بحث هذه المدونة الإلكترونية

السبت، 10 مايو 2025

خارج الدفيئة

 

خارج الدفيئة

 


 

في تلك الليلة التي تدثّرت فيها السماء بسواد كثيف، كنت أنا، نايف، أجلس عند حافة السرير، والريح تهز ستارة النافذة كما لو كانت تشارك قلبي ارتجافه. كانت الساعة تقترب من منتصف الليل، وكان قلبي يقرع كالطبل في صدر رجل يستعد للحرب.

أجل، الليلة سأغادر. ليس إلى وجهة محددة، بل إلى المجهول. المجهول الذي يبدو لي أكثر صدقًا من كل ما عشته تحت سقف تلك "الدفيئة" التي سمتها أختي الكبرى حصة "حياة".

كانت تقول لي دومًا:

> "هنا بيتك، هنا الأمان." لكن الأمان يا حصة، ليس في السجن... حتى لو كانت قضبانه من حبّ.



أنا نايف، ذو الوجه الذي يسميه الناس "منغوليًا"، والذي يسميه العلم "متلازمة داون"، وأنا من يسميه: وجهي. وجهي أنا، كما هو، لا يحتاج إلى تصحيح أو شرح. من قال أني بلا إرادة؟ من قال أني بلا عقل؟ لقد قرأت، تعثّرت، كتبت، وشطبت، وصرخت في الدفاتر، وعانيت من عسر القراءة كما يعاني المحارب من السيف المكسور، ومع ذلك، حملت القلم، وخضت معركة الكلمات.

تعلمين يا أختي، عندما كان الآخرون يرونني "بلا فائدة"، كنتُ أنا أقرأ عن "جون لانجدون داون" الذي وصف حالتي، وأفهم أنني لست معيبًا، بل مختلف... و"الاختلاف" يا حصة، ليس لعنة، بل نبوءة!

أنا الذي أخبرتني الحياة أن الراحة وهم، وأن البحر الراكد لا يخلق ربانًا. وأنا أردت أن أكون الربان، لا الغريق. أردت أن أخوض، لا أن أُقاد.

كان الوداع صعبًا... أنتِ علمتِني كيف أكتب ألمي، فكتبت، وصار القلم سلاحي. لكن بقائي تحت وصايتك؟ ذلك كان يجعلني إنسانًا بلا ظل، بلا قرار، بلا ذات.

خرجت من الباب وأنا لا أحمل سوى حقيبة صغيرة... وقرار ضخم. نظرت خلفي للحظة، سمعت صوتك يناديني في خيالي، لكنه لم يُوقفني. أنا لم أهرب، بل تحررت. أنا لم أعصِك، بل استجبت لنداء في داخلي ظلّ يكبر حتى صار صوته أعلى من جدران البيت.

أختي... هذه رسالتي لكِ: اعتني بإخوتي، ولا تحزني عليّ. أنا الآن في طريقي، في رحلتي، في عالمي الذي لا يُقاس بالمسافات، بل بالخطوة الأولى التي تجرأت أن أخطوها.

أنا نايف. المعاق في نظر البعض، والمختلف في نظري، والمقاتل في قلبه.

وغدًا... حين تقرئين هذه الكلمات، سأكون قد وصلت إلى أول محطّة، لا نهاية الرحلة... بل بدايتها.

أنا نايف، أكتب الآن لا لحصة، بل لنفسي، أو ربما لك، أيها القارئ الذي تقرأني في هذا المساء الغامض. أنا الآن على الطريق، داخل حافلة تمضي نحو المجهول. لا أعلم إن كنت أهرب أم أبحث. ربما كلاهما. لكني أعلم يقينًا أنني أخيرًا... أمضي.

في جيبي القليل من المال، جمعته من عملي في شركة عن بُعد، كنت أُنجز مهامًا يظن البعض أني لا أقدر عليها، بينما كنت أفعلها بإتقان وسرعة، كمن يكتب ليؤكد للعالم أنه هنا، موجود، فاعل، لا ظلّ بلا صاحب.

تعبت من العيون... العيون التي لا ترى، بل تحكم. العيون التي لا تراك بل "تصنّفك"، وكأنها ماسح ضوئي معطوب: يرى الوجه، ويُسقط القرار.

يجلس بجانبي الآن رجل في الخمسينيات، يبدو كأنه خرج من زمن قديم، ينظر إليّ كما ينظر الطبيب لمريض فقد الأمل في الشفاء، قال بصوته المشبع بالشفقة:

> "أين أهلك؟ هل معك أحد يساعدك؟"



آه، ما أقسى هذا السؤال حين يُسأل لصاحب إرادة. كأنما مجرد أن يكون لي وجهٌ مختلف، وجسدٌ خاص، صرت عاجزًا في عيونهم، طفلًا ضائعًا يحتاج وصاية.

لم أرد عليه... بل اكتفيت بنظرة، ليست حادة، ولا غاضبة، بل شفقة حقيقية، نعم، شفقة عليه.

لأنه لم يرَ إلا وجهي، ولم يعرف إلا ما ظهر له، ولم يغص في أعماقي، لم يفكر لحظة أن الذي يجلس بجانبه الآن رجلٌ قرأ، وفكر، وقرر، وكتب، وغادر. نعم، أنا مكشوف من الخارج، لكني عميق من الداخل.

هو اختبر السطح... وظن أنه عرفني. لكنه جهل، لأن السطح لا يكفي.

الناس تتحدث عن عمق البحر، وتخافه، لكن لا أحد يتحدث عن عمق الإنسان... أنا بحر، ومن لا يغوص لا يفهم.

وأنا الآن أغوص في ذاتي، وأبحر نحو حياة لم تُكتب لي، بل أنا الذي أكتبها بنفسي.

في محطة الانتظار، حيث يذوب الزمن بين عجلات الحافلات وعيون المسافرين، جلستُ على كرسي معدني بارد. حقيبتي عند قدمي، والسماء تشبه صدري… ثقيلة، ملبدة، لكنها تتوق للانفجار.

رأيته يركض.

طفل لا يتجاوز الرابعة، يرتدي سترة زرقاء وحذاءً يضيء كلما قفز. كان يلهو بين الأرصفة كأن العالم ملعبه، تركض خلفه أمه كظل متوتر. لكنه توقف فجأة، نظر إليّ، ثم ابتسم.

ابتسم لي.

لي، أنا نايف.

ثم أخرج من جيبه الصغير قطعة حلوى، وجاء نحوي، قدّمها لي بيد صغيرة، بريئة، لا تعرف التصنيف. كانت حلوى بنكهة التفاح، ملفوفة بورق لامع كأنه قلبه. أخذتها منه، وتبادلت معه الابتسامة.

في تلك اللحظة شعرت أنني أمتلك العالم.

طفل… دون دليل أو خطاب… قدّم لي اعترافًا بإنسانيتي.

لم يقل لي: “أنت مختلف”، لم ينظر إلى وجهي كشيء غريب. بل رأى ابتسامتي، وردّها بأجمل منها.

لكن الحكاية لم تكتمل...

صوت المرأة — أمه — انقضّ على اللحظة كسكين تقطع زهرة.

> "يا الله! هذا المسكين يبدو ضائعًا… يجب على أهله ألا يتركوه يسافر وحده! هذا لا يعرف كوعه من بوعه!"



التفتُّ نحوها ببطء. لم أتكلم. نظرتُ فقط.

كانت تظن أنها تشفق… لكنها كانت تصدر حكمًا، وتنطق بمرسوم إلغاء.

لم ترَ الحلوى، ولا ابتسامة طفلها، لم ترَ وجهي يضيء للحظة، بل رأت “إعاقة” في قالب جاهز… كأنني نشرة طبية لا تُقرأ بل تُرمى على الرف.

"لا يعرف كوعه من بوعه"، قالت.

عبارة أليمة… لكنها مثيرة للضحك أيضًا، حين تصدر من امرأةٍ نسيت أنها منذ سنوات قليلة لم يكن مسموحًا لها حتى بالسفر إلا بإذن من وليّ أمرها.

هي من تتحدث عن الإرادة… لكن إرادتها نفسها كانت مؤجلة، محجوزة، ومعلّقة على قرار حكومي.

وأنا؟ لم أحتج إذن أحد.

أنا خرجت لأنني قررت، لا لأن أحدًا سمح لي.

هي حصلت على “الحرية” من الخارج. أما أنا… فانتزعتها من الداخل.

ما لا تعرفه تلك السيدة، أن ما يربط البشر ليس شكل الوجه، ولا مسمى الحالة… بل الحبال الخفية، الحبال التي لا تُرى. كلنا مقيدون… لكن الفرق الوحيد:

بعضنا يعرف الحبل ويحاول قطعه، والبعض لا يعرف… بل يصير هو نفسه الحبل.

عدتُ بنظري إلى الطفل… كان يركض، ضاحكًا، ناسيًا كل شيء… إلا إنسانيته.

رفعتُ الحلوى إلى فمي، تذوّقتها ببطء، وأنا أبتسم.

الحلوى كانت حلوة… لكن طعم الموقف كان مرا.

ايها القارئ قد لا يهمك اسمي كثيرًا، لكن ما سأرويه لك هو ما سيتسلل إليك، دون استئذان. قبل أيّام، كنت واقفًا على حافة جبل — لا جبلًا حقيقيًا، بل ذاك الذي في داخلي. كنت أظنّه صلبًا، لا يهتز، جبارًا مثلما أرادت الحياة أن أبدو. لكنني اكتشفت، ويا للعجب، أن الجبل العظيم... هش. نعم، هشّ. الماء نفسه — ذاك الذي نسقي به أرواحنا — قادر أن يحفر طريقه فيه، أن يفتّته، أن يهزمه ببطء، وبأناقة.

كل ذلك أدركته عندما غبت. غبت عن كل شيء، عن الوجوه، عن الطرق، عن "حصة". حصة لم تكن كغيرها. كانت تعرف كيف تمسك اسمي من طرفه وتجعله يرتجف. وعندما علمت بغيابي، أرسلت لي رسالة قصيرة، اختصرت فيها كل الحكاية: "ارجع."

كلمة واحدة، لكنها كانت كأنها فأسٌ على كتفي. هل تظنين يا حصة أن الرجوع بهذه البساطة؟ أنا الذي سرت طويلًا في درب لا أعرف نهايته، كيف أعود؟ أنا الذي نظرت للأمام حتى تشققت عيناي من ضوء المستقبل، كيف ألتفت إلى الوراء دون أن أنكسر؟ لو عدتُ، لن أعود كما كنت. سأعود مهزومًا... لا لأنك هزمتني، بل لأنني سأكسر الجليد الذي جف بداخلي.

لكن قبل أن أقرر، اسمح لي، أيها القارئ، أن أخاطبك أنت أيضًا. أعلم أنك قد تبتسم ساخرًا، أو تمطّ شفتيك لأنك تسمع "كلام هش"، لكن دعني أقولها بصوتٍ واضح: أنت هش. وأنا هش. وكلنا هشّون. ومن هشاشتنا نبني عالمًا. نكوّن مجتمعًا. نصنع الحضارة. لا تخجل. الهشاشة ليست عيبًا، بل أمانة نخبّئها عن عيون من لا يفهم.

ثم هناك وجه آخر في القصة... أختي. خشيتُ أن تُبلّغ عني. أن ترسل تقاريري للعائلة. صرت أمشي في الشارع متنكّرًا، أضع شماغي ونظارتي كمن يهرب من قدره. لكن لا تفهموني خطأ، أختي ليست "مدام منشن" من رواية الأميرة الصغيرة سارة — لا. هي طيبة، حنونة، لكنها سجينة الخوف من "الشارع". من الطريق. من النظرات التي تحاسبك على كل خطفة عين، كل نفس، كل فكرة.

عدوي لم يكن عائلتي. عدوي كان الطريق. 

 

عيوني اللوزية، وجهي المستدير، وطريقتي الخاصة في النطق، هذه ليست أعطالًا، بل بصمتي في الكون. أنا من صنفهم الطب بأرقام وجداول، لكني أرى نفسي شاعرًا، ورحّالة، ومواطنًا في مملكة القلب.

أجل، كل شيء فينا بطيء. لكن البطء لا يعني العجز. السلحفاة تصل، ولو بعد حين. لكنها تصل بوعيٍ عميق، لا بهلع الأرنب.

عندما طرقت باب عمي مبارك، كنت كمن يطرق باب المستقبل بيدٍ مرتجفة. قلت له بصوتٍ يكاد يُسمع:

> "أبي أستقل."



ضحك. هز رأسه. وقال جملته الأثيرة:

> "سرك في بير!"



آه يا عم مبارك... لو كان البئر محكمًا، لما وصل الخبر إلى حصة قبل أن أصل إلى غرفتي.
لا أدري... هل تسرب السر عبر الجوال؟ أم أن حصة زرعت "آيرتاق" في أكمامي؟!

الغرفة صغيرة، لكن فيها نافذة. والنافذة تكفي. تكفي لأحلم.
لكني لم أستقل فعلًا... فعمّي لا يزال يحضر طعامي، ويأخذ ملابسي، ويرتب سريري كأنني طفل.
كنت أريد أن أكون وحدي، لكن يبدو أن الإنسان لا يُولد مستقلًا، بل يصير كذلك، خطوة بخطوة.

صور حصة تطاردني في المرايا. وجهها في طيف الشاي، وصوتها في هدير المكيف.
أهي لعنة الحب؟ أم لعنة الاعتياد؟
هل أحتاج لأن أكون وحدي... لأعرف من أنا؟
أم أن "من أكون" لا يُصاغ إلا في مرآة الآخرين؟

أنا نايف، أريد أن أكون دولة.
دولة فيها مادة أولى في دستورها:

> "يُمنح جميع المصابين بالتثلث الصبغي 21 حق تقرير المصير، وحق ارتكاب الخطأ، وحق البكاء بلا استعطاف."

 

دخلت بيت عمّي مبارك كما يدخل جنديٌ أرضًا لا يعرف عنها إلا الأسماء.
الهواء مشبع برائحة البخور، والمجلس مضاء بأضواء صفراء تُلقي ظلالًا طويلة على وجوه الرجال الجالسين، كأنها تكشف ما تخفيه نفوسهم أكثر مما تنيره.
كل شيء في ذلك المكان كان عاديًا… إلّا العيون.

العيون، يا صديقي، لا يمكن تزييفها.
نظراتهم كانت مزيجًا معقّدًا من الفضول، التوجس، وربما... الشفقة المغلّفة بابتسامة.
بعضهم حيّاني بحرارة مصطنعة، وآخرون تبادلوا همسات سريعة لم أحتج أن أسمعها، لأنني خبرت لغتهم جيدًا.

جلستُ، أراقب وأُراقَب.
وفي الزاوية، رجلٌ ثقيل الجسد، خفيف العقل، استدار نحوي وبدأ حديثًا، لم يكن موجهًا إليّ، بل عنّي.
كأنني تجربة علمية حاضرة في معرض.

قال وهو ينفث جملته كمن يسرد نكتة:

> "نايف… ما شاء الله عليه، عنده متلازمة داون، بس تبارك الرحمن يكتب ويقرأ! العلم تطوّر، والله!"



ضحك من حوله. ضحكوا بحذر.
ضحكةٌ لا تُقنع طفلًا، فكيف بي أنا، نايف، الذي عرفت كذب الضحك منذ سنين.

أردت أن أرد، أن أقول له: "يا هذا، لست كتابًا تقرأه، ولا معجزة تتفاخر بها، ولا قصة نجاح تلقيها لتكسب تصفيقًا."
لكني لم أفعل.

بل نظرت إليه نظرةً لا تعرف الارتباك، نظرةً صنعها الغضب النبيل،
وقلت بهدوء يشبه خنجرًا في غمد حريري:

> "يمكن تعرف أشياء كثير عن متلازمة داون… بس ما تعرف شيء عن نايف."



سكت.
سكتوا جميعًا.
حتى الهواء بيننا توقف، كأن الغرفة استوعبت أني لست مجرد متلازمة، بل وعيٌ يتكلم، لا حالة تُشرح.

وفي تلك اللحظة، تذكّرت وجه حصّة.

**

حصّة، شقيقتي الكبرى،
المرأة التي فقدت زوجها، ودفنت أمها ثم أبيها،
ثم حملتنا — أنا وإخوتي الثلاثة — على كتفيها كمن يحمل قلبه ويمشي وسط زحام المدينة.

كانت تقول لي:

> "نايف… الدنيّا مو سهلة، بس في البيت هذا، ما راح تحتاج تدافع عن نفسك."



وأنا كنت أُحبّها، أحب دفئها، صوتها إذا نادتني بـ "يا بعد قلبي"،
لكني لم أعد أريد الأمان الذي يُغلق عليّ الأبواب.
لم أعد أريد سقفًا منخفضًا من الطمأنينة يُجبرني على الانحناء.

أريد أن أختبر الحياة حتى وإن صفعتني.
أن أذوقها كما هي… حلوها ومرّها.
أريد أن أخرج من دفيئة حصّة،
لا هربًا منها، بل بحثًا عني.

**

عندما انتهى المجلس، خرجت.
لم أنتظر أن يُسلّموا عليّ، ولم أطلب رضا أحد.
في جيبي ورقة، وفي صدري نار.
وفي عيوني… تلك النظرة.

نظرة من قرر أن يخلع ثوب “الموضوع” ليصبح الراوي.
 


تلقيت اتصالها مساءً.
كان صوت حصة مرهقًا، مثل شجرة قاومت الريح، لكنها ما زالت واقفة.
قالت:

> "أنا ما بلّغت يا نايف... أقسم لك، أنا ما بلّغت."
وسكتت لحظة، كأنها تخاف من الكلمة التالية، ثم تمتمت:
"صقر... هو اللي بلّغ."



صقر.
الاسم الذي كلما نطقوه شعرت أنه طير جارح نزل على صدري، لا يطير، بل يحوم حول رأسك حتى تُسقطك نظراته.
هو أخي، نعم. لكن الأخوّة وحدها لا تشفع للنيّات السامة.

صقر... الذي كانت أظافره كلمات، ولسانه سيف، وصوته يدقّ كطبول الحرب لا تعلن النصر بل الهجوم.
أتذكّره جيدًا،
أنا المتنصّت من خلف الأبواب،
أنا الصغير الذي يتظاهر بالنوم بينما أذنه تلتقط كل ارتجاج في البيت.
هو كان يظننا أغبياء... نحن فقط كنا أذكى من أن نردّ عليه بصوته.

سمعته يقول لحصة، بنبرة لا تحترق بل تحرق:

> "تجمعين عندك المتخلّفين... ما منهم فايدة. الحكومة تصرف، وإنتِ تجمعين، بس علشان تستفيدين. تبين الرواتب، تبين الدعم... ما فيه شي تسوينه عبث. أنا أدري."



كلماته لم تكن مجرد شك... كانت طعنات.
وكانت حصة تصمد، كجدار قديم قاوم الفيضانات،
ردّت عليه بهدوء من يعرف أن الحقيقة لا تصرخ:

> "أنا ما أخذت ريال. ولا فكرت حتى. كل اللي يدخل لهم، يرجع لهم. أنا ما أشوف فيهم عيب... أنا أشوف فيهم نعمة."



لكن صقر... خرج.
كعادته، لا يستمع، لا يفهم، لا يحتضن.
صوت نعاله وهو يغادر كان كأنه ختم القرار الأخير،
لكن قبل أن يغلق الباب، قالها:

> "راح تشوفين. الأيام تفضح. لا يطلعون هالمهابيل من البيت. تكفين يا حصة، قفّلي الأبواب زين."



كأننا كلاب شاردة.
كأننا عار يُخشى أن يمرّ أمام الجيران.

وأنا، خلف الباب، كنت أغلي.
كأنني إناء على موقد لا يُطفأ.
أسمعه ينسف وجودي بكلمة... “مهابيل”.
كأننا لسنا بشرًا.
كأن أرواحنا لا تزن في الميزان شيئًا.

يا صقر،
أتعلم من تكون؟
أنت عمّ هاملت،
ذلك الذي قتل لا بسيف، بل بقطرة... قطرة سمّ في الأذن.
وأنا، كنت أخي، لكنك سكبت في أذني السمّ مرارًا.

قتلت سمعتي... لا أمام الناس، بل أمام نفسي.
جعلتني أرتبك حين أنظر للمرآة.
جعلتني أشك في قدرتي، في حقي، في وجودي.

لكن حصة...
كانت تحميني بصمتها.
لم تقفل الباب، بل أبقته مفتوحًا...
علّني أغادر حين أقرر،
وليس حين يُطرد من هم مثلي.

قالت وهي تمسح دمعة لم ترد أن أراها:

> "هؤلاء هم الجنة، يا نايف... الجنة في الأرض. قلوبهم أصدق من الدعاء."



وأنا اليوم، أكتب،
لا فقط لأنني قادر،
بل لأن كل حرف أخطه… هو صفعة على وجه كل من ظنّ أن من يحمل تثلثًا في الكروموسومات… لا يمكنه أن يكتب قدره.

صقر؟
هو لم يبلّغ عني،
بل بلّغ عن نفسه،
بلّغ عن خوفه، عن جهله، عن عجزه أن يرى النور في من ظنّه ظلامًا.

**

أتريد أن أُكمل، يا صديقي القارئ؟
فالحكاية ما زالت في منتصف الطريق.

 



---

كنت صغيرًا حين اكتشفت أن الكلمات لا تحبني.
أراها تصطف أمامي على السطر، كجنود في استعراض، لكنها تتحرك فجأة، تنقلب، تفرّ، تتشاجر، تتشابك كأغصانٍ في ريحٍ عاتية.


أقرأ "سماء" فأراها "مساء"،
وأقرأ "رحمة" فتبدو لي "مرحى"،
كأن المعاني تسخر مني، تهرب من عيني لحظة أمدُّ يدي نحوها.

لم أكن أفهم لماذا أصدقائي ينتهون من الصفحة في خمس دقائق، وأنا أمضي نصف ساعة ولا أصل حتى إلى منتصفها.
كنت أظن أن بي خطبًا، أني غبي، أو أن دماغي معطوب.
لكن الحقيقة كانت أبسط وأكثر قسوة:
أنا مصاب بعسر القراءة...
ودماغي لا يرى الحروف كما يراها الآخرون.

كانوا يضحكون عليّ حين أتهجّى أمامهم.
"ما تعرف تقرأ؟!"
"في أحد بعمرك يقرأ كذا؟"
ضحكهم لم يكن مجرد صوت، بل كالسكاكين، يغرسونها في صدري ثم يطلبون مني أن أبتسم.

لكن أختي "حصة" كانت تختلف.
كانت تمسك بيدي، تقرأ معي بصبر، تنطق الكلمة مرارًا حتى تدخل قلبي لا ذهني.
تقول لي: "الكلمات مش أعداءك، بس تحتاج تصادقها بطريقتك."
علّمتني أن أقرأ بأنفي، بعيني، بصوتي، حتى بالحركة.
كنّا نكتب الكلمات على الهواء، على التراب، على كفّي، حتى تحفظها يداي قبل عيني.

أما المدارس، فكانت قاسية.
تعليمها موجه للذين يسيرون على خط مستقيم، وأنا كنت أمشي على قوس.
يريدون من الجميع أن يقرأوا بنفس الطريقة، أن يفهموا بنفس السرعة، أن يكتبوا نفس الخط.
أما أنا، فكنت أقرأ مشيًا لا ركضًا، وأكتب وكأن الحرف قطرة ماء أرتبها على راحة يدي.

صرت أخاف من السبورة، من الكتب، من صوتي وأنا أقرأ أمام الفصل.
كل شيء في المدرسة كان اختبارًا علنيًا لفشلي.
لكن داخلي كان عالمًا آخر:
كنت أفهم القصص بطريقتي، أشعر بها لا أفسرها.
كنت إذا قرأت رواية – ولو بعد شهرين – أعيشها كأنها روحي الثانية.

حين قلت لصاحبي سعود عن معاناتي، نظر لي وقال:
"اللي يقدر يقرأ الحياة، ما يحتاج يقرأ كتب."
ثم ضحك، وأردف:
"بس لا تترك الكتب، حتى لو كانت صعبة... خلها تصير خصمك وصديقك في نفس الوقت."

ولأني أرفض أن أكون ضحية، جعلت من عسر القراءة تمرينًا على الصبر.
قرأت ببطء، لكني كنت أفهم بعمق.
كل كلمة كنت أظفر بها، كانت نصرًا صغيرًا، ثورة من نوع خاص.

أنا الآن لا أقرأ بسرعة، لكني أفهم ما لا يفهمه الكثير من "القرّاء السريعين"...
أفهم أن الحرف قد يكون جبلًا،
وأن الجملة قد تكون طريق نجاة،
وأن عسر القراءة ليس عيبًا في الدماغ، بل اختلاف في الخريطة.

أما سعود...
فذاك ابن الجار الذي كان بمثابة جندي ظل، يحرس شتاتي إن ضللت، ويضحك في وجهي حين يثق أنني سأكمل الطريق.
سعود قال لي جملًا ليست في الكتب، جملًا تُقرأ بالقلب لا بالعين. حين قال: "أنت حرّ، ما في يدك قيود"، شعرت أنني أول مرة أتنفس بلا ألم.
ثم عاد ليقول: "لكن الحرية مسؤولية"…
وهنا عرفت أن الحرية ليست طوق نجاة، بل اختبار يومي، امتحان دون معلم.

في لحظة ضعف، ظنّ البعض أنني تائه، وقال سعود: "الرجوع لأهلك أفضل من التشرد."
ضحكت، لا سخرية، بل بحزن رجلٍ يعرف أن العالم لا يفهمه.
أنا لا أملك قصرًا ولا بيتًا من طين، لكن عندي غرفة بها نافذة تطل على حلم.
أملك سريرًا يحتويني، وعقلًا يحترق شوقًا للمعرفة، وكرامة لا تُشترى.

أنا لست متشردًا يا سعود، أنا صاحب إرادة.
التشرد هو أن تبيع نفسك كي تنتمي، أن تلبس أفكارًا ليست لك كي يقبلك الناس، أن تعيش نصف حياة كي لا تُلام.
أنا اخترت أن أعيش كاملًا، حتى لو كان الثمن الوحدة.

جمر الحرية يا سعود، يحرق، لكن دفؤه صادق.
أما برد الأمان، فمخادع، يُلبسك ثياب الطاعة ثم يدفنك حيًا في قوالب العُرف.

 

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

الخريطة التي تقودني إليك

 رواية الخريطة التي تقودني  إليك  بقلم  جوزيف مونينغر المقدمة يوم التخرج إنها والدتك، من بين الجميع، هي التي تلتقط الصورة المثالية لك ولصديق...