بحث هذه المدونة الإلكترونية

الجمعة، 2 مايو 2025

راؤول كاميلو... من هافانا إلى التفاحة الكبرى

 


راؤول كاميلو: من هافانا إلى التفاحة الكبرى
أنشودة منفى، وحبّ لم يتقن فنّ النسيان.


أنا راؤول كاميلو، آخر سطر في حكاية آل كاميلو، العائلة التي، قبل أن تهبّ عاصفة الثورة، امتلكت نصف مزارع السكر في هافانا، والنصف الآخر في تنهيدات العشّاق.

كنّا نقيم في قصر قديم في حيّ فيدادو، جدرانه مصبوغة بلون البحر، ونوافذه تُطل على أفق لا ينتهي. كنت أركض في ممراته كطائر لم تلامس قدماه قضبان القفص بعد.

أما أبي، دون إيزيدرو كاميلو، فكان رجلاً يحسن عدّ النقود كما يحسن تلاوة الشعر، وكان يقول لي دومًا: "يا راؤول، إذا غضب الفقير، لا ينتظر السقف أن ينهار عليه… بل يهدمه بيده."

ثم أتى عام 1959. حين صعد فيدل كاسترو إلى المنصّة، وقال إن التاريخ سينصفه، كانت أمي تبكي في الغرفة المجاورة. لا لأن التاريخ يخدع، بل لأن حين تكتبه البنادق، يصبح كل ما قبله جريمة أغنياء.

حين سقط باتيستا، لم يكن أمامنا وقتٌ للغضب. حزمنا حقائبنا وهربنا. أمي وضعت صورة "السيدة العذراء" في حقيبة من المخمل الأحمر، وقالت لي وهي تبكي: "لن نعود قريبًا... لكن لا تنسَ البيت الذي بكيت فيه أول مرة."

هاجرنا إلى نيويورك، مدينة الضوء والمطر الصاعد. كنا نعيش في شقة صغيرة في حي برونكس، بعيدة كل البعد عن القصر الذي تركناه خلفنا. كنت آنذاك في الخامسة عشرة، وعلى كتفي شتات عائلة، وداخل صدري شبح فتاة كوبية بعيون زيتية، لم تقل لي وداعًا، بل ابتسمت فقط. تلك الابتسامة ظلّت تطاردني حتى اليوم.

في نيويورك، صار اسمي غريبًا... "راوول" نطقها الأميركيون كما لو كانت خطأ مطبعيًا، وصار اسمي الأخير عبئًا طبقيًا. اشتغلت في بيع الصحف أولًا، ثم في مقهى إيطالي، ثم التحقت بالجامعة بفضل منحة كتبها صديق أبي المنفي مثلنا، رجل كان يؤمن أن المستقبل لا يُبنى بالحزن.

ومع كل صباح، كنت أفتح خريطة قديمة لكوبا، أضع إصبعي على هافانا، وأغمض عيني. لا رائحة البن الأميركي، ولا موسيقى الجاز، ولا بريق أبراج مانهاتن استطاعت أن تمحو من ذاكرتي طرق كولونيا القديمة، أو بائعة الورد التي كانت تمر كل جمعة أمام منزلنا، أو تلك الفتاة التي لم أجرؤ على إخبارها أنني أحببتها من أول نظرة.

**

اليوم، وأنا أبلغ من العمر خمسة وسبعين عامًا، ما زلت أكتب إليها الرسائل... لا أعرف اسمها، لا عنوانها. لكني أكتب:

"إلى من سكنت طرقات فيدادو القديمة...
ما زلتُ هناك، في الشارع ذاته، عند الزاوية حيث التقينا صدفة، وقلبانا لم يعرفان بعد الخيانة."

**

كوبا... تلك الجزيرة المعلّقة بين (الروم) والحنين، بين الشيوعية والحب القديم، لا تزال ترفض أن تُرمم روحها. والحق يُقال، أنا لا أريدها جديدة، بل أريدها كما تركتها:
مدينة بلا زمان، وفتاة بلا اسم، وحكاية بلا نهاية.

 


قبل الثورة، لم تكن كوبا جزيرة فقط، بل كوكب خاص. كانت هافانا في الخمسينيات أنثى تتأنق للعشاق...
بيوتها ترتدي الطلاء الباهت كأنها فساتين راقصة باليه مرّت على حفلة طويلة، وشرفاتها تفيض بالموسيقى والقبلات السرية. كان للهواء في حيّ ميرامار رائحة سكرٍ وتمرّد، كأن المدينة تشرب الروم وتضحك للقدر.

أنا راؤول كاميلو، كنت ابن الخامسة عشرة، وريث التبغ والسكر والخوف.
كنا نعيش في قصر مطليٍّ بلون المرجان، تحيطه أشجار "المانجو" كأنها حُرّاس أسطوريون.
كان أبي يصرّ على أن يعاملني كرجُل صغير، ويأخذني معه إلى مصانع السكر في الجنوب.
رائحة المزارع لا تُنسى: خليط من العرق، الدبس، وأغانٍ تغنيها النساء عند الغروب.
كنت أرى العمال الكوبيين يحصدون القصب كأنهم يحرثون الشقاء، وأسمع أحدهم يقول لزميله:
"سيأتي يوم، وستُصبح هذه الأرض لنا، يا كارلوس."

ضحكت حينها. لم أفهم.
كنا نحن الأغنياء لا نُصغي كثيرًا للغضب الشعبي، نعتقد أنه موسيقى خلفية لا أكثر.


---

لكنني كنت أكثر انبهارًا بشوارع هافانا ليلاً، حيث النيون يتراقص فوق سيارات الشيفروليه، والمقاهي تزدهر بالضحك، والخمر، والجاز، والقصص.
وفي كل مساء، كنت أتنزه في زقاق ضيق خلف مسرح تروبيكانا، أراقب تلك الفتاة الكوبية، بائعة الزهور.
لم أكن أملك شجاعة الحديث، لكنني تعلّمت أن أحدّق كما يفعل الرسامون.

وجهها بلون القهوة بالحليب، وشعرها مجدول مثل أسلاك البرق، كانت تبيع الزهور للثملين، وتغني لنفسها أغنية لا كلمات لها.
مرةً، التقينا بالصدفة. نظرت إليّ، وابتسمت.
حينها فقط، فهمت معنى أن تخاف من الحب أكثر من الثورة.


---

كان أبي يعود في الليل وهو يتذمّر من أخبار "كاسترو" الفتى الثائر في الجبال.
"مَن هذا الغرّ الذي يريد أن يسرق منا الأرض؟"
وأمي تردّ عليه بخوف خفيّ:
"لا تسخر من الجياع، يا دون إيزيدرو... التاريخ لا ينسى."

أنا، بين قلق أبي وخوف أمي، وبين عينَي الفتاة المجهولة، كنت أعيش لحظةً لن تتكرر.

كانت كوبا قبل الثورة مثل بيتٍ جميل يعاني من صدع خفيّ في جدرانه.
نرقص فيه، ونأكل، ونحب، لكننا نعلم، في داخلنا، أن العاصفة تقترب.

وفي صيف عام 1958، بدأ الحلم يتشقق...
أصوات الانفجارات، البيانات الثورية، الهمس في المقاهي.
أذكر آخر مرة رأيت فيها الفتاة، كانت تجري في الزقاق، تمسك بباقة ذابلة، ونظرت إليّ نظرة أخيرة...
تلك النظرة، لا زالت تحترق في قلبي كأنها شمعة رفضت أن تنطفئ.

ثم جاءت 1959...
وجاء الرحيل.
 

---

حين وصلنا إلى نيويورك في شتاء 1959، شعرتُ لأول مرة أنني غريب، لا لأنني فقدت الوطن، بل لأنني فقدت المعنى.
كوبا كانت فوضى راقصة، صاخبة، مثل قلب عاشق.
أما نيويورك؟ فكانت مدينة من زجاج وفولاذ... جميلة، لكنها لا تعانق.

هبطنا في مطار إيدلوايلد، وكان الثلج يتساقط مثل نسيان أبيض.
كنتُ أرتجف، لا من البرد، بل من فكرة أننا لن نعود.
أبي حمل حقيبته كمن يحمل تابوتًا، وأمي كانت تشدّ معطفها كأنها تختبئ من قدرٍ لا يعجبها.

استأجرنا شقة صغيرة في البرونكس.
غرفة واحدة، سرير بطابقين، ومدفأة بالكاد تعترف بوجودنا.
أبي صار يعمل مترجمًا في مكتب هجرة.
أما أنا، وريث القصور والمانجو، فكنت أبيع الصحف عند زاوية الشارع رقم 149، قرب محطة القطار، وأسمع المارة يصرخون:
“Hey Raoul! Coffee, quick!”
كنت أبتسم... وأنا أذوب.


---

المدرسة لم تكن ترحب بي كثيرًا.
بلكنتي الإسبانية، وبنظارتي المستديرة، كنت أشبه بكائن جاء من مسرح قديم.
لكنني تعلمت... وتعلمت بسرعة.
تعلمت أن البرد لا يقتل، بل يصقل.
أن المدينة لا تعطيك الحب، بل تعطيك الفرصة فقط.
أن الغربة لا تقتلك، بل تذكّرك دائمًا بأنك منفي حتى من نفسك.


---

كنت أكتب رسائل.
كأنني أنقش على جدار الذاكرة كي لا أنسى.
أكتب إلى الفتاة الكوبية التي لا اسم لها.
أخبرها عن الثلج، عن القهوة الأميركية التي بلا طعم، عن امرأة في المترو بكت فجأة، عن عازف كمان على جسر بروكلين يذكرني بصوت العندليب في هافانا.
لكنني لا أرسل الرسائل.
أضعها في علبة معدنية، وأغلقها.
كأنني أحمي الحنين من البرد.


---

مرت السنوات...
دخلت الجامعة.
درست الفلسفة لا حبًا في "كانط" أو "سارتر"، بل لأنني أردت أن أفهم: لماذا تنقلب الأوطان على نفسها؟
ولماذا، في كل ثورة، هناك من يبكي بصمت؟

صرت كاتبًا صغيرًا في صحيفة محلية.
أكتب عن اللاتينيين في نيويورك، عن الحنين، عن الموسيقى التي تغيّرت، عن الجاليات التي تصنع أوطانًا بديلة على أرصفة الشتات.

ولكن، في داخلي...
ظلت كوبا تزهر.
كلما شممت عطر امرأة في المترو، أو سمعت إيقاع السالسا، أو رأيت شرفةً قديمة، شعرت أن الذاكرة أقوى من الجغرافيا.


---

أنا اليوم أعيش هنا...
لكنني لم أنتمِ أبدًا.

كوبا ليست وطنًا فقط.
إنها قصيدةٌ لم تكتمل.
وفتاةٌ قالت لي وداعًا بنظرة واحدة... ثم اختفت.

 

كان صباح يومٍ ربيعي في نيويورك، أبريل 1961، حين دخل أبي فجأة إلى الشقة، وجهه محتقن، يده ترتجف وهي تمسك الجريدة،
وصرخ بصوتٍ لا يشبهه:
"بدأت! بدأ التحرير!"

أمسكت الجريدة بسرعة.
العنوان:
"قوات منفيّة كوبية تنزل على شاطئ كوبا... بدعم من السي آي إيه"
"معركة حاسمة تندلع في بلايا خيرون"
Bay of Pigs Invasion.



شعرت بشيء بين الأمل والخوف.
هل سنعود؟
هل سقط كاسترو؟
هل أخطأت الثورة موعدها مع التاريخ؟

ركضت إلى نافذة شقتنا الصغيرة، لا لأرى شيئًا، بل لأتنفس.
كان قلبي يدق كطبول "الرومبا"، كأنني أنا من عبر الشاطئ مع المنفيين.


---

في المقهى اللاتيني عند الزاوية، اجتمع المنفيّون الكوبيون.
رجالٌ في منتصف العمر، يضعون صورًا قديمة على الطاولات، يتحدثون عن قراهم التي احتُلت، وأبنائهم الذين ماتوا في الجبال.
كان أحدهم يبكي وهو يقول:
"سنستعيدها، كوبا لنا، وستعود كما كانت..."

أنا لم أتحدث.
كنت أراقب فقط.
أشرب قهوتي مثل شاهد زور على مشهدٍ يتكرّر.
الثورات تبدأ بالشِعر، وتنتهي بالدم.


---

وفي اليوم التالي...
انهار كل شيء.

الإذاعة تعلن: "القوات الثورية تُحبط الهجوم... المعتدون أسرى... كاسترو يعلن النصر."

جلس أبي، كما لم يجلس من قبل.
كأن الأرض سُحبت من تحته.
أشعل سيجارًا كوبيًا قديمًا، ونفث الدخان مثل رجل يشهد جنازته دون بكاء.

قال لي بصوتٍ مبحوح:
"هؤلاء الشباب الذين أُرسلوا هناك… لم يكن لهم وطن ليعودوا إليه، ولا وطن ليستشهدوا من أجله. لقد استخدموهم مثل قطع شطرنج في يد الغرب."

ولم يرد أن يسمع أي كلمة بعدها.
أدار المذياع، أغلق النوافذ، وعاد إلى صمته الطويل.


---

أما أنا، فقد حلمت تلك الليلة بـبلايا خيرون.
رأيت الشاطئ، ورأيت الجنود يركضون على الرمل، ورأيت الفتاة الكوبية، كانت تمسك باقة من الزهور الذابلة،
وتنظر إليّ من بين الدخان، وتقول:
"كوبا لا تُحررها البنادق المستأجرة، بل العيون التي لا تنام."

استيقظت مفزوعًا،
وقلت لنفسي:
"ربما لا نعود… لكن لا أحد يستطيع أن يأخذ الذكرى من قلب عاشق."


---

خليج الخنازير لم يكن مجرد معركة خاسرة،
كان ضربة في صدر المنفى، تذكيرًا بأن التاريخ حين يُكتب من على البوارج، فإنه لا يعترف بالوجوه... ولا بالأحلام.
 


بعد فشل إنزال خليج الخنازير، تحول والدي إلى بركان سياسي،
لم يكن يومًا ثائرًا، لكن الخسارة جعلت منه منفيًّا ساخطًا يحترق كل يوم.
كان يجلس في الصباحات الباردة بملابسه البيضاء،
يشرب القهوة دون سكر، ويكتب رسائل غاضبة إلى صحف ميامي،
يوقّعها باسم مستعار: "ابن هافانا الحرة."

كان يصرخ في وجهي:
"كوبا سُرقت منا، وها أنتم، جيل الهزيمة، تكتبون عنها كأنها أسطورة رومانسية!"

أنا لم أكن أراه عدواً، لكنني كنت أرى في عينيه حزنًا حجريًا،
ذلك النوع من الحزن الذي لا يُبكى عليه، بل يُخزن في الصدر كما تُخزن الأسلحة.


---

كنت قد بدأت أكتب في صحيفة صغيرة موجهة للناطقين بالإسبانية في كوينز،
أكتب عن الثقافة، عن المنفى، عن الحنين، عن الموسيقى...
لكنني، في أحد الأيام، شاركت في كتابة سيناريو لفيلم وثائقي قصير عن أثر الثورة على نساء كوبا،
وقد عُرض في صالة فنية في مانهاتن، ولم يمرّ أسبوع حتى بدأت المضايقات.

كنا في زمن المكارثية، حين كانت أميركا تحرق كتبها ببطء،
وتفتش في الجيوب عن اللون الأحمر، وتُحاكم النوايا كما تُحاكم الجرائم.

استدعاني مسؤول في الجريدة، وقال لي:
"أنت كاتب موهوب، لكنك تلعب بالنار. لقد وصلت شكاوى بأن مقالاتك تميل إلى تبرير الاشتراكية..."

لم أكن شيوعيًا. كنت فقط إنسانًا يحاول أن يفهم.
لكن في زمن الخوف، الفهم خيانة.


---

وفي ليلة شتوية، جلس أبي أمامي، أطفأ المصباح، وقال بصوت لا يُنسى:
"راؤول، إذا أردت النجاة... فتخلَّ عن كل ما يربطك بكوبا."

حدّق في وجهي، ثم أضاف ببطء:
"احرق أوراقك، امحُ مقالاتك، غيّر اسمك إن لزم... لا تترك لأحد ذريعة أن يربطك بالجزيرة."

قلت له:
"لكنها ليست الجزيرة فقط... إنها أنا."

فأجاب، دون أن يرفع عينيه:
"إذن ستُدفن معها."


---

لم أستجب.
واصلت الكتابة.
لكنني شعرت بالعزلة تتسع، كأنني صرت منفيًا مرتين:
من وطني، ومن هوية لا يجرؤ أحد على تبنّيها.

حتى أصدقائي اللاتينيين بدؤوا يتحاشونني.
واحد منهم همس لي في الحانة:
"راؤول، لقد صرت شبحًا سياسياً... والأشباح لا تُقرأ."


---

وذات مساء، وجدت أبي في غرفته، يمزق أوراقًا قديمة.
سجلات العائلة، صكوك الملكية، رسائل من هافانا،
كأنه يُجري عملية بتر شعوري جماعي.

اقتربت منه وسألته:
"لماذا تحرق الذاكرة يا أبي؟"

قال:
"لأنهم إذا دخلوا البيت... سيجدون في الذاكرة جريمة."


---

في تلك الليلة، كتبت مقالاً بعنوان:
"أن تكون كوبيًا في زمن أميركا الباردة."
أرسلته إلى مجلة يسارية تحت اسم مستعار:
"خوان دي لا نويفا كوبا"

لم يُنشر.
لكنه ظلّ دليلي على أنني لم أخن نفسي...
حتى لو خُنت العالم.

 


في عام 1970، كنت في الثلاثين من عمري، بشارب كثيف ونظارات داكنة تخفي قلقًا قديمًا،
أصبحت رجلًا يكتب باسمين، يعيش في مدينتين، ويُحب امرأة لم يسألها يومًا عن اسمها.
عشتُ أكثر من نصف حياتي خائفًا من العودة... ثم، فجأة، قررت أن أعود.

لكن ليس كراؤول كاميلو.
ذلك الاسم كان على لائحة الخونة في كوبا، منفيًّا ومراقبًا.
عدتُ باسم مستعار: "ميغيل أوسفالدو".
رجل مجهول، يحمل جوازًا مزورًا، وقلبًا ينبض بنشيد قديم لم يُغنَّ من زمن.


---

حين اقتربت الطائرة من هافانا،
شعرت كأن السماء تهمس لي: "لقد تأخرت كثيرًا..."
رأيت المدينة تحت الغيوم،
نفس المربعات الملونة، نفس الأزقة، نفس الميناء الذي شهد وداعي،
والأغرب... أنني لم أشهد شيئًا جديدًا.

هبطت، ولم يكن هناك من يسألني من أكون.
مررت بين رجال الجمارك كمن يعبر ذاكرته لا حدودًا.
كل شيء بدا ساكنًا، كأن الزمن في كوبا اختار ألا يتحرك بعد 1959.


---

تجولت في الأحياء القديمة:
فيدادو، كولونيا، سيرو، والمدينة القديمة التي كانت تفيض بالحياة...
لكن الطرق كما هي،
البيوت كما تركناها،
حتى المحلات لا تزال تبيع الروم نفسه، والنساء يضعن ذات أحمر الشفاه القرمزي،
كأن الثورة لم تكن إلا ستارًا معلّقًا على خشبة مسرح لا تتغير فيه الديكورات.

قلت في نفسي:
"هل أنا هنا لأبحث عن كوبا... أم عن فتاة في كوبا؟"
ربما الاثنان واحد.
ربما الفتاة التي كانت تبيع الزهور صارت رمزًا لجزيرةٍ حبيسة، لم تشأ أن تكبر.


---

جلست على مقعد خشبي في ساحة بلازا فييخا.
راقبت طفلةً صغيرة تحمل باقة ياسمين،
فجأة، شعرت أن الزمن قد التفّ حولي كأفعى.
كانت تشبهها…
نفس النظرة، نفس المشية المرتبكة، نفس الابتسامة التي تُشبه اعتذارًا من العالم.

اقتربت منها.
سألتها عن اسمها.

قالت:
"روسا، سيدي... هل ترغب بزهور؟"
فجفّ لساني.

روزا…؟
ذاك الاسم الذي لم أسمعه من قبل، لكنني لطالما ناديت به في أحلامي.

أعطيتها كل النقود التي في جيبي،
وأنا أرتجف.

هل كانت هي؟
أم أبنتها؟
أم تجسيدًا لكوبا التي لم تبرح تلك اللحظة في الزقاق؟


---

مشيت في شوارع هافانا ليلاً،
لا كباحثٍ عن وطن، بل كراهب يعود إلى ديره بعد هزيمة العقيدة.
لم أجد الثورة، بل وجدت صدى ثورة.
لم أجد كوبا، بل وجدت الطفل الذي غادرها ولم يكبر.

كتبت في مذكرتي:
"الثوار لم يغيروا المدينة...
بل جمّدوها.
كأنهم أرادوا أن تُخلَّد مثل صورةٍ في متحف،
لكنهم نسوا أن الحياة تُخلق من الفوضى، لا من التماثيل."


---

غادرت بعد أسبوع.
دون أن أكشف عن هويتي.
دون أن أُغني شيئًا.
فقط حملت وردة جافة في حقيبتي،
وكتبت في دفتر ملاحظاتي:

"أنا راؤول كاميلو... عدتُ، ولم أجدني."
 


في اليوم الأخير من زيارتي السرّية لهافانا، كنتُ أمشي بلا هدف،
أحمل ذاكرةً أثقل من حقيبتي، وقلبًا ينبض بأسى العارف أن الحنين لا يعيد الأوطان… ولا النساء.

في الزاوية القريبة من بلازا دي أرماس، رأيت بائعة أزهار صغيرة، تشبهها تمامًا.
للحظة، شعرت أن الزمن التفّ على نفسه، وأنني عدتُ إلى عام 1958.
كانت عيناها بلون القهوة، وشعرها مربوطًا كما كانت تفعله هي.
أوقفتها.

قلت:
"هل تعرفين فتاةً تُشبهك؟"
ضحكت وقالت:
"في هافانا؟ كثيرات."

سألتها عن اسمها،
قالت:
"كارلا."

فأدركت أنني لا أعرف اسمها،
الفتاة التي كانت في قلبي لم يكن لها اسم،
لكنها كانت لها هيئة وطن.


---

في تلك الليلة، عدت إلى غرفتي الصغيرة،
وأخرجت دفتري.
كتبت رسالة.
لم أكتبها ككاتب صحفي، ولا كمنفي سياسي، بل كعاشق لم يتجرأ يومًا على الاعتراف.

كتبت:

> "عزيزتي،

لم أنسَكِ… حتى دون أن أعرف اسمك.

كنتِ الزهرة التي عطّرت آخر أيام الطفولة في كوبا.

تركتُكِ حين كان عمركِ اثنا عشر عامًا، واليوم، لا أدري… هل ما زلتِ تبيعين الزهور؟

أم أنكِ صرتِ أمًّا، أو موظفة في مكتبٍ حكومي، أو زوجةً لرجلٍ لا يصدّق بالحنين؟

أخشى أن أبحث عنكِ، فأجدكِ في حضن رجل آخر…
لا لأنني أرفض الواقع، بل لأنني ضعيف أمامه.

كنتِ ناعمة كغصن ياسمين، والياسمين لا يعيش طويلًا وحده…
لا بد أن أحدهم قطفك.

تمامًا كما قطفتني التفاحة الكبرى، نيويورك،

وألقت بي في متحف الزحام والكتابة والتوجس."



أغلقت الرسالة،
ووضعتها في ظرفٍ أبيض،
ثم ذهبت في الصباح إلى كارلا بائعة الأزهار.

ناولتها الرسالة، وقلت:

"ثمة فتاة تشبهكِ...
إن صادفتِها يومًا، قولي لها إن راؤول كاميلو عاد... لكن الوقت خانه."

قالت:
"ما اسمها؟"
أجبت:
"لا أعرف... لكنها تشبهكِ حين تبتسم."


---

لم أذهب معها، لم أطلب منها إيصالها بنفسي.
لم أملك الجرأة لأرى الحقيقة…
فربما كانت تلك الفتاة قد تزوجت،
ربما نسيتني،
ربما ماتت.

لكن الرسائل لا تموت.
والذاكرة... لا تخون، حتى إن خانها الزمن.


---

في الطائرة التي أقلّتني بعيدًا،
نظرت إلى هافانا من النافذة.
لم ألمحها.
لكني شعرت أنها هناك، تمشي بين الزهور،
وفي جيبها رسالة لم تُفتح بعد.

 

مرت شهور على عودتي من كوبا، لكن الرحلة لم تتركني.
كنت أعيش كأنني خارج نفسي، أبحث في وجوه الغرباء عن ظلٍ من الماضي،
وأمشي في شوارع نيويورك القديمة كمن يبحث عن صدى حذائه لا عن طريقه.

وذات مساءٍ خريفي، بينما كنت أتنقل بلا هدف بين الأحياء،
لمحت حانة صغيرة ذات لافتة خشبية كُتب عليها "El Rincón del Alma" — "ركن الروح".
أغرب ما في الأمر أنني كنت أعبر هذا الشارع منذ سنوات… ولم ألاحظها قط.
كأنها خرجت من الأرض، أو من حلمٍ مؤجل.

وقفت عند الباب،
ترددت...
ثم دخلت، كأنني أدخل قصيدةً قديمة نسيت خاتمتها.


---

داخل الحانة، كانت الإنارة خافتة،
ورائحة الياسمين ممزوجة بالدخان والكحول،
ورأيتها…

هي.

هي نفسها التي كنت أكتب لها رسائل دون عنوان،
ذات الشعر الليلي والعيون الشاتية،
الفتاة التي بُنيت كوبا داخل صدري على ملامحها.

تقدّمت نحوها كمن يمشي على سلك معلق بين الحلم والحقيقة،
قلت بصوت خافت:
"أأنتِ...؟"

فابتسمت كما لم تبتسم امرأة منذ الأندلس.
وقالت:
"نعم، أنا كاميلا."

كاميلا…
اسمها يشبه إيقاع طبلة قديمة من هافانا.


---

قالت إنها غادرت كوبا في نفس العام الذي غادرته فيه، 1959،
مع عائلتها، لاجئين مثلنا.
وصلوا إلى نيوجيرسي أولاً، ثم انتقلوا إلى نيويورك،
وهذه الحانة، حانة أبيها، تديرها منذ وفاته.

قالت:
"كنت أبحث عنك، راؤول… سألت عنك كثيرًا، لكنك اختفيت.
غيرت اسمك. وصار اسمك القديم على لائحة المراقبة.
كنتَ موجودًا… لكنك لم تكن أنت."

هممت بعناقها،
لكنها وضعت يدها على صدري، وقالت:
"تزوجت… وأنجبتُ طفلة صغيرة."

سكتُّ.
كأن شيئًا انكسر فيّ، لكنه لم يمت.

ثم قالت:
"زوجي مات… وأنا الآن هنا، أبيع الشراب… وأنت تعود إليّ بعد أن شاخت القصص."


---

جلست على كرسي الحانة،
طلبت منها مشروبًا كوبيًا،
وقالت وهي تضحك:
"ها قد عدنا إلى البدايات... كوب من كوبا؟"

قلت وأنا أتنفس أخيرًا:
"تمامًا... أحتاجه لألتقط أنفاسي."


---

ثم، فجأة، لمعت صورة في رأسي…
تذكرت الطفلة التي كنت أراها في الشارع تركض أحيانًا،
تشبه كاميلا حد الدهشة.
كنت أركض خلفها ظنًا أني ألاحق ذكرى…
لكنها لم تكن ذكرى.
كانت ابنتها.

أدركت أن كاميلا لم تكن في كوبا،
بل على بعد أميال مني،
أنني سافرت، وبحثت، وركضت،
لكنني، في الحقيقة، كنت أهرب من مواجهة الاحتمال:
أن الماضي لا يعود كما نريده…
بل يعود كما هو، بلا رتوش، بخساراته، بحنّائه، وبطفلته الصغيرة التي لا تعرف اسمي.


---

نظرتُ إلى كاميلا…
رأيتها تخلط الشراب بإيقاعٍ يشبه التنفس،
ثم تقدمه لي كأنها تقدم تذكرة عودة… لا لكوبا، بل لنفسي.

قالت:
"لم تنتهِ قصتنا، راؤول… فقط توقفت، وانتظرتنا."

قلت لها وأنا أرفع الكأس:
"كوبا لم تنتهِ… لأنها لم تتغير."


---

في ركن الحانة، جلستُ أكتب هذه السطور،
وبين حرفٍ وآخر،
كنت ألمح كاميلا تمشي،
كأنها لازالت تلك الفتاة...
لكنها اليوم تمشي بثقل القصص التي لم تُكتب بعد.

 

 

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

الخريطة التي تقودني إليك

 رواية الخريطة التي تقودني  إليك  بقلم  جوزيف مونينغر المقدمة يوم التخرج إنها والدتك، من بين الجميع، هي التي تلتقط الصورة المثالية لك ولصديق...