بحث هذه المدونة الإلكترونية

الثلاثاء، 20 مايو 2025

الوتر الخامس

 
 
الوتر الخامس
 

لم تكن الحروب، كما قد يُخيّل للسذج، رياحًا تهبّ بلا جهة، أو صواعق تنقضّ دون علة. الحروب يا صاح، تنشب للمصالح والمطامح، لا تُشعلها نغزة قلب ولا نوبة جنون. الإنسان، مذ عرف الخوف، بحث له عن سبب، ومذ تذوّق السلطة، حمل السلاح ليُقنع نفسه أنه على حق.

وأنا... كنت الهدف.

أنا زرياب. لا تحكم عليّ من سواد بشرتي، ولا من نحولي، فالأوتار كانت تهمس لي بما لا تقوله الشفاه.
رفعتني نغمة واحدة في بلاط الرشيد إلى مقام لم يتخيله أحد لبنّاء ألحانٍ مثلي. سَمِعَني، فأجلسني. قَرّبني، فاشتعلت الغيرة.

كان ابن الموصلي يجلس متربعًا على عرش الموسيقى في بغداد، حتى اقتحمتُ عليه بلا إذنٍ ولا سلاح.
عدوي لم يكن رجلاً عادياً... بل قيثارة الغيرة في يد السياسة.
غضب، اغتاظ، وبدأ يدبر لي المكيدة تلو الأخرى، ينسجها بخيوط الطبول والمزاهر، لا بخناجر السُوقة.

وذات ليلة، وصلني منه كتاب، لا يخلو من تهديد مبطّن:
"ارحل عن بغداد، أو أُسكت صوتك إلى الأبد."

علمتُ حينها أن النهاية ليست في عرس موسيقي، بل في منفى يُلبسني ثوب البدايات.
فحملت عودي، وكان بأربعة أوتار... وفي القلب وتر خامس لا يُرى.

رحلتُ إلى الأندلس، لا مال في جرابي، ولا راحلة في صحبتي، سوى غربتي.
ولأنني ابن النغمة لا الجغرافيا، مددت يدي إلى عودي، أضفت له وترًا خامسًا.
قلت في نفسي:
"إن كان الجسم، كما قال الطبيب الإغريقي، يتكوّن من الدم والبلغم والصفراء والسوداء... فإن قلبي اليوم يحتوي خامسهم: الغربة."
وتر خامس... نغمة لا تصدر إلا من الحنين.

وفي قرطبة، حيث زرقة السماء تشبه حزن العيون، استقبلني الخليفة عبد الرحمن الأوسط كمن يستقبل ضيفًا من قصيدةٍ ضاعت، ثم وُجدت.
فمنحني بيتًا، ومدرسة، وصوتًا لم ينقطع.

من كل صوب، جاء من أراد أن يتعلّم الموسيقى.
القيان من حولي كزهرٍ يتفتّح حين أمرّ.
وكانت النغمات تبني لي وطنًا لا يُرى، لكن يُحسّ.

وكلما عزفت، عاد إليّ طيف بغداد...
عاد إليّ ظل الرشيد، وهمسات المؤامرة، وصوت الورق الذي حمل تهديدي الأول...

لكنني لم أعد ذاك الغريب.
أنا الآن زرياب... الرجل الذي خلط الأخلاط الأربعة بوتر خامس، فصار عوده يشبه الحياة: موجوعة... لكنها تُغنّي.

المعارك تطاردني كما يطارد الظلّ صاحبه في الهجير...
أينما حللت، اندلعت نار، وانفجرت نغمة.
وأنا الذي ما حملت سلاحًا قط، ولا صافحت غير العود، يُطلب منّي اليوم أن أقتحم ساحة القتال لا بسهمٍ، بل بسيفٍ بَتّار!

جلست في حجرتي، وحشةٌ تهبّ من نوافذها، وأفكارٌ تثقل على صدري كصخر فوق رئة.
أمسكت بعودي، أراقبه كأنّي أسأله:
"هل سننجو هذه المرة يا رفيق الصداح والبكاء؟"

دخلت عليّ "تودّد"، جاريتي، التي كانت تُنشد العذب، وتحفظ أسرار مقامي كما تحفظ الأم نبض رضيعها.

اقتربت، ثم قالت بنبرةٍ عذبة:
– "يا معلمي... ما بالك مطرقًا، شارد البصر؟"
رفعت بصري إليها، وأنا أعلم أن العيون كثيرة، وأن كلّ همسة تُحفظ وتُحمل إلى الأعداء في قوارير العسل المسموم.
 


لكني – ولحاجتي إلى تنفيس صدرٍ مثقل – همست لها:
– "كما تعلمين... الحرب على الأبواب. الخليفة أمرني أن أشارك... لا بعزفي هذه المرة، بل بسيفٍ لم ألمسه قط."
هزّت رأسها كمن يصغي إلى وترٍ مكسور.

ثم ابتسمت... ابتسامة شقت ظلمة الحجرة كما يشق الفجر رداء الليل.
قالت:
– "زرياب... الذي نجا من مكائد بغداد، ومن غيرة الموصلي، يقع في ساحة حرب؟ ما أشبهها بسخرية!"
ثم صمتت، ورمقتني بنظرة عميقة:
– "لا أريد أن أفقدك، يا معلمي. ما رأيك أن تقابل الخليفة، وتعزف له مقطوعة حزينة؟ ألم تقل لنا أن أحد الفلاسفة العظام أثبت أن الموسيقى تقلب المزاج كما تقلب الريح الشراع؟"

فكّرت في كلامها، ثم قلت متنهّدا:
– "لكن... إن كانت النفوس مشحونة بالحرب، فهل يقبل أحد أن يُصغي لوترٍ ناعم؟"
ردّت بثقة:
– "اقرأ ما بين السطور، يا قارئ الفلسفة. أعزف له ما يشعل الحماسة، افتح الباب إلى وجدانه، ثم اطلب ما تشاء."

راق لي ما قالت.

حملت عودي، رفيقي في الترحال والمنافي.
ذاك الذي شهد أفراحي وانكساراتي.
في الرخاء كان لي صدًى، وفي الشدائد كان لي عزاء.
ولطالما تأملت في أن "الرخاء" مفردة رخيمة، بينما "الشدائد" جمعٌ تكسير، يكسر النفس قبل أن يكسر الواقع.

خرجتُ، والوتر الخامس في عودي يرتجف معي.
ربما عزفت لأجل نجاتي، وربما... لأجل أن يتذكّر الخليفة أن هناك موسيقى أعظم من الحرب.

لم تكن تلك الليلة عادية.
القصر، بأعمدته المزخرفة وسقوفه العالية، بدا كعرش يتدلّى من نجوم قرطبة نفسها. كان الشراب يدور، والأبخرة تتصاعد من المباخر، تعبق الجوّ بروائح العنبر والمسك، لكن شيئًا ما كان يخنق الأرواح. لم تكن الروائح تكفي لستر التوتر، ولا الزخارف تكفي لطمس الحقيقة.

كنت أجلس هناك، في مقعدٍ رخاميٍ يخصّ الضيوف الكبار، أراقب أبهة المكان، وتودد من خلفي، بصحبة فرقتنا من القيان، يتحفزن لأية إشارة. كان الغناء الجماعي جزءًا من ليالي القصر، لكن قلبي لم يكن منشغلًا بالموسيقى... بل بما يدور في العيون.

وفجأة... شقّ الصمت صوتٌ فيه من الوقاحة ما يكفي لإشعال الحريق.

– "لا نحتاج إلى عود هذا الرجل الغريب القادم من المشرق! ربما هو ذئب في مسالخ نعجة! لا نعرف نواياه الحقيقية... الجواسيس يُبعثون بأعواد لا بسيوف. لا يشاركون في حروبنا، لأن ولاءهم في مكان آخر..."

كان المتحدث يحيى الغزال.

اسمٌ له وزن في الأندلس. رجلٌ له في السياسة يد، وفي الكلمة مخلب. لكن اليوم، مدّ لسانه إلى صدري. تحدّث عني كما لو كنت دخيلًا، طفيليًا، نغمة مزعجة في مقام سلطانه.
ارادت "تودد" أن تنهض، أن تصرخ، أن تدافع...
لكنني أمسكت يدها.
ليس هنا. ليس أمام الخليفة. لا نردّ على السفهاء بصخب، بل بصوتٍ يعرف متى يصعد ومتى يسقط.

التفت إليّ الخليفة عبد الرحمن الأوسط، بنظرة فيها أكثر من اختبار.

قال بصوت حازم: – "يا يحيى... لسنا في سوق نخاسة حتى يُباع الناس بالشبهات. زرياب من علّمنا نظام الموائد، وهو من غنّى لنا حتى رقّت القلوب. لن أسمح لأحد أن يُدنّس هذا الوفاء بالشك. يا زرياب، حدّثنا... دافع عن نفسك."

رفعت عيني إليه، وكل مجلس القصر يترقب.
ورأيت في وجوههم التردد، الترقب، وربما بعض الشماتة.

قلت، وصوتي ينساب كالوتر: – "يا مولاي... لا أملك غير هذه الخشبة بين يدي، وهذه الريشة، وخمسة أوتار غرّدت بها للمشرق، وأهديتها الآن للأندلس. لست ربّ المعارك، ولا فارس السيف، أنا رجلٌ يقاتل بالحسّ، يُداوي بالألحان، ويحلم أن تنقشع الحروب بنغمة."

تأهبت الأصوات للاعتراض، لكن الخليفة أشار بيده أن اسكتوا.
ثم قال بنبرة فيها ترقب:

– "اسمعني شيئًا... شيئًا يجعلني أشعر بالنصر."

مددت يدي لعودي كما أمدّ قلبي...
أشرت إلى القيان، وهمست إلى تودد بنظرة، فتهيأت كمن تتهيأ للمعركة.

بدأت من الوتر الخامس... وتر الغربة.

ونغّمت من أعماق غربتي:

> وَلَقَد رابَني اِبنُ عَمّي
بَعدَ لينٍ مِن جانِبَيهِ وَأُنسِ
...
أَذكَرتِنيهُمُ الخُطوبُ التَوالي
وَلَقَد تُذكِرُ الخُطوبُ وَتُنسي




كنتُ أعزف لا للفرح، ولا للحزن، بل لأُشعل شعورًا جديدًا.
أن يغمر الحضور بموجةٍ لا يعرفون إن كانت طوفان شوق، أم نشيد نصر، أم بكاء مدينة.

وحين انتهيت، عمّ السكون.

نظرت إلى الخليفة، وإذا به يمسح دمعة لم يستطع أن يخفيها.
ثم قال:

– "يا زرياب... ابق في قصري. أحتاج إلى صوتك، وإلى أوتارك. لقد أشعرتني أني أكثر الملوك حظًا لأنك في الأندلس."

في تلك اللحظة، أحسست بالحبور يغمرني كأنني غسلت قلبي.

نظرت إلى "تودد"، فهزّت رأسها، كأنها تقول: أرأيت؟ لقد كان الوتر أصدق من السيف.

لكن حين كنت أنزل من مجلس العزف، لمحته...

يحيى الغزال، وجهه كبركانٍ لا يجد منفذًا. قبض على سيفه، وهمّ أن يتحرك نحوي.

ابتسمت في سري.

سيفك يا غزال... حادٌّ نعم.
لكنّه لا يجرح كما تفعل أوتاري.

فأنا زرياب...
ومنذ أن أضفت الوتر الخامس، لم أعد أغنّي فقط، بل أُقاتل... بطريقتي.

لم تكن تلك الليلة كباقي الليالي...
عاد الخليفة عبد الرحمن الأوسط من ساحة الحرب ظافرًا، منتصرًا كقائد خرج من بين لهب السيوف وهو يضحك.
القصر اهتزّ بالزغاريد والمباخر، والموسيقى كانت على وشك أن تُعزف... لولا أن شيئًا ما كان يغلي في الأعماق.

كنت في مقعدي كعادتي، وعودي إلى جواري ككلبٍ وفيٍّ لا يفارق ظلّ صاحبه.
لكنّ عيني لم تكن على الأوتار... بل على عيون ذلك الرجل: يحيى الغزال.
كان يبتسم للخليفة، لكن في ابتسامته سمّ أفعى، وفي صمته شرك.

قال له الخليفة، وهو في أوج فرحه: – "يا يحيى! لكَ مني ما تشاء، حتى لو طلبت لبن العصافير!"
ضحك المجلس، وضحك يحيى، وأنا... كنت أعرف أن الضحك نذير بلاء.

تقدّم يحيى بخطوات محسوبة، ثم انحنى وقال: – "يا مولاي، لا أطلب ذهبًا، ولا دنانير.
كل ما أرجوه... أن يهديني زرياب جاريته تودّد."

سقطت الكلمة في القاعة كقذيفة.
تودّد...؟!
أجمل ما لدي، أصدق من غنّى معي، من كانت عينيها تسبق صوتها في لحن الحزن، من عرفت أوتاري قبل أن أنطق نغمة.

نظرت إليها.
كانت واقفة، ثم جلست فجأة كمن صُفع.
تلون وجهها كقوس قزح تحت سيف، وعيناها تنظران إليّ وكأنها تسأل:
"أأُباع؟"
وأنا... لا أملك كلمة "لا" في حضرة السلطان.

قال لي الخليفة: – "يا زرياب! نعلم منزلتها عندك، لكن الوعد وعد. سنعطيك مهلة لتجد بديلًا لها، وسأكافئك بثمنها."

ثمنها؟
أي ثمن يُعادل نغمة أنقذتني من المنفى؟
أي ذهبٍ يُقابل امرأة تعرف متى تصمت ومتى تهمس ومتى تغنّي؟

سمعتها تهمس، بصوت لم يسمعه سواي: – "سيدي... لا تدعني أذهب إلى ذاك الشاعر المتباهي. هو لا يريدني... بل يريد أن يكسر بك شيئًا."

فهمت.
هذا ليس طلب هوى، بل صفعة على وجهي.
انتقام من لحنٍ غلب سيفه.

دخلت في ليلٍ من الحيص بيص.
الخليفة يأمر، وتودّد تستغيث، ويحيى يبتزني بعينين لا تعرف الرحمة.
كيف أُفلت من هذا الفخ؟
بأي سلاح؟
بسيف؟ لا أحمله.
بلحن؟ لم يسمعه بعد.

وفي الحلم، جاءني الخلاص.

رأيتني آخذ تودّد إلى شيخ جليل في قرطبة.
كانت تبتسم، خجلى، مطرّفة النظرات، كأنها زهرة قرطبية في أوّل نيسان.
فاستيقظت على يقين.

ذهبت إلى حجرتها، أمسكت يدها، وقلت: – "تودّد... هل ترضين بي زوجًا؟"
ولم تجب... بل ابتسمت، ودمعتان علّقتا في طرف الجواب.

دخلنا على شيخ قرطبة.
قلت له: "أشهدني أنك زوجتني هذه المرأة."
فزوّجني.

وهكذا، لم تعد تودّد جاريتي... بل زوجتي، وحليلتي، وسيدتي.

والآن...
كنت مطالبًا أن أرسل جارية بديلة إلى يحيى.
فاشتريت جارية اسمها "حبابة"، حسناء، تجيد الغناء، لكن بلا روح.

أرسلتها له، وابتسمت وأنا أقول:
– "هاك ما طلبت... جارية في الغناء أقدر، وفي الشكل لا تقل، فخذها."
فاشتعل غيظه.

أتى إلى الخليفة يصرخ، يشكو، يتهمني بالتهرب، بالتمرد.
قال الخليفة:
– "يا زرياب! هل ما أرسلته سخرية؟"
قلت:
– "يا مولاي، لقد تزوجتها. لم تعد ملكًا لي. بل هي الآن حرّة، حُبلى، وفي بيتها."

وقف يحيى كمن صُفع.
قال: "أريد أن أراها، أريد أن أسمع منها!"
فقال شيخ قرطبة، بلحية كأنها ثلج نزل من جبل الطور:
– "لا يحل له أن يرى امرأة رجلٍ آخر."

قال يحيى: "صارت زوجته؟!"
فضحك الخليفة، ضحكة من يعرف نهاية اللعبة:
– "زرياب يا زرياب... قلبك أذكى من سيوفنا."

همس لي: – "أحقًّا هي حامل؟"
فقلت:
– "هي من قالت ذلك، وذاك يكفيني."

ثم التفتُّ إلى يحيى، وقلت: – "ولأرضيك يا شاعر الأندلس، فهذه حبابة بين يديك. صوتها رخيم، وروحها... لم تُمسّ."
قال يحيى مترددًا:
– "أتنازل عنها طواعية، وأعيدها لك!"
ضحك الخليفة: – "أتردّ هدية خليفة الأندلس؟!"

فخرس.

أما أنا...
فعدتُ إلى بيتي، إلى تودّد.
ووجدتها تنتظرني، يداها على بطنها، وعيناها تسألاني:
– "نجوت؟"
فقلت لها:
– "بل... أنقذتنا."

وجعلت لعودي وترًا سادسًا،
أغني فيه لكل أنثى أُريد لها أن تُباع... فاختارت أن تُحَب.

لمّا بلغني كتابها، كانت الأحرف كأنها مكتوبة بحبر الدموع، لا بالحبر الأسود.
حبابة... تلك التي علمتُها كيف تفتح حنجرتها كما تُفتح زهرة لنداء الندى، كتبت إليّ تقول:

> "يا أيها المعلم الكبير،
أنا حبيسة في دار ابن الغزال. ينهاني عن الغناء، ويقذفني بألفاظ قذرة لأنك من أهداني له.
اسمعني جيدًا... إنه يخطط لقتلك. سمعته يُحادث رجالًا غرباء وفدوا إليه.
أرجوك، تعالَ إلى فندق الحمامين بقرطبة. لا أريد شيئًا سوى النجاة من هذا الجحيم الذي ألقيتني فيه..."



قرأت الرسالة مرارًا، قلبي يرتجف لا من الخوف، بل من النغمة الكامنة خلف الكلمات... نغمة الغدر.

قالت لي تودد، بعينيها اللتين تشبهان فجرًا يغار من المساء:

> "لا تصدق كل من استعبر، ولا سيما عبرات النساء!
قلوب الرجال مربطها دمعة أنثى، وأنت تعرف كم من لحن ذبحته دمعة."



أجبتها وأنا أنظر في ملامحها الحازمة:

> "أنا من بعثها، وأعرف معدنها وفنها... لا أحد غيري يعرف متى تصدق الموسيقى ومتى تكذب."



قالت بوجع:

> "لا أريد أن ألد هذا الطفل بلا أب يرعاه."



نظرت إليها طويلًا، ثم همست:

> "تفاءلي... فالوتر لا ينكسر إلا إذا خانته اليد."



خرجتُ لا ألوي على شيء. العود على ظهري، واليقين في صدري، والخوف يطرق باب قلبي كغريب في ليلة مطيرة.

حين وصلت فندق الحمامين، استقبلني رجل نحيل، مهيب، يرتدي صليبًا نحاسيًا يتدلّى فوق صدره، وفي يده كتاب ظننت أنه الإنجيل. إنه عبدالمسيح بن قسطنطين، مالك الفندق.

قال لي:

> "ثمة جارية تنتظرك في الداخل، قالت إنك صاحبها، فأدخلتها في إحدى الدُور الخاصة. امضِ إليها، الله يوفقك."



دخلت بخطى مترددة. رأيتها هناك... حبابة.
ترتدي ثوبًا شفافًا يكشف أكثر مما يستر، وما إن رأتني حتى اندفعت نحوي كأنها عاشقة في موسم الرغبة، تلامسني وتهمس:

> "لقد أتيت أخيرًا! خلصني من براثن ابن الغزال!
اسمه الغزال، وفعله فعل الوحوش..."



ابتعدت عنها كمن فرّ من نار مشتعلة، لكن فجأة انفتح الباب بقوة، ودخل ابن الغزال.
وجهه يقطر حقدًا، وعيناه تتوقدان بنار قديمة.

صرخ:

> "أخيرًا... أتيت إلى حتفك بظلفك!
كنتُ أنتظر هذه اللحظة بشغف، أيها الغريب الأسود.
تظن أنك تملك الأندلس بنغمة؟ بالعزف والقيان؟!"



ثم التفت إلى حبابة، وقد بدت على شفتيه ابتسامة الذئب:

> "اذهبي... أنت حرة الآن. لكن عليك أن تشهدي أمام الخليفة أن زرياب حاول أن يراودك عن نفسك!"



وقبل أن أصرخ أو أشرح، فتح الباب من جديد، وهذه المرة كانت هي...
تودد، واقفة كأنها قمر في درع، وخلفها رجال الحرس، تقول بصوتٍ يجلجل:

> "ماذا تصنع يا ابن الغزال؟!
لم تقدر عليه في ميدان الغيرة، فحاولت الإيقاع به في خيانة الغرام؟!"



مد يده نحو سيفه، لكن يدها سبقت لسانه:

> "لو بعثت إلى الخليفة برسالة حبابة، وشهادة عبدالمسيح، لعلم الجميع أنك أنت من أراد الإيقاع بزرياب!
هذه مكيدة! وأنت صاحب الجارية، لا هو!"



تجمد في مكانه. سقطت سكين الحقد من يده، وارتخت شفتاه.
أما حبابة، فانهارت باكية:

> "أردت فقط أن أغني... كان حلمي الحرية، وهو خدعني بها.
الحرية أثمن من الصوت، يا زرياب... سامحني!"



ولم يطل الوقت حتى أصدر الخليفة عبدالرحمن الأوسط قراره:
نُفيَ ابن الغزال إلى بلاد الفرنجة، كما يُنفى الطاعون من قلب المدينة.

أما أنا... فنظرت إلى تودد، التي وضعت يدها على بطنها، وقالت بصوتٍ خافت:

> "لم أنقذك... بل أنقذت من في أحشائي."



ابتسمتُ، والعرق يتقاطر من جبيني. لم أجد ما أقول.
لكني أدركت شيئًا:
الصوت لا يحمي صاحبه، بل النغمة الصادقة... وتلك النغمة كانت هي.

يا ليلُ الصبُّ... متى غدُه؟

أنشدتُها كما يذرف العاشق دمعه على خدّ الوتر، لا أغني بل أتنهد، ولا أُطرِب بل أبوح. أنشدتُها فاهتزّ الخليفة، وتمايل النجم في سماء قرطبة كأنه يصغي إليّ.

لكن تلك الليلة لم تكن لليلٍ وشعرٍ، بل لامرأة… اسمها طروب.

جارية بيضاء، كأن وجهها مدهون باللبن، وشفتاها من توت جبال الشمال، وعيناها تشعّان بغموض المغامرة. علّمتها الغناء كما تُعلَّم الريح كيف تهمس، فإذا بها تفتن الخليفة عبدالرحمن الأوسط في مجلسه المفتون.

صفّق الخليفة بحرارة لم أعهدها منه، حتى حسبتُ أن الطرب خالطه هوى، والهوى استحال رغبة، والرغبة أمرًا لا يُرد.

وبينما كنت أجمع عودي، اقترب الخليفة مني هامسًا:

> "زرياب... لقد وقعت في نفسي. أهَبْني طروب."



يا الله…! كيف أجيبه؟ هذه ليست جارية عادية، إنها ثمرة سهر، وحصيلة سفر، جلبتُها من بلاد نبرة والبشكنس، لا لشيء إلا لأن قلبي قال لي إنها ستُحدث فرقًا.

لكن ما لي أن أرد طلب الخليفة؟ نظرت في عينيه فوجدت فيهما نارًا لا تهدأ.

فقلت:

> "إن كنت تريدها فهي لك… لا مال لي أعز منها، لكنها الآن ملك يمينك يا مولاي."



قال مبتسمًا:

> "وسأعوّضك عنها."



ثم أنشد بصوته العذب:

> "يا ليلُ الصبُّ... متى غدُه…؟"



وهكذا… رحلت طروب.

رأيتها تبتسم، كأنها كانت تعرف أني سأهبها، لم تسأل، لم تدمع، لم ترتبك، فقط جلست على كرسيها تمشّط شعرها الذهبي، وابتسامتها تلك… كانت صفعة.

اقتربتُ منها، وهمست:

> "لقد أهديتك للخليفة. استعدّي."



فقالت، بصوت رخيم لا يخلو من خبث:

> "من الآن يا معلمي… نادِني بأمّ الخليفة."




---

مرّت السنوات، وفي قلب القصر اشتد نفوذها، لم تكتفِ بمكانها بين الجواري… بل أزاحت كل منافِسة، كما تُقصى قطع الشطرنج عن رقعة الملك.

كانت تخطط، نعم… كانت تخطو نحوه كما تمشي النمرة إلى الفريسة، لا لتحتضنها، بل لتجهز عليها.

حتى جاء يوم سمعت فيه باسم نصر الخصي، رجل وسيم من مولدي قرمونة، أرسله الحكم الربضي إلى القصر، بعد أن خصاه، ليخدم في الحرم السلطاني.

برز في القصر، وامتلك قلب الخليفة بثناءه المبطّن بالدهاء، وكان الخليفة يقول عنه:

> "هذا نصر… الذي كسر شوكة النورمان، وأنقذ ديار الأندلس."



وصار نصر الخصي صاحب النفوذ، اللسان والعيون، والرجل الذي لا يُرد له طلب.

وفي ذات يوم، جاءتني حبابة، جاريتي القديمة، وقد احمرّ وجهها وقالت:

> "يا سيدي، طروب تخطط لاغتيال ولي العهد محمد! تريد أن ترفّع ابنها عبدالله ليصير وليًا للعهد و تقتل الخليفة أيضا!"



ضحكت أولًا، لكن ضحكتي ذابت حين قالت:

> "تعاونت مع نصر الخصي، وجلبا طبيبًا عراقيًا اسمه الحراني ليضع السم في اللبن. والطبيب أسرّ لي بالأمر لأنه ظنني من نساء القصر… وأنا أقرب إليك."




---

لم أستطع النوم. الليل كان ثقيلاً ككابوس يتربّص بالخليفة وابنه.

وفي فجرٍ صامت، تسلّلت إلى القصر، وطلبت لقاء الخليفة.

قلت له:

> "مولاي… لا تشرب من اللبن غدًا، بل اجعل نصر الخصي يذوقه أولًا. فإن مات… عرفت من كان عدوك."



رمقني الخليفة بنظرة حارقة، لكن عقله كان أذكى من أن يُكذّبني.


---

وفي مجلس الصباح، جاء نصر الخصي مزهوًا، وقد لبس الصغير عبدالله ثياب الخلافة، وجلس إلى جانب طروب التي تشعّ كأنها توّجت ملكة.

قُدِّم اللبن، فناوله الخليفة لنصر.

تردّد نصر… فزمجر الخليفة:

> "اشربه… وإلا أمرت السياف بقطع رأسك!"



فشرب. وشحب. وسقط. ومات.


---

أمر الخليفة باعتقال الطبيب… لكنه بدلاً من أن يُعاقبه، جعله طبيبه الخاص. أما طروب… فقد بقيت.

سألني أحدهم:

> "لماذا؟ ألم تكن خائنة؟"



أجبته بصوت مختنق:

> "لأن الحب يا صاحبي… سمّ لا يُشرب دفعة، بل قطرة قطرة… ومع هذا، لا نتوقف عن التعلق به."

بعثني القدر إلى الأندلس، أو بعثت نفسي. كنت كالطير الذي تذوّق طعم الفضاء، لا يعود طائعًا إلى قفصٍ ولو كان من ذهب.
لكن بغداد لم تنسني.
ولا الخليفة هارون الرشيد.

ذات صباح، دخل عليّ فتى نحيل، بملامح متخفية، برداءٍ لا يليق بمثله. غير أن خصلة شعره، تلك المتمردة، قد خانته. عرفت الرجل قبل أن يفتح فاهه…
إنه أبو نواس!
الشاعر الذي إذا كتب، فضح، وإذا سكر، صدق.

همس لي كمن يحمل سرًّا من السماء:
"هارون الرشيد… يريدك. اشتاق إلى وترك الخامس. أرسلني… لكن لا أحد يعلم. جئت كظلٍّ في الليل."

قلت له:
"وأين الرسالة؟ أين خاتم الخليفة؟"
فأشاح وجهه، وجلس على مصطبة، وأنشد دون أن يُسأل:

> "دع عنك لومي فإن اللوم إغراءُ
وداوني بالتي كانت هي الداءُ"



فهمت... لقد فتنته الأندلس قبل أن يبلغني الرسالة!

في مدرسة الموسيقى، كان الغلمان الصقالبة يرقصون بين الأوتار، كأنهم خُلقوا للموسيقى. أبو نواس، بدل أن يسلّمني مضمون الأمر السلطاني، انشغل بوصفهم شعرًا وشغفًا.
وإذا نهرته، ردّ كالوقح العاشق.

وفي ذات مساء، مرّ من قربنا غلام يُدعى جميل. وجهه كأنه طُلي من ندى الصباح. وما إن رآه أبو نواس حتى سال ريقه، وبادره بكلمات لا تُقال إلا بين الجدران.
لكن الفتى توقف، رفع حاجبه، ثم بصق كلماته كالسم:

"إليك عني يا دعيّ… يا ابن الزانية!"

شهقتُ، لكنه لم يتزحزح.
أما أبو نواس، فرفع كأسه الخيالية وقال:

> "قد يخضعُ الحرُّ للغلام
فما ينقص ذاك الخضوعُ من شرفه
فسبّ ما شئت، سيدي،
أبدًا... هذا خضوعي له على سرفه!"



لم أنم تلك الليلة من فرط العجب. كان من المفترض أن يأوي معي، لكنه أصرّ على النوم في مدرسة الغلمان، كأنهم الجنة التي وعدته بها الخمرة.

في الصباح، جلست معه وحدنا. سألته:
"أما زلت تحمل لي أمرًا من الخليفة؟"
هزّ رأسه، وقال وهو يضحك من عينيه:

"الخليفة... مشتاق إليك. إلى وترك الخامس. سمع أنك أضفته، وتغيّر صوتك، وصوت الدنيا من بعدك."

تناولت العود، فطلب سماع النغمة.
ضربتُ على الأوتار، وغنيت من شعره:

> "يا واصف الغلمان في شعره
أنتَ وربي منهمُ الأولُ
وصفتَ خمسينَ فميّزتهم
وأنتَ أنتَ الظبيةُ المُغزِلُ
دعهمْ وخلّ وصفهمْ
أنتَ وربي منهمُ أجملُ"



بكى أبو نواس، وانهمر دمعه كشاعر يكتب آخر بيت في حياته.
قال لي:
"إن لم تعد إلى بغداد... فسأعود أنا. لا مقام لي هنا. غلمان بغداد أجمل من غلمان الأندلس!"
فضحكت، وقلت له:
"أما زلت تقيس المدن بجمال الغلمان؟"

ودّعته على باب المدرسة. كان جميل واقفًا يرمقه بازدراء، وأبو نواس يرمقه بعشق.
وحين غاب طيفه، قلت لجميل:

"أتدري من ذاك الرجل؟"

قال: "من؟ هذا الدعيّ؟"

قلت له: "ذاك... أبو نواس."

شهق جميل، وبدت عليه رجفة الاعتراف:
"لِمَ لم تخبرني يا معلّمي؟"

قلت له مازحًا:
"ماذا كنت صانعًا لو أخبرتك؟"

قال:
"كنت... أستضفته في داري!"

وهنا، يا صاح، كدت أسقط على قفاي من الضحك.


لم أكن أظنّ يومًا أن عودي سيغدو مفتاح روحٍ موصدة، ولا أن لحنًا حزينًا قادر على فكّ قيودٍ من حديد.
دخلتُ قصر الخليفة ذات مساء، فوجدت الهمّ جاثمًا على صدره، والغضب يتقلّب في عينيه كجمرٍ تحت رماد. قال لي، وهو يذرع القاعة جيئة وذهابًا:
يا زرياب، كل أهل الأرض يتقربون إليّ، ويبتغون رضاي، إلا هذه الجارية النافارية، تأبى، وتتهدد بالموت إن دنوتُ منها!
سكتُّ لحظة، ثم قلت:
دعها لي يا أمير المؤمنين… فلقد جرّبتَ كل طب، فجرب طبي.
هزّ رأسه في فتور، وقال:
لقد أتعبت القصر وأهله، ولن تزيدك إلا همًّا. يسمونها الآن شموس، لشدة عنادها ونفورها.
لم أزد. أخذتُ عودي، ومضيت.
قادني الحراس إلى حجرة ضيقة في طرف القصر. هناك رأيتها: فتاة متقرفصة في زاوية الجدار، وسلسلة من حديد تطوّق ساقها، وعيناها الزرقاوان متورمتان من البكاء، كأن البحر قد أراق موجه فيهما.
أشرتُ للحارس أن يحلّ قيودها، فامتعض وقال: إنها شرسة، قد تؤذيك!
قلت بهدوء: اتركها… فالروح لا تُروّض بالسلاسل.
انفكّ الحديد عن ساقها، لكنها بقيت منكمشة، تحدّق بي كغزالة جريحة تنتظر سهمًا جديدًا.
جلست غير بعيد، وأسندت العود إلى صدري، وتركت أصابعي تنساب بلحن قديم، لحن حملته معي من أقصى الغرب، من أرضٍ تشبه نافار في بردها، وفي شجنها، وفي دموع غروبها.
ما إن سرت الأنغام في الجو حتى رأيتها ترتجف، ثم انخرطت في بكاء مرّ، كأنها تفرغ حزن السنين دفعة واحدة. تركتها تبكي، ثم غيّرت المقام إلى نغمة فرحة، خفيفة، كنسيم ربيع مفاجئ، فإذا بها ترفع رأسها، ويترقرق في شفتيها ارتباك بين الدهشة والابتسام.
عجبتُ لأمرها، وعجب الحارس من أمري.
أرسلت في طلب جارية من بلادها تُدعى إيزابيلا لتكون ترجمانًا بيننا. جلست الفتاة قربها، وراحت تترجم لي كلمات تتقطّع من فمٍ مرتجف:
تقول إنها خُطفت من حقل أبيها الراهب، وهو يقرع الأجراس صباح الأحد، وإن أختها سبقتها إلى الأسر، فذبلت أمها حزنًا حتى قضت. وتخشى على أبيها من الهلاك، وتبكي وطنًا ليس أرضًا فحسب، بل ذاكرة وروحًا تسكن الجسد إلى الأبد.
حين سمعتُ ذلك، شعرت أن قلبي أثقل من عودي، وأن كل لحن عزفته من قبل لم يبلغ هذه الدرجة من الألم.
خرجتُ من عندها، ومضيت إلى الخليفة.
قلت له: يا أمير المؤمنين، هذه ليست جارية، بل روح مكسورة. إن أردتَ حقًا أن تملكها، فأعتقها… فالحرية وحدها تعيد الإنسان إلى إنسانيته.
نظر إليّ طويلًا، ثم قال: وكيف السبيل؟
قلت: أدفع من مالي ما شئتَ لبيت مال المسلمين، واسمح لها بالعودة إلى أهلها.
سكت لحظة، ثم أومأ موافقًا.
لم أخبرها بشيء حتى تمّ الأمر. وفي فجر يوم صافٍ، خرجنا بها في رفقة حراس حتى بلغنا حدود نافار، حيث تعانق الجبال السماء، وتختبئ القرى في حضن الضباب.
وقفتُ أمامها، ومعي المترجمة، وقلت: الآن… أنتِ حرة.
لم تفهم في البدء، فلما نقلت لها المعنى، شهقت شهقة كأنها ولدت من جديد، ثم ارتمت على الأرض، تقبّل التراب، وتشمّ الحصى، وتبكي وتضحك معًا. دفعتُ إليها كيسًا من الذهب، فهزّت رأسها شاكرة، ولوّحت بيدها مودّعة.
راقبتها تمضي صاعدة في درب الجبل، صغيرةً، ضعيفة الجسد، عظيمة الروح، حتى غابت عن ناظري.
 
وبلغني بعد أعوام أن أهل نافار استقبلوها كأميرة عائدة من الموت، وأنهم سمّوها:
الفتاة التي هزمت العرب دون سيف.
أما أنا… فأبتسم كلما سمعت ذلك.
فأنا أعلم أن الذي انتصر يومها لم يكن سيفًا، ولا سلطانًا، ولا حيلة،
بل وتري الخامس الذي ابتدعته،
ذلك الوتر الذي ما نازله قلب إلا لان،
ولا خاصمه حزن إلا انكسر بين يديه.
لقد هزم وتري الخامس كل من تحدّاه،
حتى هذه النافارية العنيدة…
فهي — في سرّ الحكاية —
النافارية التي هزمها زرياب العربي. 
 
النهاية

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

الخريطة التي تقودني إليك

 رواية الخريطة التي تقودني  إليك  بقلم  جوزيف مونينغر المقدمة يوم التخرج إنها والدتك، من بين الجميع، هي التي تلتقط الصورة المثالية لك ولصديق...