نصل في روح طهران
اسمي شهرام عبدالرضا، وُلِدتُ من رحم طهران
كما يُولد النار من بين الحجارة. كنتُ في العشرين، طالبَ قانونٍ في جامعة طهران، حين اهتزّت جدران الوطن تحت أقدام المخابرات، وتكهرب الهواء بين البرلمان وساحة الفردوسي. عام 1952 لم يكن سنةً في التقويم، بل جرحًا مفتوحًا في الذاكرة الفارسية.
كنتُ أكتب شعارات "نهضة مصدق" على جدران الحرم الجامعي، بقلمٍ من نار، وأصرخ: "ملّت ما نفت میخواهد، نه شاه!"
(الأمّة تريد النفط، لا الشاه!)
في تلك الأيام، لم تكن إيران مجرد بلاد... كانت حلمًا تحت المطر.
وكان محمد مصدق ـ ذاك الرجل النحيل الأشبه برمزٍ من الميثولوجيا الإيرانية ـ يقف كجبلٍ في وجه الإعصار البريطاني. قالها بوضوح: "النفط لنا... لأبنائنا لا لأبناء الإمبراطورية!" فانتفضت الإمبراطورية.
كنتُ أراه كل جمعة، يأتي إلى ساحة الجامعة، لا حرّاس حوله، فقط الشعب. كان يتحدث بلغة لا يفهمها الشاه: لغة العدالة. وأنا، شهرام، كنتُ أراه أبًا ثوريًا، لا رئيس وزراء.
لكن الريح تغيّرت.
في ليلةٍ من ليالي الصيف، وصلتني ورقة من صديق:
> "شهرام، احذر، الأميركيون دخلوا البلاد. اسم العملية: أجاكس."
هززتُ رأسي، ثم مضيت الى منزلنا و أخرجت خنجر أبي من صندوق الخشب، نقش عليه آية من شاهنامه:
> "از دل آزادگان، خون نمیریزد بیدلیل."
(من قلب الأحرار، لا يُسفك الدم عبثًا.)
ـ هذا الخنجر الذي قاتل به في الحرب العالمية الأولى إلى جانب الحلفاء ـ وتساءلت: من العدو اليوم؟ هل هم الإنجليز؟ أم من يشتريهم بقبلة من الدولار؟
يوم الانقلاب، كنتُ في شارع ناصرخسرو. صرخات، رصاص، دم، لافتات محترقة، وناس تفرّ كأن الشوارع تنطق بالرعب. رأيت شابًا يسحل لافتة "مصدق"، ويبصق عليها. لم أتمالك نفسي. رميت عليه حجارة، فالتفت نحوي:
"أيها الشيوعي النجس!"
ضحكت، وقلت:
"بل إيراني من أصل النفط!"
ومضيت في المظاهرة، ليس لأنني بطل، بل لأنني كنت أؤمن أن الجدار حين يُكتب عليه الحق، يهتزُّ قلب الحاكم.
لكن إيران علمتني شيئًا…
الحق الذي يُقال علنًا، يُدفن سرًا.
اعتقلوني بعدها بساعات.
في السجن، لم أكن أخاف الجلاد بقدر ما كنت أخاف أن أنسى رائحة الوطن.
كنت أمسك بقماش القميص، أضعه على أنفي، كأن فيه شيئًا من تراب طهران.
في زنزانة بلا ساعة، بلا نافذة، بلا ليل أو نهار، كان الزمن يسير على إيقاع الصمت.
علمت حينها أن مصدق أُطيح به، والشاه عاد على ظهر دبابات سي اي ايه CIA.
قال لي المحقق:
"لو كنتَ ذكيًا، لكنت في صفّ المنتصر."
أجبته، ووجهي مدمى:
"الخيانة ليست ذكاء... إنها قصر ذاكرة."
اردف المحقق قائلا، وهو يلوّح بملفّي:
> "شهرام، الثورة لا تُصنع بالكلمات."
قلت له:
"لكن الخراب يبدأ حين يُكمم فم القصيدة."
ضحك، وكتب على ورقة الاستجواب:
"مجنون بالشعر. مشبوه بالحنين."
خرجتُ بعد شهور، لا كما دخلت.
الجامعة التي كانت تضجّ بالهتاف، صارت مقبرة للحروف.
الرفاق،
أولئك الذين كنا نحلم معًا بتأميم النفط، صاروا إما في المنافي، أو في صور
بالأبيض والأسود، يعلّقها الناس على الجدران مثل أيقونات فقدت ملامحها.
لكنني لم أُهزم. أنا شهرام عبدالرضا، ابن النار، طالب مصدق، وصوت لا يُقمع.
كتبت يومها على جدار بيتي:
> تا نفت ایران آزاد نشود، من زندانی خواهم بود.
(حتى يتحرر نفط إيران، سأبقى سجينًا.)
وفي زقاق خلف ساحة فردوسي، سمعت صوتها…
ياسمين.
تغنّي كما لو أنها تعصر قلبها وتسكبه في كأس.
صوتها لم يكن فقط أنوثةً غنّت، بل وطنًا يُقاوم النسيان.
كانت تعرف أن الغناء في ذلك الوقت كان يشبه الخيانة،
لكنها كانت تغنّي لأن الخيانة الحقيقية هي أن نصمت.
كنتُ يومًا أظنّ أن الثورة نار، تلتهم الظلم وتترك وراءها رمادًا يمكننا أن نبني منه وطنًا جديدًا.
لكن ياسمين... كانت تُغنّي.
في ركنٍ منسيّ من طهران، داخل حانة تشتعل فيها الأضواء النيون كما لو أنها تتحدّى الظلام الخارجي، التقيتها. كانت تغنّي أغاني كوكوش، تلك التي وُلدت من حبٍّ ممنوع في زمنٍ ضاع فيه الحبّ نفسه.
كانت ترتدي الجينز، سترتها الجلدية مفكوكة قليلاً، وشعرها كأن الريح تلعب به، أو هو يلعب بالريح.
قالت لي، منتشيه بنبيذ أحمر قان:
"شهرام... لماذا أنت عنيف؟ لماذا تصرخ وكأنك تحمل ثأر ألف عام؟"
أجبتها ساخرًا:
"لأن ألف عام من الصمت لا تُمحى إلا بصرخة."
ضحكت، وقالت:
"لكن البلاد لا تُبنى بالصرخات... بل بالأغاني."
ضحكتُ معها... ثم بكيتُ بعد سنوات.
حين جاء الخميني، وبدأت الأشرطة تنزل كالوحي، لم أكن إسلاميًا، لم أكن شيئًا سوى إيراني.
صفّقت له، شعرتُ بشيء يشبه الخلاص... كأن التاريخ نفسه خرج من منفى النجف وقمَّ ليعيد لنا إيران المفقودة.
لكن بعد أشهر فقط...
في شوارع طهران، رأيت ياسمين مجددًا.
كانت ترتدي الجينز ذاته، سترتها الجلدية مفتوحة قليلاً، وفي عينيها نظرة من رأى الحرية تمشي حافية في شوارع الخوف.
قالت لي:
> "شهرام، ما الذي فعله بك الوطن؟"
أجبتها وأنا أضحك مرارة: "ألبسني العمامة… ثم شنقني بها."
انضوت تمشي بين الحشود، لا لكي تُغنّي، بل تصرخ.
"لا للحجاب الإجباري!"
"إيران ليست سجنًا!"
أمسكتُ بها، قلت:
"ياسمين؟ ألستِ من كنتِ تقولين أن الثورة تُورث الدمار؟"
نظرت إليّ، وكان في عينيها شيء لم أعرفه من قبل.
قالت:
"لم أكن أعرف أن الثورة يمكن أن تصبح سيفًا على رقاب النساء. كنتُ أظن أن الحرية شيء يُنتزع من الخارج، لا يُقنَّن من الداخل."
يومها، فهمتُ أن الثورة ليست ما تقوله الشعارات، بل ما تفعله عندما تمسّ جسد امرأة، أو تُطفئ أغنية، أو تفرض لونًا على الرأس.
الإنسان لا يثور من أجل الأفكار المجردة...
بل حين يُهدد شيءٌ من ذاته، حين يُمسّ جسده، أو كرامته، أو أغنيته التي كان يُحبّها.
حين قامت الثورة الإسلامية، كنت بين من صدّقوا أن هذا الكفن سيتحول إلى علم.
صفّقت للخميني، لا حبًا في لحاه، بل لأنني ظننت أن اللحية لا تُخيف ما دام القلب نزيهًا.
لكن سريعًا…
تحولت اللحية إلى قانون.
والفتوى إلى دستور.
وصار الوطن زاوية في مصلى ضيق، يحرسه رجال لا يعرفون من الله سوى الخوف.
رأيتُهم...
أصحاب العمائم، يعتلون سدة الحكم كما يعتلي القارئ المنبر في يوم عاشوراء، يقطّرون الخشوع لكن تحت العباءة نار السياسة.
لم أعد أسمع صوت ياسمين... ولا حتى أغاني كوكوش.
المرأة اختفت، كأنها نُسيت عمدًا، كما تُنسى القصائد التي كتبتها عاشقة على عتبة الليل.
الولي الفقيه؟
أي اجتهاد هذا الذي يضع مفتاح الوطن في يد رجل دين يرى الحاكم ظلّ المهدي، لا ظلّ الشعب؟
حين بدأت الفكرة تتغلغل في أروقة الدولة، علمت أنَّ الثورة لم تعد ثورة... بل انقلابٌ مقنَّع بثوب القداسة.
حزب توده، الحزب الذي حملت بطاقته كأنها وثيقة شرف، تلاشى في ظل صفقات ومشانق.
حتى رفاقي في منظمة مجاهدي خلق ـ أولئك الحالمين بفجر اشتراكي ـ سُحقوا، شُرّدوا، أُعدِموا...
ثم جاء الدور على الليبراليين، على كل من حلم بدولة مدنية، لا مذهبية.
الثورة لم تميز أحدًا... أكلت أبناءها بلا شفقة، مثل كرونوس الإغريقي، الذي ابتلع أولاده كي لا ينازعوه على العرش.
جلستُ ذات ليلة على سطح منزلي القديم، أنظر إلى قمر طهران المكفهر، وتذكرت كتابًا قرأته في شبابي، عن أوروبا.
عن كيف ثار رجال العلم والثقافة ضد الكنيسة، كيف خرج ديكارت من ظلال الإيمان ليقول: أنا أفكر إذن أنا موجود.
كيف نزعت فرنسا تاج القديسين لتلبسه للجمهور، وكيف وضعت العلمانية كـكبحٍ لجبروت الكهنوت.
ثم نظرت حولي...
نحن في القرن العشرين، لكن التاريخ عندنا يسير بالعكس.
رجال الدين في كل مكان: في الوزارات، في الإعلام، في المدارس، في غرف النوم...
سلطة مطلقة مستمدة من السماء، لا من صندوق اقتراع.
هذا ليس فقط وضع العربة أمام الحصان...
بل دفن الحصان حيًا، ثم أمروا العربة أن تواصل السير باسم الله.
كنت أمشي في شارع ولي عصر، حين رأيت شيخًا يصرخ في وجه شاب لأنه يرتدي قميصًا كتب عليه بيتلز "Beatles".
توقفت.
قلت للشيخ:
> "ماذا لو كان محمد نفسه يحب الموسيقى؟" صفعني.
نعم… في إيران، السؤال جريمة.
ما زلت أكتب، لأن ما تبقّى لي من إيران… هو الحبر.
غادرت ياسمين خسرو إيران، وغابت كما تغيب الشمس خلف الأطلس.
تركت ورقة على باب منزلي، خطّتها بخطّ مرتجف:
"لا وطن تحت العمامة."
وسافرت إلى الولايات المتحدة، تبحث عن شيء يشبه الحياة، عن مسرح صغير، حانة بلا حُرّاس، أغنية لا تُقمع.
هربت من جبروت رجال الدين، أولئك الذين حين أمسكوا بالدولة، خلعوا عباءة النصح، وارتدوا بزة السلطان.
في غيابها، رأيت الحقيقة تتعرّى أمامي ببطء مؤلم.
كنتُ من أول المصفقين لسقوط الشاه، وأنا اليوم أعترف:
زمن الشاه، رغم القمع، كان يملك حدودًا... لم يسمح لرجال الدين بالعبور إليها.
كان الطوق الأمني ضاغطًا، نعم، لكنه كان أيضًا طوق أمانٍ ضد دولة تنتظر ظهور المهدي كي تسلّمه المفاتيح!
أنا شهرام عبدالرضا،
آخر أبناء الثورة الذين يعرفون أن
"العمامة ليست هي المشكلة، بل اليد التي تُخفي تحتها السيف."
هل هناك ما هو أكثر سخرية من هذا المشهد؟
دولة كاملة… في انتظار الغيب؟
لا يا سادتي، لستُ ضد المهدي، ولا أسخر من المعتقد.
لكن الدولة الحديثة ليست دعاءً، ولا مقامًا فقهيا.
الدولة مؤسسات، دستور، برلمان حقيقي، لا هيئة تشخيص مصلحة النظام!
اليوم، يُصدرون الثورة بدل النفط، ويغذّون الميليشيات بدل الشعب.
حين كنا ننتقد الشاه، كنا نظن أننا نثور من أجل الكرامة، لكننا أسقطنا طاغية لنقيم ولايةَ مطلقة باسم الله!
كنتُ مخدوعًا، وياسمين لم تكن كذلك.
هي سكتت حين سُمِّي صوتها فتنة.
هي خرجت من الصورة حين قيل لها: المرأة عورة إن غنّت.
لكن أي صورة تُكتمل دون نصفها؟
أي وطن يُبنى إن خُرِسَت ألحان النساء؟
أنا اليوم مثل أوديسيوس، تائه في وطن صار جزيرة تبتلع أبناءها.
كل من حولي، نسخ من بعضهم البعض.
يتحدّثون بلسان المذهب، لا العقل،
يتنفسون الشعارات، لا الهواء.
أنا من بلاد علّمت الإغريق فنون الفكر، واليوم، أبحث فيها عن مفكر فلا أجد...
بقيت في طهران، كما يبقى الحجر في مجرى النهر، لا لأنّه يريد، بل لأنه ثقلٌ لا يعرف الطفو.
لكنّي… لم أعد موجودًا.
كنت أجلس في مقهى قرب شارع كريمخان، أحتسي شايًا مملّحًا بذكرياتي، وأقرأ كتابًا ممنوعًا كما يقرأ المريض تقرير مرضه النهائي.
الناس حولي تتحدث عن أسعار الخبز، عن الزواج، عن مباراة الاستقلال وبرسيبوليس.
لكنني كنت أرى شيئًا آخر:
الأمة بأكملها تمشي... ورأسها غاطس في عمامة.
كنتُ أنظر إلى التلفاز الحكومي: رجل دين، بلحية بيضاء وعينين ميتتين، يقول:
> "الرقص حرام لأنه يُثير الشهوة."
ضحكت، قلت في نفسي:
"ألم نُخلق من شهوة؟ أم خُلقنا من فتاوى؟"
ثم نظرت في المرآة...
لم أعد أعرفني.
كنتُ نفس الشخص الذي كتب "نهضة مصدق" على جدار الجامعة،
لكن نظرتي أصبحت رمادية،
وصوتي صار همسًا،
وقلبي… قلب مهاجر يعيش في صدر مواطن.
المنفى الحقيقي ليس أن تغادر أرضك،
بل أن تُصبح غريبًا وأنت واقف في منتصفها،
أن تمشي في الشارع وتقرأ اللافتات لكن لا تفهم شيئًا،
لأن اللغة تغيّرت، والمعنى أُعدم.
ياسمين خسرو
أعيش اليوم في سان فرانسيسكو.
لا أحد يعرفني هنا، ولا أحد يحاسبني على نبرة صوتي، أو فتحة سترتي، أو طول شعري.
لكني… أعيش بنصف رئة.
أغني في حانة لاتينية صغيرة، تُشبه الوطن... لا بالألوان، بل بالشوق.
كل ليلة، أختار أغنية…
وأغنيها كأنها صلاة.
لي صديق مكسيكي يقول لي:
> "أنتِ تغنين كما تبكي الأمهات اللاتينيات."
أبتسم… وأقول له:
"لأنني فقدت وطني مرتين:
مرة حين طُرد صوتي من المسرح،
ومرة حين قررتُ ألا أعود."
لكنني لم أهرب، يا شهرام…
أنا فقط مشيتُ في طريقٍ لا يمرُّ من بين خُطب الجمعة.
لا يمكنني أن أُغني في بلدٍ يرى صوتي مؤامرة،
في بلدٍ تُعلَّق فيه حنجرة المرأة على حبال الخوف.
أغني هنا، لكن طهران تغني في داخلي.
أغني بالكلمات الفارسية، حتى لو لم يفهمها أحد،
لأنني أريد أن أقول للعالم:
"هذه البلاد التي يذمّونها… كانت تُغني."
ثم جاءت الثورة.
في البداية صدّقتها.
قالوا: "ثورة الشعب."
قلت: لعلها تحمل لنا الضوء.
لكن سرعان ما وجدتُ نفسي داخل غرفة مظلمة، يُفرض فيها الحجاب لا عن قناعة، بل عن سلطة.
قالوا لي:
"صوتك عورة."
"الغناء حرام."
"المرأة للبيت، لا للمسرح."
اختنقت.
منذ متى كانت الأوتار تهدد أمن الدولة؟
منذ متى كانت الطبلة أخطر من البندقية؟
خرجتُ في تظاهرة، بشعري مكشوف كما ولدتني أمي، وقلبي مفتوح كما ولدتني حناجري.
رفعتُ شعارًا كتبته بدمعي لا بحبر:
"الثورة لا تُفرض بالحجاب، بل تُغنّى بالكلمة."
لأنني مؤمنة أن الثورة ليست في البنادق، بل في تحوّل الإنسان من الخوف إلى الوعي.
ربّ أغنيةٍ تُغيّر وطنًا، ربّ بيتٍ من الشعر يُسقط سلطةً.
---
مقتطف من أغنية ياسمين في المهجر:
> تهران من، چرا خاموشی؟
چرا خیابانهایت، دیگر بوی یاس نمیدهند؟
من هنوز اینجا میخوانم،
برای تو…
حتی اگر صدایم در باد گم شود.
الترجمة:
> طهراني، لماذا صرتَ صامتًا؟
لماذا شوارعك لم تعد تفوح بالياسمين؟
ما زلت أغني هنا،
من أجلك…
حتى لو ضاع صوتي في الريح.
---
هذه الأغنية لم تُذَع.
لم تُسجَّل.
لم تُعزف.
لكنها بقيت في داخلي… تُغنّي.
وأنا… ياسمين خسرو… ابنة إيران… سأبقى أغني، ولو في المنفى، ولو في الصمت.
شهرام
كنتُ أرتدي الكرافتة يوم الجمعة.
لا لشيء... فقط لأنها كانت تقول لي:
"شهرام، تبدو كأنك خارج للتفاوض مع الحياة."
اليوم؟ الكرافتة صارت ممنوعة.
نعم... ممنوعة.
الربطة، ذاك الشريط الكرواتي الذي وُلد في أوروبا ليرمز إلى الأناقة، أُعدم في إيران لأنه لا يرضي الولي الفقيه!
ليت الكروات عرفوا ما ستؤول إليه الأمور...
ليتهم أبقوا الكرافتة في درجهم السري، أو ألبسوها للأحصنة بدل البشر.
كان سيجري علينا كل شيء... إلا هذا:
"كرافتك تُخيف الله يا شهرام!"
يا لسخرية القدر!
صرت أمشي في شوارع طهران، وكأنني مرسومٌ في كاريكاتير سياسي:
كل شيء صار دينيًا...
الملابس، الشعر، الكلمات، حتى نبرة الصوت!
في التلفاز: الإمام يتحدث.
في الشارع: اللجان الثورية تتنفس على رقبتك.
في الحافلة: خطبة.
في المدرسة: دعاء.
في الحمّام: لا تسلم إن وضعت الموسيقى بدل التسبيح.
البلاد تحوّلت إلى كابوس.
كابوس طويل...
ممتد…
بلا منبّه.
النائم، الحالم، المواطن الذي صدّق الثورة يوماً، يصرخ الآن داخل نومه:
"أيها الحلم، اتركني أستيقظ!"
لكن لا أحد يستفيق.
الجميع ممغنط داخل مسرحٍ عبثي، تقوده عمامةٌ، وتحرسه فتاوى.
أجلس كل ليلة على شرفة بيتي في نازي آباد، أطلّ على طهران من علٍ، كأنني أراقب حلمًا انقلب كابوسًا ثم رفض أن ينتهي.
أسأل نفسي:
هل أتبع خطى ياسمين وأرحل؟
هل أهرب كما تهرب الأغنية من فم المؤذن إذا غنّى لغير المأذون له؟
لكن إلى أين؟
الاتحاد السوفيتي، ذاك الذي كنت أراه شمس العدالة، سقط، تحطم مثل زجاجة فودكا على رصيف موسكو.
و"حزب توده"، الحزب الذي ظننا أنه سيخلّصنا من الاستعمار، صار بلا أنياب، مجرد شبح ثوري يعظ في المقاهي.
هل أذهب إلى الرأسماليين؟
قد يكونوا أهون... على الأقل، يسرقونك بابتسامة، لا بفتوى.
هربت من حرب الداخل، فوجدت الحرب الكبرى على الباب.
صدام حسين...
ذاك الذي أرسل علينا القنابل بنفس اليد التي كانت تمسك بكتاب البعث.
بعثي؟ نعم.
علماني؟ ربما.
سني؟ رسميًا.
لكنه كان، بكل المقاييس، "نسخة أخرى من كابوسنا"، لكن بلغة مختلفة.
الرجل الذي يستخدم الله في خطابه، ثم يستخدم الكيمياء في المعركة.
الذي يحمل صورة صلاح الدين على كتفه، لكنه يقتل الكرد كما لو أنهم أعداء بابل.
كل المصطلحات فشلت معه.
هو ليس قوميًا… ولا دينيًا… ولا رأسماليًا… ولا اشتراكيًا.
هو ببساطة: العدم يرتدي بزّة عسكرية.
وأنا؟
أنا بقيت بين نارين،
عمامةٌ تحكم باسمي، وسيفٌ يقتلني بذريعة قومي.
---
هل أهرب؟
هل أهاجر؟
هل أبحث عن وطن في المهجر؟
أم أبقى هنا… أكتب، أفضح، ألعن، وأسمي الأشياء بأسمائها في بلدٍ يقطع لسانك إذا لم تقل ما يريد الله أن يُقال؟
حظي العاثر، ذاك الرفيق الأبدي، لم يخذلني هذه المرة أيضًا… بل دفعني، بصفعة القدر، من بين أنياب عمامة إلى فم بندقية.
كنت قد قررت الهرب.
لا لأني جبان، بل لأني لم أعد أؤمن بحرب تُشنّ باسم الله، وتُدار بأيدٍ لا تعرف الله إلا حين تحشد الجنود.
في إيران، صدر مرسوم بالتجنيد الإلزامي.
كان ذلك في عام اشتد فيه اللهيب على الجبهات، وبدأت الثورة تأكل جيرانها أيضًا، لا فقط أبناءها.
لم أرد أن أكون جنديًا في حرب عبثية ضد صدام، ذاك الذي يحمل شعار "الوحدة العربية"، لكنه يذبح بها.
فكّرت: أهرب إلى الجهة الأخرى، إلى العراق، أجد مخرجًا، أقيم بين المهجرين، أكتب، أعيش، فقط أعيش...
لكن الحدود لا ترحم، والخرائط لم تكن لي في ذلك اليوم.
وقعت في كماشة النظام العراقي،
لم أكن مجاهد خلق، ولا عميل مخابرات، ولا حتى تاجر ممنوعات.
كنت شهرام... رجلٌ يهرب من الموت، ليقع في قبضته.
تم أسري.
ويا لسخرية القدر…
صرت ورقة في يد صدام، يشهرها في وجه الخميني كمن يقول:
"حتى أبناء ثورتكم يفرّون إلينا!"
وفي المقابل، نظر إليّ الخميني كما لو أنني خائن، مرتدّ، أو ربما شيطان رجيم.
كنت بيدقًا رسميًا، نعم.
قطعة صغيرة على رقعة كبيرة، لا أحد يسألها: هل تريد التحرك؟
بل فقط: أين نضعك؟ متى نضحّي بك؟
أسرتُ لأنني لم أرد أن أكون قاتلًا…
فصرتُ أسيرًا.
مضحكٌ أن تسجن لأنك لم ترد أن تموت!
لكن من حسن حظي، أو سوء حظ الطرفين، حصل تبادل أسرى بعد شهور طويلة.
قالوا لي:
"أنت محظوظ، ستعود."
لكنهم لم يعرفوا أنني لم أعد أملك وطنًا أعود إليه،
ولا حتى هوية تليق بشخص نجا من الموت مرّتين:
مرّة في الخندق، ومرّة في عقله.
في الأسر، لم تكن الجدران هي ما يقيدني.
بل الصمت.
ذلك الصمت الثقيل الذي يهبط على الذاكرة، فيحوّلها إلى زنزانة أضيق من القيد.
كان الليل طويلاً، لا يقطعه إلا صوت الحارس وهو يشتمنا بالعربية، وكأن الشتيمة لغة مشتركة بين الجلادين مهما اختلفت لهجاتهم.
كنت أفكر بياسمين.
أين هي؟
هل ما زالت تغني؟
هل نسيتني كما تنسى الأغاني القديمة التي لم تُسجل؟
في أحد الأيام، جاءني جندي، قال ببرود:
"تبادل أسرى. قم."
خرجت لا لأنني أريد، بل لأن الموت لم يُكتب لي بعد.
---
عدت إلى طهران، لكن لم أعد كما كنت.
المدينة تغيّرت.
الناس تغيّروا.
حتى الهواء... صار يمر من بين العمائم قبل أن يدخل الرئة.
تأملت شارعي القديم، وجدت الحانة مغلقة، الجدران مغطاة بآيات وتهديدات.
الوجوه بلا ابتسامة، والنساء بلا وجوه تقريبًا.
ذهبت إلى البيت الذي كنت أعيش فيه...
وجدت رسالة تحت الباب، قديمة، صفراء، لكن بخط مألوف:
> عزيزي شهرام،
ربما لن تقرأ هذه الرسالة أبدًا، لكنني سأكتب، لأن الغناء بدون جمهور... لا يزال غناء.
كنتَ دائمًا تبحث عن ثورة، وأنا كنت أبحث عن صوت.
أنت اخترتَ الهروب من الحرب، وأنا اخترت الهروب من الصمت.
في أميركا، أغني للحرية، لكن حنجرتي ما زالت تحمل غبار طهران.
إن عاد بك الدهر يومًا، تذكر أن الثورة ليست في المذياع، بل في القلوب التي لا تخون إيقاعها.
وهذه… أغنيتي الأخيرة لك:
> ای همسفرِ خاموش
بیا تا خواب ناتماممان را به یاد آوریم
در کوچهای که دیگر نامی ندارد
من هنوز صدای تو را میخوانم
الترجمة:
> يا رفيق الدرب الصامت،
تعال نُعيد ذكرى حلمنا الناقص
في الزقاق الذي لم يعد يحمل اسمًا،
ما زلتُ أغنّي صوتك…
---
طويت الرسالة.
رفعت رأسي نحو السماء.
قلتُ:
"لم نخسر... نحن فقط تغيرنا."
وهكذا انتهت رحلتي.
ليس بنهاية سعيدة، ولا حزينة…
بل بنهاية تشبه الأغنية:
تبقى عالقة، حتى بعد أن يسكت المغني.
عقدت العزم على الذهاب الى باريس، تشرين خريفي.السماء كأنها رسمٌ قديم مبلول بالحنين، والمطر يسقط كما تسقط الكلمات من أفواه العشاق حين يختنقون بالشوق.
هنا،
عند ضفاف نهر السين، لا يبدو الوطن بعيدًا، بل يطلّ من بين الأغاني
المهاجرة، ومن رائحة الزعفران في مطبخ إيراني صغير بحي "بيلفيل".
كان المهرجان بعنوان:
"الوطن الذي هاجر إلينا."
على خشبة مسرح قديم، صعدت ياسمين.
لم يكن في القاعة كثيرون، لكن الصمت كان مقدّسًا.
أمسكت بالميكروفون كما يمسك أحدهم بمصحف،
وقالت قبل أن تبدأ:
> "هذه الأغنية لا تملك اسمًا...
لأن الوطن لا يُسمّى حين يُحرم من صوته."
ثم غنّت.
لم تكن تغني كما في سان فرانسيسكو،
ولا كما في حانة طهران قبل الثورة.
بل كانت تغني كما يغني الناجون حين يشكرون الله أنهم ما زالوا أحياء.
في الصف الثالث، جلس شهرام.
لم يكن يعلم أنها ستكون هنا.
جاء بدعوة من صديق فرنسي قديم مهتم بالحركات الطلابية في إيران.
وحين رأى اسمها في برنامج الحفل،
شعر بشيء يشبه الرجفة،
ذلك النوع من الرجفات التي لا تأتي من البرد،
بل من لقاء القصيدة بشاعرها بعد فراقٍ طويل.
لم تَرَه.
أو لعلّها رأته، وتجاهلته.
لكنه سمع الأغنية،
وعرف أنها كانت له.
---
القصيدة التي غنتها ياسمين:
> در پاریس، برف نمیبارد
ولی قلب من یخ زده است
تو را در سایهها دیدم
نه در نور، نه در خواب
بلکه در آهنگی که هرگز پایان نیافت.
الترجمة:
> في باريس، لا يتساقط الثلج
لكن قلبي متجمّد
رأيتك في الظلال
لا في الضوء، ولا في الحلم
بل في لحنٍ لم ينتهِ أبدًا.
النهاية

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق