بحث هذه المدونة الإلكترونية

الأربعاء، 21 مايو 2025

خرائط لم تكن بيضاء - حين نطق البحر


 

خرائط لم تكن بيضاء 

حين نطق البحر




(بصوت الراوي — محمد فهد بنيان الدوسري)

قبل أن ينطق فاسكو دي غاما،
وقبل أن يرفع كولمبوس صليبه،
وقبل أن يغرق ماجلان في دم سذاجته الإمبراطورية…
كان البحر ينطق.

كان البحر سطرًا من سورة،
وكان الدعاءُ شراعًا،
وكان الأذان أول خريطة.

لكنهم كتبوا التاريخ بمداد البارود،
ووضعوا اسماءهم فوق الموج،
كأنّ البحر كان مستعمرة.

أنا لا أكتب لأردّ المجد،
ولا لأعلن ثأرًا عابرًا للقرون،
بل لأقول: كان هناك صوتٌ آخر.

كان هناك بحّار اسمه أحمد،
رجلٌ اسمه سعيد،
امرأةٌ اسمها فاطمة،
طفلٌ اسمه صادق،
وصينيّ اسمه ماو هوي تشينغ…

هؤلاء ما رسموا الحدود،
بل حفروا في القلوب،
وتركوها منارة… لا مستعمرة.


---

هذا العمل ليس رواية استكشاف،
بل محكمة ضمير التاريخ.

هنا، لا نسأل: "من اكتشف العالم؟"
بل: من نسيه التاريخ؟ ومن قتله الذهب؟

هنا، البحر ليس فضاءً أبيض،
بل كتابٌ مفتوح، كل موجة فيه شاهد.

فإن كنت من الذين يؤمنون أن الأرض تُرى من العين لا من البوصلة،
وأن الحكمة لا تحتاج مدفعًا…
فأبحر معنا.

أمّا إن كنت ممن يعبدون الخريطة أكثر من الرحلة،
فابقَ على البر…
فالمدّ هنا يعيد كل شيء إلى أصله
.

 

 الفصل الأول: صوت البحر يدوي من بعيد 

(رواية فاسكو دي غاما)

 



"أنا فاسكو دي غاما... وهذه الحكاية التي أخفاها عنكم البرتغاليون"
الرجل الذي دوّنه التاريخ بوصفه أول أوروبي وصل إلى الهند بحرًا،
لكنّهم نسوا أن يكتبوا أنني كدت ألا أصل…
وأن البحر حينها، لم يكن في صفي.
ولا الريح.
ولا حتى البوصلة.

ضاع مركبي في خضمّ المحيط،
واختنقت الرياح بين أشرعتنا،
وتكسرت صلوات البحارة على صخور الخوف.
رفعنا الصلبان، وتضرعنا بكل ما في قلوبنا من رجاء، علّ البحر يهدأ…
وفجأة، كأن السماء هدأت بأمرٍ غيبي،
انشقّ الأفق عن مدينة لم أر مثلها من قبل،
مدينة طافحة بالألوان والروائح،
لكنّها غريبة... تمامًا كقدرنا.

لم تكن في خرائطنا،
ولا في تقاريرنا،
ولم يسمع بها البحارة من قبل.
كنا في مهمة، نعم… ولكن بلا خريطة.
قبطانٌ بلا خريطة، كفلاح بلا محراث، أو مزارع بلا أرض.

اقتربنا شيئًا فشيئًا، فبانت لنا المدينة: **مومباسا**.
أو كما يسميها سكانها: **مَفيتا**.

كانت المدينة مشبّعة بأنفاسٍ عربية،
مملوءة بعطر القهوة والعود،
مختلطة بموسيقى إفريقية تنساب من الحواري.
مدينة ساحلية مزدهرة، مزينة بأسواقٍ تعج بالحركة،
بأصوات التجار، وصياح الباعة، ورنين الذهب والعاج.

عرفت العرب سابقًا في الأندلس.
لكنني رأيتهم هنا مجددًا، على سواحل إفريقيا الشرقية،
وكانت تلك مفاجأةً مذهلة.
لقد أحبّها البحارة فورًا، وأنا؟
أعترف… سحرتني.

لكن، لم يكن استقبالنا حافلًا.
لا موائد، ولا تحايا.
فقط نظراتٌ حذرة،
وجدرانٌ تتكلم بلغة: "أنتم غزاة".

في الحقيقة، نحن جئنا بعد ست سنوات فقط من سقوط الأندلس، عام 1492.
وأنا وقفت بين تلك الأزقة أتساءل:
هل يذكر هؤلاء من نحن؟
وهل يتذكرون ما جرى هناك؟

سألت، واستفسرت، وجاءني أحد البحارة واسمه فرناندو، قائلاً:

> "وجدت رجلاً… عربيًّا."

قلت له بتحفز:

> "أتعلم أن العرب لا يكنّون لنا الود؟ لقد سقطت مملكتهم بالأندلس، وهم لا ينسون."

ابتسم، وقال:

> "لكن من طردهم كان الإسبان... الملكة إيزابيل والملك فرناندو."

ضحكت، ثم قلت له:

> "أوه، هل أخبرته أن اسمك فرناندو؟ أخشى أن لا ينطق بكلمة بعدها!"

ضحكنا… ضحكة بريئة على شاطئ حذر.
لكن بداخلي، كنت مشتعلاً شوقًا لرؤية ذلك الرجل الغامض.

دخلت عليه…
رجل ذو ملامح شامخة، عربية خالصة،
يحمل في وجهه آثار الشمس والملح،
في عينيه برّ وبحر، وعلى جبينه وقارُ من عرف الخريطة والقدر.

تقدمت إليه بخشوع غريب… وقبّلت يده.
قلت له، مترددًا:

> "قيل إنك أحمد بن ماجد… هل ترشدني؟ هل لديك خريطة؟ هل تبحر معي؟"

نظر إليّ، تمعن في ملامحي وثيابي، ثم قال بنبرة هادئة كأنها خرجت من كهف بحري عميق:

> "وماذا يريد البرتغاليون من الهند؟"

ارتبكت…
حاولت أن أبدو واثقًا، فقلت:

> "رحلة استكشاف… نريد أن نعرف الأمم… أن نمارس التجارة."

ابتسم بسخرية، وقال:

> "بل هو غزو الأمم، لا غير.
> لكن، لأني رأيت فيك طموح شاب،
> ولأني أحب التجارة،
> ولأني أعلم أن المسلمين بلغوا أقاصي الأرض بالتجارة لا بالحرب،
> سأرشدك… لا لأجلك فقط، بل لأنني أؤمن بأن البحر لا يُحتكر."

سلّمني خرائط… بوصلة… ومضى.
كأنما منحني مفاتيح الشرق، دون أن يطلب شيئًا.

خرجت من عنده وأنا مبهور…
كيف لرجل يحمل هذا العلم كله، ولا يسعى لغزو العالم؟
كيف لم يؤسس إمبراطورية؟
كيف آثر الحكمة على الحكم، والموج على العرش؟

رحلت عن مومباسا، وقلبي هناك…
يرنُّ فيه صدى اسم: **أحمد بن ماجد**.

---
 
الفصل الثاني: 
صدى الموج في قلبي 
(رواية أحمد بن ماجد)

في البدء… كان البحر.
والبحر، يا ولدي، من عند الله.
لا من عند سلطان،
ولا من عند بحّارٍ متغطرس.
هكذا علّمتني الأمواج، وهكذا لقّنتني مواسم الريح.

أنا **أحمد بن ماجد**، ابن عُمان،
ابن الملّاحين، ومرشد المراكب إن ضلّت أو ترنّحت.
كنت أبحر بين قِلهات وظفار، من هناك حتى عدن، فصُحف الهند والصين،
وها أنا ذا أرسي حيث تستريح الروح قليلًا: **مَفيتا**… مدينة **مومباسا**.

مدينة لا تعرف الصمت،
فيها من كل ألوان الطيف ما يجعل القلب يتيه قبل البصر.
أسواقها عامرة بالعاج والذهب،
تتدلى التوابل من سقوف الحوانيت كالعناقيد،
رائحة القهوة تعبق من كل زقاق،
وصوت النداء على البضائع يتقاطع مع تراتيل بحّارة أفارقة يرقّصون الموج قبل أن يركبوه.

---

في يومٍ مشحون، كأن الريح جاءت تخبرني بشيء،
دخل عليّ غلام يُدعى **مفتاح**، وكان من بحّارتي —
فتى أسمر نشيط، يعرف مداخل الميناء كما يعرف رائحة الرطب العُماني.
قال لي:

> "شيخ أحمد… ثمة أناس غريبون نزلوا الشاطئ.
> بيض الوجوه، لكن ألسنتهم مشقوقة كالسكاكين،
> يلبسون صلبانًا ويطلبون خريطة للشرق."

رفعت رأسي… شعرت بشيء لا يريحني.

في اليوم التالي، جاءني غلامهم… اسمه **فرناندو**.
كان يتحدث العربية كمن نسيها وهو طفل.
عيناه تخافان البحر، وإن تظاهرتا بالعكس.
عرض عليّ ذهبًا… وخريطة، وطلب لقاء.

---

دخل عليّ **فاسكو دي غاما**…
طويل القامة، بملامح تحمل أكثر مما تستطيع.
وقف أمامي، وانحنى، وقبّل يدي كمن يقبّل ضوءًا انتظره طويلًا.
قال بصوتٍ مرتجف:

> "يا شيخ أحمد… نريد أن نصل الهند.
> نبحث عن طريق لا نعرفه.
> قيل لي إنك أنت البحر… فهل ترشدنا؟"

نظرت إليه طويلًا،
رأيت في عينيه ما بين الطمع والخوف…
فقلت:

> "وما الذي يريده البرتغاليون من الهند؟"

قال:

> "تجارة… طرق بحرية… سلام…"

قلت له:

> "بل أنتم قوم لا يعرفون السلام.
> جئتم بعد أن طُرد إخواني من الأندلس.
> تحملون صلبانكم لا للخلاص، بل للخراب.
> ارحل، أيها الغريب، البحر لا يُؤخذ بالتوسّل."

وطردته… كما يُطرد دخان لا يليق بمجلس النوارس.

---

لكنه عاد. بعد يومين… عاد محنيًّا أكثر،
بوجه منهكٍ من الانكسار.
أتى ومعه هدايا: صندوق من العقيق، براميل عطر، سيوف مذهبة… وجارية.

نعم… جارية شابة ذات ملامح تركية، شعرها كالحرير، وعيونها تسبح في الغيم.
قال لي:

> "هذه هدية لك، إن قبلت أن ترشدني."

أخذت الفتاة من يده، نظرت في عينيها، ثم التفت إليه وقلت:

> "أما الهدايا، فلا أقبلها.
> لكن هذه… سأعتقها.
> ليس لأنك أهديتني إياها، بل لأن الحرية أكرم من التجارة."

وأعتقتها أمامه،
فقال لي أحد رجالي همسًا:

> "لقد بكيت تلك الليلة، يا شيخ."

---

لكنني لم أرشده بعد.
بل كنت رافضًا…
إلى أن جاءني **مفتاح**.
وكان قد تسلل إلى سفينتهم، وسمع منهم ما يملأ الجيوب.
قال لي، محرجًا:

> "يا شيخنا… المال كثير.
> والأمر لا يضيرنا.
> إن لم نرشدهم نحن، سيرشدهم غيرنا…"

فقلت له غاضبًا:

> "وهل نبيع البحر؟
> البحر لا يُباع، البحر من عند الله!"

لكنه أقنعني، لا طمعًا،
بل لأجل الرجال في المراكب،
والعيال في البيوت.
قلت: إن كنّا سنرشدهم، فلنكن نحن — لا لأننا نريد لهم مجدًا،
بل لأننا نعرف كيف نكبح رياح الغرور، حتى وهي تملأ أشرعتهم.

---

هكذا رافقت فاسكو… لا حبًا فيه،
بل لأن المعرفة، إن لم تنفع، ضاعت.
وهكذا، صار اسمي يُذكر في كتبهم،
لكنهم أسقطوا كل شيء:

أسقطوا أنني طردته،
وأسقطوا أني لم أقبل الذهب،
وأسقطوا أني أعتقت الجارية،
وأسقطوا أن البحر… لم يكن يومًا في صفهم.

---

**فاسكو دوّن اسمه في التاريخ…
وأنا دوّنت البحر في صدري.**
والفرق بيننا أنني أبحر لأرى،
وهو أبحر ليأخذ.


فصل ثالث: 
كولمبوس والخرائط العربية
(رواية كريستوفر كولمبوس)
 
 
حكايات البحر والبحارة لا تقف على حافة السرد، بل إن جبل القصص انثال من هول ما حدث في البحر. والآن، أنا من يستلم القصة كراوي، أتنقّل بين الشخصيات، حتى أطرق أبواب بحرٍ آخر… أو بالأحرى: قصة أخرى.

دخلتُ على الملكة إيزابيل بثوبي البسيط، لا أملك ذهبًا ولا جيوشًا، بل خرائط… خرائط ورثتها من علماء العرب، وكان أبرزها خارطة ذلك العالم العجيب: الإدريسي. ما إن رأتها حتى تقلّبت ملامحها من شكّ إلى فضول، ثم قالت وهي تشير إلى اسمٍ كُتب بخط عربي على طرف الخارطة:

"خشخاش؟! أترى هذا اسم نبات أم اسم رجل؟"

ابتسمت، وقلت لها:
"قابلت الإدريسي ذات مساء في باليرمو... كان عجوزًا، جسده يرتجف من عتي السنين، لكنه حين تحدث عن البحر، صار شابًا في عينيه. قلت له إنني أطمح إلى بلوغ الهند من الغرب، لأن الشرق يحترق تحت نيران العثمانيين. فرفع بصره، وقال:
'سبقك رجل اسمه خشخاش… أبحر نحو المجهول، وعاد، ثم اختفى.'"

ضحكت إيزابيل، ضحكة مشوبة بالذهول، ثم التفتت إلى فرناندو، الذي قال:
"إذا كان الإدريسي قد وضع اسمه على هذه الخريطة، فهو علمٌ من أعلام الأرض… ابدأ رحلتك يا كولمبوس. ستبحر باسمنا، وتحمل صليبنا، لكن بخريطة كتبها عربي."

انطلقت من بالوس في أغسطس… ثلاثة مراكب، وأمل واحد. الريح كانت متقلّبة. البحر الأطلسي لا يُشبه بحرنا المتوسط، كان فحيحه كأنين مريض يحتضر تارة، ثم يصيح كالوحش الجريح تارة أخرى. السماء لم تكن دائمًا زرقاء، بل كانت سوداء، والنجوم تائهة، كأنها تسخر منا.

كان معي رجل غريب… اسمه سعيد. من أصل عربي. قليل الكلام. لكن حين يتوضأ ويصلي، يصمت الجميع. كأن البحر نفسه يصمت حين يسجد.

قال لي ذات مرة:
"أنا أبحرت إلى هذه البلاد منذ سنوات... بنينا مسجدًا هناك، ثم عدنا، ولم يصدقنا أحد."

ضحكت وقلت:
"إذن نحن نعيد التاريخ يا سعيد، لكن هذه المرة… سيكتبه النصارى."

وفي اليوم التاسع والعشرين من الرحلة، حصل ما لم يكن في الحسبان. سعيد انزلقت قدمه، وسقط في البحر. صراخه اخترق الريح، ورأينا شيئًا أسود يسبح نحوه.

"قرش!" صرخ أحد البحارة.

الرجال تجمّدوا. بعضهم بكى، وآخرون تشهّدوا. أما أنا، فقد قفزت. رأيت عيون السمكة... تشبه الجوع. أمسكتُ سعيدًا، وساعدني أحد رجالي بضربة مجداف. أخرجناه وهو يرتجف، لكنه لم يكن خائفًا... كان يصلّي.

قال لي:
"لقد نجّيتني يا كولمبوس... ولن أنسى."

قلت له:
"بل أنت الذي تذكّرنا أن البحر لا يُروّض بالبوصلة، بل بالدعاء."

ثم جاءت اليابسة… الطيور تحلّق، والنباتات تعلّقت بالسفن، والعيون بكت من الفرح.

نزلنا... أشجار تشبه الفردوس، نساء عاريات الصدر، رجال يضحكون دون خوف. هؤلاء هم التانيو.

جلس سعيد معهم، يتحدث بلغةٍ لم أفهمها، تشبه العربية. ثم قام شيخ منهم، وهمس:

"لا إله إلا الله…"

تجمّدت. التفتّ إلى سعيد، فابتسم، وقال:

"أخبرتك... بنينا مسجدًا قرب النهر الكبير."

أخذوه إلى ذلك المكان. بناءٌ طيني، يتجه نحو الشرق. بعضهم دخل وقال: "الله أكبر."

لكن ما حصل بعد ذلك لم يكن مجيدًا.

رجالي لم يحتملوا أن يكون المسلمون قد سبقونا إلى هذه الأرض. في الليل… طعنوا سعيدًا. قالوا إن التانيو قتلوه. لكنني كنت أعلم… دفنته بيدي.

بعدها تغيّر كل شيء. لم نعد ضيوفًا. صرنا سادة. أحرقنا بيوتهم، وسبينا نساءهم، وبنينا صليبًا مكان المسجد.

أنا كريستوفر كولمبوس…
عدت بالذهب، لكن قلبي ثقيل.

في الليل، أسمع سعيدًا يقول لي من قلب البحر:

> "لا البحر لك... ولا الأرض."

ربما كنا مكتشفين… لكننا لم نكن عادلين.

---


فصل رابع:  
صوت من قرطبة 
(رواية سعيد بن خشخاش)
 

أنا سعيد بن خشخاش.

رجل من قرطبة. وُلدت بين الكتب والمآذن، وشربت أول الحروف من يد فقيه. لكن قلبي ما عرف السكون. كان البحر يناديني، لا من جهة الأذان… بل من جهة المغامرة.

في أحد أيام الصيف، والشمس تشوي قباب المساجد، جاءني رجل من سبتة، وقال:

> "ثمة أرض خلف البحر، لا تعرفها الخرائط… لا يُصلي فيها أحد، ولا يُزرع فيها شيء… لكنها تنتظر من يهمس لها: الله أكبر."

كنت شابًا، في صدري نار. جمعت رجالي، وكان فيهم سعيد، نعم… سعيد الذي صار ظلي.

أبحرنا من شواطئ الأندلس، غربًا. ركبنا البحر كأننا نركب قلقًا لا يُهدأ. الأمواج تبلع الوقت، والصمت أكل الكلام.

في اليوم الأربعين… رأينا الأرض.

أرضٌ بكر، كأن الله خلقها قبل لحظات. وجوههم كانت بشرية، عيونهم تشبه عيوننا، قلوبهم مفتوحة مثل صدورهم.

قلنا لهم: "سلام."
ردّوا علينا بصمت فيه دهشة.

بنينا مسجدًا من الطين والخشب. صلّينا فيه، ورفعنا الأذان من فوق نخلة. جاء إلينا رجال من السنغال وغانا… مسلمون. صلّوا معنا، وعلّمونا الزرع.

وكان سعيد… مبتسمًا، يقول:

> "إذا لم نستطع فتح هذه الأرض بالسيف، فلنفتحها بالقلب."

بدأ بعضهم يردد "لا إله إلا الله"، وبعضهم قالها وهو يشير إلى الشمس.

لكننا لم نبق طويلاً. الريح هبّت، والسفن هرمت. عدنا. قلت لهم:

> "رأينا ما لم تره العيون. صلّينا قبل أن يطرق أحدٌ الباب."

ضحكوا وقالوا: "أتهذي يا خشخاش؟"
قلت لهم:

> "أنا من رأى الفجر… قبل أن يصيح الديك."

مات سعيد بعد عام، في حضني. قال لي قبل أن يسلم الروح:

> "إن عدنا يومًا، ووجدناهم قد نسوا الله… فاذكرهم بأذاننا."

والآن، وأنا شيخ، أرى رجلًا يُدعى كولمبوس... يحمل خرائطنا، ويبحر نحو ظلالنا.

لكنه لن يرى ما رأيناه، لأن القلب الذي لا يعرف الله… لا يرى الأرض حقًا.

أنا سعيد بن خشخاش…

وقبل أن تكتبوا أن كولمبوس هو من اكتشف، تذكّروا:

**نحن صلّينا هناك، قبل أن يُصلب أحد.**

والبحر… ما زال يهمس باسمي.


 الفصل الخامس: 
ماجلان الذي طوق الارض
(رواية ماجلان)


"أنا ماجلان... الفاتح الذي حاول تطويق الأرض"

أنا فرناندو ماجلان، الذي قالوا عنه يومًا إنه خائن للبرتغال، فصرت سيد البحار كلها. أنا ابن بورتو، الذي أحب البرتغال حبًّا جارفًا، لكنه حُبٌّ جُرِحت كرامته. لم يفهمني الملك، ولا وزراؤه، حين عرضت عليهم خريطة للكون، وأشرت بإصبعي نحو ما وراء المحيطات، حيث جزر البخور والبهارات، كنوز الشرق التي تبخّرت من أيديهم.

لم يُصدقوا أنني أستطيع أن أشق طريقًا غربًا لأصل إلى ما يعجز عن الوصول إليه كل من سار شرقًا. سخروا مني، وقالوا: "هذا مجنون، يريد أن يطوّق الأرض!" فذهبت إلى من يؤمن بالمجانين… إلى التاج الإسباني، إلى شارل الخامس، الذي رمقني بنظرة الملوك العارفين وقال: "انطلق، أيها البرتغالي المجنون، باسم إسبانيا!"

فأبحرت… بخمسة مراكب، ومئتين وستين رجلاً، وخريطة ناقصة، وأمل جامح.

شققت الأطلسي كمن يشق البحر بسيف. تجاوزت "البرازيل"، وولجت ممرًا سريًا كنت أول من دخله، فحمل اسمي: مضيق ماجلان. هناك، في أقصى الأرض، رأيت النار تشتعل على السواحل، فسميتها "أرض النار". وكان ذلك إيذانًا بأن المغامرة اشتعلت.

وفي المحيط الهادي... لم يكن ثمّة شيء هادئ إلا اسمه. كان بحرًا من الجوع، والعطش، والتمرد. ثلاثة أشهر لم نر فيها غير الملح والسماء. أكل البحارة الجلود ونُشارة الخشب، لكنني كنت أنظر للأفق كأنني أرى الخلاص في السراب.

وحين لاح برقٌ من اليابسة، بلغت أرخبيلًا غريبًا، أنفاسه دافئة وقلوبه لا تزال وثنية. وهناك، التقيت برجل مختلف... رجل لم يخف، ولم يُظهر لي عداءً، بل رأى فيّ مبعوثًا من إله جديد.

اسمه راجا هوماتبون.
ملك جزيرة سيبو. ذو عيون آسيوية، وخطاب يشبه صوت الطبول في الأعراس. عقدنا صلحًا، بل أكثر من ذلك: آمن بالمسيح، وتعمّد على يدي، وصار حليفي في فتح الأرخبيل.

قلت لنفسي: لقد نلت نصرًا دينيًا وسياسيًا، فكل من آمن، نزع عني عبء الفتح، وصار لي سندًا من الداخل.

لكن في الطرف الآخر، كان هناك رجل يشعل النار بيننا، رجل يرفض الهيمنة، اسمه: داتّو لابو لابو.

كان أميرًا على جزيرة "ماكتان"، له لحية قصيرة، وصدرٌ عارٍ، يحمل رمحًا أطول من قامتي. رفض إيماني، ورفض سيفي، ورفض صداقة راجا هوماتبون، وقال لي: "لا نركع إلا لله."

ضحكت. هل هذا البدائي يظن أنه سيصدّني؟

أعددت الرجال، جهزت البنادق، وأنزلت القوارب فجرًا. كنت واثقًا، مغرورًا ربما، فقد فتحت مضيقًا باسمي، واخترقت نصف الأرض، فهل يعقل أن يوقفني رجلٌ شبه عارٍ؟

لكن البحر خانني. المدّ لم يكن معنا، والمراكب لم تقترب. خضنا الحرب في المياه الضحلة، لا خيول، ولا مدافع، فقط أرجلنا العارية والرماح تنهال علينا من كل جهة.

سقط رجالي واحدًا تلو الآخر، وانشقت السماء على عيوننا بخناجر خشبية. قاومت، طعنت، صرخت، لكنهم كانوا كأنهم لا يموتون!

وفي لحظة... طعنةٌ نفذت من ظهري، سقطتُ على الأرض، ولم ترفعني البحار من بعد.

لكنني... ماجلان... لست ميتًا،
أنا العاصفة، أنا الخطّ الذي التفّ حول الأرض،
حتى وإن لم أرجع، فقد أكملت الرحلة باسم من تبعني.

أنا الذي جعل الأرض كروية في أعين الملوك،
أنا الذي رأى الشمس تغرب من غربها الحقيقي،
أنا ماجلان... البرتغالي الهوى، الإسباني الهوية، الكونيُّ في الحلم... والميت في "ماكتان".


---

 الفصل السادس: 
لابو لابو المقاوم
(رواية لابو لابو)
 

**"أنا لابو لابو… يوم سقطت شمس ماجلان على سيفي"**

اسمي لابو لابو، ابن البحر وجبل النار، أنا أمير "ماكتان"، حارس الأرخبيل، الذي ما سجد إلا لله، ولا مدّ يده لمعاهدةٍ فيها استعبادٌ أو صليبٌ فوق الرماح.

في تلك الأيام، كنا نعيش بين جزرٍ لا يعرفها الطغاة، حرة كأنها آيات من سفر قديم لم تطأه أقدام المستعمرين. وكان لي صديق اسمه سُليم، رجلٌ عابر للبحار، من نسل تجار العرب، ألقى مرساته في سواحلنا منذ سنين، وعلمني: "الله نور السموات والأرض..."

في إحدى الليالي، بينما كنا على شاطئ ماكتان نرقب القمر، أشار سُليم إلى الأفق وهمس:

> – "انظر… أشرعة من الشيطان تقترب، أعمدة نصرانية، تحمل اسم ملك لم نعرفه، لكنه قادم كالوباء… اسمه ماجلان."

ابتسمت ولم أجب، فقط تمتمت:

> "وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِندَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ..."

علمت أن هذا البرتغالي ليس إلا وجهًا جديدًا للاستعمار، جاء يلبس الدين قناعًا، ويخبئ السلاسل في كتبه المقدسة.

وبالفعل… التقى سُليم بملكٍ في سيبو، يُدعى هوماتبون، كان ضعيف النفس، يرى في التاج الأوروبي خلاصًا، فتعمّد كما يتعمّد الضعفاء، وانحنى لماجلان وهو لا يعلم أنه يُنحر نفسه.

جاءني رسولهم، يعرض الصلح مقابل السجود، وقال إن ماجلان يريد أن يُدخلني في دينه كما أدخل الملك الآخر، وإنني إن رفضت، جلب عليّ اللعنة… ضحكت.

> – "قل له: إن لابو لابو لا يسجد إلا لخالقه، وإن من جاء من خلف المحيط، سيعود في تابوت البحر."

وفي فجرٍ كأنه من أيام بدر، نزل ماجلان على شواطئ ماكتان. ظن أن البنادق ستخيفنا، لكنه لم يفهم أن أرضنا تحفظنا، وأن الرمال لا تخون أبناءها.

كانوا خمسين رجلاً، مسلحين، لكنهم تورطوا في المياه الضحلة، فغرقت خيولهم في الوحل، وسيوفهم لم ترتفع. أنا لم أكن وحدي، كان سُليم خلفي، يردد: "قاتلوهم يُعذّبهم الله بأيديكم…"

بدأت المعركة.

رشقناهم بالرماح، بالرماح فقط، ورماحنا لم تكن من حديد، بل من حقٍّ مغروس في الأرض.
ماجلان حاول أن يتقدّم، صرخ، لوّح بسيفه، لكنه كان يتقدّم إلى هزيمته.

تقدمت نحوه، كنت أراه متعبًا، مُنهكًا من أمواج الكبرياء. صرخت:

> – "يا من جئت لتغزو باسم الرب، ماذا ستقول له حين يراك تصرخ؟"

ضربته بالرُّمح أول مرة، فارتجف.
ثم طعنته الثانية، في خاصرته، فسقط على ركبتيه.
وجاءت الثالثة... في عنقه.
ونطقت السماء: انتهى.

ماجلان لم يمت لأنه دخل أرضًا غريبة، بل مات لأنه كذب، ولأنه جاء يستبدل أرواحنا بالبخور، وإيماننا بالذهب.

**والتاريخ؟**
التاريخ قال إنه بطل...
لكننا نعلم الحقيقة.

أنا **لابو لابو**،
الذي لم يُهزم،
ولم يركع،
ولم تكتبني كتبهم… بل كتبني الله في صفحات المقاومة.



 الفصل السابع: 
 جيمس كوك:العائد من حافة المجهول
(رواية جيمس كوك)
 
صوت الأمواج يعلو... وها أنا أكتب: أنا جيمس كوك، العائد من حافة المجهول.
أنا من خرقت حدود العالم المعروف، وأبحرت نحو أرضٍ لم يكن يُصدّق وجودها إلا الحالمون... أو المجانين.

في عام 1770، رست سفينتي إنديفور على شاطئ قاحل، يكتنفه الضباب وتملؤه روائح غريبة.
كانت الرمال حمراء كالدم، والسماء رمادية كأنها تحمل حزنًا قديماً.
نزلنا إلى اليابسة، فاستقبلتنا أعين لم تعرف لغة، وجلود لم تمسّها إبرة الحضارة.
كانوا هناك... بشرٌ لكنهم أقرب للظل، أجسادٌ نحيلة، عارية، ممسكة بحراب حجرية، لا يعرفون الحديد ولا الكتابة...
أسمّيهم "الأبورجيين" — سكان الأرض البدائيون.
كانوا يصرخون بلغتهم الغريبة، يرقصون حول نار، ينظرون إلينا كما لو كنا أرواحًا نازلة من السماء.
بالنسبة لهم، كنا طلاسم، وبالنسبة لنا... كانوا البرية بعينها.

ثم حدث ما لم أتوقعه.
رأيت مخلوقًا يقفز على قدمين، بذيل طويل ووجهٍ كأنما استعار شيئًا من وجه الإنسان وشيئًا من الشيطان.
نظرت إلى أحدهم وسألته عن اسم هذا الحيوان...
رد بكلمة واحدة: "كنغارو."
وهكذا، أُضيف هذا الاسم إلى سجلات الإمبراطورية، تمامًا كما أضفت الأرض نفسها.

لكنْ، ما قيمة الأرض إن لم يحفظها الأحياء؟
لقد عانيت، كغيري من ربابنة البحر، من عدو خفيّ: داء الأسقربوط.
ذاك الداء الذي حوّل البحّارة إلى هياكل تتساقط أسنانها، وتذبل أعينها، ويتعفّن لحمها ببطء.
لكنني كنتُ مختلفًا...
فقد قرأت، واستشرت، وجربت...
وعرفت أن علاج هذا الداء في شيء بسيط: الليمون!
نعم، حبات الليمون والملفوف المحفوظ أنقذت طاقمي، وأنقذتني من لعنة البحر.

أما الأرض نفسها، فقد سميتها: تيرا أوستراليس إنكوغنيتا — الأرض الجنوبية المجهولة.
أردت لها اسمًا لاتينيًا يليق بعظمة الاكتشاف.
وسرعان ما تحوّلت تلك اليابسة الشاسعة إلى مستعمرة بريطانية.
حملت إليها راية الإمبراطورية، وأعلنت أنها من الآن جزء من التاج، حتى وإن لم يفهم أولئك "الهمج" ما معنى أن تكون الأرض ملكًا لأحد.

هل أنا فاتح؟ أم غازٍ؟
هل أكون حامل مشعل الحضارة... أم جالب السلاسل؟
التاريخ سيقرر.
أما أنا، جيمس كوك، فكل ما أردته هو أن أعرف… أن أكتشف…
أن أرسم على خرائط العالم بقلمي وسفني، وأترك أثرًا يهمس به البحر للأجيال القادمة.

أنا جيمس كوك... ورحلتي إلى الجنوب كانت بداية لنهاية براءةٍ لم يعرفها إلا البراري
"لكنني لم أكن وحدي..."
ففي تلك الرحلة، لم يكن كل الطاقم من الإنجليز أو الإسكوت.
كان معنا رجلٌ أسمر، قصير القامة، مشدود الجسد، يلمع عرقه تحت شمس المحيط وكأن جلده مرآة لمعاناةٍ قديمة.
اسمه: صادق القصير.
قال إنه من سواحل ملاوي، وكنت أظنه في البداية مجرد بحّار آخر...
لكنه كان يعرف البحر كمن يعرف كفّه.
حين كنا نقترب من الشواطئ المجهولة، نظر إليَّ وقال بنبرة من يعرف أكثر مما يقول:

"كابتن كوك، هذه الأرض ليست غريبة عليّ... لقد أخبرتني عنها امرأة."

رفعت حاجبي مستنكرًا: "امرأة؟ من تكون؟"
فأجابني بثقة:
"فاطمة بوتري... من شعب البوغيس الإندونيسي. كانت رحّالة، عابرة بحار، قالت لي ذات ليلة إنّ وراء جزيرة تيمور أراضي لا تشبه سواها، يقطنها قومٌ طيبون، يرقصون للريح، ويشكرون المطر، ويعيشون بسلام لم يعرفه بيض الأرض."

ضحكت آنذاك، ساخراً من الخرافات...
لكنه أصرّ، وراح يرسم على الرمل خطوطًا تشبه الخرائط.
قال إنّ جدّه وجد في تلك الأرض نباتات تشفي من الحمى، وأن هناك حيوانًا يقفز، وصفه لي قبل أن أراه… كنغر؟ نعم، صادق وصفه لي قبل أن تطأ قدماي التربة الحمراء.

لكنني، جيمس كوك، رجل عقلٍ لا أسطورة.
قلت له يومها:
"أراك تدافع عنهم يا صادق، كأنما هم من جلدتك!"

هزّ رأسه وقال:
"كل من أكل من الفقر، ونام في حضن الشمس، فهو من جلدتي، يا كابتن."

لكنني لم أقتنع.
فمن طبيعة الضعفاء أن يجدوا تبريرات لأعدائهم، أن يخلطوا الطيبة بالبلاهة، والرقص بالجهل.
إنّ هؤلاء لا يملكون أدوات الحضارة، لا خطًا، لا آلة، لا قانون.
كيف أسمّيهم طيبين؟
بل إنّ صادق ذاته، رغم علمه بالبحر، لم يعرف كيف يدير سفينة إلا حين علّمته الإمبراطورية.
وهكذا، فهمت أن الطيبة لا تكفي لبناء أمة... وأن الأمم لا تُقاس بالرقص، بل بالبوصلة والمدفع، والقدرة على فرض الاسم على الخارطة.

كتبت في دفتري يومها:
"الشعوب التي لا تكتب تاريخها، يكتبه غيرها... وغالبًا ما يُكتَب عليها لا لها."

لكن في الليل، حين كان صادق يحدّق في النجوم، ويردد ترانيم بلغة لا أفهمها، كنت أرتجف.
لأني شعرت للحظة...
أن هذه الأرض، رغم كل ما فيها من جهل... ليست لي.
وأن فاطمة بوتري، تلك المرأة التي لم أرها، ربما رأت ما لم أره أنا…
ربما رأت أن الطيبة، وإن لم تملك سفنًا، تملك حكمةً تنجو… حتى بعد أن نغرق جميعًا.


 الفصل الثامن:  فاطمة بوتري:الريح تعرفني
(رواية فاطمة بوتري)
 
"اسمي فاطمة بوتري… والريح تعرفني."
أنا ابنة الأرخبيل، من سلالة البحر والسحب.
ولدت في ماكاسار، حيث تنام السفن على خاصرة الخليج، وتستيقظ البنات على أنغام الموج.
تزوجتُ بحارًا إندونيسيًا، نعم، لكنّ البحر… كان هو الزوج الحقيقي.
كان قدري، صديقي، وخصمي.
وفي زمنٍ قيل فيه إن النساء يُربطن إلى الشاطئ كما تُربط الجِرار في زوايا البيوت، كسرتُ القيد، وحملت الدفة.

أنا البحّارة المسلمة التي خالفت كل ما قيل عن النساء.
وفي سنة لا يذكرها المؤرخون، أقلعت من جزر سولاوسي، في مركب خشبي كبير، مزين بالخط العربي ومطرّز بالدعاء.
معي صعد رجالٌ شجعان، بعضهم من العرب الذين كانت دعواتهم تشق السماء، وبعضهم من أهل الأرخبيل ممن تعلّموا قراءة النجوم قبل أن يتعلموا قراءة الكُتُب.

كنا نبحث عن أرضٍ لا تشبه شيئًا.
وكانت البوصلة قلوبنا.
ووصلنا...

شاهدتُها بأمّ عيني، جزيرة ضخمة لم تُرسم بعد على خرائط السادة.
نزلنا على الشاطئ…
فرأيت أقوامًا بلون التراب، أعينهم حادة كالرماح، أقدامهم عارية لكنها راسخة في الأرض كأنها جذور شجرة قديمة.
هؤلاء هم شعب الأرض…
الأبورجيين.

عشت معهم، أكلت من طعامهم، وعلّمتهم بعضًا من لغتنا، وتعلمت منهم الحكمة.
قالوا لي إن اسم هذه الأرض هو "Tierra yang Tidak Dikenal" — "تْنَاه تيداك ديكِنَل"، أي "الأرض المجهولة" بلغة الملايو.
وهذا ما دوّنته في دفتري، وعلّقته على سارية سفينتي.

أما ذلك الحيوان الذي حيّر جيمس كوك بعدي بقرون… فقد عرفت اسمه.
هم لم يسمّوه "كنغارو" كما قال،
بل قالوا لي: "غوراي" (Gurayi)، بلغة الغانديالارا — إحدى لغات السكان الأصليين.
لكن الإنجليز لم يفهموا لغتهم، فأخذوا ما ظنوه اسمًا، وتركوا المعنى.

كنتُ أكتب أسماء طاقمي على الصخور، ومعي العرب كتبوا بالخط الكوفي:
"بسم الله مرسانا من الشرق إلى الغرب. هذا مركب الحق، وصلت فاطمة بوتري إلى الأرض المجهولة."

أجل، هناك نقوش على صخور الجنوب، نقشتها أيدينا.
ومعهم كان هناك فتى صغير، يمسح أرضية السفينة كل صباح، ويراقبني بعينين تلمعان كأنه يحلم أن يصبح بحّارًا...
اسمه كان صادق القصير.
كنت أُسمّيه عين البحر.
كان أقرب إليّ من الموج، أُجلسه قرب الخرائط، وأعلّمه كيف تقرأ السماء حين لا توجد نجمة.
وهو من حمل الحكاية بعدي، من همس لكوك، ومن حاول أن يقول لهم إننا جئنا قبلكم… لكنّهم لم يُصدقوه.

أنا فاطمة بوتري، من بحر الملايو إلى صخور الأرض الحمراء،
من دعاء العرب إلى لغات الأبورجيين،
أنا من سكنت أرضًا لم يعرفها التاريخ، لكنّها سكنت قلبي.
وقد لا تكتبني كتبهم، لكن الريح… لا تنسى أبدًا اسم من قادها.

وكان اسمي مكتوبًا هناك… محفورًا في الصخر... يشهد أنّ امرأة سبقت الجميع.

 
 
 الفصل التاسع: فرانسيس دريك لذي قبّلته الملكة وسرقه التاريخ

(رواية فرانسيس دريك)
 
"أنا فرانسيس دريك... المغامر الذي قبّلته الملكة وسرقه التاريخ"

في أحد مرافئ إنجلترا الباردة، حيث تضرب الأمواج أرصفة السفن كأنها تطرق أبواب المجد، كنت هناك… واقفًا فوق خشب سفينتي ذا غولدن هايند، أتأمل الأفق الذي لا يهدأ، وأخطط للرحلة التي ستجعلني أول إنجليزي يدور حول العالم... أو بالأحرى، أول قاطع طريق يُتوَّج بفوقية استعمارية ويُكتب في كتب التاريخ كـ"سير"!

اسمي فرانسيس دريك، وُلدتُ في مزرعة متواضعة عام 1540، ولم أكن أعلم أنني سأتذوق طعم الذهب الإسباني ذات يوم، لا من منجم، بل من سفن منهكة مرّت بخليجٍ خاطئ في لحظةٍ خاطئة.

حين أرسلني التاج الإنجليزي، لم يكن هدفي الاكتشاف المجرد، بل كان هناك هدف أوضح: الانتقام من الإسبان، وجيوبهم.

سافرتُ من إنجلترا، عبر الأطلسي، وضربتُ السواحل الأمريكية الإسبانية بلا رحمة، من بورتو ريكو إلى بنما، كنت أقتنص السفن كما يُقتنص الوعل في الجبال. الذهب، الفضة، الجلود، التوابل… كل شيء كان قابلًا للنهب، وكان يُسمّى "غنائم" لأن الملكة نفسها باركت مغامرتي.

لكن، في لحظة من الرحلة، توقّف قلبي عن الصراخ وتكلم ضميري…

في مكانٍ ما قرب جزيرة سومطرة، رسونا في ميناء غريب، لا يشبه الموانئ التي اعتدناها. كان الميناء يعج بالتجار ذوي الوجوه السمراء، والعينين الضيقتين المملوءتين حكمة، وجوه لم تكن غربية، ولا إسلامية بالكامل… بل كانت وجوه آسيا المتعددة.

كان ذلك حين التقيت ماو هوي تشينغ، أو كما عرّف نفسه لي بلغة إنجليزية مكسّرة: "أنا محمد تشينغ… بحّار، وتلميذ تشنغ خه."

سألني عن رحلتي، فضحكت وقلت له:

> "دار العالم؟ نعم. وسرقتُ من الإسبان ذهبًا يكفي لصنع لي عرشًا على سفينة!"



نظر إليّ نظرة طويلة… ثم قال، بصوت فيه وقار الشرق:

> "تشنغ خه دار العالم قبلك، زار أفريقيا، بلاد العرب، والهند، وجزر الملايو. ترك الهدايا، بنى المساجد، ولم يسرق ذهبًا ولا روحًا. مغامرته كانت لله، لا للجيب."



سكتُّ… لأول مرة منذ شهور، لم أجد ردًا يلمع كلمع الذهب المسروق في حُجرتي.

لكن سرعان ما قلت بتهكّم:

> "وما فائدة المغامرة بلا نصيب؟"



ابتسم، وربّت على كتفي كمن يواسي طفلًا ضلّ الطريق:

> "النصيب الحقيقي هو أن تُذكر في كتب الأمم كشخصٍ جاء وغادر دون أن ينهب أرواحهم."



عندها فهمت… ربما دار تشنغ خه العالم بصمت، لكنه دُفن في قلوب الشعوب، بينما أنا… دُفنت تحت عناوين النهب المشروع، والبطولة المصطنعة.

واليوم، حين تسمعون باسمي، لا تنسوا أن التاريخ كاذب بارع…

فأنا فرانسيس دريك، لست بطلًا… بل قبطانٌ تقاطع في رحلته مع رجلٍ من الشرق، اسمه محمد تشينغ، أعلمني أن المجد لا يُقاس بكمية الذهب، بل بمدى ما تتركه من احترام على الشواطئ التي لم تكن يومًا لك.

والبحر؟
ما زال يدوّي، يردد قصتنا… ويعلم من كان لصًّا، ومن كان رَحِمًا.
 
 

 
 الفصل العاشر: ماو هوي تشينغ تلميذ البحر
(الراوي ماو هوي تشينغ)
 
"أنا ماو هوي تشينغ... من الهوي، أبناء الماء والقرآن، وتلاميذ البحر"

ولدتُ في مدينة تشيتشو، حيث يصحو الناس على صوت القرآن وتنبض الشوارع برائحة الشاي الأخضر، وتتناثر فوقها حكايات أجدادي الذين حملوا الحرير إلى بغداد، ورفعوا المآذن فوق سور الصين العظيم.
نحن الهوي، مسلمو الصين، نُبحر في أرواحنا قبل أن نُبحر في الماء. أعطانا الله البوصلة قبل أن يعرفها الغرب، وعلّمنا أن العالم ليس غنيمة… بل أمانة.

ورثتُ عن جدي "هوي وانغ تشينغ" خريطة قديمة محفور على أطرافها توقيع رجل عظيم… تشنغ خه، الأمير المسلم، البحّار الأعظم، الذي سافر من ميناء نانجينغ إلى سواحل كينيا وعدن وكلكتا…
قالوا لي إنه لم يحمل البنادق، بل الهدايا، ولم يبنِ القلاع، بل المساجد.
كان طويل القامة، عريض الجبهة، يمشي وكأن البحر تحت قدميه.
آمن بالإسلام، لكنه لم يفرضه، بل جعله نهرًا يسقي الفضائل، لا سيفًا يُشهر على الرقاب.

في إحدى رحلاتي، قبالة سواحل ملقا، التقيت برجلٍ يعرّف نفسه بفخر:

> "أنا فرانسيس دريك، دار العالم وأذل الإسبان!"



كان وجهه محروقًا بالشمس، وعيناه لامعتان… لا لمعان الحكمة، بل لمعان الذهب.
تكلّم كثيرًا عن إنجازاته، وعن الكنوز التي سرقها من السفن الإسبانية، وعن الملكة التي باركت له السرقة وسمّتها بطولة.

نظرتُ إليه، رأيتُ أمامي رجلًا يجيد الإبحار، لكنه غارق في طمع لا قرار له.
قلت له بهدوء:

> "سيدي دريك، لقد سبقك رجل مسلم، اسمه تشنغ خه، طاف العالم بست سفن وألف نية حسنة، لم يسرق، لم يستعبد، بل زار الشعوب وأحبوه، لأن قدومه كان كالمطر، لا كالطاعون."



ضحك، وقال:

> "وما فائدة المغامرة إن لم يكن فيها ذهب؟"



هنا، شعرت بأننا نعيش عالمين مختلفين… عالم يُقيم الإنسان بما يعطي، وعالم يقيسه بما يأخذ.

فأجبته، وأنا أنظر إلى البحر الذي يعرفنا أكثر مما نعرف أنفسنا:

> "الدين وحده لا يكفي يا دريك… كثيرون دخلوا الإسلام، لكن لم يدخل الإسلام في قلوبهم. تشنغ خه لم يكن مسلمًا فقط، بل كان نبيلًا، متواضعًا، رجلًا يرى في الإنسان إنسانًا، لا فرصةً للغنيمة."



ما لم يفهمه دريك هو أن البحر ليس مِلكًا لأحد.
هو مرآة تكشف النفوس.
هو مدرسة يعلّمنا أن السفينة التي تسير على الطمع، لا بد أن تغرق… حتى لو صعدت فوق أمواج الذهب.

وأنا ماو هوي تشينغ،
ابن الهوي، وتلميذ البحّار المتواضع تشنغ خه،
جئت لا لأسرق، بل لأتعلم،
وأُبحر… لا على دموع الشعوب، بل على حبهم.
فالذكرى لا تُبنى بالقلاع… بل بالحكايات الصادقة التي يرويها الناس عنك بعد أن ترحل.

 الفصل الحادي عشر:  "الرحّالة الذي خُطف قلبه
(الراوي ريتشارد فرانسيس برتون )
 
 
لم أكن أبحث عن الحب، ولا عن المعجزة. كنت جنديًا بريطانيًا، رجل استخبارات، مستشرقًا بعين تلتهم الشرق ولا تشبع.
حين خطوت أولى خطواتي إلى الجزيرة العربية، لم أكن سوى ظلّ متنكر… باسم مستعار، بثوب عربي، ولسانٍ يحاكي لهجات البدو. اسمي في الأوراق: ريتشارد فرانسيس برتون. واسمي في رحلتي: عبد الله.

حين دخلت أرض الحجاز، تظاهرت أني حاجّ… ولكني كنت أبحث في الرمال عن أسرار الشرق. أردت أن أدوّن، أن أتنصّت، أن أرسم خارطة للروح العربية كما تُرسم الخرائط للجغرافيا.
لكنني نسيت شيئًا صغيرًا… العرب لا يُرسمون، بل يُعاشون.

في عمق الصحراء، عند غروبٍ صامت، التقيتُ رجلاً اسمه فرج بن صقر. كان قائد قافلة جمال، وعلى وجهه سكينة الرمال ونباهة العارف.
قلت له بفضول الإنجليز:
"هذه الصحراء… ألا تملّ منها؟ لا شيء فيها سوى الرمل والجبال!"
ضحك، وقال كأنه يلقنني درسًا:
"بل فيها الناس، يا عبد الله… فيها الكرم، والغيرة، والعار، والشرف… فيها ما لا تراه عينك، بل ما يُحسّ بالقلب."

ثم أردف كمن يسرد ملحمة:
"سمعتَ بالنوخذة بن رزق؟ الكويتي؟ ليس فقط غواص لؤلؤ… كان رجلًا يُقال إن البحر نفسه يحترمه. له قصص عجيبة. يقال إن المحار كان يتفتح إذا اقترب منه، وإن حكاياته تُطرد بها الأرواح الشريرة عن الأطفال.
ذات مرة، وهو في عرض البحر، ظهر له نور أخضر فوق الماء، تبعه حتى وجد جزيرة لم يرها أحد من قبل… وقال إنها ليست جزيرة، بل حلم العرب القديم."

أصغيت، ثم زفرت في داخلي ضجرًا خفيفًا… وقلت لنفسي بتهكم الإنكليز:
"العرب… يتحدثون كثيرًا…"

لكنني لم أستطع الإفلات.

كل ليلة، كنت أجدني أغوص في قصص ألف ليلة وليلة. تلك التي ظننتها خرافات، فصارت مرآةً لحياتي.
قابلت قطاع طرق، حاولوا نهب متاعي ذات مساء وأنا في الطريق إلى مكة. هربت منهم بذكاء جندي إنجليزي… فظننت أنني انتصرت.
قلت في تقريري: "العرب لصوص… كدت أُقتل."
لكني ما لبثت أن شعرت بالخجل. ففي الليلة التي تلت، دعاني رجل لا أعرفه إلى خيمته، وأطعمَني، ونام جائعًا.
قلت في مذكراتي:
"ربما كنت أتجسس… لكنهم خطفوا لبي وسلبوني روحي."

في المساء، كنت أسمع الغناء حول النيران، والنساء ينسجن الحكايات كأنهن شهرزادات لا تنتهي.
وفي الفجر، يخرج البدو للوضوء، وأدركت أن الإيمان هنا ليس كهنوتًا، بل عِشرة.

صرخت داخل قلبي ذات مساء:
"أيها العربي، شُر بي على جَمالك!"
"أيها السندباد، أبحر بي إلى مراسيك!"

لم أعد جاسوسًا.
صرت عاشقًا.
صرت ساردًا.
 
 الفصل الثاني عشر: في حضرة البحر
(الراوي النوخذة بن رزق)
 

أنا بن رزق… لست شاعرًا، ولا راوي حكايات في مقهى، بل رجل شقّ صدر البحر بيده، وعلّم المحار أن يفتح فمه بخشوع.
أنا من أنصت للمدّ حين يصلي، وللجزر حين يبكي.
بحّارٌ من الكويت، نشأت في ظلّ الأشرعة، وغذّتني الملّاحة قبل أن أعرف طعم التمر.
لم أختر البحر… هو من اختارني.

كان فجرًا من فجرات القيظ، حين رفعنا الشراع من "فريج البدر"، وانطلقنا صوب "هيرات الديبل"، بحثًا عن الرزق المدفون في صدور المحار.
كان الطاقم مزيجًا من شبابٍ متحمس وشيوخٍ يعرفون البحر كما يعرفون سجّادة الصلاة.
وسعدون… آه يا سعدون الأسمر، كنتَ أكثر من مساعد. كنتَ نبض السفينة.

في الرحلة الرابعة لنا، قابلنا العواصف قرب رأس الخيران، وغضب البحر غضبًا لم أعهده.
قال لي شيخ متمرس: "البحر اليوم ليس صديقًا… البحر اليوم يريد أن يختبرك."

رأيت شعوبًا لم تروها.
حين رسونا على سواحل قلهات، استقبلنا أهلها بالتمر والبخور، وقال أحدهم:
"منكم من يحمل الرزق، ومنكم من يحمل السيرة."
وفي هرمز، رأيت الصينيين والفرس والتجار الهنود، وتعلمت أن الريح لا تسأل عن أصل السفينة إذا كانت تُحسن الإبحار.

لكن…
أقسى الأيام لم تكن في اليابسة، بل في جوف البحر.
في يوم قائظ، والرجال يغطسون لجلب المحار، أصرّ سعدون الأسمر أن ينزل بدلاً من أحد الغواصين المرضى.
قلت له: "ابقَ على السفينة، دورك القيادة لا الغوص."
ضحك كعادته وقال: "ما طاب اللؤلؤ إلا حين يُنتزع عنوة."
نزل… وغاب…
مرت الدقائق، ثم الساعة…
وحين صرخ النهّام "هُوْه"، خرج الغواصون، إلا سعدون.

رأى أحدهم دمًا يتخلل الماء، وشيئًا ضخمًا يتحرّك في الأعماق.
قالوا إنه الجرجور… سمك القرش، أكل سعدون كأنه قدرٌ نُقش في موج.

في تلك الليلة…
جمعت الرجال، والقلوب خائرة.
طلبت من النهّام أن يصدح بصوته، ليس طربًا… بل عزاء.
أن يغني لا للبهجة، بل للذكرى.
قال النهام:
"يا بحر، لا تاخذ إلا ما يهواك… لكن لا تنسى من حبّك وفداك…"

وغنّى.
وغنّى معنا البحر…
ورأيت ماءه يدمع، كأنه فقد أحد أبنائه.
ردّدنا: "سبحان الله… ما أعظمك يا رازق، وما أوجعك يا بحر."

لكننا لم نتوقف.
واصلنا الإبحار.
النوخذة لا يبكي أمام الرجال، بل يقودهم نحو الأفق.
وفي اليوم الرابع، وجدنا محارًا ضخمًا، وفيه لؤلؤة… لم أر مثلها.
قال الشيخ العجوز:
"سعدون أرسلها من قاع البحر… لئلا ننساه."


---

أنا بن رزق…
لم أكن فقط غواصًا، بل شاهدًا على عظمة البحر، ووجع الرجال، ودمعة لم يراها أحد سوى الله.
فإذا رأيت لؤلؤة في رقبتك تلمع… فتذكّر أنها سُقيت بدم رفيق، ونُقشت في قلب موجة.
 
ما إن تطأ قدماك سوق الكويت في صباح الخميس، حتى ينهض لك التاريخ من بين أصوات الباعة، وعبق القهوة، وحنين السفن.
في زحمة الأصوات تلك، رأيت صديقي القديم فرج بن صقر، قائد الجمال البدوي، رجل ما بين الرمل والريح، لا يهاب إلا من لا كلمة له.

سلّمت عليه، فشدّ على يدي وقال:
"بن رزق… البحر كيفه معك؟ أم ما زال يخطف رجالًا كما خطف سعدون الأسمر؟"
ضحكتُ بتنهيدة موجعة وقلت:
"البحر لا يخون يا فرج… نحن من نخونه إن نسيناه."

جلسنا قرب دكان رجل عماني يبيع المسك والعنبر، وبدأ فرج يحكي… لكنه هذه المرة لم يحكِ عن الرمال، بل عن رجلٍ غريب.

قال لي:
"ظهر في السوق قبل أيام… شاب أشقر، يدّعي أن اسمه عبدالله… يقول إنه مسلم من بلاد بعيدة، يتكلم لغتنا لكن في لسانه عُجمة، وفي عينيه لهفة الغريب.
جلس معي، وشرب لبن الناقة، وقال إنه جاء يبحث عن 'الأصالة' و'روح العرب'.
لكنني لاحظت عليه شيئًا مريبًا…"

سألته:
"كيف مريب؟"

قال:
"رأيته يتسلل إلى حيث تجلس النساء في أطراف السوق، كأنه يبحث عن شيء لا يُباع ولا يُشترى.
قال لي إن لصوصًا جروا خلفه في الصحراء…
لكنني أعلم اللص من النبيل.
والله يا بن رزق، أظنه هو من اقترب منهم ليسألهم، لا ليهرب منهم."

تابع فرج، وعيناه تقدحان بذكاء الصحراء:
"وجدت عنده دفاتر صغيرة، لا يُشبه خطها خطنا…
ليست عربية، بل إنجليزية أو لاتينية، الله أعلم…
لكني لم أرد إحراجه.
قلت في نفسي: إما هو مجنون ساحر… أو جاسوس حاذق.
وفي كلتا الحالتين، لا يجب أن أشكّره على فضوله."

تنهد فرج وقال:
"قيل لي لاحقًا إنه اختفى.
ربما قتلوه، أو اكتشفوا أمره.
لكنه كان… فضوليًا أكثر مما يسمح له عقله."

نظرتُ إليه، وهمست:
"وهل ظننتَ أن العرب أمة سهلة؟ نحن نحمل الكرم في يد، والحذر في الأخرى."

ضحك فرج وقال:
"نعم، ولسنا قومًا يُخدعون بسهولة.
من أراد أن يعرفنا، عليه أن يحترم صمتنا أولًا، قبل أن ينقل حكاياتنا للغرباء."


---

وهكذا… بين بحرٍ يبلع الرجال، وصحراء تفضح المتسللين،
تعلّمتُ أن ليس كل من قال "أنا مسلم" يؤمن،
ولا كل من قال "أنا عربي" ينتمي.
لكننا، يا صديقي، نعرف الريح من رائحتها، والرجل من ظله، والحكاية من صِدق دمعتها.

 
 
الفصل الثالث عشر : ألفونسو دي ألبوكيرك: سيد البحر ونذير الخليج

صوت الأمواج لا يختلف في لشبونة أو في هرمز… لكنه في الخليج كان أشد حرارة، كأن البحر نفسه يغلي تحت شمسٍ لا ترحم.
أنا ألفونسو دي ألبوكيرك… الرجل الذي أراد أن يجعل من المحيط طريقًا، لا حاجزًا؛ ومن البحر قيدًا، لا حرية.

لم أكن مجرد بحّار أو مغامر، بل كنت رجلًا للإمبراطورية، سيفًا ممدودًا باسم ملك البرتغال.
أردت أن أربط طرق التوابل والحرير، من الهند إلى العرب إلى أوروبا، في عقد واحد… عُقدته في قبضتي.
وكنت أعلم أن مفتاح ذلك العقد هو الخليج، ومفتاح الخليج: مضيق هرمز.

ذلك المضيق، شريط ضيّق من الماء، لكن فيه تمر تجارة الملوك والسلاطين.
قلت يومها لقادتي: "من يملك هرمز يملك الخليج، ومن يملك الخليج يملك الهند."
وهكذا وضعت قدمي في تلك الأرض.

في البحرين، واجهت رجلاً اسمه مقرن بن زامل.
كان شيخًا لقبيلة، وحاكمًا لجزيرة، ومقاومًا صغيرًا أمام مدافعي وسفني.
رأيته في الميدان، يقاتل بشجاعة لا تنكر… لكن الشجاعة وحدها لا توقف الحديد.
انكسر أمامي كما تنكسر نخلة يابسة أمام إعصار.
سقط مقرن، وسقطت معه البحرين، وصارت دماؤه مدادًا يكتب به البرتغاليون اسمهم على مياه الخليج.

هل كان مقرن ضعيفًا؟
ربما… أو لعل قوته لم تكن تكفي أمام دولة تحمل المدفع والبوصلة، وتأتي من وراء البحر بعزم الملوك.
لكنني أعترف… كان في موته معنى لم أفهمه إلا بعد سنين: معنى أن الرجل قد يخسر الأرض، لكنه يربح الذكر، ويبقى اسمه على لسان قومه كرمز للمقاومة.

أما أنا، فقد أردت أن أجعل من هرمز عاصمة بحرية، ومن البحرين قاعدة متقدمة.
شيّدت الحصون، ونصبت الحاميات، وأمرت رجالي أن يزرعوا الخوف قبل أن يزرعوا الصليب.
كنت أعلم أن السيطرة على الموانئ أهم من السيطرة على المدن، وأن البحر أسرع طريق لبسط النفوذ من أي جيش على اليابسة.

أُطلق عليّ لقب أسد البحار، وقلت عن نفسي إنني لا أبحث عن الغنيمة، بل عن المجد.
أردت أن أحاصر البحر الأحمر، وأخنق تجارة مصر، وأمد يدي إلى مكة نفسها لو استطعت.
كانت رؤيتي أن يتحوّل البحر إلى سور يحمي البرتغال، وأن يكون الخليج بوابة الإمبراطورية لا لغيرها.

لكن… كل حصن يشيخ، وكل أسطول يصدأ، وكل مجد يذوب مثل ملح البحر.
ها أنا الآن، ألفونسو دي ألبوكيرك، أنظر إلى مياه هرمز وأتساءل:
هل سيذكرني الناس فاتحًا، أم طاغية؟
هل سيقولون عني إنني صمّمت العالم على شكل بوصلة… أم إنني لم أترك إلا حصونًا متهدمة على شواطئ غريبة؟

أعلم أن مقرن بن زامل كان أضعف مني، وأن البحرين صارت لي يومًا…
لكنني أيضًا أعلم أن الرجل الذي يُقتل مدافعًا عن أرضه لا يموت ضعيفًا، بل يترك لغيره شعلة يحملونها بعده.

أما أنا… فأترك البحر شاهدًا على أنني كنت يومًا سيده، حتى وإن جرفتني أمواجه فيما بعد. 
 
 
الفصل الرابع عشر :السيدة الحرة: صوت البحر في وجه الطغاة

أنا السيدة الحرة، ملكة تطوان… وقرصانة البحر التي جابت أمواجه كما تجوب الطيور سماءها.
أنا التي جعلت السفن ترتجف عند سماع اسمي، والتي لم تنحنِ إلا لله.

سمعتُ ما قاله ألفونسو دي ألبوكيرك عن نفسه، وعن البحرين، وعن مقرن بن زامل…
ضحكت.
فالطغاة دائمًا يكتبون التاريخ بأقلامٍ من حديد، ويزعمون أن خصومهم كانوا ضعفاء.
لكن البحر يعرف الحقيقة… وأنا أيضًا أعرفها.

لقد رأيت بأم عيني ما لم يره هو.
كنتُ في عرض المتوسط حين وصلتني أخبار البحرين، ثم نزلت إلى سواحل الشام فرأيت مشهدًا سيبقى محفورًا في ذاكرتي:
سفينة برتغالية تعود من الخليج، تتباهى أمام الموانئ برأس مقطوع، عُلّق على مقدمة صارية، يتمايل مع الريح كأنه لسان يتحدّى الموت.
كان رأس مقرن بن زامل.

ذلك الرجل الذي يقول عنه ألبوكيرك إنه كان ضعيفًا وسهل الانكسار…
لكنه قاتل حتى النهاية، قاوم أساطيل الحديد بصدور الرجال، ولم يسلّم أرضه إلا على جثته.
لو كان ضعيفًا لما حملوا رأسه على مقدمة سفنهم كشعار انتصار.
فالبرتغاليون لا يرفعون إلا رأس من أرهقهم.

أما ألبوكيرك، فهو يتفاخر بأنه سيطر على البحرين وهرمز، وأنه جعل البحر طريقًا للإمبراطورية…
وأنا أقول: البحر لا يُملك.
هو يطيع من يعرف أسراره، لا من يضع حصونًا على شواطئه.
حصونه التي بناها على الخليج لم تحمه يوم جاءته النهاية، ولم تمنحه الخلود الذي توهّمه.

أما أنا… فأعرف البحر كما يعرف القلب نبضه.
عبرت أمواجه من سواحل المغرب إلى أعالي المحيط، أوقعت سفن القراصنة المسيحيين، وصادمت أساطيل إسبانيا والبرتغال، وكتبت اسمي على الماء كما يكتب الصقر ظله على الأرض.
لم أكن أطلب ملكًا ولا تاجًا… كنت أطلب الحرية.
لهذا سُمّيت الحرة.

ألبوكيرك يزعم أنه جالب الحضارة… لكنني رأيت الحضارة الحقيقية في مقاومة الرجال كـمقرن، وفي إيمان النساء اللواتي ودّعن أبناءهن إلى البحر وهم يعرفون أنهم قد لا يعودون.
الحضارة ليست مدافع ولا بوصلة، الحضارة أن تملك الحق، وتقاوم الظلم ولو إلى آخر نفس.

أكتب الآن بصوتي لا بصوت غيري:
أنا السيدة الحرة… امرأة لم تخش البحر ولا ممالكه.
سمعتُ أكاذيب ألبوكيرك، ورأيت راياته، ورأيت رأس مقرن يتأرجح على صارية سفينة.
لكنني أعلم أن البحر لا يحفظ أسماء الغزاة… بل يحفظ أسماء الأحرار.

الثلاثاء، 20 مايو 2025

الوتر الخامس

 
 
الوتر الخامس
 

لم تكن الحروب، كما قد يُخيّل للسذج، رياحًا تهبّ بلا جهة، أو صواعق تنقضّ دون علة. الحروب يا صاح، تنشب للمصالح والمطامح، لا تُشعلها نغزة قلب ولا نوبة جنون. الإنسان، مذ عرف الخوف، بحث له عن سبب، ومذ تذوّق السلطة، حمل السلاح ليُقنع نفسه أنه على حق.

وأنا... كنت الهدف.

أنا زرياب. لا تحكم عليّ من سواد بشرتي، ولا من نحولي، فالأوتار كانت تهمس لي بما لا تقوله الشفاه.
رفعتني نغمة واحدة في بلاط الرشيد إلى مقام لم يتخيله أحد لبنّاء ألحانٍ مثلي. سَمِعَني، فأجلسني. قَرّبني، فاشتعلت الغيرة.

كان ابن الموصلي يجلس متربعًا على عرش الموسيقى في بغداد، حتى اقتحمتُ عليه بلا إذنٍ ولا سلاح.
عدوي لم يكن رجلاً عادياً... بل قيثارة الغيرة في يد السياسة.
غضب، اغتاظ، وبدأ يدبر لي المكيدة تلو الأخرى، ينسجها بخيوط الطبول والمزاهر، لا بخناجر السُوقة.

وذات ليلة، وصلني منه كتاب، لا يخلو من تهديد مبطّن:
"ارحل عن بغداد، أو أُسكت صوتك إلى الأبد."

علمتُ حينها أن النهاية ليست في عرس موسيقي، بل في منفى يُلبسني ثوب البدايات.
فحملت عودي، وكان بأربعة أوتار... وفي القلب وتر خامس لا يُرى.

رحلتُ إلى الأندلس، لا مال في جرابي، ولا راحلة في صحبتي، سوى غربتي.
ولأنني ابن النغمة لا الجغرافيا، مددت يدي إلى عودي، أضفت له وترًا خامسًا.
قلت في نفسي:
"إن كان الجسم، كما قال الطبيب الإغريقي، يتكوّن من الدم والبلغم والصفراء والسوداء... فإن قلبي اليوم يحتوي خامسهم: الغربة."
وتر خامس... نغمة لا تصدر إلا من الحنين.

وفي قرطبة، حيث زرقة السماء تشبه حزن العيون، استقبلني الخليفة عبد الرحمن الأوسط كمن يستقبل ضيفًا من قصيدةٍ ضاعت، ثم وُجدت.
فمنحني بيتًا، ومدرسة، وصوتًا لم ينقطع.

من كل صوب، جاء من أراد أن يتعلّم الموسيقى.
القيان من حولي كزهرٍ يتفتّح حين أمرّ.
وكانت النغمات تبني لي وطنًا لا يُرى، لكن يُحسّ.

وكلما عزفت، عاد إليّ طيف بغداد...
عاد إليّ ظل الرشيد، وهمسات المؤامرة، وصوت الورق الذي حمل تهديدي الأول...

لكنني لم أعد ذاك الغريب.
أنا الآن زرياب... الرجل الذي خلط الأخلاط الأربعة بوتر خامس، فصار عوده يشبه الحياة: موجوعة... لكنها تُغنّي.

المعارك تطاردني كما يطارد الظلّ صاحبه في الهجير...
أينما حللت، اندلعت نار، وانفجرت نغمة.
وأنا الذي ما حملت سلاحًا قط، ولا صافحت غير العود، يُطلب منّي اليوم أن أقتحم ساحة القتال لا بسهمٍ، بل بسيفٍ بَتّار!

جلست في حجرتي، وحشةٌ تهبّ من نوافذها، وأفكارٌ تثقل على صدري كصخر فوق رئة.
أمسكت بعودي، أراقبه كأنّي أسأله:
"هل سننجو هذه المرة يا رفيق الصداح والبكاء؟"

دخلت عليّ "تودّد"، جاريتي، التي كانت تُنشد العذب، وتحفظ أسرار مقامي كما تحفظ الأم نبض رضيعها.

اقتربت، ثم قالت بنبرةٍ عذبة:
– "يا معلمي... ما بالك مطرقًا، شارد البصر؟"
رفعت بصري إليها، وأنا أعلم أن العيون كثيرة، وأن كلّ همسة تُحفظ وتُحمل إلى الأعداء في قوارير العسل المسموم.
 


لكني – ولحاجتي إلى تنفيس صدرٍ مثقل – همست لها:
– "كما تعلمين... الحرب على الأبواب. الخليفة أمرني أن أشارك... لا بعزفي هذه المرة، بل بسيفٍ لم ألمسه قط."
هزّت رأسها كمن يصغي إلى وترٍ مكسور.

ثم ابتسمت... ابتسامة شقت ظلمة الحجرة كما يشق الفجر رداء الليل.
قالت:
– "زرياب... الذي نجا من مكائد بغداد، ومن غيرة الموصلي، يقع في ساحة حرب؟ ما أشبهها بسخرية!"
ثم صمتت، ورمقتني بنظرة عميقة:
– "لا أريد أن أفقدك، يا معلمي. ما رأيك أن تقابل الخليفة، وتعزف له مقطوعة حزينة؟ ألم تقل لنا أن أحد الفلاسفة العظام أثبت أن الموسيقى تقلب المزاج كما تقلب الريح الشراع؟"

فكّرت في كلامها، ثم قلت متنهّدا:
– "لكن... إن كانت النفوس مشحونة بالحرب، فهل يقبل أحد أن يُصغي لوترٍ ناعم؟"
ردّت بثقة:
– "اقرأ ما بين السطور، يا قارئ الفلسفة. أعزف له ما يشعل الحماسة، افتح الباب إلى وجدانه، ثم اطلب ما تشاء."

راق لي ما قالت.

حملت عودي، رفيقي في الترحال والمنافي.
ذاك الذي شهد أفراحي وانكساراتي.
في الرخاء كان لي صدًى، وفي الشدائد كان لي عزاء.
ولطالما تأملت في أن "الرخاء" مفردة رخيمة، بينما "الشدائد" جمعٌ تكسير، يكسر النفس قبل أن يكسر الواقع.

خرجتُ، والوتر الخامس في عودي يرتجف معي.
ربما عزفت لأجل نجاتي، وربما... لأجل أن يتذكّر الخليفة أن هناك موسيقى أعظم من الحرب.

لم تكن تلك الليلة عادية.
القصر، بأعمدته المزخرفة وسقوفه العالية، بدا كعرش يتدلّى من نجوم قرطبة نفسها. كان الشراب يدور، والأبخرة تتصاعد من المباخر، تعبق الجوّ بروائح العنبر والمسك، لكن شيئًا ما كان يخنق الأرواح. لم تكن الروائح تكفي لستر التوتر، ولا الزخارف تكفي لطمس الحقيقة.

كنت أجلس هناك، في مقعدٍ رخاميٍ يخصّ الضيوف الكبار، أراقب أبهة المكان، وتودد من خلفي، بصحبة فرقتنا من القيان، يتحفزن لأية إشارة. كان الغناء الجماعي جزءًا من ليالي القصر، لكن قلبي لم يكن منشغلًا بالموسيقى... بل بما يدور في العيون.

وفجأة... شقّ الصمت صوتٌ فيه من الوقاحة ما يكفي لإشعال الحريق.

– "لا نحتاج إلى عود هذا الرجل الغريب القادم من المشرق! ربما هو ذئب في مسالخ نعجة! لا نعرف نواياه الحقيقية... الجواسيس يُبعثون بأعواد لا بسيوف. لا يشاركون في حروبنا، لأن ولاءهم في مكان آخر..."

كان المتحدث يحيى الغزال.

اسمٌ له وزن في الأندلس. رجلٌ له في السياسة يد، وفي الكلمة مخلب. لكن اليوم، مدّ لسانه إلى صدري. تحدّث عني كما لو كنت دخيلًا، طفيليًا، نغمة مزعجة في مقام سلطانه.
ارادت "تودد" أن تنهض، أن تصرخ، أن تدافع...
لكنني أمسكت يدها.
ليس هنا. ليس أمام الخليفة. لا نردّ على السفهاء بصخب، بل بصوتٍ يعرف متى يصعد ومتى يسقط.

التفت إليّ الخليفة عبد الرحمن الأوسط، بنظرة فيها أكثر من اختبار.

قال بصوت حازم: – "يا يحيى... لسنا في سوق نخاسة حتى يُباع الناس بالشبهات. زرياب من علّمنا نظام الموائد، وهو من غنّى لنا حتى رقّت القلوب. لن أسمح لأحد أن يُدنّس هذا الوفاء بالشك. يا زرياب، حدّثنا... دافع عن نفسك."

رفعت عيني إليه، وكل مجلس القصر يترقب.
ورأيت في وجوههم التردد، الترقب، وربما بعض الشماتة.

قلت، وصوتي ينساب كالوتر: – "يا مولاي... لا أملك غير هذه الخشبة بين يدي، وهذه الريشة، وخمسة أوتار غرّدت بها للمشرق، وأهديتها الآن للأندلس. لست ربّ المعارك، ولا فارس السيف، أنا رجلٌ يقاتل بالحسّ، يُداوي بالألحان، ويحلم أن تنقشع الحروب بنغمة."

تأهبت الأصوات للاعتراض، لكن الخليفة أشار بيده أن اسكتوا.
ثم قال بنبرة فيها ترقب:

– "اسمعني شيئًا... شيئًا يجعلني أشعر بالنصر."

مددت يدي لعودي كما أمدّ قلبي...
أشرت إلى القيان، وهمست إلى تودد بنظرة، فتهيأت كمن تتهيأ للمعركة.

بدأت من الوتر الخامس... وتر الغربة.

ونغّمت من أعماق غربتي:

> وَلَقَد رابَني اِبنُ عَمّي
بَعدَ لينٍ مِن جانِبَيهِ وَأُنسِ
...
أَذكَرتِنيهُمُ الخُطوبُ التَوالي
وَلَقَد تُذكِرُ الخُطوبُ وَتُنسي




كنتُ أعزف لا للفرح، ولا للحزن، بل لأُشعل شعورًا جديدًا.
أن يغمر الحضور بموجةٍ لا يعرفون إن كانت طوفان شوق، أم نشيد نصر، أم بكاء مدينة.

وحين انتهيت، عمّ السكون.

نظرت إلى الخليفة، وإذا به يمسح دمعة لم يستطع أن يخفيها.
ثم قال:

– "يا زرياب... ابق في قصري. أحتاج إلى صوتك، وإلى أوتارك. لقد أشعرتني أني أكثر الملوك حظًا لأنك في الأندلس."

في تلك اللحظة، أحسست بالحبور يغمرني كأنني غسلت قلبي.

نظرت إلى "تودد"، فهزّت رأسها، كأنها تقول: أرأيت؟ لقد كان الوتر أصدق من السيف.

لكن حين كنت أنزل من مجلس العزف، لمحته...

يحيى الغزال، وجهه كبركانٍ لا يجد منفذًا. قبض على سيفه، وهمّ أن يتحرك نحوي.

ابتسمت في سري.

سيفك يا غزال... حادٌّ نعم.
لكنّه لا يجرح كما تفعل أوتاري.

فأنا زرياب...
ومنذ أن أضفت الوتر الخامس، لم أعد أغنّي فقط، بل أُقاتل... بطريقتي.

لم تكن تلك الليلة كباقي الليالي...
عاد الخليفة عبد الرحمن الأوسط من ساحة الحرب ظافرًا، منتصرًا كقائد خرج من بين لهب السيوف وهو يضحك.
القصر اهتزّ بالزغاريد والمباخر، والموسيقى كانت على وشك أن تُعزف... لولا أن شيئًا ما كان يغلي في الأعماق.

كنت في مقعدي كعادتي، وعودي إلى جواري ككلبٍ وفيٍّ لا يفارق ظلّ صاحبه.
لكنّ عيني لم تكن على الأوتار... بل على عيون ذلك الرجل: يحيى الغزال.
كان يبتسم للخليفة، لكن في ابتسامته سمّ أفعى، وفي صمته شرك.

قال له الخليفة، وهو في أوج فرحه: – "يا يحيى! لكَ مني ما تشاء، حتى لو طلبت لبن العصافير!"
ضحك المجلس، وضحك يحيى، وأنا... كنت أعرف أن الضحك نذير بلاء.

تقدّم يحيى بخطوات محسوبة، ثم انحنى وقال: – "يا مولاي، لا أطلب ذهبًا، ولا دنانير.
كل ما أرجوه... أن يهديني زرياب جاريته تودّد."

سقطت الكلمة في القاعة كقذيفة.
تودّد...؟!
أجمل ما لدي، أصدق من غنّى معي، من كانت عينيها تسبق صوتها في لحن الحزن، من عرفت أوتاري قبل أن أنطق نغمة.

نظرت إليها.
كانت واقفة، ثم جلست فجأة كمن صُفع.
تلون وجهها كقوس قزح تحت سيف، وعيناها تنظران إليّ وكأنها تسأل:
"أأُباع؟"
وأنا... لا أملك كلمة "لا" في حضرة السلطان.

قال لي الخليفة: – "يا زرياب! نعلم منزلتها عندك، لكن الوعد وعد. سنعطيك مهلة لتجد بديلًا لها، وسأكافئك بثمنها."

ثمنها؟
أي ثمن يُعادل نغمة أنقذتني من المنفى؟
أي ذهبٍ يُقابل امرأة تعرف متى تصمت ومتى تهمس ومتى تغنّي؟

سمعتها تهمس، بصوت لم يسمعه سواي: – "سيدي... لا تدعني أذهب إلى ذاك الشاعر المتباهي. هو لا يريدني... بل يريد أن يكسر بك شيئًا."

فهمت.
هذا ليس طلب هوى، بل صفعة على وجهي.
انتقام من لحنٍ غلب سيفه.

دخلت في ليلٍ من الحيص بيص.
الخليفة يأمر، وتودّد تستغيث، ويحيى يبتزني بعينين لا تعرف الرحمة.
كيف أُفلت من هذا الفخ؟
بأي سلاح؟
بسيف؟ لا أحمله.
بلحن؟ لم يسمعه بعد.

وفي الحلم، جاءني الخلاص.

رأيتني آخذ تودّد إلى شيخ جليل في قرطبة.
كانت تبتسم، خجلى، مطرّفة النظرات، كأنها زهرة قرطبية في أوّل نيسان.
فاستيقظت على يقين.

ذهبت إلى حجرتها، أمسكت يدها، وقلت: – "تودّد... هل ترضين بي زوجًا؟"
ولم تجب... بل ابتسمت، ودمعتان علّقتا في طرف الجواب.

دخلنا على شيخ قرطبة.
قلت له: "أشهدني أنك زوجتني هذه المرأة."
فزوّجني.

وهكذا، لم تعد تودّد جاريتي... بل زوجتي، وحليلتي، وسيدتي.

والآن...
كنت مطالبًا أن أرسل جارية بديلة إلى يحيى.
فاشتريت جارية اسمها "حبابة"، حسناء، تجيد الغناء، لكن بلا روح.

أرسلتها له، وابتسمت وأنا أقول:
– "هاك ما طلبت... جارية في الغناء أقدر، وفي الشكل لا تقل، فخذها."
فاشتعل غيظه.

أتى إلى الخليفة يصرخ، يشكو، يتهمني بالتهرب، بالتمرد.
قال الخليفة:
– "يا زرياب! هل ما أرسلته سخرية؟"
قلت:
– "يا مولاي، لقد تزوجتها. لم تعد ملكًا لي. بل هي الآن حرّة، حُبلى، وفي بيتها."

وقف يحيى كمن صُفع.
قال: "أريد أن أراها، أريد أن أسمع منها!"
فقال شيخ قرطبة، بلحية كأنها ثلج نزل من جبل الطور:
– "لا يحل له أن يرى امرأة رجلٍ آخر."

قال يحيى: "صارت زوجته؟!"
فضحك الخليفة، ضحكة من يعرف نهاية اللعبة:
– "زرياب يا زرياب... قلبك أذكى من سيوفنا."

همس لي: – "أحقًّا هي حامل؟"
فقلت:
– "هي من قالت ذلك، وذاك يكفيني."

ثم التفتُّ إلى يحيى، وقلت: – "ولأرضيك يا شاعر الأندلس، فهذه حبابة بين يديك. صوتها رخيم، وروحها... لم تُمسّ."
قال يحيى مترددًا:
– "أتنازل عنها طواعية، وأعيدها لك!"
ضحك الخليفة: – "أتردّ هدية خليفة الأندلس؟!"

فخرس.

أما أنا...
فعدتُ إلى بيتي، إلى تودّد.
ووجدتها تنتظرني، يداها على بطنها، وعيناها تسألاني:
– "نجوت؟"
فقلت لها:
– "بل... أنقذتنا."

وجعلت لعودي وترًا سادسًا،
أغني فيه لكل أنثى أُريد لها أن تُباع... فاختارت أن تُحَب.

لمّا بلغني كتابها، كانت الأحرف كأنها مكتوبة بحبر الدموع، لا بالحبر الأسود.
حبابة... تلك التي علمتُها كيف تفتح حنجرتها كما تُفتح زهرة لنداء الندى، كتبت إليّ تقول:

> "يا أيها المعلم الكبير،
أنا حبيسة في دار ابن الغزال. ينهاني عن الغناء، ويقذفني بألفاظ قذرة لأنك من أهداني له.
اسمعني جيدًا... إنه يخطط لقتلك. سمعته يُحادث رجالًا غرباء وفدوا إليه.
أرجوك، تعالَ إلى فندق الحمامين بقرطبة. لا أريد شيئًا سوى النجاة من هذا الجحيم الذي ألقيتني فيه..."



قرأت الرسالة مرارًا، قلبي يرتجف لا من الخوف، بل من النغمة الكامنة خلف الكلمات... نغمة الغدر.

قالت لي تودد، بعينيها اللتين تشبهان فجرًا يغار من المساء:

> "لا تصدق كل من استعبر، ولا سيما عبرات النساء!
قلوب الرجال مربطها دمعة أنثى، وأنت تعرف كم من لحن ذبحته دمعة."



أجبتها وأنا أنظر في ملامحها الحازمة:

> "أنا من بعثها، وأعرف معدنها وفنها... لا أحد غيري يعرف متى تصدق الموسيقى ومتى تكذب."



قالت بوجع:

> "لا أريد أن ألد هذا الطفل بلا أب يرعاه."



نظرت إليها طويلًا، ثم همست:

> "تفاءلي... فالوتر لا ينكسر إلا إذا خانته اليد."



خرجتُ لا ألوي على شيء. العود على ظهري، واليقين في صدري، والخوف يطرق باب قلبي كغريب في ليلة مطيرة.

حين وصلت فندق الحمامين، استقبلني رجل نحيل، مهيب، يرتدي صليبًا نحاسيًا يتدلّى فوق صدره، وفي يده كتاب ظننت أنه الإنجيل. إنه عبدالمسيح بن قسطنطين، مالك الفندق.

قال لي:

> "ثمة جارية تنتظرك في الداخل، قالت إنك صاحبها، فأدخلتها في إحدى الدُور الخاصة. امضِ إليها، الله يوفقك."



دخلت بخطى مترددة. رأيتها هناك... حبابة.
ترتدي ثوبًا شفافًا يكشف أكثر مما يستر، وما إن رأتني حتى اندفعت نحوي كأنها عاشقة في موسم الرغبة، تلامسني وتهمس:

> "لقد أتيت أخيرًا! خلصني من براثن ابن الغزال!
اسمه الغزال، وفعله فعل الوحوش..."



ابتعدت عنها كمن فرّ من نار مشتعلة، لكن فجأة انفتح الباب بقوة، ودخل ابن الغزال.
وجهه يقطر حقدًا، وعيناه تتوقدان بنار قديمة.

صرخ:

> "أخيرًا... أتيت إلى حتفك بظلفك!
كنتُ أنتظر هذه اللحظة بشغف، أيها الغريب الأسود.
تظن أنك تملك الأندلس بنغمة؟ بالعزف والقيان؟!"



ثم التفت إلى حبابة، وقد بدت على شفتيه ابتسامة الذئب:

> "اذهبي... أنت حرة الآن. لكن عليك أن تشهدي أمام الخليفة أن زرياب حاول أن يراودك عن نفسك!"



وقبل أن أصرخ أو أشرح، فتح الباب من جديد، وهذه المرة كانت هي...
تودد، واقفة كأنها قمر في درع، وخلفها رجال الحرس، تقول بصوتٍ يجلجل:

> "ماذا تصنع يا ابن الغزال؟!
لم تقدر عليه في ميدان الغيرة، فحاولت الإيقاع به في خيانة الغرام؟!"



مد يده نحو سيفه، لكن يدها سبقت لسانه:

> "لو بعثت إلى الخليفة برسالة حبابة، وشهادة عبدالمسيح، لعلم الجميع أنك أنت من أراد الإيقاع بزرياب!
هذه مكيدة! وأنت صاحب الجارية، لا هو!"



تجمد في مكانه. سقطت سكين الحقد من يده، وارتخت شفتاه.
أما حبابة، فانهارت باكية:

> "أردت فقط أن أغني... كان حلمي الحرية، وهو خدعني بها.
الحرية أثمن من الصوت، يا زرياب... سامحني!"



ولم يطل الوقت حتى أصدر الخليفة عبدالرحمن الأوسط قراره:
نُفيَ ابن الغزال إلى بلاد الفرنجة، كما يُنفى الطاعون من قلب المدينة.

أما أنا... فنظرت إلى تودد، التي وضعت يدها على بطنها، وقالت بصوتٍ خافت:

> "لم أنقذك... بل أنقذت من في أحشائي."



ابتسمتُ، والعرق يتقاطر من جبيني. لم أجد ما أقول.
لكني أدركت شيئًا:
الصوت لا يحمي صاحبه، بل النغمة الصادقة... وتلك النغمة كانت هي.

يا ليلُ الصبُّ... متى غدُه؟

أنشدتُها كما يذرف العاشق دمعه على خدّ الوتر، لا أغني بل أتنهد، ولا أُطرِب بل أبوح. أنشدتُها فاهتزّ الخليفة، وتمايل النجم في سماء قرطبة كأنه يصغي إليّ.

لكن تلك الليلة لم تكن لليلٍ وشعرٍ، بل لامرأة… اسمها طروب.

جارية بيضاء، كأن وجهها مدهون باللبن، وشفتاها من توت جبال الشمال، وعيناها تشعّان بغموض المغامرة. علّمتها الغناء كما تُعلَّم الريح كيف تهمس، فإذا بها تفتن الخليفة عبدالرحمن الأوسط في مجلسه المفتون.

صفّق الخليفة بحرارة لم أعهدها منه، حتى حسبتُ أن الطرب خالطه هوى، والهوى استحال رغبة، والرغبة أمرًا لا يُرد.

وبينما كنت أجمع عودي، اقترب الخليفة مني هامسًا:

> "زرياب... لقد وقعت في نفسي. أهَبْني طروب."



يا الله…! كيف أجيبه؟ هذه ليست جارية عادية، إنها ثمرة سهر، وحصيلة سفر، جلبتُها من بلاد نبرة والبشكنس، لا لشيء إلا لأن قلبي قال لي إنها ستُحدث فرقًا.

لكن ما لي أن أرد طلب الخليفة؟ نظرت في عينيه فوجدت فيهما نارًا لا تهدأ.

فقلت:

> "إن كنت تريدها فهي لك… لا مال لي أعز منها، لكنها الآن ملك يمينك يا مولاي."



قال مبتسمًا:

> "وسأعوّضك عنها."



ثم أنشد بصوته العذب:

> "يا ليلُ الصبُّ... متى غدُه…؟"



وهكذا… رحلت طروب.

رأيتها تبتسم، كأنها كانت تعرف أني سأهبها، لم تسأل، لم تدمع، لم ترتبك، فقط جلست على كرسيها تمشّط شعرها الذهبي، وابتسامتها تلك… كانت صفعة.

اقتربتُ منها، وهمست:

> "لقد أهديتك للخليفة. استعدّي."



فقالت، بصوت رخيم لا يخلو من خبث:

> "من الآن يا معلمي… نادِني بأمّ الخليفة."




---

مرّت السنوات، وفي قلب القصر اشتد نفوذها، لم تكتفِ بمكانها بين الجواري… بل أزاحت كل منافِسة، كما تُقصى قطع الشطرنج عن رقعة الملك.

كانت تخطط، نعم… كانت تخطو نحوه كما تمشي النمرة إلى الفريسة، لا لتحتضنها، بل لتجهز عليها.

حتى جاء يوم سمعت فيه باسم نصر الخصي، رجل وسيم من مولدي قرمونة، أرسله الحكم الربضي إلى القصر، بعد أن خصاه، ليخدم في الحرم السلطاني.

برز في القصر، وامتلك قلب الخليفة بثناءه المبطّن بالدهاء، وكان الخليفة يقول عنه:

> "هذا نصر… الذي كسر شوكة النورمان، وأنقذ ديار الأندلس."



وصار نصر الخصي صاحب النفوذ، اللسان والعيون، والرجل الذي لا يُرد له طلب.

وفي ذات يوم، جاءتني حبابة، جاريتي القديمة، وقد احمرّ وجهها وقالت:

> "يا سيدي، طروب تخطط لاغتيال ولي العهد محمد! تريد أن ترفّع ابنها عبدالله ليصير وليًا للعهد و تقتل الخليفة أيضا!"



ضحكت أولًا، لكن ضحكتي ذابت حين قالت:

> "تعاونت مع نصر الخصي، وجلبا طبيبًا عراقيًا اسمه الحراني ليضع السم في اللبن. والطبيب أسرّ لي بالأمر لأنه ظنني من نساء القصر… وأنا أقرب إليك."




---

لم أستطع النوم. الليل كان ثقيلاً ككابوس يتربّص بالخليفة وابنه.

وفي فجرٍ صامت، تسلّلت إلى القصر، وطلبت لقاء الخليفة.

قلت له:

> "مولاي… لا تشرب من اللبن غدًا، بل اجعل نصر الخصي يذوقه أولًا. فإن مات… عرفت من كان عدوك."



رمقني الخليفة بنظرة حارقة، لكن عقله كان أذكى من أن يُكذّبني.


---

وفي مجلس الصباح، جاء نصر الخصي مزهوًا، وقد لبس الصغير عبدالله ثياب الخلافة، وجلس إلى جانب طروب التي تشعّ كأنها توّجت ملكة.

قُدِّم اللبن، فناوله الخليفة لنصر.

تردّد نصر… فزمجر الخليفة:

> "اشربه… وإلا أمرت السياف بقطع رأسك!"



فشرب. وشحب. وسقط. ومات.


---

أمر الخليفة باعتقال الطبيب… لكنه بدلاً من أن يُعاقبه، جعله طبيبه الخاص. أما طروب… فقد بقيت.

سألني أحدهم:

> "لماذا؟ ألم تكن خائنة؟"



أجبته بصوت مختنق:

> "لأن الحب يا صاحبي… سمّ لا يُشرب دفعة، بل قطرة قطرة… ومع هذا، لا نتوقف عن التعلق به."

بعثني القدر إلى الأندلس، أو بعثت نفسي. كنت كالطير الذي تذوّق طعم الفضاء، لا يعود طائعًا إلى قفصٍ ولو كان من ذهب.
لكن بغداد لم تنسني.
ولا الخليفة هارون الرشيد.

ذات صباح، دخل عليّ فتى نحيل، بملامح متخفية، برداءٍ لا يليق بمثله. غير أن خصلة شعره، تلك المتمردة، قد خانته. عرفت الرجل قبل أن يفتح فاهه…
إنه أبو نواس!
الشاعر الذي إذا كتب، فضح، وإذا سكر، صدق.

همس لي كمن يحمل سرًّا من السماء:
"هارون الرشيد… يريدك. اشتاق إلى وترك الخامس. أرسلني… لكن لا أحد يعلم. جئت كظلٍّ في الليل."

قلت له:
"وأين الرسالة؟ أين خاتم الخليفة؟"
فأشاح وجهه، وجلس على مصطبة، وأنشد دون أن يُسأل:

> "دع عنك لومي فإن اللوم إغراءُ
وداوني بالتي كانت هي الداءُ"



فهمت... لقد فتنته الأندلس قبل أن يبلغني الرسالة!

في مدرسة الموسيقى، كان الغلمان الصقالبة يرقصون بين الأوتار، كأنهم خُلقوا للموسيقى. أبو نواس، بدل أن يسلّمني مضمون الأمر السلطاني، انشغل بوصفهم شعرًا وشغفًا.
وإذا نهرته، ردّ كالوقح العاشق.

وفي ذات مساء، مرّ من قربنا غلام يُدعى جميل. وجهه كأنه طُلي من ندى الصباح. وما إن رآه أبو نواس حتى سال ريقه، وبادره بكلمات لا تُقال إلا بين الجدران.
لكن الفتى توقف، رفع حاجبه، ثم بصق كلماته كالسم:

"إليك عني يا دعيّ… يا ابن الزانية!"

شهقتُ، لكنه لم يتزحزح.
أما أبو نواس، فرفع كأسه الخيالية وقال:

> "قد يخضعُ الحرُّ للغلام
فما ينقص ذاك الخضوعُ من شرفه
فسبّ ما شئت، سيدي،
أبدًا... هذا خضوعي له على سرفه!"



لم أنم تلك الليلة من فرط العجب. كان من المفترض أن يأوي معي، لكنه أصرّ على النوم في مدرسة الغلمان، كأنهم الجنة التي وعدته بها الخمرة.

في الصباح، جلست معه وحدنا. سألته:
"أما زلت تحمل لي أمرًا من الخليفة؟"
هزّ رأسه، وقال وهو يضحك من عينيه:

"الخليفة... مشتاق إليك. إلى وترك الخامس. سمع أنك أضفته، وتغيّر صوتك، وصوت الدنيا من بعدك."

تناولت العود، فطلب سماع النغمة.
ضربتُ على الأوتار، وغنيت من شعره:

> "يا واصف الغلمان في شعره
أنتَ وربي منهمُ الأولُ
وصفتَ خمسينَ فميّزتهم
وأنتَ أنتَ الظبيةُ المُغزِلُ
دعهمْ وخلّ وصفهمْ
أنتَ وربي منهمُ أجملُ"



بكى أبو نواس، وانهمر دمعه كشاعر يكتب آخر بيت في حياته.
قال لي:
"إن لم تعد إلى بغداد... فسأعود أنا. لا مقام لي هنا. غلمان بغداد أجمل من غلمان الأندلس!"
فضحكت، وقلت له:
"أما زلت تقيس المدن بجمال الغلمان؟"

ودّعته على باب المدرسة. كان جميل واقفًا يرمقه بازدراء، وأبو نواس يرمقه بعشق.
وحين غاب طيفه، قلت لجميل:

"أتدري من ذاك الرجل؟"

قال: "من؟ هذا الدعيّ؟"

قلت له: "ذاك... أبو نواس."

شهق جميل، وبدت عليه رجفة الاعتراف:
"لِمَ لم تخبرني يا معلّمي؟"

قلت له مازحًا:
"ماذا كنت صانعًا لو أخبرتك؟"

قال:
"كنت... أستضفته في داري!"

وهنا، يا صاح، كدت أسقط على قفاي من الضحك.


لم أكن أظنّ يومًا أن عودي سيغدو مفتاح روحٍ موصدة، ولا أن لحنًا حزينًا قادر على فكّ قيودٍ من حديد.
دخلتُ قصر الخليفة ذات مساء، فوجدت الهمّ جاثمًا على صدره، والغضب يتقلّب في عينيه كجمرٍ تحت رماد. قال لي، وهو يذرع القاعة جيئة وذهابًا:
يا زرياب، كل أهل الأرض يتقربون إليّ، ويبتغون رضاي، إلا هذه الجارية النافارية، تأبى، وتتهدد بالموت إن دنوتُ منها!
سكتُّ لحظة، ثم قلت:
دعها لي يا أمير المؤمنين… فلقد جرّبتَ كل طب، فجرب طبي.
هزّ رأسه في فتور، وقال:
لقد أتعبت القصر وأهله، ولن تزيدك إلا همًّا. يسمونها الآن شموس، لشدة عنادها ونفورها.
لم أزد. أخذتُ عودي، ومضيت.
قادني الحراس إلى حجرة ضيقة في طرف القصر. هناك رأيتها: فتاة متقرفصة في زاوية الجدار، وسلسلة من حديد تطوّق ساقها، وعيناها الزرقاوان متورمتان من البكاء، كأن البحر قد أراق موجه فيهما.
أشرتُ للحارس أن يحلّ قيودها، فامتعض وقال: إنها شرسة، قد تؤذيك!
قلت بهدوء: اتركها… فالروح لا تُروّض بالسلاسل.
انفكّ الحديد عن ساقها، لكنها بقيت منكمشة، تحدّق بي كغزالة جريحة تنتظر سهمًا جديدًا.
جلست غير بعيد، وأسندت العود إلى صدري، وتركت أصابعي تنساب بلحن قديم، لحن حملته معي من أقصى الغرب، من أرضٍ تشبه نافار في بردها، وفي شجنها، وفي دموع غروبها.
ما إن سرت الأنغام في الجو حتى رأيتها ترتجف، ثم انخرطت في بكاء مرّ، كأنها تفرغ حزن السنين دفعة واحدة. تركتها تبكي، ثم غيّرت المقام إلى نغمة فرحة، خفيفة، كنسيم ربيع مفاجئ، فإذا بها ترفع رأسها، ويترقرق في شفتيها ارتباك بين الدهشة والابتسام.
عجبتُ لأمرها، وعجب الحارس من أمري.
أرسلت في طلب جارية من بلادها تُدعى إيزابيلا لتكون ترجمانًا بيننا. جلست الفتاة قربها، وراحت تترجم لي كلمات تتقطّع من فمٍ مرتجف:
تقول إنها خُطفت من حقل أبيها الراهب، وهو يقرع الأجراس صباح الأحد، وإن أختها سبقتها إلى الأسر، فذبلت أمها حزنًا حتى قضت. وتخشى على أبيها من الهلاك، وتبكي وطنًا ليس أرضًا فحسب، بل ذاكرة وروحًا تسكن الجسد إلى الأبد.
حين سمعتُ ذلك، شعرت أن قلبي أثقل من عودي، وأن كل لحن عزفته من قبل لم يبلغ هذه الدرجة من الألم.
خرجتُ من عندها، ومضيت إلى الخليفة.
قلت له: يا أمير المؤمنين، هذه ليست جارية، بل روح مكسورة. إن أردتَ حقًا أن تملكها، فأعتقها… فالحرية وحدها تعيد الإنسان إلى إنسانيته.
نظر إليّ طويلًا، ثم قال: وكيف السبيل؟
قلت: أدفع من مالي ما شئتَ لبيت مال المسلمين، واسمح لها بالعودة إلى أهلها.
سكت لحظة، ثم أومأ موافقًا.
لم أخبرها بشيء حتى تمّ الأمر. وفي فجر يوم صافٍ، خرجنا بها في رفقة حراس حتى بلغنا حدود نافار، حيث تعانق الجبال السماء، وتختبئ القرى في حضن الضباب.
وقفتُ أمامها، ومعي المترجمة، وقلت: الآن… أنتِ حرة.
لم تفهم في البدء، فلما نقلت لها المعنى، شهقت شهقة كأنها ولدت من جديد، ثم ارتمت على الأرض، تقبّل التراب، وتشمّ الحصى، وتبكي وتضحك معًا. دفعتُ إليها كيسًا من الذهب، فهزّت رأسها شاكرة، ولوّحت بيدها مودّعة.
راقبتها تمضي صاعدة في درب الجبل، صغيرةً، ضعيفة الجسد، عظيمة الروح، حتى غابت عن ناظري.
 
وبلغني بعد أعوام أن أهل نافار استقبلوها كأميرة عائدة من الموت، وأنهم سمّوها:
الفتاة التي هزمت العرب دون سيف.
أما أنا… فأبتسم كلما سمعت ذلك.
فأنا أعلم أن الذي انتصر يومها لم يكن سيفًا، ولا سلطانًا، ولا حيلة،
بل وتري الخامس الذي ابتدعته،
ذلك الوتر الذي ما نازله قلب إلا لان،
ولا خاصمه حزن إلا انكسر بين يديه.
لقد هزم وتري الخامس كل من تحدّاه،
حتى هذه النافارية العنيدة…
فهي — في سرّ الحكاية —
النافارية التي هزمها زرياب العربي. 
 
النهاية

السبت، 10 مايو 2025

خارج الدفيئة

 

خارج الدفيئة

 


 

في تلك الليلة التي تدثّرت فيها السماء بسواد كثيف، كنت أنا، نايف، أجلس عند حافة السرير، والريح تهز ستارة النافذة كما لو كانت تشارك قلبي ارتجافه. كانت الساعة تقترب من منتصف الليل، وكان قلبي يقرع كالطبل في صدر رجل يستعد للحرب.

أجل، الليلة سأغادر. ليس إلى وجهة محددة، بل إلى المجهول. المجهول الذي يبدو لي أكثر صدقًا من كل ما عشته تحت سقف تلك "الدفيئة" التي سمتها أختي الكبرى حصة "حياة".

كانت تقول لي دومًا:

> "هنا بيتك، هنا الأمان." لكن الأمان يا حصة، ليس في السجن... حتى لو كانت قضبانه من حبّ.



أنا نايف، ذو الوجه الذي يسميه الناس "منغوليًا"، والذي يسميه العلم "متلازمة داون"، وأنا من يسميه: وجهي. وجهي أنا، كما هو، لا يحتاج إلى تصحيح أو شرح. من قال أني بلا إرادة؟ من قال أني بلا عقل؟ لقد قرأت، تعثّرت، كتبت، وشطبت، وصرخت في الدفاتر، وعانيت من عسر القراءة كما يعاني المحارب من السيف المكسور، ومع ذلك، حملت القلم، وخضت معركة الكلمات.

تعلمين يا أختي، عندما كان الآخرون يرونني "بلا فائدة"، كنتُ أنا أقرأ عن "جون لانجدون داون" الذي وصف حالتي، وأفهم أنني لست معيبًا، بل مختلف... و"الاختلاف" يا حصة، ليس لعنة، بل نبوءة!

أنا الذي أخبرتني الحياة أن الراحة وهم، وأن البحر الراكد لا يخلق ربانًا. وأنا أردت أن أكون الربان، لا الغريق. أردت أن أخوض، لا أن أُقاد.

كان الوداع صعبًا... أنتِ علمتِني كيف أكتب ألمي، فكتبت، وصار القلم سلاحي. لكن بقائي تحت وصايتك؟ ذلك كان يجعلني إنسانًا بلا ظل، بلا قرار، بلا ذات.

خرجت من الباب وأنا لا أحمل سوى حقيبة صغيرة... وقرار ضخم. نظرت خلفي للحظة، سمعت صوتك يناديني في خيالي، لكنه لم يُوقفني. أنا لم أهرب، بل تحررت. أنا لم أعصِك، بل استجبت لنداء في داخلي ظلّ يكبر حتى صار صوته أعلى من جدران البيت.

أختي... هذه رسالتي لكِ: اعتني بإخوتي، ولا تحزني عليّ. أنا الآن في طريقي، في رحلتي، في عالمي الذي لا يُقاس بالمسافات، بل بالخطوة الأولى التي تجرأت أن أخطوها.

أنا نايف. المعاق في نظر البعض، والمختلف في نظري، والمقاتل في قلبه.

وغدًا... حين تقرئين هذه الكلمات، سأكون قد وصلت إلى أول محطّة، لا نهاية الرحلة... بل بدايتها.

أنا نايف، أكتب الآن لا لحصة، بل لنفسي، أو ربما لك، أيها القارئ الذي تقرأني في هذا المساء الغامض. أنا الآن على الطريق، داخل حافلة تمضي نحو المجهول. لا أعلم إن كنت أهرب أم أبحث. ربما كلاهما. لكني أعلم يقينًا أنني أخيرًا... أمضي.

في جيبي القليل من المال، جمعته من عملي في شركة عن بُعد، كنت أُنجز مهامًا يظن البعض أني لا أقدر عليها، بينما كنت أفعلها بإتقان وسرعة، كمن يكتب ليؤكد للعالم أنه هنا، موجود، فاعل، لا ظلّ بلا صاحب.

تعبت من العيون... العيون التي لا ترى، بل تحكم. العيون التي لا تراك بل "تصنّفك"، وكأنها ماسح ضوئي معطوب: يرى الوجه، ويُسقط القرار.

يجلس بجانبي الآن رجل في الخمسينيات، يبدو كأنه خرج من زمن قديم، ينظر إليّ كما ينظر الطبيب لمريض فقد الأمل في الشفاء، قال بصوته المشبع بالشفقة:

> "أين أهلك؟ هل معك أحد يساعدك؟"



آه، ما أقسى هذا السؤال حين يُسأل لصاحب إرادة. كأنما مجرد أن يكون لي وجهٌ مختلف، وجسدٌ خاص، صرت عاجزًا في عيونهم، طفلًا ضائعًا يحتاج وصاية.

لم أرد عليه... بل اكتفيت بنظرة، ليست حادة، ولا غاضبة، بل شفقة حقيقية، نعم، شفقة عليه.

لأنه لم يرَ إلا وجهي، ولم يعرف إلا ما ظهر له، ولم يغص في أعماقي، لم يفكر لحظة أن الذي يجلس بجانبه الآن رجلٌ قرأ، وفكر، وقرر، وكتب، وغادر. نعم، أنا مكشوف من الخارج، لكني عميق من الداخل.

هو اختبر السطح... وظن أنه عرفني. لكنه جهل، لأن السطح لا يكفي.

الناس تتحدث عن عمق البحر، وتخافه، لكن لا أحد يتحدث عن عمق الإنسان... أنا بحر، ومن لا يغوص لا يفهم.

وأنا الآن أغوص في ذاتي، وأبحر نحو حياة لم تُكتب لي، بل أنا الذي أكتبها بنفسي.

في محطة الانتظار، حيث يذوب الزمن بين عجلات الحافلات وعيون المسافرين، جلستُ على كرسي معدني بارد. حقيبتي عند قدمي، والسماء تشبه صدري… ثقيلة، ملبدة، لكنها تتوق للانفجار.

رأيته يركض.

طفل لا يتجاوز الرابعة، يرتدي سترة زرقاء وحذاءً يضيء كلما قفز. كان يلهو بين الأرصفة كأن العالم ملعبه، تركض خلفه أمه كظل متوتر. لكنه توقف فجأة، نظر إليّ، ثم ابتسم.

ابتسم لي.

لي، أنا نايف.

ثم أخرج من جيبه الصغير قطعة حلوى، وجاء نحوي، قدّمها لي بيد صغيرة، بريئة، لا تعرف التصنيف. كانت حلوى بنكهة التفاح، ملفوفة بورق لامع كأنه قلبه. أخذتها منه، وتبادلت معه الابتسامة.

في تلك اللحظة شعرت أنني أمتلك العالم.

طفل… دون دليل أو خطاب… قدّم لي اعترافًا بإنسانيتي.

لم يقل لي: “أنت مختلف”، لم ينظر إلى وجهي كشيء غريب. بل رأى ابتسامتي، وردّها بأجمل منها.

لكن الحكاية لم تكتمل...

صوت المرأة — أمه — انقضّ على اللحظة كسكين تقطع زهرة.

> "يا الله! هذا المسكين يبدو ضائعًا… يجب على أهله ألا يتركوه يسافر وحده! هذا لا يعرف كوعه من بوعه!"



التفتُّ نحوها ببطء. لم أتكلم. نظرتُ فقط.

كانت تظن أنها تشفق… لكنها كانت تصدر حكمًا، وتنطق بمرسوم إلغاء.

لم ترَ الحلوى، ولا ابتسامة طفلها، لم ترَ وجهي يضيء للحظة، بل رأت “إعاقة” في قالب جاهز… كأنني نشرة طبية لا تُقرأ بل تُرمى على الرف.

"لا يعرف كوعه من بوعه"، قالت.

عبارة أليمة… لكنها مثيرة للضحك أيضًا، حين تصدر من امرأةٍ نسيت أنها منذ سنوات قليلة لم يكن مسموحًا لها حتى بالسفر إلا بإذن من وليّ أمرها.

هي من تتحدث عن الإرادة… لكن إرادتها نفسها كانت مؤجلة، محجوزة، ومعلّقة على قرار حكومي.

وأنا؟ لم أحتج إذن أحد.

أنا خرجت لأنني قررت، لا لأن أحدًا سمح لي.

هي حصلت على “الحرية” من الخارج. أما أنا… فانتزعتها من الداخل.

ما لا تعرفه تلك السيدة، أن ما يربط البشر ليس شكل الوجه، ولا مسمى الحالة… بل الحبال الخفية، الحبال التي لا تُرى. كلنا مقيدون… لكن الفرق الوحيد:

بعضنا يعرف الحبل ويحاول قطعه، والبعض لا يعرف… بل يصير هو نفسه الحبل.

عدتُ بنظري إلى الطفل… كان يركض، ضاحكًا، ناسيًا كل شيء… إلا إنسانيته.

رفعتُ الحلوى إلى فمي، تذوّقتها ببطء، وأنا أبتسم.

الحلوى كانت حلوة… لكن طعم الموقف كان مرا.

ايها القارئ قد لا يهمك اسمي كثيرًا، لكن ما سأرويه لك هو ما سيتسلل إليك، دون استئذان. قبل أيّام، كنت واقفًا على حافة جبل — لا جبلًا حقيقيًا، بل ذاك الذي في داخلي. كنت أظنّه صلبًا، لا يهتز، جبارًا مثلما أرادت الحياة أن أبدو. لكنني اكتشفت، ويا للعجب، أن الجبل العظيم... هش. نعم، هشّ. الماء نفسه — ذاك الذي نسقي به أرواحنا — قادر أن يحفر طريقه فيه، أن يفتّته، أن يهزمه ببطء، وبأناقة.

كل ذلك أدركته عندما غبت. غبت عن كل شيء، عن الوجوه، عن الطرق، عن "حصة". حصة لم تكن كغيرها. كانت تعرف كيف تمسك اسمي من طرفه وتجعله يرتجف. وعندما علمت بغيابي، أرسلت لي رسالة قصيرة، اختصرت فيها كل الحكاية: "ارجع."

كلمة واحدة، لكنها كانت كأنها فأسٌ على كتفي. هل تظنين يا حصة أن الرجوع بهذه البساطة؟ أنا الذي سرت طويلًا في درب لا أعرف نهايته، كيف أعود؟ أنا الذي نظرت للأمام حتى تشققت عيناي من ضوء المستقبل، كيف ألتفت إلى الوراء دون أن أنكسر؟ لو عدتُ، لن أعود كما كنت. سأعود مهزومًا... لا لأنك هزمتني، بل لأنني سأكسر الجليد الذي جف بداخلي.

لكن قبل أن أقرر، اسمح لي، أيها القارئ، أن أخاطبك أنت أيضًا. أعلم أنك قد تبتسم ساخرًا، أو تمطّ شفتيك لأنك تسمع "كلام هش"، لكن دعني أقولها بصوتٍ واضح: أنت هش. وأنا هش. وكلنا هشّون. ومن هشاشتنا نبني عالمًا. نكوّن مجتمعًا. نصنع الحضارة. لا تخجل. الهشاشة ليست عيبًا، بل أمانة نخبّئها عن عيون من لا يفهم.

ثم هناك وجه آخر في القصة... أختي. خشيتُ أن تُبلّغ عني. أن ترسل تقاريري للعائلة. صرت أمشي في الشارع متنكّرًا، أضع شماغي ونظارتي كمن يهرب من قدره. لكن لا تفهموني خطأ، أختي ليست "مدام منشن" من رواية الأميرة الصغيرة سارة — لا. هي طيبة، حنونة، لكنها سجينة الخوف من "الشارع". من الطريق. من النظرات التي تحاسبك على كل خطفة عين، كل نفس، كل فكرة.

عدوي لم يكن عائلتي. عدوي كان الطريق. 

 

عيوني اللوزية، وجهي المستدير، وطريقتي الخاصة في النطق، هذه ليست أعطالًا، بل بصمتي في الكون. أنا من صنفهم الطب بأرقام وجداول، لكني أرى نفسي شاعرًا، ورحّالة، ومواطنًا في مملكة القلب.

أجل، كل شيء فينا بطيء. لكن البطء لا يعني العجز. السلحفاة تصل، ولو بعد حين. لكنها تصل بوعيٍ عميق، لا بهلع الأرنب.

عندما طرقت باب عمي مبارك، كنت كمن يطرق باب المستقبل بيدٍ مرتجفة. قلت له بصوتٍ يكاد يُسمع:

> "أبي أستقل."



ضحك. هز رأسه. وقال جملته الأثيرة:

> "سرك في بير!"



آه يا عم مبارك... لو كان البئر محكمًا، لما وصل الخبر إلى حصة قبل أن أصل إلى غرفتي.
لا أدري... هل تسرب السر عبر الجوال؟ أم أن حصة زرعت "آيرتاق" في أكمامي؟!

الغرفة صغيرة، لكن فيها نافذة. والنافذة تكفي. تكفي لأحلم.
لكني لم أستقل فعلًا... فعمّي لا يزال يحضر طعامي، ويأخذ ملابسي، ويرتب سريري كأنني طفل.
كنت أريد أن أكون وحدي، لكن يبدو أن الإنسان لا يُولد مستقلًا، بل يصير كذلك، خطوة بخطوة.

صور حصة تطاردني في المرايا. وجهها في طيف الشاي، وصوتها في هدير المكيف.
أهي لعنة الحب؟ أم لعنة الاعتياد؟
هل أحتاج لأن أكون وحدي... لأعرف من أنا؟
أم أن "من أكون" لا يُصاغ إلا في مرآة الآخرين؟

أنا نايف، أريد أن أكون دولة.
دولة فيها مادة أولى في دستورها:

> "يُمنح جميع المصابين بالتثلث الصبغي 21 حق تقرير المصير، وحق ارتكاب الخطأ، وحق البكاء بلا استعطاف."

 

دخلت بيت عمّي مبارك كما يدخل جنديٌ أرضًا لا يعرف عنها إلا الأسماء.
الهواء مشبع برائحة البخور، والمجلس مضاء بأضواء صفراء تُلقي ظلالًا طويلة على وجوه الرجال الجالسين، كأنها تكشف ما تخفيه نفوسهم أكثر مما تنيره.
كل شيء في ذلك المكان كان عاديًا… إلّا العيون.

العيون، يا صديقي، لا يمكن تزييفها.
نظراتهم كانت مزيجًا معقّدًا من الفضول، التوجس، وربما... الشفقة المغلّفة بابتسامة.
بعضهم حيّاني بحرارة مصطنعة، وآخرون تبادلوا همسات سريعة لم أحتج أن أسمعها، لأنني خبرت لغتهم جيدًا.

جلستُ، أراقب وأُراقَب.
وفي الزاوية، رجلٌ ثقيل الجسد، خفيف العقل، استدار نحوي وبدأ حديثًا، لم يكن موجهًا إليّ، بل عنّي.
كأنني تجربة علمية حاضرة في معرض.

قال وهو ينفث جملته كمن يسرد نكتة:

> "نايف… ما شاء الله عليه، عنده متلازمة داون، بس تبارك الرحمن يكتب ويقرأ! العلم تطوّر، والله!"



ضحك من حوله. ضحكوا بحذر.
ضحكةٌ لا تُقنع طفلًا، فكيف بي أنا، نايف، الذي عرفت كذب الضحك منذ سنين.

أردت أن أرد، أن أقول له: "يا هذا، لست كتابًا تقرأه، ولا معجزة تتفاخر بها، ولا قصة نجاح تلقيها لتكسب تصفيقًا."
لكني لم أفعل.

بل نظرت إليه نظرةً لا تعرف الارتباك، نظرةً صنعها الغضب النبيل،
وقلت بهدوء يشبه خنجرًا في غمد حريري:

> "يمكن تعرف أشياء كثير عن متلازمة داون… بس ما تعرف شيء عن نايف."



سكت.
سكتوا جميعًا.
حتى الهواء بيننا توقف، كأن الغرفة استوعبت أني لست مجرد متلازمة، بل وعيٌ يتكلم، لا حالة تُشرح.

وفي تلك اللحظة، تذكّرت وجه حصّة.

**

حصّة، شقيقتي الكبرى،
المرأة التي فقدت زوجها، ودفنت أمها ثم أبيها،
ثم حملتنا — أنا وإخوتي الثلاثة — على كتفيها كمن يحمل قلبه ويمشي وسط زحام المدينة.

كانت تقول لي:

> "نايف… الدنيّا مو سهلة، بس في البيت هذا، ما راح تحتاج تدافع عن نفسك."



وأنا كنت أُحبّها، أحب دفئها، صوتها إذا نادتني بـ "يا بعد قلبي"،
لكني لم أعد أريد الأمان الذي يُغلق عليّ الأبواب.
لم أعد أريد سقفًا منخفضًا من الطمأنينة يُجبرني على الانحناء.

أريد أن أختبر الحياة حتى وإن صفعتني.
أن أذوقها كما هي… حلوها ومرّها.
أريد أن أخرج من دفيئة حصّة،
لا هربًا منها، بل بحثًا عني.

**

عندما انتهى المجلس، خرجت.
لم أنتظر أن يُسلّموا عليّ، ولم أطلب رضا أحد.
في جيبي ورقة، وفي صدري نار.
وفي عيوني… تلك النظرة.

نظرة من قرر أن يخلع ثوب “الموضوع” ليصبح الراوي.
 


تلقيت اتصالها مساءً.
كان صوت حصة مرهقًا، مثل شجرة قاومت الريح، لكنها ما زالت واقفة.
قالت:

> "أنا ما بلّغت يا نايف... أقسم لك، أنا ما بلّغت."
وسكتت لحظة، كأنها تخاف من الكلمة التالية، ثم تمتمت:
"صقر... هو اللي بلّغ."



صقر.
الاسم الذي كلما نطقوه شعرت أنه طير جارح نزل على صدري، لا يطير، بل يحوم حول رأسك حتى تُسقطك نظراته.
هو أخي، نعم. لكن الأخوّة وحدها لا تشفع للنيّات السامة.

صقر... الذي كانت أظافره كلمات، ولسانه سيف، وصوته يدقّ كطبول الحرب لا تعلن النصر بل الهجوم.
أتذكّره جيدًا،
أنا المتنصّت من خلف الأبواب،
أنا الصغير الذي يتظاهر بالنوم بينما أذنه تلتقط كل ارتجاج في البيت.
هو كان يظننا أغبياء... نحن فقط كنا أذكى من أن نردّ عليه بصوته.

سمعته يقول لحصة، بنبرة لا تحترق بل تحرق:

> "تجمعين عندك المتخلّفين... ما منهم فايدة. الحكومة تصرف، وإنتِ تجمعين، بس علشان تستفيدين. تبين الرواتب، تبين الدعم... ما فيه شي تسوينه عبث. أنا أدري."



كلماته لم تكن مجرد شك... كانت طعنات.
وكانت حصة تصمد، كجدار قديم قاوم الفيضانات،
ردّت عليه بهدوء من يعرف أن الحقيقة لا تصرخ:

> "أنا ما أخذت ريال. ولا فكرت حتى. كل اللي يدخل لهم، يرجع لهم. أنا ما أشوف فيهم عيب... أنا أشوف فيهم نعمة."



لكن صقر... خرج.
كعادته، لا يستمع، لا يفهم، لا يحتضن.
صوت نعاله وهو يغادر كان كأنه ختم القرار الأخير،
لكن قبل أن يغلق الباب، قالها:

> "راح تشوفين. الأيام تفضح. لا يطلعون هالمهابيل من البيت. تكفين يا حصة، قفّلي الأبواب زين."



كأننا كلاب شاردة.
كأننا عار يُخشى أن يمرّ أمام الجيران.

وأنا، خلف الباب، كنت أغلي.
كأنني إناء على موقد لا يُطفأ.
أسمعه ينسف وجودي بكلمة... “مهابيل”.
كأننا لسنا بشرًا.
كأن أرواحنا لا تزن في الميزان شيئًا.

يا صقر،
أتعلم من تكون؟
أنت عمّ هاملت،
ذلك الذي قتل لا بسيف، بل بقطرة... قطرة سمّ في الأذن.
وأنا، كنت أخي، لكنك سكبت في أذني السمّ مرارًا.

قتلت سمعتي... لا أمام الناس، بل أمام نفسي.
جعلتني أرتبك حين أنظر للمرآة.
جعلتني أشك في قدرتي، في حقي، في وجودي.

لكن حصة...
كانت تحميني بصمتها.
لم تقفل الباب، بل أبقته مفتوحًا...
علّني أغادر حين أقرر،
وليس حين يُطرد من هم مثلي.

قالت وهي تمسح دمعة لم ترد أن أراها:

> "هؤلاء هم الجنة، يا نايف... الجنة في الأرض. قلوبهم أصدق من الدعاء."



وأنا اليوم، أكتب،
لا فقط لأنني قادر،
بل لأن كل حرف أخطه… هو صفعة على وجه كل من ظنّ أن من يحمل تثلثًا في الكروموسومات… لا يمكنه أن يكتب قدره.

صقر؟
هو لم يبلّغ عني،
بل بلّغ عن نفسه،
بلّغ عن خوفه، عن جهله، عن عجزه أن يرى النور في من ظنّه ظلامًا.

**

أتريد أن أُكمل، يا صديقي القارئ؟
فالحكاية ما زالت في منتصف الطريق.

 



---

كنت صغيرًا حين اكتشفت أن الكلمات لا تحبني.
أراها تصطف أمامي على السطر، كجنود في استعراض، لكنها تتحرك فجأة، تنقلب، تفرّ، تتشاجر، تتشابك كأغصانٍ في ريحٍ عاتية.


أقرأ "سماء" فأراها "مساء"،
وأقرأ "رحمة" فتبدو لي "مرحى"،
كأن المعاني تسخر مني، تهرب من عيني لحظة أمدُّ يدي نحوها.

لم أكن أفهم لماذا أصدقائي ينتهون من الصفحة في خمس دقائق، وأنا أمضي نصف ساعة ولا أصل حتى إلى منتصفها.
كنت أظن أن بي خطبًا، أني غبي، أو أن دماغي معطوب.
لكن الحقيقة كانت أبسط وأكثر قسوة:
أنا مصاب بعسر القراءة...
ودماغي لا يرى الحروف كما يراها الآخرون.

كانوا يضحكون عليّ حين أتهجّى أمامهم.
"ما تعرف تقرأ؟!"
"في أحد بعمرك يقرأ كذا؟"
ضحكهم لم يكن مجرد صوت، بل كالسكاكين، يغرسونها في صدري ثم يطلبون مني أن أبتسم.

لكن أختي "حصة" كانت تختلف.
كانت تمسك بيدي، تقرأ معي بصبر، تنطق الكلمة مرارًا حتى تدخل قلبي لا ذهني.
تقول لي: "الكلمات مش أعداءك، بس تحتاج تصادقها بطريقتك."
علّمتني أن أقرأ بأنفي، بعيني، بصوتي، حتى بالحركة.
كنّا نكتب الكلمات على الهواء، على التراب، على كفّي، حتى تحفظها يداي قبل عيني.

أما المدارس، فكانت قاسية.
تعليمها موجه للذين يسيرون على خط مستقيم، وأنا كنت أمشي على قوس.
يريدون من الجميع أن يقرأوا بنفس الطريقة، أن يفهموا بنفس السرعة، أن يكتبوا نفس الخط.
أما أنا، فكنت أقرأ مشيًا لا ركضًا، وأكتب وكأن الحرف قطرة ماء أرتبها على راحة يدي.

صرت أخاف من السبورة، من الكتب، من صوتي وأنا أقرأ أمام الفصل.
كل شيء في المدرسة كان اختبارًا علنيًا لفشلي.
لكن داخلي كان عالمًا آخر:
كنت أفهم القصص بطريقتي، أشعر بها لا أفسرها.
كنت إذا قرأت رواية – ولو بعد شهرين – أعيشها كأنها روحي الثانية.

حين قلت لصاحبي سعود عن معاناتي، نظر لي وقال:
"اللي يقدر يقرأ الحياة، ما يحتاج يقرأ كتب."
ثم ضحك، وأردف:
"بس لا تترك الكتب، حتى لو كانت صعبة... خلها تصير خصمك وصديقك في نفس الوقت."

ولأني أرفض أن أكون ضحية، جعلت من عسر القراءة تمرينًا على الصبر.
قرأت ببطء، لكني كنت أفهم بعمق.
كل كلمة كنت أظفر بها، كانت نصرًا صغيرًا، ثورة من نوع خاص.

أنا الآن لا أقرأ بسرعة، لكني أفهم ما لا يفهمه الكثير من "القرّاء السريعين"...
أفهم أن الحرف قد يكون جبلًا،
وأن الجملة قد تكون طريق نجاة،
وأن عسر القراءة ليس عيبًا في الدماغ، بل اختلاف في الخريطة.

أما سعود...
فذاك ابن الجار الذي كان بمثابة جندي ظل، يحرس شتاتي إن ضللت، ويضحك في وجهي حين يثق أنني سأكمل الطريق.
سعود قال لي جملًا ليست في الكتب، جملًا تُقرأ بالقلب لا بالعين. حين قال: "أنت حرّ، ما في يدك قيود"، شعرت أنني أول مرة أتنفس بلا ألم.
ثم عاد ليقول: "لكن الحرية مسؤولية"…
وهنا عرفت أن الحرية ليست طوق نجاة، بل اختبار يومي، امتحان دون معلم.

في لحظة ضعف، ظنّ البعض أنني تائه، وقال سعود: "الرجوع لأهلك أفضل من التشرد."
ضحكت، لا سخرية، بل بحزن رجلٍ يعرف أن العالم لا يفهمه.
أنا لا أملك قصرًا ولا بيتًا من طين، لكن عندي غرفة بها نافذة تطل على حلم.
أملك سريرًا يحتويني، وعقلًا يحترق شوقًا للمعرفة، وكرامة لا تُشترى.

أنا لست متشردًا يا سعود، أنا صاحب إرادة.
التشرد هو أن تبيع نفسك كي تنتمي، أن تلبس أفكارًا ليست لك كي يقبلك الناس، أن تعيش نصف حياة كي لا تُلام.
أنا اخترت أن أعيش كاملًا، حتى لو كان الثمن الوحدة.

جمر الحرية يا سعود، يحرق، لكن دفؤه صادق.
أما برد الأمان، فمخادع، يُلبسك ثياب الطاعة ثم يدفنك حيًا في قوالب العُرف.

 

 

الخريطة التي تقودني إليك

 رواية الخريطة التي تقودني  إليك  بقلم  جوزيف مونينغر المقدمة يوم التخرج إنها والدتك، من بين الجميع، هي التي تلتقط الصورة المثالية لك ولصديق...