سوسن مانجو (من يوميات مكتبة على الناصية)
سوسن مانجو... هكذا يدعوها الكل في حارتنا. ولم أسمع أحدًا ينطق اسمها مجردًا من اللقب، كأن "مانجو" جزء من جواز سفرها الشعبي، ختمه الحي، وصورته في ذاكرة الرجال.
قابلتها أول مرة عند الخبّاز عبد الفتّاح، ذاك الذي لا يبيع الخبز بقدر ما يبيع الحكايات ملفوفة بورق الجرائد القديمة. كان ينظر إليها من طرف عينه، ويقول لي وهو يُسلمني رغيفًا نصف محترق:
– "هذي ست مش، ولا بد! أعوذ بالله من غضب الله... مش عارف، فلوسها دي حلال ولا حرام؟!"
كنت أبتسم كلما قالها، وأنا أراقبه يعدّ فُتات الخبز بالمغرفة وهو قد خلط الدقيق بالعجن بالذنب، وكلما مرّت سوسن، أصبح فجأة إمام مسجد الحارة، يلعن الدنيا، ويرفع حاجبيه كما ترفع القناديل وقت الأذان.
في حارتنا، تلك الحارة التي تحتمي باسم "المعادي"، لكن شوارعها ترابية، وسقفها سماء مشروخة بالأسلاك، لا تنقطع فيها أصوات الكلاب... كلاب البشر، قبل كلاب الحي.
وأنا، صاحب المكتبة على الناصية... مكتبة صغيرة، بباب يئن من قِدمه، وواجهة أكلها الغبار، لكن قلبي فيها كبير بما يكفي لأسأل دون خوف:
> من هي سوسن مانجو؟ ولماذا هذا الاسم الفاضح مثل شتيمة ناعمة؟ ما علاقة "المانجو" بهذه المرأة التي تُقال عنها الأقاويل أكثر مما تُقال النشرات الجوية؟
كانت تأتي كل صباح، بخطوة واثقة، بعطرٍ لا يشبه العطور، بل يشبه الذكريات التي ترفض أن تموت. تطلب منّي الجورنال اليومي، ولا تنطق سوى: – "الأهرام النهارده لو سمحت." وتدفع ثمنه ببطء كأنها تشتري شيئًا أعز من الورق.
هل كانت تقرأ؟ الله وحده يعلم.
الأسطى جابر، كهربائي الحارة الذي يخلط الأسلاك كما يخلط الحكايات، قال مرة وهو ينفث دخان سجائره من تحت عدّته:
– "دي؟ دي تروق الزباين، وبعد كده تخليهم يقروا لها! ولا يمكن تقرا… بس بعنيها التانية، مش دي!"
ضحك الجميع، وضحكت معهم، لكنّي من داخلي كنت أتذوّق طعم الفضول... طعم السؤال الغامض، المُسكر، الحارق:
> ما علاقة المانجو بها، وهي التي تُدعى "المومس"؟ أهي حلوة كالثمرة؟ ناعمة كقشرتها؟ أم أنها تُقشر وتُرمى، كأن لا أحد ذاق نواتها؟
لم أذق سؤالًا مثله في حياتي. وكان عليّ أن أعرف. أن أفتح المانجو… أن أبحث في قشرتها… أن أجد الحقيقة وسط لزوجة الحكاية.
لكنني سأؤجل الحقيقة... لن أبوح بسرّ التسمية الآن. ستتذوق معي، أيها القارئ، مذاق الحارة أولًا... ثم، إن صبرت، أخبرك لماذا اسمها "سوسن مانجو".
ذهبت... نعم، مشيت برجلي، كما يفعل العشاق في الأغاني القديمة، لكني لم أكن عاشقًا. كنت كمن يحمل في يده الجريدة، وفي قلبه سؤالاً يزن أكثر من وزن صفحاتها. مشيت إلى العمارة ١٣، العمارة التي تُشبه المقابر من الخارج، لكن فيها — كما يُقال — حياة... أو سوسن، وهو نفس الشيء في هذا الحي.
طرقت الباب... لم يُفتح. طرقت الباب من جديد... لم يُفتح.
قلت في سري:
> "يمكن المانجو نامت، أو انسكبت في طبق حزنها."
لكن فجأة... فُتح الشباك العلوي. ظهرت امرأة سمراء، ليست سوسن، لكنها تحمل في عينيها ظلًّا منها، كأنها انسكبت منها ثم جفّت.
قالت: – "إنت عايز إيه؟" قلت: – "جبت الجورنال… سوسن ما جتش المكتبة، فقلت يمكن…" قاطعتني وهي تمضغ العلكة مثلما يمضغ التاريخ نساءه: – "سوسن سافرت... رايحة تزور أمها في طنطا."
طنطا!؟ مدينة لا أعلم عنها شيئًا سوى أنها كانت على خريطة الجغرافيا ذات يوم، يوم كنت أظن أن كل المدن تُشبه الكتب، لكن طنطا الآن أصبحت بالنسبة لي مثل باريس في قلب رواية مغمّسة بالشبهات.
رجعت للمكتبة، والجريدة في يدي لم تُفتح، لا من قِبلي ولا من قِبلها. في المقهى، صاروا يسألونني:
> "سوسن راحت فين؟ مش معقول... سابت الجرنال؟"
قلت لهم وأنا أرتشف شايًا بائتًا:
> "حتى المانجو تسقط من الشجرة أحيانًا... المهم، هل ستعود؟"
ضحكوا، ثم انتقلوا للحديث عن سعر البيض.
وحدي، كنت أفكر: سوسن لم تكن امرأة فقط… كانت طقسًا، عادة، مشهدًا متكررًا مثل إعلان باهت لا يُمحى. والآن، بعد أن غابت، بدأت تظهر أكثر!
قال لي الأسطى منصور، سائق التاكسي الذي يرتدي نظارة شمس سوداء حتى في الليل، كأن الليل يحتاج نظارة: – "الحارة دي؟ عماله تحكي في البطّال... يمين وشمال. والست سوسن؟ ست كويسة… بس..."
آه، "بس"... كلمة تُقال في الحارة ثم تُخمد، كسيجارة محرجة في عشاء عائلي. كنت جالسًا في المقعد الأمامي، أنظر من الشباك كمن ينتظر إعلانًا سينمائيًا عن مصير الأمة، فإذا به... يشهق، ثم يصمت، ثم يبلع... هل بلع الحروف؟ هل شفط الكلمة؟ أم، وهذا هو الأرجح، ابتلع المانجو!
نعم، لقد كان على وشك أن يلفظ الذي أبحث عنه... أن يكشف، أن يشير، أن يُضيء... لكن بدلًا من ذلك، طقطق أصابعه على المقود كعازف عود مغمور، وقال:
– "يا عمّ، الدنيا دوّارة... واللي ماله حيلة، يُحتار فيه."
وانتهى الحوار. وهكذا تُدار الحوارات في هذه الحارة: تبدأ بنكتة، وتنتهي بكارثة تأملية.
حارتنا يا سيدي، كما قلت لك، هي متاهة. أبواب تفتح على أبواب، حواري تلد حكايات، وكل سؤال يتكاثر مثل القطط البرية في خلفية مسجد قديم.
عادت سوسن. نعم، عادت كأنها لم تغب. عادت تمشي كأنها تمشي فوق سطرٍ من قصيدة قديمة. الخبّاز عبد الفتّاح عاد هو الآخر إلى توزيع الرغيف بنصف لعنته، ونصف بركته. والكهربائي جابر عاد ليخلط الأسلاك بالحواديت، كأن الشرارة الكهربائية لا تكتمل إلا بقصة مُبتذلة.
لكن البقال، أبو جبرتي… آه، أبو جبرتي! لقد خسر أسنانه الأمامية، كلها دفعة واحدة، من فرط حُبّه للحلوى الرخيصة. صار أَثرم، ينطق الكلمات وكأنها خرجت من فم سطل ماء:
– "ثت ثوثن! ثكره..."
والله لو أن "سوسن" سمعت اسمها يُنطق بهذه الطريقة، لغيّرت اسمها إلى "أم أناناس".
لقد أكثر من الثاء، في زمن أبحث فيه عن جواب للسين. أنا أبحث عن "السين" يا ناس! عن سوسن. عن السؤال. عن السر. بينما الحارة تتكلم "ثاء"... ثرثرة، ثغاء، ثرثرة أخرى، ثم ثرثرة بلهاء!
والحق أقول لكم، إنّ من يبحث عن المعنى في هذه الحارة، كمن يحاول تقشير مانجو ناضجة بشوكة بلاستيكية... ينزلق، يتسخ، ثم في النهاية… يأكل القشرة ويترك النواة.
لكنني لن أستسلم. سأظل أفتّش عن تلك المانجو — أقصد، الحقيقة — حتى لو قال لي أبو جبرتي: – "لا تثبّني! أنا كمان عايز أعرف ثرّها إيه!"
غابت.
نعم، اختفت تلك التي كانت كل صباح توقظ الأرصفة بعطرها الغامض وخطوتها الواثقة... "سوسن مانجو" التي ما زلت أعتقد أن لقبها ليس من شجرة الفاكهة، بل من شجرة الشبهات!
ومن يومها، حارتنا دخلت في نوبة جنون جماعي. كل من كان يهمس صار يصرخ، وكل من كان يدّعي الحياد تحوّل إلى مدّعٍ عام. أقسم لك، حتى القط الأسود حق المعلم صبحي صار ينظر لي باستفهام، وكأنه يسأل: "هي راحت فين؟"
وكالعادة، الحارة لا تسأل لتعرف، بل لتُدين. ولا تبحث عن الحقيقة، بل عن متعتها في تقليب الفضائح على صاج السخرية.
لكن كان هناك استثناءان اثنان: جبرتي الاثرم، البقال الطيب الذي يؤمن أن العدث يشفي من كل شيء، حتى الغيبة. ومنصور، سائق التاكسي الذي ما زال يعتقد أن سوسن مانجو "كانت راكبة معاه يوم المطر الكبير"، وكأن ركوبها معه يمنحها صك الطهارة الأبدية!
أما أنا، صاحب المكتبة، رجل يُقال عنه "مثقف"، مع أنني بالكاد أستطيع دفع إيجار المكتبة إذا لم يأتِ أحد لشراء كتاب عن "الأخلاق في العصر الحديث" أو رواية مغمورة كتبها موظف جمارك متقاعد. أنا، قررت أن الوقت قد حان لفتح كوامن الحقيقة، وكشف أسرار المانجو، ولو كلّفني ذلك فقدان زبائني الذين يأتون لقراءة الصحف مجانًا ثم يغادرون دون أن يشتروا حتى ممحاة!
---
ذلك الصباح، كانت الشمس تلهث ككلبة عطشى فوق أرصفة المعادي الترابية، وأنا أرتّب دفاتر الحساب بين الحياء والانقراض، حين دخلت هي...
سوسن.
نعم، بنفس الخطوة. نفس الهدوء، كأنها عائدة من حربٍ ولم تخسر فيها سوى صبرها.
قالت بصوتها المعتاد، المبلل بالتعب:
– "الأهرام النهارده... لو سمحت."
ابتسمتُ، ولأول مرة منذ عرفتها، قررت أن أخرج عن دوري كـ"بائع حبر" وأسأل:
– "ممكن أسأل سؤال؟ إيه حكاية الجورنال بالظبط؟"
تأوّهت، كأنها تسحب من روحها، ثم همست:
– "بقرأ صفحة الوفيات."
تجمدتُ. حتى رفّ الكتب انكمش. قلت، كأني طفل ساذج يكتشف أن الساحرة ليست شريرة، بل وحيدة:
– "ليه؟!"
قالت، كأنها تشرح وصفة قهر:
– "جوزي غايب من شهور. لا عارف هو فين، ولا لاقيه اسمه في أي مكان. محدّش ساعدني... إنت أول واحد يسألني."
ساد صمت، لا يشبه صمت المكتبات، بل صمت الضربة اللي تيجي فجأة، وتفكك ضلوع وهمك.
نظرت إليها وقلت:
– "عجبًا... مش سامعة الأقاويل اللي بتتقال عنك؟!"
ابتسمت بمرارة، وقالت جملة يجب أن تُكتب بماء الواقع:
– "أنا مش ناوية أغير العالم، ولا معتقدات الناس... بس نفسي ألاقي اسمه في صفحة الوفيات، عشان أرتاح."
---
خرجت.
وظل اسمها يهتز في أذني... سوسن مانجو.
مش لأنها حلوة، ولا لأنها ناعمة، بل لأنها مثل المانجو اللي تقع قبل أوانها، يدوسونها بالظن، ولا أحد يتذوق قلبها.
أما عن سبب تسميتها بـ"سوسن مانجو"، فقد قيل — ككل شيء يُقال في هذه الحارة — إنها سُمّيت كذلك لأن جسدها يحمل تعرّجات... تعرّجات تشبه تلك التي في ثمرة المانجو الناضجة، وأن اسمها يفوح بالشهوات كما يفوح العطر الرخيص في زوايا الحفلات المنسية.
لكنني أقول، ويا ليتهم يسمعون: هكذا هي الحياة... تلوّث كل شيء، ولا سيما السمعة. حتى لو كانت نقية كالماء... فقط لأنها مرّت في مجرى عكر.
النهاية
سوسن مانجو... هكذا يدعوها الكل في حارتنا. ولم أسمع أحدًا ينطق اسمها مجردًا من اللقب، كأن "مانجو" جزء من جواز سفرها الشعبي، ختمه الحي، وصورته في ذاكرة الرجال.
قابلتها أول مرة عند الخبّاز عبد الفتّاح، ذاك الذي لا يبيع الخبز بقدر ما يبيع الحكايات ملفوفة بورق الجرائد القديمة. كان ينظر إليها من طرف عينه، ويقول لي وهو يُسلمني رغيفًا نصف محترق:
– "هذي ست مش، ولا بد! أعوذ بالله من غضب الله... مش عارف، فلوسها دي حلال ولا حرام؟!"
كنت أبتسم كلما قالها، وأنا أراقبه يعدّ فُتات الخبز بالمغرفة وهو قد خلط الدقيق بالعجن بالذنب، وكلما مرّت سوسن، أصبح فجأة إمام مسجد الحارة، يلعن الدنيا، ويرفع حاجبيه كما ترفع القناديل وقت الأذان.
في حارتنا، تلك الحارة التي تحتمي باسم "المعادي"، لكن شوارعها ترابية، وسقفها سماء مشروخة بالأسلاك، لا تنقطع فيها أصوات الكلاب... كلاب البشر، قبل كلاب الحي.
وأنا، صاحب المكتبة على الناصية... مكتبة صغيرة، بباب يئن من قِدمه، وواجهة أكلها الغبار، لكن قلبي فيها كبير بما يكفي لأسأل دون خوف:
> من هي سوسن مانجو؟ ولماذا هذا الاسم الفاضح مثل شتيمة ناعمة؟ ما علاقة "المانجو" بهذه المرأة التي تُقال عنها الأقاويل أكثر مما تُقال النشرات الجوية؟
كانت تأتي كل صباح، بخطوة واثقة، بعطرٍ لا يشبه العطور، بل يشبه الذكريات التي ترفض أن تموت. تطلب منّي الجورنال اليومي، ولا تنطق سوى: – "الأهرام النهارده لو سمحت." وتدفع ثمنه ببطء كأنها تشتري شيئًا أعز من الورق.
هل كانت تقرأ؟ الله وحده يعلم.
الأسطى جابر، كهربائي الحارة الذي يخلط الأسلاك كما يخلط الحكايات، قال مرة وهو ينفث دخان سجائره من تحت عدّته:
– "دي؟ دي تروق الزباين، وبعد كده تخليهم يقروا لها! ولا يمكن تقرا… بس بعنيها التانية، مش دي!"
ضحك الجميع، وضحكت معهم، لكنّي من داخلي كنت أتذوّق طعم الفضول... طعم السؤال الغامض، المُسكر، الحارق:
> ما علاقة المانجو بها، وهي التي تُدعى "المومس"؟ أهي حلوة كالثمرة؟ ناعمة كقشرتها؟ أم أنها تُقشر وتُرمى، كأن لا أحد ذاق نواتها؟
لم أذق سؤالًا مثله في حياتي. وكان عليّ أن أعرف. أن أفتح المانجو… أن أبحث في قشرتها… أن أجد الحقيقة وسط لزوجة الحكاية.
لكنني سأؤجل الحقيقة... لن أبوح بسرّ التسمية الآن. ستتذوق معي، أيها القارئ، مذاق الحارة أولًا... ثم، إن صبرت، أخبرك لماذا اسمها "سوسن مانجو".
ذهبت... نعم، مشيت برجلي، كما يفعل العشاق في الأغاني القديمة، لكني لم أكن عاشقًا. كنت كمن يحمل في يده الجريدة، وفي قلبه سؤالاً يزن أكثر من وزن صفحاتها. مشيت إلى العمارة ١٣، العمارة التي تُشبه المقابر من الخارج، لكن فيها — كما يُقال — حياة... أو سوسن، وهو نفس الشيء في هذا الحي.
طرقت الباب... لم يُفتح. طرقت الباب من جديد... لم يُفتح.
قلت في سري:
> "يمكن المانجو نامت، أو انسكبت في طبق حزنها."
لكن فجأة... فُتح الشباك العلوي. ظهرت امرأة سمراء، ليست سوسن، لكنها تحمل في عينيها ظلًّا منها، كأنها انسكبت منها ثم جفّت.
قالت: – "إنت عايز إيه؟" قلت: – "جبت الجورنال… سوسن ما جتش المكتبة، فقلت يمكن…" قاطعتني وهي تمضغ العلكة مثلما يمضغ التاريخ نساءه: – "سوسن سافرت... رايحة تزور أمها في طنطا."
طنطا!؟ مدينة لا أعلم عنها شيئًا سوى أنها كانت على خريطة الجغرافيا ذات يوم، يوم كنت أظن أن كل المدن تُشبه الكتب، لكن طنطا الآن أصبحت بالنسبة لي مثل باريس في قلب رواية مغمّسة بالشبهات.
رجعت للمكتبة، والجريدة في يدي لم تُفتح، لا من قِبلي ولا من قِبلها. في المقهى، صاروا يسألونني:
> "سوسن راحت فين؟ مش معقول... سابت الجرنال؟"
قلت لهم وأنا أرتشف شايًا بائتًا:
> "حتى المانجو تسقط من الشجرة أحيانًا... المهم، هل ستعود؟"
ضحكوا، ثم انتقلوا للحديث عن سعر البيض.
وحدي، كنت أفكر: سوسن لم تكن امرأة فقط… كانت طقسًا، عادة، مشهدًا متكررًا مثل إعلان باهت لا يُمحى. والآن، بعد أن غابت، بدأت تظهر أكثر!
قال لي الأسطى منصور، سائق التاكسي الذي يرتدي نظارة شمس سوداء حتى في الليل، كأن الليل يحتاج نظارة: – "الحارة دي؟ عماله تحكي في البطّال... يمين وشمال. والست سوسن؟ ست كويسة… بس..."
آه، "بس"... كلمة تُقال في الحارة ثم تُخمد، كسيجارة محرجة في عشاء عائلي. كنت جالسًا في المقعد الأمامي، أنظر من الشباك كمن ينتظر إعلانًا سينمائيًا عن مصير الأمة، فإذا به... يشهق، ثم يصمت، ثم يبلع... هل بلع الحروف؟ هل شفط الكلمة؟ أم، وهذا هو الأرجح، ابتلع المانجو!
نعم، لقد كان على وشك أن يلفظ الذي أبحث عنه... أن يكشف، أن يشير، أن يُضيء... لكن بدلًا من ذلك، طقطق أصابعه على المقود كعازف عود مغمور، وقال:
– "يا عمّ، الدنيا دوّارة... واللي ماله حيلة، يُحتار فيه."
وانتهى الحوار. وهكذا تُدار الحوارات في هذه الحارة: تبدأ بنكتة، وتنتهي بكارثة تأملية.
حارتنا يا سيدي، كما قلت لك، هي متاهة. أبواب تفتح على أبواب، حواري تلد حكايات، وكل سؤال يتكاثر مثل القطط البرية في خلفية مسجد قديم.
عادت سوسن. نعم، عادت كأنها لم تغب. عادت تمشي كأنها تمشي فوق سطرٍ من قصيدة قديمة. الخبّاز عبد الفتّاح عاد هو الآخر إلى توزيع الرغيف بنصف لعنته، ونصف بركته. والكهربائي جابر عاد ليخلط الأسلاك بالحواديت، كأن الشرارة الكهربائية لا تكتمل إلا بقصة مُبتذلة.
لكن البقال، أبو جبرتي… آه، أبو جبرتي! لقد خسر أسنانه الأمامية، كلها دفعة واحدة، من فرط حُبّه للحلوى الرخيصة. صار أَثرم، ينطق الكلمات وكأنها خرجت من فم سطل ماء:
– "ثت ثوثن! ثكره..."
والله لو أن "سوسن" سمعت اسمها يُنطق بهذه الطريقة، لغيّرت اسمها إلى "أم أناناس".
لقد أكثر من الثاء، في زمن أبحث فيه عن جواب للسين. أنا أبحث عن "السين" يا ناس! عن سوسن. عن السؤال. عن السر. بينما الحارة تتكلم "ثاء"... ثرثرة، ثغاء، ثرثرة أخرى، ثم ثرثرة بلهاء!
والحق أقول لكم، إنّ من يبحث عن المعنى في هذه الحارة، كمن يحاول تقشير مانجو ناضجة بشوكة بلاستيكية... ينزلق، يتسخ، ثم في النهاية… يأكل القشرة ويترك النواة.
لكنني لن أستسلم. سأظل أفتّش عن تلك المانجو — أقصد، الحقيقة — حتى لو قال لي أبو جبرتي: – "لا تثبّني! أنا كمان عايز أعرف ثرّها إيه!"
غابت.
نعم، اختفت تلك التي كانت كل صباح توقظ الأرصفة بعطرها الغامض وخطوتها الواثقة... "سوسن مانجو" التي ما زلت أعتقد أن لقبها ليس من شجرة الفاكهة، بل من شجرة الشبهات!
ومن يومها، حارتنا دخلت في نوبة جنون جماعي. كل من كان يهمس صار يصرخ، وكل من كان يدّعي الحياد تحوّل إلى مدّعٍ عام. أقسم لك، حتى القط الأسود حق المعلم صبحي صار ينظر لي باستفهام، وكأنه يسأل: "هي راحت فين؟"
وكالعادة، الحارة لا تسأل لتعرف، بل لتُدين. ولا تبحث عن الحقيقة، بل عن متعتها في تقليب الفضائح على صاج السخرية.
لكن كان هناك استثناءان اثنان: جبرتي الاثرم، البقال الطيب الذي يؤمن أن العدث يشفي من كل شيء، حتى الغيبة. ومنصور، سائق التاكسي الذي ما زال يعتقد أن سوسن مانجو "كانت راكبة معاه يوم المطر الكبير"، وكأن ركوبها معه يمنحها صك الطهارة الأبدية!
أما أنا، صاحب المكتبة، رجل يُقال عنه "مثقف"، مع أنني بالكاد أستطيع دفع إيجار المكتبة إذا لم يأتِ أحد لشراء كتاب عن "الأخلاق في العصر الحديث" أو رواية مغمورة كتبها موظف جمارك متقاعد. أنا، قررت أن الوقت قد حان لفتح كوامن الحقيقة، وكشف أسرار المانجو، ولو كلّفني ذلك فقدان زبائني الذين يأتون لقراءة الصحف مجانًا ثم يغادرون دون أن يشتروا حتى ممحاة!
---
ذلك الصباح، كانت الشمس تلهث ككلبة عطشى فوق أرصفة المعادي الترابية، وأنا أرتّب دفاتر الحساب بين الحياء والانقراض، حين دخلت هي...
سوسن.
نعم، بنفس الخطوة. نفس الهدوء، كأنها عائدة من حربٍ ولم تخسر فيها سوى صبرها.
قالت بصوتها المعتاد، المبلل بالتعب:
– "الأهرام النهارده... لو سمحت."
ابتسمتُ، ولأول مرة منذ عرفتها، قررت أن أخرج عن دوري كـ"بائع حبر" وأسأل:
– "ممكن أسأل سؤال؟ إيه حكاية الجورنال بالظبط؟"
تأوّهت، كأنها تسحب من روحها، ثم همست:
– "بقرأ صفحة الوفيات."
تجمدتُ. حتى رفّ الكتب انكمش. قلت، كأني طفل ساذج يكتشف أن الساحرة ليست شريرة، بل وحيدة:
– "ليه؟!"
قالت، كأنها تشرح وصفة قهر:
– "جوزي غايب من شهور. لا عارف هو فين، ولا لاقيه اسمه في أي مكان. محدّش ساعدني... إنت أول واحد يسألني."
ساد صمت، لا يشبه صمت المكتبات، بل صمت الضربة اللي تيجي فجأة، وتفكك ضلوع وهمك.
نظرت إليها وقلت:
– "عجبًا... مش سامعة الأقاويل اللي بتتقال عنك؟!"
ابتسمت بمرارة، وقالت جملة يجب أن تُكتب بماء الواقع:
– "أنا مش ناوية أغير العالم، ولا معتقدات الناس... بس نفسي ألاقي اسمه في صفحة الوفيات، عشان أرتاح."
---
خرجت.
وظل اسمها يهتز في أذني... سوسن مانجو.
مش لأنها حلوة، ولا لأنها ناعمة، بل لأنها مثل المانجو اللي تقع قبل أوانها، يدوسونها بالظن، ولا أحد يتذوق قلبها.
أما عن سبب تسميتها بـ"سوسن مانجو"، فقد قيل — ككل شيء يُقال في هذه الحارة — إنها سُمّيت كذلك لأن جسدها يحمل تعرّجات... تعرّجات تشبه تلك التي في ثمرة المانجو الناضجة، وأن اسمها يفوح بالشهوات كما يفوح العطر الرخيص في زوايا الحفلات المنسية.
لكنني أقول، ويا ليتهم يسمعون: هكذا هي الحياة... تلوّث كل شيء، ولا سيما السمعة. حتى لو كانت نقية كالماء... فقط لأنها مرّت في مجرى عكر.
النهاية

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق