعيدًا عن النظرة السطحية أو الاستشراقية المعتادة، ويعرضهم بوصفهم حراس الصمت، ورواة الأسرار، وعيونًا تتنقل بين الحرملك والسلطنة، دون أن يكون لهم وطن في أي من العالمَين.

يرى كوجو أن الخصيان لم يكونوا مجرد خدم، بل مفاتيح غير مرئية لتاريخ المدينة المخفي، أولئك الذين عرفوا الأسرار كلها، لكنهم لم يستطيعوا التكلّم إلا في الحكايات.


---

1. الخصيان السود: خدام الحرملك، وسادته أحيانًا

يولي كوجو اهتمامًا خاصًا لـ الخصيان السود (أغوات الحرملك)، الذين جُلبوا من إفريقيا وخصوا عمدًا، ليخدموا في القصر دون "خطر".
لكنه يكتب بمرارة:

> "الخصي لم يكن فقط في الجسد... بل في التاريخ، حيث لم يُترك لهم صوت ليرووا قصصهم."



ويشير إلى أن أغلبهم كانوا أذكياء، يتقنون لغات متعددة، ويمتلكون شبكة تأثير داخلية بين الجواري، والأمراء، وحتى السلطانات.


---

2. أغا الحرملك: الحاكم الخفي

أعلى منصب ناله الخصيان كان "أغا الحرملك"، الذي كان يشرف على شؤون النساء، الجواري، وحتى بعض شؤون الدولة.
ويصف كوجو أحدهم – يُدعى "بشي باشا" – بأنه كان يوقع أوامر ويمرر رسائل السلطانات إلى الوزراء وكأن له لسان الدولة.

> "كان الخصي الذي لا يملك أبناءً... أبا أسرار السلطنة."




---

3. الأزياء والطقوس: رمزية الصمت والرقابة

يركز كوجو على لباس الخصيان: عباءة سوداء طويلة، عمامة صغيرة، وصدر لا يُفتح أمام العامة.
ويقول إن لون اللباس الأسود لم يكن فقط رمزًا للرهبنة، بل "لكتم الوجدان".

كما يذكر أن بعضهم كان يحتفظ بخاتم محفور عليه آية أو شعر رمزي مثل:

> "من لا نَسل له، صار حارسًا لنَسل الملوك."




---

4. حكايات من الحرملك: الخصيان رواة الظلال

يسرد كوجو حكايات هامسة عن خصيان كانوا يحملون الرسائل بين الجواري، أو يخفون جارية في أجنحة سرية، أو يشهدون مؤامرات لا يُسمح لهم بالتكلم عنها.

> "كانوا يسيرون بين المرايا، دون أن تُعكس وجوههم."



وتُروى قصة خصي يُدعى "زكريا"، يُقال إنه أحب جارية، وأنها كانت تبكي حين تمر أمامه، لأنه الوحيد الذي لا يستطيع أن يحبها "كما تحب النساء الرجال".


---

5. الخصيان في الحارات: من القصر إلى الأزقة

بعد طرد بعضهم أو عتقهم، كان الخصيان يعيشون في أحياء مثل بالات وأوسكودار، ويفتحون مدارس أو زوايا دينية صغيرة.
ويقال إن أحدهم – أغا يُدعى "حبيب" – تحوّل إلى واعظ صوفي، وكان يردد دائمًا:

> "من لا حُرّية له، يعلّم الناس كيف يحرّروا أرواحهم."




---

تعليق رشاد أكرم كوجو:

> "الخصيان هم شهود مجهولون في التاريخ. سُلب منهم الجسد... ليُعطَوا مفاتيح الأرواح."


*****


الأكل في اسطنبول


في موسوعة إسطنبول، يتعامل رشاد أكرم كوجو مع الطعام لا كمجرد مائدة أو طبق، بل كذاكرة حية، و"فن سردي" من نوعٍ آخر، تحفظه الملاعق، وروائح البهار، وهمس الجدّات في المطابخ.
يرى كوجو أن إسطنبول لا تُفهم من عمارتها فقط، بل من قدورها وأفرانها وموائدها الصغيرة المائلة على الأرصفة.


---

1. المطبخ العثماني: الدولة تطبخ

يشير كوجو إلى أن المطبخ السلطاني كان أشبه بوزارة قائمة بذاتها، اسمه الرسمي "المطبخ الإمبراطوري" (Matbah-ı Amire)، وفيه يعمل مئات الطهاة والخبازين.
وكانت بعض الأطعمة لا تُقدَّم إلا للسلطان، مثل:

شوربة العنبر

أرز بالورد المجفف

لحم الضأن المطيّب بالمسك


يقول كوجو:

> "كل طبقٍ كان يُحمل للسلطان، يُطبخ بوصفة... ويُختبر بوسوسة."




---

2. أحياء إسطنبول وروائحها:

يربط كوجو بين الأحياء وأنواع الطعام التي اشتهرت بها:

أوسكودار: حيث تنتشر روائح كباب الكبد في الصباح، وتُباع الزلابية أمام التكايا.

بالات وفنر: حيث يختلط المطبخ الأرمني واليوناني مع التركي، فيظهر طبق "طاجن الباذنجان بالزبيب"، والكفتة بالعنب المجفف.

بيوغلو: كانت مركزًا لمقاهي "النخبة"، حيث تقدم قهوة تركية بماء الورد أو الزعفران.


> "كل حيٍّ كان يطبخ هويته." – كوجو




---

3. الطعام كرمز للسلطة والمحبة

يروي كوجو أن الجواري كُنّ يُخترن أحيانًا حسب مهاراتهن في الطبخ، لا فقط الجمال.
وكانت خرم سلطان ترسل للسلطان أطباقًا خاصة كنوع من الرسائل الرمزية، كأن ترسل كعكة مرّة الطعم حين تغضب.

> "الطعام في القصر كان بريدًا بلا كلمات."




---

4. الموائد الشعبية: قصائد البسطاء

يشير إلى أن الأكلات البسيطة في الحارات كانت تحمل رمزية قوية:

مرق العدس: طعام الفقراء والعزاء، يُقال: "إذا بردت شوربة العدس، بردت القلوب".

الخبز والجبن والزيتون: فطور الصباح في المساجد والمدارس، يُقال: "بركة الله تبدأ من فمٍ بسيط".


ويعلّق كوجو:

> "ما طبخه الناس بأيديهم... كان أصدق مما يُطهى في قدر السلطان."




---

5. الطعام في الأمثال الشعبية:

جمع كوجو عشرات الأمثال التي تكشف فلسفة أهل إسطنبول في الطعام، مثل:

"من لا يُملّح طبخه، يُملّ من صحبته."

"اطبخ على نار هادئة... كما تُطبخ القلوب."

"الخبز الناشف لا يُؤكل وحده، بل بالكرامة."



---

تعليق رشاد أكرم كوجو:

> "الطعام هو اللغة التي لم يكتبها العثمانيون في الدستور، لكنهم حفظوها في الروح. إسطنبول، حين تجوع، تتذكّر ماضيها."


****


الخمر في اسطنبول


في موسوعة إسطنبول، لا يتجاهل رشاد أكرم كوجو موضوع الخمر، بل يتعامل معه بجرأة أدبية وتاريخية، بعيدًا عن التصنيفات الأخلاقية الجافة.
يرى الخمر في إسطنبول لا كمادة محرّمة فقط، بل كمرآة تعكس ازدواجية المدينة: تدينٌ في النهار، وتلذذ في الليل؛ دعاءٌ في الجوامع، وغزلٌ في الحانات.


---

1. الخمر كهوية ثقافية هامشية

> "إسطنبول مدينة تشرب، لكنها لا تعترف."



يكتب كوجو أن الخمر ظل حاضرًا في المدينة العثمانية رغم التحريم الرسمي، وخصوصًا في الأحياء غير المسلمة مثل:

فنر (Fener)

بالات (Balat)

غالاته (Galata)


ويقول إن بعض المثقفين والمتصوفة كانوا يشربون الخمر كرمز للتحرر أو حتى كشكل من أشكال "السكر الصوفي".


---

2. خمر السلطان والفقير: طبقات من السكر

في القصور، كان هناك شراب العنب المُعتّق يُحفظ في أوانٍ من الفخار أو البلور، ويُشرب في مجالس خاصّة جدًا، عادةً في حضرة الشعراء أو السفراء الأوروبيين.
أما الفقراء فكانوا يشربون خمرًا محليًا يُصنّع في السرّ، ويدعى أحيانًا "نبيذ الظلال".

> "في إسطنبول، كان لكل طبقة سُكرها... ولكل سُكر، أسلوب في الهروب."




---

3. الخمر في الأدب العثماني: سُكر بلا ندم

يستعرض كوجو كيف كتب بعض شعراء الديوان – مثل باقي، وفُضولي، ونِديم – أبياتًا تحتفي بالخمر، وتربطها بالحب، والجنون، والتحليق فوق الواقع.
وقد اشتهر الشاعر نِديم بقوله:

> "رشفنا الكأس لا لنسكر... بل لننسى أن الورد يموت."



كوجو يعلّق:

> "الخمر في الشعر العثماني لم تكن خمرًا دائمًا... أحيانًا كانت المجاز الوحيد المسموح به للبكاء."




---

4. حانات غالاته: سُكر المدينة السرّي

في منطقة غالاته، يروي كوجو أن الحانات كانت تُفتح بعد المغرب، ويتردد عليها التجار الأوروبيون، وأحيانًا ضباط الدولة متنكرين.
بعض الحانات كانت تُدار من قبل نساء يونانيات أو أرمنيات، ويُقال إن هناك واحدة منها عُثر فيها على رسالة حب من خصيّ إلى مغنية.

> "الليل في غالاته... كان يشرب الخمر ويبتسم للسلطان."




---

5. الخمر والتصوف: سكر روحي أم تورية؟

يناقش كوجو جدل الصوفية والخمر، ويشير إلى أن كثيرًا من الأولياء تحدثوا عن الخمر، لا كمادة، بل كرمز للحب الإلهي أو التجلي.
لكنه يقول:

> "حين يقرأ العاشق ذكر الخمر في ديوان حافظ، يرى النبيذ... أما الدراويش، فيرون الله."




---

6. الخمر في الأمثال والمرويات الشعبية

جمع كوجو أقوالًا منسية من حواري إسطنبول، مثل:

"إذا سَكِرَ القلب، لا فرق بين الماء والخمر."

"من شرب وحده، مات وحده."

"الخمر لا يفضح... البشر هم من يفعلون."



---

تعليق رشاد أكرم كوجو:

> "إسطنبول مدينة تمشي بين الكأس والمحراب، تسكر أحيانًا... وتستغفر كثيرًا. لكنها لا تكف عن الحلم، حتى لو كان في قاع زجاجة."


******

 

الموسيقى في اسطنبول 


في موسوعة إسطنبول، يفرد رشاد أكرم كوجو للموسيقى مساحة شعرية وعميقة، فيراها لا كفنٍ ترفيهيّ، بل كـذاكرة المدينة السمعية، وصرخة روحها حين يعجز اللسان عن البوح.
إنها — في نظره — اللغة السرية بين القصور والحارات، بين الحرملك والمقاهي، بين المؤذنين والمغنين، بين الدراويش والمجانين.


---

1. الموسيقى العثمانية: النغمة التي حكمت السلطنة

يشير كوجو إلى أن الموسيقى العثمانية كانت تُدرّس في القصور والتكايا على السواء.
وكان هناك نظام دقيق للمقامات (مثل: راست، سيكاه، حجازكار)، كل مقام يُستخدم حسب المناسبة والمزاج:

> "حين يُعزف مقام الرست، تتفتح السياسة... وحين يُعزف السيكاه، تبكي الأرواح."



وقد وُظّفت الموسيقى في الطب أيضًا، حيث كان يُعزف للمرضى النفسيين في مستشفى "دار الشفاء" في أدرنة.


---

2. الدراويش والسَّماع: الدوران حول المعنى

أحد أكثر المشاهد الموسيقية سحرًا، بحسب كوجو، هو سماع المولويين في تكية غالاته.
الدراويش يدورون، والناي يئن، وكأن الجسد صار ترجمة لصوت الغياب.

> "الناي عند المولوية... ليس آلة، بل جرح يعزف نفسه."



ويقول إن بعض زوار إسطنبول الأوروبيين اعتبروا هذا الطقس أجمل من كل الكنائس التي زاروها.


---

3. موسيقى الحريم: الغناء كرسالة مشفّرة

في الحرملك، كان للجواري دروس غناء تعلّمنها من مغنيات محترفات.
ويروي كوجو حكايات عن جارية كانت تغني بصوتٍ رخيم "يا ليلي يا عيني"، فاتهموها بإرسال رسائل مشفّرة لعاشق سري.

> "في القصر، الغناء لم يكن للتسلية... بل أداة مقاومة ناعمة."




---

4. الأغاني الشعبية: صدى الأزقة

في الحارات، وخصوصًا في أوسكودار وكاديكوي وبالات، انتشرت الأغاني الشعبية التي كانت تحفظ أخبار الحي، الحب، الغدر، والمآسي.
منها أغنية أرمنية غنّتها الجدات في الحقول، وترجمت إلى التركية بصيغة:

> "قلبي في الزاوية... لا يدقّ إلا حين يراك."



ويقول كوجو:

> "النساء في إسطنبول كنّ يغنين أكثر مما يتحدثن... لأن الغناء لا يُحاسَب."




---

5. المقاهي الموسيقية: مسارح الكادحين

يصف مقاهي بيوغلو وغالاته حيث كانت تُقام حفلات ليلية لعازفين شعبيين، يُطلق عليهم لقب "الطنبوريين".
وكان الحضور مزيجًا من البحارة، الشعراء، وبعض رجال الدولة المتخفّين.

> "كانت العود يُعزف كأنّه يبكي على وطن لم يُخلق بعد."




---

6. الموسيقى في الأمثال والموروث الشعبي

جمع كوجو بعض المقولات الشعبية عن الموسيقى، ومنها:

"إذا حزنت، غنِّ... وإذا فرحت، فدندن... فالصمت لا يليق بالأحياء."

"الناي لا يكذب... لأنه مكسور."

"كل لحنٍ في إسطنبول، له عاشق لم يُولد بعد."



---

تعليق رشاد أكرم كوجو:

> "الموسيقى في إسطنبول ليست صوتًا... بل هواءً مختلفًا، يدخل الرئة ليجعل الذاكرة تغنّي."


*****

 

الحرفيين اسطنبول 


في موسوعة إسطنبول، يحتفي رشاد أكرم كوجو بالحرفيين كأبطالٍ صامتين نسجوا المدينة بخيوط الذهب، والمسامير، ورائحة الخشب.
لا يراهم عمّالًا عابرين، بل رواة حضارة يكتبون التاريخ بالمطرقة والإبرة والمخرز، ويصنعون من دكاكينهم حكايات لا تُدوَّن في كتب الدولة، بل في ذاكرة الأزقة.


---

1. البازار الكبير: جمهورية الحِرَف الصغرى

> "البازار لم يكن سوقًا... بل كونًا مصغّرًا، فيه وزراء من النحاس، وشعراء من الخزف، وفلاسفة من الجلد."



يركز كوجو على البازار الكبير (Kapalıçarşı)، حيث تداخلت الحرف مع الدين، والعلاقات الاجتماعية، وحتى السياسة.
كان كل شارع فيه مختصًا بحرفة معينة:

سوق الصاغة (الذهب)

سوق النحاسين

سوق الخطاطين

سوق الزجاج المنفوخ


وكانت الحِرف تنتقل وراثةً وتعليمًا صوفيًا، لا مجرد تدريب تقني.


---

2. الحرفي المتصوّف: العمل عبادة وجمال

كثير من الحرفيين، بحسب كوجو، كانوا ينتمون إلى طرق صوفية، يرون أن العمل ليس شقاءً بل ذكر.
كان النجار يبدأ يومه بقول: "بسم الله الناحت في الخشب كما تنحت الرحمة في القلب."

ويروي أن بعض الصاغة كانوا ينقشون على خواتمهم الصغيرة كلمات مثل:

> "رزقي من ربي لا من السلطان."




---

3. دكاكين تتكلّم: العمارة الحرفية

يتحدث كوجو عن دكاكين مبنية كأنها قصائد قصيرة:

نوافذ صغيرة من الزجاج المعشّق

أبواب محفورة باليد

لوحات كتبت عليها عبارات مثل:
"البركة في العمل، لا في الزينة."


ويحكي عن دكّان خيّاط في حي فنر، كان يرفض التعامل مع الأغنياء إن لم يقولوا له: "الله يبارك في يدك" أولًا.


---

4. النساء الحرفيات: التطريز كصوتٍ أنثوي

في بعض أحياء أوسكودار وكاديكوي، يذكر كوجو نساءً كنّ يعملن في تطريز الطُرُز السلطانية، وكنّ يُدرّبن بناتهن على خياطة الآيات القرآنية بالخيط الذهبي.

> "كل إبرة كانت تقرأ سورةً، وكل غرزة تسبيحة."




---

5. الحِرَف التي اختفت: فراقٌ بصمت

يحزن كوجو على الحرف التي اندثرت، مثل:

صانعو النعال الجلدية (المستعملة للمولوية)

الخزّافون الذين يكتبون بالدمشقية على البلاط

القصّابون الذين يذبحون مع الدعاء لا السكين فقط


> "حين مات آخر نحات نحاس في بلاط، بكت الملاعق القديمة في الخزائن."




---

6. الحِرَف في الأمثال والحكايات:

"من لم يمسك المطرقة، لا يعرف صوت الفجر."

"الحرفي لا يغضب... فقط يصمت ويصنع شيئًا أجمل."

"الخزف المكسور أصدق من الكلمة المصقولة."



---

تعليق رشاد أكرم كوجو:

> "حرفيو إسطنبول لم يشيّدوا المدينة فقط... بل زرعوا روحها، غرزًا، ومسامير، ونفَسًا طويلًا يشبه الدعاء



****


أتاتورك في اسطنبول !!


في موسوعة إسطنبول، يُقدِّم رشاد أكرم كوجو سردًا مركبًا وحذرًا عن مصطفى كمال أتاتورك، ليس فقط باعتباره مؤسس الجمهورية التركية، بل بوصفه زلزالًا فكريًا وسياسيًا هزّ جسد إسطنبول العثمانية، وأيقظها من نوم قرون، لكنه أيضًا مزّق غطاءها القديم لتظهر مدينةٌ جديدة نصفها فخر… ونصفها حنين ممزق.


---

1. أتاتورك في المدينة التي لم تَحمِهِ

رغم أن أتاتورك ارتبط بـأنقرة كعاصمة جديدة، فإن إسطنبول كانت المرآة التي أدار ظهره لها... ولم تدرِ إن كانت تودّعه أم تتبرّأ منه.

يكتب كوجو:

> "كان يمرّ في إسطنبول كمن يدخل بيتًا تربّى فيه... ثم هدم سقفه، ليُعيد بناءه على صورته."




---

2. خلع الطربوش: خلع الطبقات لا الغطاء

من أشد مشاهد التحول في سرد كوجو: قرار أتاتورك منع لبس الطربوش واستبداله بالقبعة الأوروبية.

يعلّق قائلًا:

> "في إسطنبول، لم يكن الطربوش مجرد قبعة... بل طبقة، وهوية، وصدى دعاء قديم. خلعه لم يكن تغييرًا في الزي، بل في الذاكرة."



وقد قاوم كثير من سكان إسطنبول هذا القرار، خصوصًا في أحياء مثل الفاتح وأوسكودار.


---

3. لغة جديدة، ومآذن صامتة

يشير كوجو إلى أن أتاتورك حوّل الآذان إلى التركية لفترة من الزمن، كما فرض الأبجدية اللاتينية، مما جعل كثيرًا من سكان إسطنبول – لا سيما كبار السن – يشعرون بأنهم "أُميّون فجأة".

> "في ليل إسطنبول، كانت الكتب تبكي... لا أحد يقرأها."




---

4. النُصب والمفارقة: تمثال لمن كسر الأصنام

يستعرض كوجو التماثيل التي نُصبت لأتاتورك في الساحات، خصوصًا ساحة تقسيم، ويقارن بينها وبين الزوايا الصوفية التي أُغلقت بأمره.

> "نُصِب له تمثال حيث كان يدور الدراويش... كأن الحداثة انتصرت على الغيب دفعة واحدة."




---

5. أتاتورك في كلام الناس: بين التقديس والتمرد

ينقل كوجو مفارقات لسان الشارع:

في المقاهي الحديثة، صورته فوق الراديو، وإلى جانبها وردة.

في الأزقة المحافظة، كان يُقال سرًا: "الله يسامحه... لكنه غيّرنا كثيرًا."


ويكتب:

> "في قلب كل إسطنبولي، أتاتورك لا يُحبّ أو يُكره فقط... بل يُفكَّر فيه."




---

6. أمثال شعبية عن التحوّل الأتاتوركي:

"من أطفأ شمعة الزاوية، أشعل مصباح المدرسة."

"القبعة لا تجعل الرأس أوروبيًا."

"كل إصلاح له ظل... وظلّ الظل، أحيانًا، أطول من الجدار."



---

تعليق رشاد أكرم كوجو:

> "أتاتورك لم يدخل إسطنبول بجيوشه... بل بمراسيمه، وأفكاره، ولغته الجديدة. لم يحتل المدينة، لكنه أخرجها من ذاتها، ولم تُعد كما كانت... ولا كما أرادها تمامًا."


*****


الشعر في اسطنبول 


في موسوعة إسطنبول، يتعامل رشاد أكرم كوجو مع الشعر بوصفه دم المدينة الصامت، لا ترفًا لغويًا ولا تزيينًا ثقافيًا، بل كروحٍ تتنفسها الأزقة، والمآذن، والقباب، وحتى النوافذ التي تُفتح في الفجر لتستقبل بيتًا من ديوان نِديم أو تنهيدةً من قصيدة لفتحي القباقيجي.

الشعر في إسطنبول عند كوجو ليس فقط ما كُتب، بل ما تردّد، وتُهِمْهَم، وذُكِر في الزوايا، وفي مجالس الليل، وفي عيون النساء.


---

1. إسطنبول مدينة القصيدة الطويلة

> "الشعر في إسطنبول لم يُكتب في الكتب أولًا... بل على الماء، والرخام، والهواء بين المآذن."



يرى كوجو أن إسطنبول كانت دائمًا مُلْهِمة وملهمة:

ملهمة للشعراء القادمين من الأناضول أو البلقان أو القوقاز،

ومُلْهِمة لشكل القصيدة نفسها، التي كانت في أحيان كثيرة تتخذ من المدينة هيكلًا لها.



---

2. شعراء إسطنبول الكبار: بين القصور والحارات

يركز كوجو على شعراء مثل:

باقي: الذي يرى فيه كوجو "لسان الغزل المتعالي على النار والفتنة".

نِديم: شاعر "عصر الزنبقة"، وهو الأكثر إسطنبوليّة، الذي مدح المتعة والموسيقى والنساء والحدائق، ويقول عنه:

> "كان يكتب كمن يتراقص... لا كمن يتأمّل."



يحيى كمال بياتلي: الشاعر القومي الحداثي، الذي مزج بين إسطنبول العثمانية والجمهورية، ويصفه كوجو بأنه:

> "آخر من غنّى الأندلس من على شاطئ البوسفور."





---

3. الشعر في الحارات: أمثال ومواويل

يرى كوجو أن الشعر لم يكن حكرًا على الدواوين:

في بالات وفنر، كانت الجدات ترددن مواويل أرمنية ويونانية تُترجم إلى التركية في الأسواق.

في أوسكودار، كانت النساء تكتبن أبياتًا على أطراف الطُرز المطرزة.


> "كل بيت شعري في إسطنبول، كان يشبه قبلةً سُرقت بين المئذنة والظل."




---

4. المقاهي والقصائد: حيث تُرتَشف الأبيات

يسرد كوجو كيف كانت بعض المقاهي، مثل قهوة الشعراء في بيوغلو، تُخصَّص لقراءة القصائد، وكانت الجدران تُغطى بالكتابة لا الرسوم.
ويُذكر أن بعض الحلاقين كانوا يكتبون بيتًا شعريًا كل صباح على اللوحة الخشبية:

> "نهارنا أبيض… إن قرأتَ شيئًا أسودًا، فهو في القلب لا في اللحية."




---

5. الشعر في الزوايا: صوت الله في لسان شاعر

يرى كوجو أن التصوف والصلاة وُجدت في الشعر أكثر من الفقه:

المولوية جعلت القصيدة تدور كما الدراويش.

القادرية جعلت الدعاء يُنشد لا يُهمس.

وكان الناي والشعر توأمين في الزوايا.



---

6. الشعر في الأمثال والحكمة الشعبية

جمع كوجو كثيرًا من الأقوال الشفوية التي تتحدث عن الشعر:

"من لا قلب له… لا يسمع بيت الشعر حتى لو صرخ."

"الشاعر في إسطنبول يُكرَم إن مات… ويُطرد إن جاع."

"بين كل مأذنة وقُبّة… بيت شعر لا يُقال إلا عند الأذان."



---

تعليق رشاد أكرم كوجو:

> "إسطنبول مدينة لا تحتاج إلى شاعر… لأنها نفسها قصيدة طويلة لا تنتهي، تُكتب بماء البوسفور، وتُختم كل يوم برشفة قهوة وصوت ناي."


****


اللغة الفارسية في اسطنبول 


في موسوعة إسطنبول، يتناول رشاد أكرم كوجو اللغة الفارسية لا كـ"لغة أجنبية"، بل كـ"لغة داخلية" تهمس في قلب النص العثماني، وتتماهى في شوارع إسطنبول كما تتماهى العطور في ثنايا الحرير.
يصفها بأنها الضلع الرقيق في مثلث اللغة العثمانية، إلى جانب العربية والتركية، لكنها الوحيدة التي كتبت الحب والمجاز والسلطنة بلمسة شاعر.


---

1. الفارسية في البلاط العثماني: لغة النبل والدواوين

> "الفارسية لم تكن غريبة في إسطنبول... كانت تسكن الدواوين كأنها وُلدت في قصر."



يشير كوجو إلى أن السلاطين والعلماء، وخصوصًا في القرون 16–18، كانوا يتقنون الفارسية، ويقرؤون بها الأدب الصوفي، والدواوين الكلاسيكية.
وكان شعراء البلاط يُدرّبون على كتابة الغزل بالفارسية قبل التركية.

منهم السلطان سليمان القانوني الذي كتب تحت اسم "محبّي" متأثرًا بجلال الدين الرومي وحافظ الشيرازي.


---

2. كلمات فارسية في شوارع إسطنبول

يجمع كوجو قائمة طويلة من المفردات الفارسية التي أصبحت جزءًا من لهجة إسطنبول اليومية:

دُكان، شيراز، دفتر، آفت، بهار، شاه، خان، بختيار، ناز، دل، عشق، سوز، فُرصت، كار، نغمة، راز، نقش، جنّت، صُبح، شيريني، غم، سودا…


ويعلق:

> "الناس في إسطنبول كانوا يتحدثون التركية... لكنهم كانوا يحلمون بالفارسية."




---

3. الفارسية والتصوف: لغة القلب في الزوايا

يشير كوجو إلى أن تكايا الصوفية، خصوصًا المولوية والصفوية، كانت تستخدم الفارسية في أناشيد الذكر، وفي قراءة أشعار مولانا، وسعدي، والعطار.

> "اللغة الفارسية لم تُستخدم للتفاخر في الزوايا... بل للتجلي."



وكان الدراويش يقولون إن من لا يفهم الفارسية، "فاته نصف العشق".


---

4. الكتابة الرسمية والعاطفية بالفارسية

بين الوزراء والعلماء، كانت الفارسية لغة الرسائل الشخصية:

رسائل الحب،

الاعتذار،

وحتى التوسلات بين الخصيان والسلطانات.


وفي بعض الوثائق، يكتب عبد الحميد عبارة فارسية في الهامش كـ"سِرّ دل" (سر القلب)، يرفقها بأمر إداري، وكأن الحكم نفسه يخجل من قسوته.


---

5. الفارسية في الأمثال والحِكم الإسطنبولية

جمع كوجو أمثالًا ومقولات ذات أصول فارسية تداولها الناس، مثل:

"عشق بي‌ادب، مثل بهار بي‌بو." (حب بلا أدب، كربيع بلا عطر)

"هر دل راز دارد، ولی هر راز دل ندارد."

"غم، آينهٔ دل عاشق است."

"بختيار كسي است كه دل دارد و دلبر نيست."


ويترجمها بتأمل شعري إلى التركية والعثمانية.


---

تعليق رشاد أكرم كوجو:

> "اللغة الفارسية في إسطنبول كانت كعطرٍ بقي بعد أن خرجت صاحبته من الغرفة... لا تراها، لكنك تشعر بها في الشعر، في الغزل، وفي القلب."


*****

 

السلطان عبد الحميد الثاني

 

في موسوعة إسطنبول، يُخصّص رشاد أكرم كوجو فصلاً كثيفًا ومركبًا عن السلطان عبد الحميد الثاني، يصفه فيه بأنه آخر السلاطين الحالمين وأول الملوك المحاصَرين. لم يقدمه كوجو كرمز سلطوي فقط، بل كـمهندس الظلّ، وسلطان الخوف، والمثقف الحزين الذي كان يكتب المسرحيات ويمزقها سرًا.

إسطنبول في زمن عبد الحميد لم تكن فقط مدينةً تُحكم… بل كانت نفسها محكومة برعبٍ مزدوج: من الأعداء، ومن الأفكار.


---

1. السلطان العاشق للمكتبة لا للميدان

> "عبد الحميد كان يخاف من الجموع، ويحب العزلة... لكنه أراد أن يُدير العالم من وراء الستارة."



يروي كوجو أن السلطان عبد الحميد قضى أغلب وقته في قصر يلدز، حيث أنشأ مكتبة ضخمة وجمع فيها الكتب الأوروبية والعربية، وكان يقرأ المسرحيات، ويكتب أحيانًا.

وقد أمر ببناء مرصد فلكي ومدارس صناعية، لكنه في الوقت نفسه ضيّق على الصحف والنشر.


---

2. الرقابة: مدينة تُراقِب نفسها

في عهد عبد الحميد، انتشرت الرقابة بشكل كثيف. يذكر كوجو أن الناس في إسطنبول صاروا يتهامسون بدل أن يتكلموا، وتحولت المقاهي إلى مسارح للوشوشة.

> "كان كل شيء في إسطنبول يُفتّش: الرسائل، الكتب، حتى الأسماء."



ويذكر أنه تم حظر اسم "عبد الحميد" نفسه في بعض الأعمال الأدبية إذا لم يُذكر بالتعظيم.


---

3. السكك الحديدية: خرائط من حديد وحُلم

من إنجازاته الكبرى خط سكة حديد الحجاز، الذي كان يمتد من إسطنبول إلى المدينة المنورة.
كوجو يراه مشروعًا سياسيًا بلباس ديني:

> "عبد الحميد أراد أن يربط قلب الخلافة بأطرافها، بسلاسل من حديد."




---

4. السلطان والفن: الرسام الذي لم يُعرض معرضه

كان عبد الحميد مولعًا بالتصوير والرسم والمسرح، حتى إنه كان يكتب نصوصًا مسرحية بنفسه، ويُقال إنه أمر بترجمة عدة أعمال غربية.

لكن كوجو يكتب بسخرية لاذعة:

> "السلطان الذي كتب مسرحية عن العدل، اعتقل الممثل لأنه غيّر نبرة صوته."




---

5. مؤامرات القصر: الخوف كثوب رسمي

يروي كوجو قصصًا عن الجو المسموم داخل قصر يلدز:

الخصيان الذين يسجلون كل همسة.

الرسائل التي تُفتح بالبخار.

الوزراء الذين يُراقبهم الطهاة.


ويكتب:

> "عبد الحميد لم يكن سلطانًا فقط... كان أيضًا سجّانًا لنفسه."




---

6. سقوطه: حين خافت المدينة من الصمت

عام 1909، خُلع عبد الحميد بعد انقلاب الاتحاديين.
كوجو يصف لحظة خلعه من قطار إسطنبول:

> "خرج من القصر لا كسلطان مخلوع، بل كمريض شبع من الحلم، وتقيأه على رصيف التاريخ."




---

الأمثال والحكايات الشعبية عنه:

"الحميدي لا ينام… لكنه لا يحلم."

"في عهد عبد الحميد، حتى الحروف تُسجن."

"سلطان أحب الكتب… فحبسته الكتب."



---

تعليق رشاد أكرم كوجو:

> "عبد الحميد سلطان لم يُهزم على يد الأعداء، بل غرق في بحرٍ صنعه من المرآيا والمخاوف. لقد حكم إسطنبول… لكنه لم يُحررها من صوته الداخلي."


****


إبراهيم باشا الفرنجي

 

في موسوعة إسطنبول، يقدّم رشاد أكرم كوجو صورة درامية ودرامية جدًا لشخصية إبراهيم باشا الفرنجي، الوزير الأكبر وصديق السلطان سليمان القانوني، الذي صعد من قاع العبودية إلى قمة السلطنة، قبل أن يسقط سقوطًا مروعًا من الوسادة إلى المقصلة.

كوجو لا يراه فقط رجل سياسة، بل حالة رمزية للمجد حين يخون أصله، والصداقات حين تخون القلوب.


---

1. من عبد إلى صدر أعظم

إبراهيم وُلِد في منطقة يونانية (ربما بارغا)، وجُلب عبدًا إلى القصر، ليكون رفيقًا للسلطان سليمان قبل أن يصبح سلطانه.
يسميه كوجو:

> "الفرنجي الذي غلّف عثمانيته بالحرير، لا بالدم."



ويُقال إن السلطان كان يناديه أحيانًا بـ"إبراهيم جان" (روحي يا إبراهيم)، في إشارة لعُمق العلاقة بينهما.


---

2. بيت إبراهيم في إسطنبول: قصر فوق النسيان

يشير كوجو إلى أن إبراهيم باشا شيّد قصرًا ضخمًا في ساحة السلطان أحمد، بات اليوم متحفًا للفنون التركية والإسلامية.
لكن الناس كانوا يهمسون وقتها:

> "من بنى بيته أمام القصر، نسي أنه لا يُبنى بيت في ظل السلطان."



وقد اعتبر كثيرون أن بناءه كان إعلانًا غير مباشر عن طموح خفي... أو غرورٍ لا يليق بعبدٍ سابق.


---

3. علاقته المعقدة مع خرم سلطان

في خبايا الحرملك، ينقل كوجو إشارات إلى توترٍ خفي بين إبراهيم وخرم سلطان.
فبينما كان يميل لابن السلطانة ماهيدفران (الأمير مصطفى)، كانت خرم تحيك سياستها من أجل أبنائها.
وكتب كوجو:

> "خرم لم تحبه... لا لأنها تكرهه، بل لأنها رأت فيه ظلًّا يتطاول على الشمس."




---

4. الليلة الأخيرة: مأساة الشاعر الوزير

يروي كوجو تفاصيل الليلة التي أمر فيها السلطان سليمان بإعدامه، رغم السنوات الطويلة من الصحبة.
يقال إن إبراهيم كان في الحمام عندما جاءه القرار، وأنه لم يقاوم.
كُبّل، وخُنق، ودُفن سرًّا، ثم مُحي اسمه من كثير من الوثائق.

> "سُحب من القصر كما تُسحب الريشة من الوسادة، بلا دم... لكن الألم في العين."




---

5. إبراهيم في الأمثال والحكايات

في إسطنبول الشعبية، يُقال:

> "لا تكن إبراهيم... فالسلطان إذا أحبّك يومًا، قد يكرهك في الغد بلا سبب."



وفي المقاهي القديمة، كانت تُروى حكايات عن "الفرنجي الجميل"، الذي أحب الشعر والعمارة... وسقط لأنه لم يعرف أن في قلب السلطان، لا يُقيم أحدٌ طويلًا.


---

تعليق رشاد أكرم كوجو:

> "إبراهيم باشا هو قصيدة نُسيت في قصر. كل من صعد بعده، قرأها... ثم مزّقها خائفًا من المصير نفسه."


****

 

سليمان القانوني

 

في موسوعة إسطنبول، يرسم رشاد أكرم كوجو صورة مركبة وعميقة للسلطان سليمان القانوني (1494–1566)، لا بوصفه فقط "قانونيًا" أو فاتحًا، بل كسلطان يكتب الشعر بيد، ويرسل الجيوش باليد الأخرى، ويسير بين المتناقضات: الحب والسلطة، الدين والدولة، الشريعة والشهوة، الزهد والعظمة.
إنه ليس فقط سليمان العظيم كما نُعِت في الغرب، بل سليمان الإنسان كما التقطته ذاكرة إسطنبول.


---

1. السلطان الذي كتب الشعر تحت اسم "محبي"

يشير كوجو إلى أن سليمان كان شاعرًا رقيقًا كتب تحت الاسم المستعار "محبّي" (Muhibbi)، وله ديوان ضخم.
ويذكر كوجو أحد أبياته الشهيرة:

> ما الدولة إلا ظلٌّ زائل
وما الحياة إلا كأس في يد عاشق



ويعلّق:

> "لم يكن شاعرًا للهروب، بل شاعرًا يحاول ترويض الوحش داخل السلطان."




---

2. سليمان وحُرّم: الحب الذي غيّر السلطنة

يصف كوجو علاقته بـ خرم سلطان بأنها "زلزال في قلب القصر".
لأجلها، خالف العرف وتزوج جارية، وأعطاها قوة لم تعرفها امرأة قبله في القصر العثماني.

> "كان يمكن أن يبني مساجد أكثر، لكنه بنى لخرم قلبًا داخل السلطنة."



ويُروى أن رسائله إليها كانت تمزج بين السياسة والعشق، ويحتفظ الأرشيف العثماني ببعضها.


---

3. مسجد السليمانية: حجر يكتب الشريعة

يرى كوجو أن مسجد السليمانية، من تصميم معمار سنان، هو تجسيد معماري لحكمة سليمان، حيث تناغم الجمال بالشريعة، والفن بالقوة.
ويصفه بقوله:

> "السليمانية ليس مسجدًا فقط... بل دستورٌ من صمت، تقرؤه بالحس قبل العين."



ويشير إلى أن موقع المسجد، المطل على القرن الذهبي، كان مقصودًا، ليكون المسجد "عين السلطنة".


---

4. القانوني... أم المتردد؟

في فصلٍ مثير للجدل، يطرح كوجو سؤالًا:
هل كان سليمان حاكمًا عظيمًا... أم إنسانًا عظيمًا فشل في أن يحكم قلبه؟

يستعرض قراراته: إعدام ابنه مصطفى، قتل إبراهيم باشا، تقلبه بين الورع والدسائس.
ثم يعلّق:

> "القانوني لم يسقط أمام أعدائه، بل أمام نفسه... وكان يعرف ذلك."




---

5. سليمان في حكايات إسطنبول الشعبية

في الأزقة، تقول النساء مثلًا:

> "لا تكن سليمان... فالقانون لا يمنع الحزن."



وتُروى قصة عن امرأة عجوز أوقفت السلطان في موكبه وقالت:
"كتبتَ القوانين، فهل كتبت قانونًا للدموع؟"


---

تعليق رشاد أكرم كوجو:

> "سليمان القانوني هو الرجل الذي حاول أن يكون ظل الله في الأرض... فانتهى شاعرًا يبكي في محرابه."


*****

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

الخريطة التي تقودني إليك

 رواية الخريطة التي تقودني  إليك  بقلم  جوزيف مونينغر المقدمة يوم التخرج إنها والدتك، من بين الجميع، هي التي تلتقط الصورة المثالية لك ولصديق...