حين حلّقت الرهبة في السماء
لم يكن في الحسبان أن تتحول رحلتنا الجوية إلى كابوس يكتب في دفتر المستحيلات. لا أدري لماذا، حين كنت أنظر من نافذة الطائرة إلى زرقة السماء وخريطة أفريقيا أسفلنا، تذكّرت أمي.
"اقرأ يا شاهر... لا تكبر مثل أبيك، جاهل بالقصص، أعمى عن العبر."
كنت أضحك حينها. أقول لها: "أنا مهندس، لست حكواتيًا."
لكن في هذه اللحظة، وسط هذا الصمت الجوي، شعرت أنني خفيف... كما كانت القصص تجعلني يومًا ما.
تذكّرت أبي أيضًا، جريدته، فنجانه، وقوله المتكرر:
"الأدب لا يُطعم خبزًا يا ولدي."
يبدو أنه لم يعرف أن الخبز أحيانًا… لا يُنقذك. لكن الحكاية قد تفعل.
أعلنت المضيفة أن كل شيء على ما يرام، وأننا على بعد ساعات قليلة من الوصول. صوت المحرّك كان ناعمًا، يهمس مثل قلب أم مطمئن، والركاب – وأنا أحدهم – منغمسون في صمت التأمل أو نوم خفيف.
لكن السكينة، كما تعلم، لا تدوم طويلًا في حكايات الحياة.
صرخة رجل من مؤخرة الطائرة اخترقت جدار الأمان: "إنها عملية اختطاف!"
في لحظة، انقلبت الدنيا. النسوة يصرخن، الأطفال يبكون، الرجال يتبادلون النظرات المرتجفة، وأنا... شعرت كأن الدم تجمد في عروقي. رأيتهم بأم عيني، رجالًا مسلحين بعيون حمراء ونوايا سوداء، يهددون الركّاب، ويصيحون بمطالبهم.
قالوا إنهم يريدون الإفراج عن سجناء محكوم عليهم بالإعدام في دولتهم. لم تكن هذه رحلة سفر، بل صارت طائرة معلّقة بين الحياة والموت.
رفضت الحكومة الانصياع. وعندها بدأ الخطر الحقيقي. أحدهم هدّد بتفجير الطائرة، قال إنهم زرعوا المتفجرات في قلبها، وأنهم لن يترددوا في إنهاء كل شيء إذا لم يُستجاب لهم.
كنت أجلس في المقعد 14A، قرب النافذة. أذكر أنني تمسكت بالحزام وكأن فيه نجاة، وأخذت أراقب المضيفات. لوهلة، رأيت في عيونهن شيئًا غريبًا... لم تكن فقط الرهبة، بل خطة تُحاك بصمت.
ما لم يعرفه المختطفون أن الطيار، بالتعاون مع طاقم الطائرة، دبروا مكيدة ذكية. في هدوء، أُسقوا العصابة شيئًا ممزوجًا بالعصير، ما لبث أن خدرهم وأسقطهم واحدًا تلو الآخر. تنفسنا الصعداء، لكنّها كانت راحة مؤقتة.
وبينما كنا نعتقد أن الخطر قد زال، أُعلن عبر مكبر الصوت عن عطل مفاجئ في إحدى مراوح الطائرة. بدا الصوت مختلفًا، اهتزّت الطائرة للحظة، وبدأنا نميل بخفة، ثم عاد التوازن. لم يكن أمام الطيار خيار سوى الهبوط الاضطراري في أقرب نقطة ممكنة.
وبذلك، هبطت الطائرة على أرض مجهولة، وسط أدغال قارة تبدو وكأنها تبتلعك من النظرة الأولى. فتح الباب، وخرجنا من جوف الحديد إلى رئة الأرض. استقبلنا أناس غريبون… رجال شبه عراة، جلودهم مدهونة بطين رمادي وألوان، يتحدثون بلغة لا تشبه أي لغة سمعتها.
ظننا أننا بأمان. لكن سرعان ما تحوّل الظن إلى وهم.
مرت ساعات – أو أيام – ونحن ننتظر أن تتواصل حكوماتنا معنا، أن تُرسل إلينا طائرات النجاة أو جيوش الإنقاذ. لكن الوقت كان ينزلق مثل حبّات رمل في زجاجة مقلوبة… ببطء قاتل.
وفي ليلة مظلمة، حين كان القمر يشبه جمجمة بيضاء معلقة في السماء، وقعت الكارثة.
بدأوا يهاجموننا.
قبيلة من آكلي لحوم البشر، لا تفرّق بين المختطف والراكب، بين الجلاد والضحية. كنت أركض في الغابة، ألهث، أسمع صراخ أصدقائي خلفي. رأيت أحد المختطفين يُسحب من قدميه، وتختفي صرخاته في العتمة. لا أحد ينجو هناك، لا أحد يُعامل كإنسان.
صرنا جميعًا… لقمة سائغة.
واصلت الجري، وخلفي تصاعدت صرخات لم يعد الزمن يُمهلني لتأملها. كانت خطواتي تتسارع لا فرارًا فقط، بل إصرارًا على النجاة. إلى جانبي أنوشكا، امرأة في عقدها الثالث، وأكيهيتو، طفل صغير يلهث كعصفور مذعور، وعلى ظهري حملت رجلاً مريضًا كان يئنّ بثقل السنوات والعلل.
في البداية، كنا نهرب من
المختطفين، أما الآن، فقد وقعنا بين كماشتي وحش أكبر… قبيلة من آكلي لحوم
البشر، أولئك الذين ظننتهم خرافات سينمائية، فإذا بهم حقيقة تجوب الأدغال.
في غمرة الرعب، ومهما
اشتدت السوداوية، وجدت نفسي أضحك… أضحك بصمت داخلي. تذكرت عمي سامح، حين
صرخ يومًا أن جارته ذات الأسنان الحادة اختطفت ابنته الصغيرة هيفاء. كان
مقتنعًا أنها تنتمي لقبائل أكلة لحوم البشر، رغم أن المرأة كانت فقط...
فقيرة، وعابسة. لا أدري لماذا تذكرت هذا الآن، لكن الذكريات أحيانًا تنبت
من قلب الخوف كزهرة مجنونة.
تعثرت أنوشكا فجأة وجلست على صخرة، وقالت بصوت متهدج: "أريد ماء... أكيهيتو يريد ماء... وأنت؟"
كنت متعبًا، وقد بلغ مني
حمل الرجل كل مبلغ. رقبتي تؤلمني وظهري يئن، لكنني تماسكت. ومن حسن حظنا،
لم يخذلنا النهر الابيض، ذلك الذي لطالما سمعنا عنه في دروس الجغرافيا.
بلغناه في وقت بدا فيه كل شيء آيلاً للسقوط.
شربنا حتى ارتوت أرواحنا، لا أجسادنا فقط.
حينها بدأت الحقائق تتكشف.
ظننت أن أكيهيتو هو ابنها، لكنها قالت: "أنا غير متزوجة... عذراء. اسمي أنوشكا. هذا الطفل أعطتني إياه امرأة في الطائرة، قالت لي: (هذا الطفل آمنة لديك، احميه)."
نظرت إلى الطفل... عيون
شقية، متمردة، مليئة بالحياة رغم كل هذا الجنون. كان لا يهدأ، يتحرك كأنه
لا يعترف بالخوف. طفل في الثامنة، لكنه يحمل روحًا من نار.
أما الرجل المريض، فقد تنحنح وقال بنبرة هادئة: "كنت ذاهبًا في رحلة علاج... لا أدري كيف، لكنني أشعر بتحسن... سنوات وأنا أعاني، والآن... كأن شيئًا ما في هذه الغابة أعادني إلى الحياة."
تبادلنا النظرات. لا شيء يفسَّر في أرضٍ كهذه.
الفتاة – أنوشكا – أضافت بصوت خافت: "زفافي كان الأسبوع القادم… خطيبي كان على متن الرحلة. لا أدري أين هو الآن.
...
الفتاة اقتربت منّي وهمست:
"لا أريد أن نفترق. سأقول إننا زوجان، وهذا الطفل أكيهيتو ابننا بالتبني... سنطلب أن نكون معًا."
وافقتُ، دون أن أجادل. ربما من الحاجة، أو من وهم اسمه الأمان.
عمّ الصمت، ثم سمعنا ضجيجًا في الأدغال...
صوت خطوات… كثيرة… غير مألوفة…
كان الصوت يقترب... خشخشة أوراق، تكسّر أغصان، أنفاس لا تُشبه أنفاس الحيوان ولا الإنسان. نظرتُ إلى المرأة، رأيت دموعها تشقّ طريقها على وجنتيها بصمت، أما الطفل فقد التصق بي كقطة هاربة من المطر. الرجل المريض – الذي بدا وكأن روحه استردّت كامل عنفوانها – نهض واقفًا، يثبت قدميه في الأرض كمن قرر أن يقاتل ولو بأظفاره.
همستُ: "لا تتحركوا... لا تصدروا صوتًا."
لكن الأصوات لم تكن بحاجة لأن تهتدي إلينا بالبصر أو الصوت، كأنهم يشمون رائحة الخوف.
من بين ظلال الأشجار، ظهروا… أولهم كان ضخم الجثة، جلده مغطى بندوب تشبه خريطة حرب، في عنقه عقد من عظام صغيرة – ربما بشرية – وعيناه تلمعان كعيني نمر جائع. خلفه تبعته خمسة... عشرة... ثم العشرات.
أحدهم تقدم نحونا، رفع رمحه، ثم قال بكلمات غريبة… لم أفهمها، لكن عينيه كانتا تتحدثان لغة أخرى: لغة السيادة.
رفعتُ يدي، وقلت بلغة إنجليزية مرتجفة: "We are not enemies... we're just survivors..."
"لسنا اعداء بل ناجين من الطائرة"
نظر إلي، ثم إلى الطفل، ثم إلى المرأة، وأطلق صوتًا كالصيحة. لحظة، ثم علت الأصوات، وبدأوا يقتربون أكثر.
قلت لنفسي: هذه نهايتنا.
لكن حدث ما لم أتوقّعه.
الرجل الذي كان معنا – المريض الذي تماثل للشفاء – انطلق فجأة نحوهم، ورفع يديه بطريقة غريبة، ثم نطق بلغتهم!
نعم، كأنه واحد منهم!
صُعقت. نظر إليّ وقال: "اسمي الحقيقي كابونغا... جدي من هذه الأرض. كنت ذاهباً للعلاج في أوروبا، لكن الأرض تناديني، كنت أحلم بالعودة. يبدو أنني عدت... بأعجوبة."
أكمل بلغة لا أفهمها، لكن بدا واضحًا أن كلماته صنعت فرقًا. القوم تراجعوا قليلاً، ثم اقتربوا ثانيةً، لكن هذه المرة، دون عدوانية.
الزمن في تلك اللحظات تمدد، كأنه اختبر صبرنا.
ثم فجأة، أشار زعيمهم إلينا، وقال كابونغا بلهجة حاسمة: "لن يقتلوكم... ولكن ستأتون معنا إلى القرية."
قلتُ: "ولماذا؟"
قال كابونغا بصوته المطمئن، ونحن نسير وسط الخضرة التي لا تشبه أي خضرة عرفتها المدن: "ستعرفون... من نحن."
كنا نسير بلا بوصلة، لا نعرف الشرق من الغرب، ولا نعلم إن كانت هذه الخطى تقودنا إلى نجاة، أم إلى مصير غامض يتربص بنا في قلب هذه الغابة. لم نكن نخشى إلا السباع والضواري، لكن في الحقيقة، ما كان يؤرقني أكثر هو هذا الصمت المطبق الذي يسبق عادة الانفجار.
بلغنا القرية، أو ما يمكن وصفه بها. الأكواخ مرصوصة كأنها آذان لصوت لا نسمعه، والناس هناك... يرمقوننا بدهشة خفية، فيها فضول البدائيين ومكر الأسطورة. ثم أدخلونا على الزعيم، رجل عجوز ذو لحية كثيفة بيضاء كضوء القمر، يجلس على كرسي بدا فخمًا في عالمهم، وإن كان مجرد خشب مشقوق عندنا.
كابونغا ترجم لنا كلمات الزعيم، لكنه توقف فجأة، وقال لي بعربية ممزوجة بدهشة: "الزعيم لا يريد منّي الترجمة فقط... بل يطلب منك أنت يا طاهر، أن تروي له قصة من ألف ليلة وليلة. هو يحبها، سمعها كثيرًا من مسافرين، ويريدها الآن من عربي... بصوت عربي."
أحسست كأن لساني تعثر، كأنني نسيت العربية ذاتها. أنا؟ أروي من ألف ليلة وليلة؟ لم يخطر ببالي قط أنني سأدفع حياتي ثمنًا لجهلي بالأدب.
جلستُ تلك الليلة قرب النار، أنظر إلى وجهيهما المرتسمين بين ظلال اللهب. أنوشكا تحدّق في الباب كمن يترقب اقتحامًا، وأكيهيتو يضم ركبتيه، كأنما يتشبث بالأمان الوحيد الذي بقي له: حضن القصة.
قلت لهما بصوت منخفض:
"سنحكي... كل ليلة حكاية. وإذا توقفنا، قد تكون تلك الليلة الأخيرة لنا."
هزّ أكيهيتو رأسه بحماسة، وقال:
"سأبدأ بحكايتي غدًا... حكاية المليونير من القش."
أنوشكا ابتسمت رغم القلق، ثم همست لي وأنا أستعد للحكي:
"اختر حكاية ذكية... فيها حكمة وتلاعب، مثل الصياد والعفريت. أخبرهم أنك ستقصها في أجزاء. اربطهم بها كما ربطت شهرزاد الملك."
أومأت لها، ثم نظرت نحو الخارج. كان الحارس البدائي، الموشوم بالعظام، يقف كما تمثال الحرب. ناديت عليه بإشارة. جاء، فأخبرته – عبر كابونغا – أن الليلة ستكون أولى الحكايات.
دخل جمعٌ صغير من رجال القبيلة، بعضهم يجلس على الأرض، وآخرون يتكئون على الرماح، وفي الزاوية جلس الزعيم، ينتظر... كأنه طفل يتحرّق لسماع حكاية نوم.
تنفّست عميقًا، وبدأت:
> "أيها الزعيم العظيم، وهذه القبيلة المباركة... سأحكي لكم الليلة عن صيّادٍ فقير خرج في فجر يومٍ مظلمٍ، لا يملك من الدنيا سوى شباكه المهترئة وأملٍ لا يُقاس. لكنه لم يكن يعلم أنه سيقابل في أعماق البحر عفريتًا مسجونًا منذ قرون… عفريت أقسم على أن يقتله جزاءً لكل من حرّره…"
صمتُهم كان سكينًا، وسرعة أنفاسهم تصاعدت كلما تعمّقت في الوصف. كنت أرى في عيونهم الخوف والتشويق… وكأنني أحمل مصيرنا في صوتي.
حين وصلت إلى لحظة تهديد العفريت للصياد، رفعت يدي فجأة وقلت:
> "لكن أيها الزعيم، القصة طويلة… ولن تُفهم إلا إذا رويت لكم في ثلاث ليالٍ. فإن شئت، أكملتها غدًا."
نظر الزعيم إلى كابونغا، ثم قال بهدوء:
> "ثلاث ليالٍ... وإن أعجبتنا، قد تُصبح ثلاثين."
ابتسمت… لكن أنوشكا لم تبتسم. كانت تراقب كابونغا.
وحين خلت الغرفة منا، قالت بصوت خافت:
> "شاهر... هذا ليس فقط شغفهم بالحكاية. إنهم يختبروننا. يقيسون خيالك، يزنون لغتك، يختبرون عقلك. من يعرف… ربما يختارون من بيننا من يصلح… لشيء ما… لا أعلمه بعد."
سكتت لحظة، ثم أردفت:
> "لكنني لن أدعهم يأخذوك."
في تلك الليلة… لم أنم.
أنا المهندس الذي سخر من الأدب، صرت الآن أعيش أو أموت بفضله.
في الليلة الثانية، جلسنا كالأمس قرب النار. الزعيم كان يرفع حاجبيه، ينتظر استكمال قصة الصياد، لكن أنوشكا اقتربت منه وقالت عبر كابونغا:
> "هذه الليلة… سيحكي الطفل."
نظر إليه الزعيم باستغراب، ثم إلى الحاضرين، ثم قال:
"طفل؟!"
فقال أكيهيتو، بنبرة خجولة أولًا، ثم حماسٍ عجيب:
"نعم… عندي حكاية من بلادي. من نِبّيون، اليابان."
سكت الجمع. أشار الزعيم لكابونغا أن يترجم. جلس أكيهيتو على الأرض، وضع يديه على ركبتيه، ثم قال بصوت طفولي لكنه دافئ:
> "ذات يوم، كان هناك شاب فقير جدًّا… لم يكن يملك إلا قطعة قشّ صغيرة."
ضحك بعض رجال القبيلة، فأكمل أكيهيتو بجدية:
> "كان جائعًا… تائهًا… فقال في نفسه: سأحتفظ بهذه القشّة وأراها بركة، ولن أتخلى عنها أبدًا."
> وفي طريقه، سقطت ذبابة على القشة، فلم يُبعدها، بل تركها تلاعب القشة. ثم صادف طفلًا يبكي، فسلّاه بالقشة والذبابة، فأعطاه الطفل ثمرة برتقال.
> بعدها قابل امرأة متعبة، فأعطاها البرتقال… فأهدته قماشًا جميلًا. ثم قابل رجلًا مهمًا، فأعجبه القماش، وأعطاه مقابل ذلك حصانًا… وهكذا، ظل يتاجر، يُعطي ويأخذ، لا يرفض ولا يطمع، حتى صار يومًا ما… مليونيرًا.
صمت أكيهيتو، ثم قال:
> "كل هذا… من قشّة واحدة."
همهمت القبيلة، بعضهم أبدى إعجابه، وآخرون قالوا كلمات لم نفهمها، ثم قال الزعيم شيئًا طويلًا، ترجم كابونغا منه جملة واحدة:
> "يريد الطفل أن يروي حكاية كل سبت. أنت كل ثلاثاء. وأنوشكا… كل خميس."
التفتت إليّ أنوشكا وقالت هامسة:
> "قلتُ لك… إنها عملية انتقاء."
أردت أن أسأل: انتقاء لأي شيء؟ لكن صوت الطبول قاطع أفكاري.
كأنهم بدأوا الطقوس…
طقوس ما قبل التحوّل.
في الليلة الثالثة، وبدعوة من الزعيم، جلست أنوشكا وسط الدائرة. الطبول خفتت، والنار تراقصت على جدران الكوخ، بينما بعض الوجوه البدائية المتلونة بالطين كانت تنظر إليها بتركيزٍ غير مألوف… كأنهم يتذوقون الكلمات كما يتذوقون الدم.
قالت أنوشكا بصوت رخيم، مسترسل، وقد بدأت تتحول من لاجئة مرهقة إلى راوٍ يمسك زمام النفوس:
> "سأحكي لكم حكاية من بلادي… اسمها القيصرة العذراء – The Maiden Tsar
في أرض بعيدة وباردة، كان هناك شاب يدعى إيفان، ابن تاجر طيب. حلم يومًا أنه رأى امرأة من نور، قوية، جميلة، اسمها القيصرة العذراء…"
كانت الكلمات تنساب منها كسيلٍ جليدي، تتخلله نغمة روسية هادئة تلامس الذاكرة. لكني لم أكن انصت إلى القصة فقط. كان أنظر إلى كابونغا، الذي وقف عند طرف الباب، يهمس بالإنجليزية مع أحد الحراس.
أرهفت أذني قليلًا… فالتقطت الكلمات:
> "إنهم مستعدون للمرحلة التالية… سيتم فصل الأطفال. أما البالغون، فسيُعاد تأهيلهم."
جحظت عيناي.
همست لأكيهيتو:
> "هل سمعت؟ قال المرحلة التالية… والأطفال… والفصل!"
أومأ أكيهيتو، دون أن ينطق.
اقترب كابونغا من الداخل، لكنه لم يلاحظ نظراتنا. كان واثقًا، يتحرك بين الأكواخ كقائد، لا كلاجئ شُفي تواً.
حين انتهت أنوشكا من سرد حكايتها التي كانت تدور حول مقاومة إيفان لفتنة العذراء وقواها السحرية، اقتربت منها وهمست في أذنها:
> "أنوشكا… كابونغا كاذب. هو منهم. هم ليسوا قبيلة. هذه جماعة… تُدعى جيش الرب للمقاومة. من أوغندا. نحن في أوغندا."
توقّف قلبها للحظة. نظرت إليه وكأنها لا تريد التصديق، ثم قالت بشفاه مرتجفة:
> "أتدري ماذا تقول؟! جيش الرب؟! Lord’s Resistance Army؟!"
أومأت بسلب:
> "سمعت ذلك بوضوح. والحديث عن فصل الأطفال… وإعادة تأهيل الكبار. أنوشكا… هذه ليست قبيلة بدائية. هذه معسكرات مقنّعة. وهؤلاء… مجرمون."
ارتعش وجهها. سحبت نفسًا عميقًا، ثم قالت ببطء:
> "أتدري من هم هؤلاء؟ إنهم يقتلون… يأكلون… يقدمون طقوس دم. جماعة يقودها مهووس اسمه جوزيف كوني… يزعم أنه رسول من الرب، وأنه يُطهّر النفوس بالحرب والسكاكين. كنا نسمع عنهم في الأخبار… الآن نحن وسطهم."
صمت رهيب خيّم على الكوخ، حتى الطبول بدت كأنها توقفت فجأة.
قلت وأنا انظر إلى الظلام خارج النافذة:
> "الحكايات وحدها لن تنقذنا بعد الآن… يجب أن نهرب."
همست أنوشكا:
> "لكننا نحتاج خطة… الذكاء الآن أهم من الحكاية."
قال أكيهيتو وهو يرفع يده، بابتسامة شقية تشوبها البراءة:
> "عندي حكاية أخرى… لكنها لا تُروى. إنها تُنفَّذ."
نظرت إليه أنوشكا و أنا بدهشة.
قال أكيهيتو وهو يشير إلى شيء صغير داخل سترته:
> "أمي خبأت لي جهاز تتبع GPS… وقالت لي: إذا ضعت، لا تنسَ أن تضغط الزر بعد ثلاثة أيام."
شهقت أنوشكا.
قلت بدهشة:
> "ثلاثة أيام؟! واليوم هو… الثالث!"
قبل تنفيذ الخطة، وقع ما لا يُحمد عقباه.
هلمّوا معي إلى أحداث أغرب من الخيال.
كنا على وشك بدء تنفيذ خطة الهروب بجهاز التتبع. الليل كان مشتعلاً بنار الخرافة، والعيون الموشومة تحوم حول الأكواخ كغربان تُراقب موتى لم يُدفنوا بعد.
وإذا بصوتٍ يرتفع من خارج الكوخ…
صوتٌ أجشّ، ضعيف، لكنه مألوف.
فتح الحارس الباب، وقال بلغة ملغومة:
"تم العثور على ناجٍ آخر من الطائرة…"
خرجنا، نتشبث بالأمل كغريق يبحث عن خشبة.
قد يكون أحد معارفنا… أحد الطيّارين؟ أحد الركّاب؟
رأيناه… رجلٌ مُمزق الثياب، جسده مغطى بالدماء والغبار، لكنه واقف بعناد. كانت يداه مربوطتين، كأنه متهم بجريمة، أو مخلوق من عالم آخر.
وعندما رآنا، تجمّدت ملامحه. ثم تغيّر وجهه، واحمرّت عيناه، وارتجفت شفتاه كمن رأى خيانة تتجسد في صورة بشر.
قال أحد رجال القبيلة:
> "هذان زوجان… وهذا ابنهما."
انتفخت أوداجه.
امتاز غيظًا كما لو أن الغابة كلّها اشتعلت في صدره.
أنوشكا، التي كانت تقف جواري، همست لي والدم يتراجع من وجهها:
> "إنه… خطيبي."
كأن الزمن توقّف.
> "إنه غيور… مجنون… لن يصدق شيئًا. سيفسد كل شيء… وأنا… لن أخرج من هنا إلا به."
اقتربت منه، مسحت الدم عن وجهه، وقالت للجميع بثقة:
> "أنا أجيد التمريض. سأعالجه."
ثم مالت عليه، وهمست بالروسية بسرعة وخوف:
> "لدينا خطة… نريد الهروب… نحتاجك معنا."
لكنّه لم يصدق.
نظر إليها كمن يرى خيانة مزدوجة: حبيبته… مع رجل غريب… وابن؟!
صرخ في وجهها بلغة لم نفهمها، ودفعها بيده فارتطمت بصدرها.
هرعت نحوها، أمسكتها قبل أن تسقط، لكنها كانت تبكي… لا من الألم، بل من العجز.
قالت وهي ترتجف:
> "باءت محاولاتي بالفشل… لم يصدق… لكنه لن يسكت. سيخبرهم… سيكشف كل شيء."
نظرت إليها، ثم إلى كابونغا الذي كان يراقب المشهد عن بُعد.
كانت نظرته خفية… كمن فهم ما يدور.
قلت لها:
> "إذن... نحتاج خطة بديلة. أو نحتاج... أن نُخرسه."
قالت أنوشكا والدموع ما تزال على خديها:
> "لن أتركه هنا. لكن إن كان عليّ أن أختار بين حبي... ونجاتنا جميعًا..."
سكتت. نظرت إليّ. ثم نظرت إلى الطفل.
> "فلنختر نحن… قبل أن يختار هو."
بين ظلال الأدغال، حين كان القمر يتدلّى كجمجمة معلّقة في سقف العالم، همس أكيهيتو:
> "أريد الذهاب… لقضاء الحاجة، لكنك لن تتركني وحدي، أليس كذلك يا شاهر؟"
أومأت له بهدوء، ورافقته وسط الغابة. كان النسيم يحمل رائحة الأرض المبللة، وصوت الليل يعزف سمفونية خافتة من نعيق طائر، واهتزاز ورق، ونبض قلق. تركته غير بعيد، وابتعدت خطوات قليلة لأعطيه خصوصية لا معنى لها وسط هذا الجنون.
لكني سمعت شيئًا... همسًا يتسلل مع الريح.
صوت رجلين يتحدثان بالإنجليزية، خلف الأشجار.
تسللت بخفة، كأني ظلّ في مملكة خضراء، حتى رأيت ما لم أتوقعه: نار صغيرة تتوهج في حفرة ضحلة، حولها جلس رجلان... أحدهما طويل القامة، وجهه يحمل قسوة رجل يعرف الدم، والآخر أعرفه... إميل! خطيب أنوشكا.
كان وجهه مضاءً بنور النار، وابتسامته تحمل خبثًا كأنها سُكبت من حقد قديم.
قال إميل، ونبرة النصر تنضح من صوته:
> "لقد نفذت ما تريدون. جلبتها لكم كما طلبتم... أريد جائزتي."
جسدي تجمّد. أنوشكا؟ جائزة؟!
ردّ كابونغا بصوت يحمل شيئًا من السخرية:
> "أنت تدّعي أنها ابنة مسؤول روسي؟ نحن نحتاج دمًا ملكيًا... دمًا نقيًا لطقوسنا."
قهقه إميل، ثم قال ببطء:
> "هل سمعت من قبل عن أناستاسيا نيكولايفنا رومانوفا؟ تلك الدوقة التي لم تُقتل مع عائلتها؟"
اقترب وجهه من اللهب، وعيناه تلمعان كمن يكشف ورقة رابحة:
> "أنوشكا... من نسلها."
شهقتُ في داخلي. أنوشكا… حفيدة آل رومانوف؟! تلك التي تنام إلى جوارنا في كوخ الخشب والطين… كانت تُقاد إلى الذبح على مذبح المعتقد، لا الحب.
لكن كابونغا هزّ رأسه وقال:
> "خطتنا لن تتم."
رفع إميل حاجبيه، مستغربًا.
قال كابونغا بنبرة صارمة:
> "الزعيم… أحب طاهر. وأصبح مولعًا بحكاياته. لكنه لا يحكي دون المرأة… والطفل الياباني."
كأن الطعنة جاءت من حيث لم يحتسب الخائن.
أنا؟ المهندس الذي كان يسخر من القصص؟ صرت الآن المفتاح الذي يمنع الطقوس؟
تراجعت بهدوء، مثل قطة تنسحب من وكر الأفاعي، وعدت إلى أكيهيتو الذي أنهى حاجته ونظر إليّ بعينين تمتلئان بالبراءة… والحدس.
قال بهدوء:
> "كنت هناك، قربك... سمعت كل شيء."
انحنيت أمامه، أمسكت كتفيه:
> "إذن، أنت تعرف ما نحن فيه."
هزّ رأسه بثقة، ثم ابتسم ابتسامة صغيرة أضاءت العتمة وقال:
> "لكن لدي فكرة."
---
في الكوخ، كانت أنوشكا تنسج من شعرها ضفيرة، كأنها تتهيأ ليومٍ عادي. لكنها حين رأت وجهي… رمت الضفيرة جانبًا.
همستُ لها، وصوتي كأنما يخرج من صدع:
> "خطيبك... باعك. قدّمك لهم كأنك قربان. قال إنك من نسل ملكي. كابونغا يريد دمك لطقوسهم... لكنهم لن يأخذوك الآن. لأنهم... بحاجة إليّ."
لم تبكِ. بل قالت بجفاف:
> "كم هو ساخر هذا العالم... أعيش لأنك تحكي قصصًا."
قلت وأنا أضم يدها:
> "وغدًا... نعيش لأننا نهرب."
ونظرت إليّ كما لو أن قلبها استشعر الخيانة.
همستُ:
> "أنوشكا… أحتاجك الليلة أن تتظاهري بالحمى… بالتعب… افعليها كما لم تفعلي شيئًا من قبل."
قالت وهي ترمش بعينين مبللتين:
> "لماذا؟ هل سيأخذونني؟"
أومأت، ثم أكملت:
> "لكن الخطة لن تُكتمل… إن لم تصدقي."
أكيهيتو اقترب، وقال:
> "وسأكون أنا الطُعم."
صرخت في وجهه فورًا:
> "لا! أنت طفل!"
لكنه رفع رأسه بعناد، وقال:
> "أنا طفل يملك جهاز تتبع GPS."
سكتنا جميعًا.
في الليل، جاء كابونغا ومعه رجاله. أنوشكا كانت ترتعش على الفراش، عرقها يتصبب، وعيناها نصف مغمضتين. اقترب منها كابونغا، شمّ الهواء قربها، ثم عبس.
قال:
> "ليست جاهزة… يبدو أنها مريضة."
همس أحدهم:
> "الطقس لا يليق بها… لعلها لعنة."
ابتسمتُ بخبث داخلي.
لكن حين استداروا للخروج، سمعت شيئًا جعل قلبي ينكمش:
> "غدًا… سنأخذ الطفل."
لا أعرف كيف أشرح تلك الليلة. كانت كأنها مقتطعة من حلمٍ ثقيل، رطب، متدلٍّ من سقف الذاكرة. الهواء كان مشبعًا برائحة الطين والريبة، والليل ممدود كجثة تُسحب في الخفاء.
كنا نعلم أننا مراقبون، وأن كابونغا لم يعد كما عرفناه في البداية. أما إميل... فقد بدأ وجهه يتخذ هيئة لا تنتمي للبشر. شيء ما فيه تحوّل. عيونه تلمع كأنها تحمل نارًا لا تنطفئ.
كنا في الكوخ، أنوشكا وأنا وأكيهيتو. نهمس، نرسم الخطة كما يرسم الهارب نفقه من خلف القضبان.
قالت أنوشكا، وهي تضغط على كتف الطفل: "سنمثل. نعم... سنروي قصة الصياد والعفريت. سنجعل القصة رسالة... كودًا للهروب."
أكيهيتو رفع حاجبيه: "وأنا؟"
قلت له: "أنت ستكون التاجر... الذي هرب ونجا. أنا سأكون العفريت... الذي ينتظر وعدًا لا يأتي."
ابتسم الطفل... وتألقت عيناه.
وفي الليل، جلسنا أمام الزعيم. النار تتراقص على وجوه الرجال، وكابونغا يقف كتمثال ظلٍّ خلف الزعيم، يترجم بصوت خشن.
أخذت نفسًا عميقًا... وبدأت أحكي:
> "كان يا ما كان... صياد فقير خرج يبحث عن رزقه، فسحب من البحر جرّة، ولما فتحها، خرج منها عفريت هائل، قال له: سأقتلك."
صمت الجميع. نظراتهم غرقت في وهج الحكاية.
> "لكن الصياد لم يستسلم. استخدم عقله، طلب من العفريت أن يعود للجرّة ليريه كيف خرج. ولما دخل العفريت... أغلق الجرّة عليه."
رفعت رأسي... نظرت إلى أكيهيتو، ثم إلى أنوشكا، ثم واصلت:
> "لكن الصياد لم يكن وحده... كان معه تاجر، زوجته حامل. وعدهم العفريت بألا يؤذيهم إن أمهلوه... فهرب التاجر مع زوجته، ولم يعد."
كانت أنوشكا تبكي بصمت... دموعها تتسلل مثل خيوط من الحكاية نفسها.
> "أما الصياد... فظل هناك... ينتظر، وحيدًا."
ثم نظرتُ إلى الزعيم وقلت: "هذه كانت الحكاية... وهي أيضًا عرضنا."
تبادل القوم النظرات، بعضهم ضحك، وآخرون صمتوا. وكان الطفل قد بدأ بالانسحاب ببطء خلف الظلال، ترافقه أنوشكا... خطوة بخطوة.
لكن ما لم نحسبه... أن إميل كان بين الحاضرين.
تقدّم من الظلام... وتصفيق بطيء يملأ الفراغ:
"كم هي عبقرية يا أنوشكا. ما زلتِ تظنين أن القصص قد تنقذكم؟ كنت أعرف أنك ستستخدمين الحكاية… كنت أنتظرها منذ أن بدأ طاهر يتمتم بها في الليل."
صرختُ: "أبعدهم عني... لا علاقة لهما بهذا."
لكن إميل أشار، ومن خلفه انبثقت ظلال مسلحة… مدججة بكل شيء: سكاكين، بنادق، نظرات جامدة.
ثم قال ببرود: "خطة لطيفة... أن تجعل من نفسك عفريتًا، ومن الطفل تاجرًا هاربًا. للأسف... ليس في هذه الحكاية من ينجو."
في لحظة، وجدتُ نفسي بين أيديهم. كابونغا أمسك بي، قبضته كالفولاذ، وقال بلكنته الباردة: "أحيانًا… الصياد يقع في شباكه."
صرخت أنوشكا، حاولت الركض، لكن أحد الرجال أمسكها من ذراعها المصابة.
أما أكيهيتو... فقد سقط على ركبتيه، عيناه تتوهجان بالخوف والغضب.
نظرت إليهما... وابتسمت، رغم الدم والخذلان.
"كان يجب أن أُبعدكما... لو ركضتما الآن، ربما تنجون."
لكني كنت أعلم... الخطة فشلت.
وكنت أنا... الصياد الذي أُغلق عليه الجُرّة.
كدنا نفقد حياتنا تلك الليلة. كانت أعينهم علينا كأنها فوهات بنادق، والهواء نفسه صار سكينًا يقطع بين النوايا. كنت موقنًا أن هذه هي النهاية. لكن فجأة... ارتفع صوت الزعيم، جهوريًّا، كأنما خرج من أعماق الأسطورة:
"دعوهم... أريد أن يقدموا شيئًا آخر."
ثم التفت إلى رجاله وقال كلماته الثقيلة: "أرضنا هذه... من يفرّ فيها لن يجد سوى الوحوش أو عصابتنا... الموت له بالمرصاد."
كلماته كانت أشبه بصك غفران… عتقت رقابنا من موت محقق. شعرت بالدم يعود إلى عروقي، ببطء، كأنه يتسلل في نهر جاف.
عدتُ إلى الكوخ، أنا وأنوشكا وأكيهيتو. أنوشكا كانت تبكي... بكاءً ليس فيه صوت، فقط عيون تمطر، وكتفين يرتجفان. اقتربت منها، وضعت يدي على كتفها، وقلت:
"لا زال في جعبتنا شيء… الفن."
نظرت إليّ، وشيء في عينيها تغيّر.
قلت لهم: "سنروي قصة جديدة. قصة المليونير من القش… أنا سألعب دور التاجر، وأنت يا أكيهيتو، ستكون الطفل الذكي. كل شخصية ستهرب في لحظة من القصة… سنحوّل القصة إلى خطة."
كانت الفكرة مجنونة، لكنها الوحيدة.
ومع غروب اليوم التالي، وقفنا أمام الزعيم من جديد. النار مشتعلة، والرجال متكئين على الرماح، يرمقوننا كأنهم ينتظرون عرضًا أخيرًا قبل الذبح.
أخذتُ نفسًا عميقًا… وبدأت:
> "في بلاد بعيدة، عاش رجل فقير لا يملك شيئًا سوى قشّة. نعم... قشّة واحدة. لكنه آمن أن القليل يمكن أن يصنع المعجزة."
أنوشكا، كانت خلفي تمثّل دور المرأة المتعبة، تمشي بتعب حقيقي، وساقها لا تزال تؤلمها.
أكيهيتو، لعب دور الطفل الحالم.
أضفنا للعرض شيئًا من التمثيل الجسدي، بعض الحركة، بعض الصمت العميق الذي يخترق الأرواح. كنت أراقب عيون الزعيم... كانت تلمع.
لكن في لحظة، وبينما أروي كيف أن التاجر أعطى البرتقال مقابل قطعة قماش… اختفت أنوشكا.
أقسم أنني لا أدري كيف أو متى. كان كل شيء تحت السيطرة. التفتُّ... فلم أجدها.
ثم… دوى صوت.
طلقتان في الهواء.
صرخ البعض. اختبأ البعض الآخر. ارتبك الجميع.
ثم ظهر أكيهيتو… يركض، يصرخ باسمي: "شاااهر!"
وفي خلفه… أنوشكا، تمسك سلاحًا صغيرًا، كان واضحًا أنه مسروق. لاحقًا عرفت أنها أخذته من أحد أفراد العصابة حين كان يقضي حاجته. أنهت حياته بصمت، وانتزعت السلاح من خصره… وأطلقت النار.
صوت الرصاص شتّت الانتباه، فتح الأبواب أمامنا.
فعلتُ ما يجب فعله.
ركضت.
ركضت كأنني ألقي بجسدي في أتون الآخرة.
قلبت الطين، شققت الظلال، هرعت خلفهما… أنوشكا تنزف، والطفل يلهث، وأنا خلفهما… نجرّ أسماءنا وحكاياتنا فوق أرض لم ترحم أحدًا.
ولم أكن أعلم… أننا لم نصل بعد إلى الذروة.
بل إلى البداية.
كنا نركض، لا نحمل إلا أنفاسنا، وبعض الأمل الذي ظلّ يرفرف فوق رؤوسنا مثل طائر هارب من فخ. ظلال الأشجار كانت تتراقص فوق وجوهنا، والليل ينكمش شيئًا فشيئًا كجسدٍ مذعور، يتهيأ لرحيل قاسٍ.
وقفنا عند شجرة ضخمة، جذورها كالأفاعي، وفوقنا غصون تميل كأنها تسمع همساتنا.
وفجأة… سمعنا ضحكة.
ضحكة متقنة... مشروخة... مرّة.
خرج إميل من وراء جذع شجرة ضخمة، كأن الغابة لفظته، تتبعه خطوات باردة، ثم ظهر كابونغا… ساكن الملامح، لكن في عينيه برق لا يهدأ.
قال إميل، وهو يصفّق ببطء: "يا لها من نهاية درامية! لم أتخيل أنني سأقف هنا… في قلب الأدغال، في هذا المكان الذي أخطط للوصول إليه منذ سنوات."
نظرت إليه أنوشكا، وجسدها ملطخ بالدماء والتراب، ساقها تنزف، لكن عينيها ما زالتا تقاتلان.
ضحك مجددًا، بصوتٍ نُكِتَ من جوف الظلمة: "أنوشكا… كنتِ دائمًا تحبين القصص. فدعيني أروي لك قصتي."
تقدّم خطوة، وهو يرفع يده مستعرضًا إصبعه الطويل: "أنا من دبّر كل شيء… نعم، حتى المشروب الذي شربه الخاطفون. العطل؟ لم يكن عطلًا. كان توجيهًا. كل ذلك، كل خطوة، كل تفصيل… لتصل الطائرة هنا، حيث هذه الجماعة التي لا تُشبه إلا الموت… هذا هو عالمي."
ثم التفت إلى كابونغا: "وهذا صديقي القديم. التقينا في مؤتمر، وتشاركنا الحلم. وطن جديد… بقوانيننا، بدمائنا، وبقرباننا."
قال كابونغا دون أن يطرف: "والقربان كان يجب أن يكون من نسل النقاء الملكي."
أمسكت أنوشكا بيدها صدرها، ودموعها تختلط بالطين. أكيهيتو كان خلفها، يتنفس بصعوبة، وجهه شاحب كورقة خريف ذابلة.
تقدّمت خطوة… جسدي يرتجف، لكني وقفت بثبات الغرقى الذين وجدوا حبل نجاة أخير.
قلت بصوت خافت، كأنما إلقي آخر أوراقي: "لماذا؟ لماذا ألقيت بنفسي في المهالك؟"
نظرت إلى أنوشكا، إلى الطفل، ثم إلى الظلال التي تقترب من بعيد.
ورغم النزيف، رغم العجز، رغم الغدر الذي ملأ الفضاء… فتحت فمي، وقلت:
"عند الصباح... سكتت شهرزاد عن الكلام المباح."
كانت هذه الجملة آخر ما نطقت به قبل أن ارتمي على أكيهيتو، اغطيه بجسدي الصارخ.
دوّى صوت… ثم انفجار صغير على أطراف الغابة.
ارتفعت الريح، وبدأت الأشجار تتمايل بعنف، وغبار كثيف تصاعد من الشرق.
ثم… ظهر طيف مروحية.
تبعتها أخرى، وأخرى… حتى امتلأت السماء بأصوات الدوران والحديد.
جنود بأسلحتهم، يقفزون من السماء كما يسقط الأمل على رؤوس المظلومين.
طاح إميل أرضًا، وكابونغا صرخ بصوت غير بشري، محاولًا الفرار.
لكنهم كانوا محاصرين.
الطفل كان يبكي، لكنّه حيّ.
أنوشكا كانت تنزف، لكنها تبتسم.
أما أنا… فكنت ممددًا، وقد أغمضت عيناي للحظة، ثم فتحهما على ضوء النهار الذي بدأ يتسلل بين الأغصان.
همست لنفسي: "كل الحكايات تنتهي… لكنّ حكايتنا بدأت الآن."
وحده صوت المروحية فوقنا، كان يردد تلك الجملة من دون أن يدري:
> "عند الصباح... سكتت شهرزاد عن الكلام المباح."
لكنها... لم تكن نهاية الحكاية.
النهاية

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق