بحث هذه المدونة الإلكترونية

الاثنين، 5 مايو 2025

مجلس الحيوان: حين غادرت الوحوش ظلالها

 

 

مجلس الحيوان: حين غادرت الوحوش ظلالها

حين تتبرّم الغابة من ناموسها، تذبل أوراقها قبل الأوان، ويغدو المُلك عبئًا، والحرية قيدًا، والحكمة صدى لا يُستجاب.

ذات مساء، اجتمع أربعة من كبار مخلوقات الغابة في ظلال شجرة «الأرو» العتيقة.
كان كل منهم قد ضاق بدوره، سئم قوانين الطبيعة، واشتاق لتجربة أخرى.

زأر الأسد، لكنه زأر كمن فقد عرشه، لا كملك على عرشه:

> "كثرة أكل اللحم أثقلتني، صرت أمرض كثيرًا وأنام أكثر. الكل يهابني، نعم، لكنني لم أعد أصطاد بيدي، بل يتغذى عرشي من عرق غيري. فأين شرف الغلبة؟"



حرّك الفيل خرطومه كمن يلوي الحقيقة، وقال بنبرة حزن:

> "جسدي كجبل، لكنني أعيش على الأعشاب! جوعي لا يهدأ، ولو أنصفني الزمان لجعلني ملكًا، لا هذا الأسد المترهّل."



صهل الحصان، ورفس الأرض بحوافره الغاضبة:

> "أنا خُلقت للركض والكرامة. البرسيم لا يسندني، واللجام في فمي إهانة، والسرج على ظهري كأنما هو قيد من جلد مغزول بالمهانة. الإنسان جعلني عبده، وأنا ما خُلقت إلا لأحيا حرًا."



جلست القطة تموء بحزن مدلل، لا يُشبه دلالها:

> "أنا لا أجد الطعام دائمًا، والصيد لعبة مرهقة، واللحم يصيبني بالتخمة. يقولون عني مدللة، لكني تعبت من هذا الدلال الذي لا يحفظ لي كرامة."



اقترب منهم البوم الحكيم، جاثمًا على غصن التاريخ، وإلى جواره الغراب الفهيم، مستشاره الذي رأى كثيرًا من تقلبات الدنيا.


كان البوم  يقرأ في كتاب عتيق عنوانه "أحوال الحيوان ومرايا الإنسان": كتاب دفنه البشر في حفرة من النسيان، نفض الغبار عنه كمن يُحيي حكمةً من رميم، ثم قال:

> "لكلٍ منكم شكوى، والحياة تمضي بدوراتها. لكن الحل... ليس عندي."



قال الغراب، بصوته الممزوج بدهاء وثقة:

> "الحل أن يجرب كل منكم حياة غيره، أو... حياة البشر."
"ولدي خطة محكمة سوف تثمر، وتبيّن لكم مدى نفع حكمة الغربان!"



صاح الجميع بدهشة: "البشر؟!"


تراجع الحصان وقال بحذر:

> "الإنسان يركبني، يضع في قدمي حدوة من حديد! أأُهان بحديدٍ في لحمي؟!"



قفزت القطة، وهمست بمرح مفرط:

> "البشر؟ أوه، نعم! وسائد ناعمة، أطباق من كبد الدجاج، ودلال لا ينتهي... لكن من يُطعم الروح؟"



همهم الفيل بتردد:

> "البشر؟! إنهم صغار، لكنهم صنعوا نارًا ومطارق! أنا أخشاهم رغم حجمي، فقد جعلوني عبدًا، وأنا أستطيع سحقهم."



ضحك الأسد باستهزاء وقال:

> "البشر؟ لا أحد يروضني! هم يهابونني كإله قديم."



همس الحصان ساخرًا:

> "ربما لأن رائحة فمك كريهة!"



فانفجر الفيل والقطة ضاحكين، وكاد الفيل أن يسحق مجموعة قوارض نائمة أسفل قدميه، لولا أنه تمالك نفسه.
غضب الأسد وانتفض، وقال بصوت هادر:

> "أيها الحصان، لا تختبر صبري! أنت مركوب. أنت مقيد. أنت مملوك!"



قال البوم بحزم:

> "كفى! الحكمة لا تُستخرج من السخرية. كل واحد منكم سيجرب حياة عند البشر."



ثم نظر إلى الغراب وقال:

> "اذهب إلى قرية البشر ونعق كما تنعق نُذر السماء."



وفعل الغراب ما طُلب منه.
سمع القرويون نعيقه، فتبعوه إلى الغابة، وهناك وقفت أعينهم مشدوهة أمام مشهدٍ لا يُصدَّق:

أسدٌ مريض مستلقٍ كتمثال محطم.
فيلٌ وديع يلوّح بخرطومه كمتسوّل.
حصانٌ يستعرض عضلاته كراقص فروسية.
قطةٌ تموء برقة كيتيمة.

فأخذهم البشر، كلٌ حسب هواه:

الحصان عاش في مزرعة فاخرة، مدللًا عند تاجر خيول.
الفيل ذهب لرجل فقير يطعمه ويغسل قدميه بالماء البارد، وكان سعيدًا.
القطة؟ لم تجد لها مكانًا، تُركت في الطرقات، تأكل من القمامة، تتسكع بين أقدام البشر الذين لم يعبأوا بجمالها.
الأسد؟ أُخذ إلى السيرك. قُيّد بسلاسل، وضُرب بالسوط، وأُجبر أن يزأر متى شاء الجمهور لا متى شاء هو.

قال الأسد وهو في قفصه الحديدي:

> "خدعتني رغبة الخروج من قدري... كنت أزأر فتسكت الغابة، والآن أُزأر كي يضحكوا. كنت ملكًا، صرت مهرّجًا. الطمع قيد من حرير، لكنه يخنق."




---

الخاتمة:

عاد الغراب إلى البوم وقال:

> "لقد عرفوا الحقيقة. أحيانًا، نعتقد أن عيوبنا في نمط حياتنا، لكنها في عقولنا التي تسخط النعمة، وتلاحق وهمًا يُبهر لكنه يحرق."



هزّ البوم رأسه وقال:

> "ظلّ الكائن هو شكله الحقيقي، لا ما تراه أعين غيره. وكل مخلوق إن خرج من ظله، صار شبحًا في غير مكانه."

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

الخريطة التي تقودني إليك

 رواية الخريطة التي تقودني  إليك  بقلم  جوزيف مونينغر المقدمة يوم التخرج إنها والدتك، من بين الجميع، هي التي تلتقط الصورة المثالية لك ولصديق...