من حديث الأرواح: ابن عربي وابن تيمية
غير أن الكاتب، ذاك المتفلسف العابس، أبت عليه شياطينه أن يتركني بسلام، فراح يهمس أن كل قمر، مهما سطع، له جانب معتم، متهدِّج الخطى. قلتُ له: أنا ابن زمني، مثلما أن كل إنسان، قبل أن يلده رحم أمه، تلده الحوادث من رحم الزمن نفسه.
ولكنه، ويا لعشق الظلمة في قلوب بعض الكتّاب، أصرّ أن يُدخل إلى الحديث رجلاً آخر، كأنما ليست الساحة تتسع إلا لحلبة مصارعة فكرية! فجاءكم بابن تيمية...
أنا ابن تيمية. وُلدتُ في حران، في زمان لم يترك للصفاء طعمه، ولا للهواء نقاءه. يمّمت وجهي شطر دمشق، ممسكًا بها كما يمسك الغريق قشة الأمل في طوفان الفتن. رأيت الفساد ينخر، كما ينخر السوس أسنان الأطفال في زمن المجاعة. فناديت: لا وحدة وجود... بل توحيد خالص، محض كالماء الزلال!
أيها القارئ، الكاتب هذا يريدك أن تنظر إلى ابن عربي كأنه قديس من ضوء، وإلى ابن تيمية كأنه ظلٌ يمشي على قدمين. وأنا أنصحك — لا تكن كالريشة في مهب الريح — تحرَّ الحقيقة بعينين لا بعين واحدة، وتذكّر: لكل امرئ وجهان، ومامن أحدٍ يعيش بوجه واحد إلا إذا فقد روحه.
كاد حب نظام بنت مكي أن يخطف قلبي، ومحبتها أن تتغلغل في روحي كما يتغلغل النسيم في مسام الفجر. رأيتها في مكة، يا صاح، حين كانت الكعبة ترتج من وجيب قلوب الزائرين، ورأيتها تمشي، كأنها لا تطأ الأرض، بل تطويها طيًّا خفيًا... وجهها؟ مرآة أنعكس فيها وجدي كله، وشعرها؟ ليلٌ يعطره همس النجم. كانت زهرة، لا في حدائق الأرض، بل في جنان الروح.
ومع أنني كنت قد خطفتُ من بحر الفتوحات المكية لآلئ الحكمة، فمنذ أن لاحت لي نظام، هامت نفسي بها، وكأنني صرت طفلًا يلثغ لأول مرة بترتيل الحب المقدس.
كتبتُ لها "ترجمان الأشواق"، ظن الناس أنني أتغزل بامرأة لحم ودم، ويا لسذاجتهم! لقد كنت أتغزل بجمال الحقيقة متجسدًا فيها، كنت أرى فيها نظام الكون، وتناسق الوجود، كنت أسمع في صوتها صدى الملائكة وهي تخطو بين عوالم النور.
كتبتُ، وأنا أنفخ في الكلمات من روحي:
> "ولقد خلوت مع الحبيب وبيننا سر أرقّ من النسيم إذا سرى"
ولكن... آهٍ ولكن، الشوق الذي يعتصر الأرواح لا يبني بيوتًا على الأرض. كان لابد أن أختار، كما يختار الطير بين القفص والفضاء، فاختارت روحي الفضاء، وتركت نظام تمشي في ممرات الذاكرة، كعبير يمرّ ولا يُمسك، وكرجفة صلاةٍ لا تُعاد.
---
أما أنت، أيها القارئ، فلا تظنن أن العارف بالله يحرم نفسه من الحب! بل هو يحبه حتى يتحد به، ولكنه لا يقف عند الشفاه والعناق، بل يتسامى حتى يغني مع السديم:
> "أنا من أهوى، ومن أهوى أنا نحن روحان حللنا بدنا..."
---
ابن تيمية، الذي ظل ساكنًا طوال هذا البوح، تحرك الآن ساخطًا وقال:
> "كأنك يا ابن عربي تجعل من الهوى مرقًى إلى العلياء! الحب الحقيقي عندي ليس نسيج الأوهام، بل عبودية لله وحده، والخوف منه، والرجاء فيه، والزهد في كل محبوب سواه!"
ضحك ابن عربي ضحكةً حزينةً، وقال:
> "ويا شيخ الإسلام، أوَليس الله هو الحب الأعظم، ومظاهر الجمال كلها مرايا تعكس نوره؟"
أطرق ابن تيمية لحظةً، ثم تمتم وهو ينظر إلى سماءٍ بعيدة:
> "ربما... ولكن الطريق وعر، والناس فتنة لبعضهم البعض."
---
وهكذا، أيها السائر في دروب الفكر، بين يدك قنديلان:
قنديل يضيء بالحب حتى لو احترق.
وقنديل يشع بالغيرة على التوحيد حتى لو لفحته نار الغربة.
والمسألة، يا صديقي، ليست أن تختار بين ابن عربي وابن تيمية... بل أن تختار أيّ روح تريد أن تكون: روحًا تحب حتى تنصهر، أم روحًا توحد حتى تتصلب.
كلتاهما، في النهاية، مسافرتان إلى الله... لكن بأي جناحين؟ هذا، ما لا يقرره أحدٌ غيرك.
ابن تيمية (مواصلًا حديثه الجريح):
أيها القارئ، صحيح أنني لم أتزوج، وربما — وربما فقط — لو أن الله ساق إليّ امرأةً تلمس جبهتي المحمومة بكفّ حنان، لكان شيء من شدتي قد ذاب، كما يذوب الجليد حين يهمس له الربيع.
لكنني، بدل أن أتوحد مع جسد امرأة، توحدت مع جسد أمة كانت تنزف من كل جرح، أمة تتخبط كطائر كُسر جناحه، والمغول ينهشون، والباطنية ينفثون سمهم، وكان لابد أن أكون — لا شاعرًا — بل سيفًا مصلتًا من كلمات!
نعم، عشت زمنًا ليس كالزمن الذي نعِم فيه ابن عربي، زمنه كان كزهرةٍ تتفتح تحت شمس ناعمة، وزمني كان كرمادٍ تذروه ريح المساء.
ولو كنت قد عشت زمنًا آخر، لعلني كنت نظمت القصائد بدل الفتاوى، وزرعت الورد بدل أن ألوّح بسوط التكفير.
ولكن، ها أنت ترى يا صاح، لكل نَفَسٍ وقته، ولكل مجتهدٍ نصيبه.
ما كتبته — ولو بدا لك اليوم قاسيًا — كان محاولةً بائسة، نعم بائسة، لأنقذ قافلة تغوص عجلاتها في وحل الردة والبدع. كتبت لجيل كان يحترق أمامي، لا لجيلٍ مستقبلي يقرأني من وراء زجاج الوقت.
دخلتُ، ويا لها من مغامرة، إلى منطقة كلها أشواك مسنونة، منطقة الكفر ذاته، لا حبًا في التكفير، بل كمن يصرخ لينبه النائمين من حريق.
قالوا:
> "لقد أكثرتَ يا ابن تيمية! لقد جعلتَ من الدين سياجًا من نار!"
وأقول:
> "بل كنت أذر البذور في تراب يوشك أن يتيبس."
نعم... قد تجاوزت الحد أحيانًا، أعترف لك، ولكن هل يضع الزارع مقدار الحبّة وهو يحرث الأرض التي لا يثق بأنها ستنبت؟ كان عليّ أن أزرع بكل قوتي، أن أكتب كمن يخط بيده على صفحة الغرق.
أيها القارئ، لا تحكم عليّ كقاضٍ جالس فوق مقعده المخملي، بل انظر إليّ كراكب أمواج هائجة، يحاول أن يصنع سفينةً من ألواح مكسرة!
---
ابن عربي (مبتسمًا بطيفٍ خفيف):
> "يا ابن تيمية... من أنبتَ الحبَّ لا يخشى الريح، ومن غرَسَ الخوف، قد يحصد العطش."
---
الصدى البعيد (من أعماق الحكاية):
وها أنت، أيها القارئ، بين قلبٍ يعزف أنشودة الوحدة، وقلبٍ ينفخ في ناي النجاة.
فاختر: هل تريد أن تكون موسيقى تتماوج مع الرياح؟ أم أن تكون نداءً صارخًا في بريةٍ مهجورة؟
كلتا الطريقتين لله... لكن الطريق، كما تعلم، لا يخلو من أشواكٍ... ولا من نجوم.
---
ابن تيمية (بعينين محمومتين، وصوت كالسيف المصلت):
أحسبتني، أيها القارئ، كنتُ جالسًا على أريكة المخمل؟ لا... بل كنت جالسًا على جمر الفتنة! زنازين ضيقة، عتمة أشر من ظلام المغيب، جدرانها تتنفس الكراهية.
سُجنتُ مرات، ومرات، في القاهرة... في الإسكندرية... في دمشق...
في كل مرة، كنت أجالد الظلام وأقول: "رب، سجن الدنيا أهون من سجن القلب عنك."
كان الحديد يقضم معصمي، وكان العسس يتفننون في إذلال جسدي، لكن روحي، آهٍ روحي...! كانت تنبت أجنحة من صبرٍ لا يفهمه إلا المصلوبون على أبواب الصبر.
---
كنت تسمع صراخ النساء في الحارات، رائحة اللحم المحترق تفوح من أطلال البيوت المنهوبة. المغول... يا الله، أيُّ ليلٍ أنجبهم؟ أيُّ لعنة صُبّت في عروقهم؟ هدموا المساجد، داسوا المصاحف بأحذية خيولهم السوداء. رأيت الطفل يُرمى في النار كأنما هو شعلة لا تستحق الحياة، والشيخ يُذبح كما يُذبح الكبش في عيدٍ جائر.
والناس؟ كانت تأتي إليّ، ودموعها قد حفرت في وجوهها أخاديد:
"يا شيخ الإسلام! ماذا نفعل؟"
"افعلوا كذا وكذا..." كنت أفتي. كأن كل كلمة أقولها حجرٌ ألقيه في وجه إعصار.
لم يكن عندي وقت لحبٍّ ولا زواج، كنت مشغولًا بأقتران الأمة بحبل الله، قبل أن تُقطع أوصالها بسكاكين التتر!
كنت أمشي بين الأنقاض كما يمشي طبيب مجنون يحاول أن ينقذ مدينةً مصابة بالطاعون... ولم أنجُ من الطاعون! فيا ليتني كنت أحببت... أو غسلت همومي بدموع امرأة... لكني كنت وحدي، وحيدًا كجذع شجرة في صحراء بلا رياح.
---
(ابن عربي، واقفًا فوق قمة قاسيون، الريح تعصف بثيابه البيضاء كأنها أشباح تحوم حوله)
وأنا... أنا الذي حسبتموه راقصًا على أطراف الأنهار...
كنت واقفًا على قاسيون، أشهق كما يشهق الغيم المختنق:
"يا رب، هذا الزمان لا يعرف إلا أن يكسر القلوب!"
كنت أُطارد بتهمة الصوفية، يضيق بي الفقهاء كما يضيق الفجر في ليلة لا تنتهي، يتهمونني بالكفر لأنني قلت:
> "أدين بدين الحب أنَّى توجهتْ ركائبه، فالحب ديني وإيماني."
يا لهذا الزمن الأعور، يرى السيف لامعًا، ولا يرى القلب الدامي!
---
(رفع ابن عربي يده كأنما يخاطب كل الوجود)
يا جبل قاسيون، اشهد! أنني ما دعوت إلى بدعة، بل إلى محبة، وما خنت الشريعة، بل نظرت إلى جوهرها لا إلى قشورها.
طُردتُ، وشُتمتُ، ومُنعت من التدريس كما يمنع العصافير من الغناء. لكنني كنت أغني مع التراب... أغني للزهرة التي تُداس ولا تلعن الحذاء الذي سحقها.
---
(ريح عاصفة تهب بين الاثنين: ابن تيمية يشد عباءته، ابن عربي ينشر ذراعيه كطائر يحتضن العاصفة)
ابن تيمية (بصوت مبحوح من التعب):
"أما ترى، يا ابن عربي، أن الحب وحده لا يبني حصنًا أمام المغول؟"
ابن عربي (بصوت كالماء الهادر):
"وأما ترى، يا ابن تيمية، أن الحصون التي بلا حب تهدمها ريحٌ واحدة؟!"
---
(لحظة صمت رهيبة، كأن الزمن نفسه توقف متسائلًا: من منهما كان على حق؟)
---
الصدى يرتدّ إليك، أيها القارئ:
ها قد وقفت بين رجلين، كلٌّ منهما حمل جراحه على ظهره، كلٌّ منهما كان عاشقًا بطريقةٍ لا يفهمها الآخر.
واسمع الآن:
في قلب ابن تيمية... كان الحب مشنوقًا بحبل الغيرة على الدين.
وفي قلب ابن عربي... كان التوحيد يرقص عاريًا تحت ضوء القمر.
---
أيّهما أقرب إلى روحك، أيها المسافر فوق خرائط الأرواح؟
أن تكون ثائرًا يحترق في سجونه؟ أم شاعرًا يطير فوق جراحه؟
كلتا اليدين ممدودتان نحو الله، لكن الطريقين... آه، الطريقين... مليئان بالأشواك وبالشموس أيضًا.
أيها القارئ!!
لن أُغلق عليك مغاليق الجنة، ولن أدفعك إلى بوابة جهنم كما يدفع القصّابون نعجةً مذعورةً إلى السكين! لا... سأجعلك تمشي على صراطٍ رفيع، فوق نهرٍ يغلي بين قطبين: قطب الفيلسوف الصوفي ابن عربي، الذي يرى الله في كل قطرة مطر، وقطب الفقيه المقاتل ابن تيمية، الذي يرى الله في كل سهمٍ موجه إلى بدعة.
لن أضع الأغلال في يديك كما فعل بعضهم بتلاميذهم، بل سأجعلك ترى... تراهم من خلال مرايا تلاميذهم، الذين حملوا نارهم وماؤهم، فاحترقوا أحيانًا... وأزهِروا أحيانًا أخرى.
أنا ابن القيم الجوزية، تلميذ ابن تيمية، ولكن... آهٍ، ولكن! لم أكن ظله الذي يردد صدى خطاه، بل كنت ظله الذي يتراقص أحيانًا على الجدران، ظله الذي تعلم أن الضوء أحيانًا يُعطي للحقيقة بهاءً لا يراه السيفُ المصلت.
سرت على هداه، نعم، وارتويت من نهره، نعم، ولكنني سكبت في إنائي شيئًا من عطر التصوف، بحذر العاشق الذي يقبّل وردةً وهو يخشى شوكتها.
أحببت التصوف الحقيقي، تصوف القلوب التي تهيم بالله لا بالأضرحة، بالمعاني لا بالتمائم. رأيت في الحب الإلهي قبةً تظلل الزهد، لا سحبًا تخنق الشمس.
في زمن كان الدم يُسكب كما يُسكب الخمر، وزمن كانت الفتن أعنف من زوابع البحر، حاولت أن أكتب بلغةٍ تفهمها القلوب قبل العقول، أن أقول للناس: ليس المهم أن تعبد الله بجسدك فقط... بل أن تعبده بقلبك المرتجف، بروحك الهائمة.
اختلفت مع شيخي ابن تيمية حين خففت من سياط التكفير التي كان يجيد جلد خصومه بها، وأبقيت على النار المقدسة التي كان يضرمها حين يهتف: "التوحيد... لا سواه!"
أما أنت، أيها القارئ الهارب بين أسطر الزمان، فلا تظن أنك ستفلت! لأننا الآن سنعبر إلى الجانب الآخر من المرآة... سنلتقي هناك بابن سبعين.
أنا ابن سبعين، تلميذ ابن عربي، إن شئت أن تقول... أو خصيمه المحب، إن كنت أكثر دهاءً.
أنا الأندلسي الذي لم يستسغ خمرة الحب التي كان ابن عربي يسكبها حتى على الحصى، أنا الذي رأى وحدة الوجود، لا من نافذة معطرة، بل من خوخةٍ يعبق منها تراب وشك ولهيب.
لم أر الله في الورد فقط، بل في أشواك الورد. لم أجد الله في المآذن وحدها، بل في الأسواق الصاخبة والسكارى التائهين.
اتهموني بالكفر، بالزندقة، بالتمرد على النسق، لأنني لم أكتفِ بأن أغني كما غنى ابن عربي: "أدين بدين الحب..." بل قلتُ: "أنا هو أنا، والله هو أنا، إن فنيتُ!"
لغة أكثر صراحةً... أكثر وقاحةً... لغة من رياح الجنوب حين تثور، لا من أنسام الفجر حين تهمس.
وهكذا ترى، يا صاحبي، ابن عربي مدَّ ذراعيه للكون، وقال: كل شيء هو الله وظله. أما ابن سبعين، فقد ضرب بقدميه الأرض وقال: لا ظل ولا مرآة... الله، وأنا، والعدم، رقصةٌ واحدة!
دعني ألخّص لك، قبل أن تتيه أكثر في دوامة الأرواح:
ابن القيم كان جسراً بين قسوة ابن تيمية وجمال التصوف؛ قبِلَ بالحب الإلهي ولكن بدون إفراط وحدة الوجود.
ابن سبعين كان عاصفةً خرجت من رداء ابن عربي، حمل فكرة الفناء إلى أقصى حدودها، ومضى إلى حيث لم يجرؤ ابن عربي نفسه أن يذهب... إلى ذوبان الهوية حتى الغياب.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق