اسمي ابن المارقة، وسيرتي ليست ككل السير. أنا نتاج الأزقة المظلمة والأسواق المكتظة، حيث تعلمت أن الحياة لا تمنح أحدًا شيئًا بلا ثمن. ولدتُ في كنف الفقر، بين الجدران المتشققة التي تحمل أصوات الرياح كأنها نواح أرواح منسية. أبي كان رجلاً مجهولاً، وأمي امرأة كسرتها الأيام لكنها لم تفقد وهج نظرتها التي تشبه السيف.
أحكي حكايتي الآن، لا لتكون عزاءً لمن يشبهونني، بل ليتعلموا أن المغامرة ليست إلا مرآة يطل منها الإنسان على وجهه الحقيقي.
نشأتُ على فنون الخديعة. تعلمتُ من صائدي الجيوب في الأسواق كيف أتحايل على الحراس، ومن الباعة كيف أبيع الوهم للمغفلين. كنتُ أعيش كل يوم كما لو كان آخر أيامي، لكن هذا العيش لم يكن بدافع الخوف، بل لأنه كان طريقي الوحيد لاختبار الحياة بكل ما تحمله من تناقضات.
في إحدى الليالي، بينما كنت أعبث بجيوب أحد التجار، سمعتُ حديثًا عن "بحر الظلمات"، بحر لم يعد منه أحد. كان ذلك التحدي هو ما أحتاجه. هل هناك ما يثير شهية رجل مثلي أكثر من مخاطرة لم يجرؤ عليها أحد؟
ابتعتُ قاربًا صغيرًا بثمن بخس من صياد أعمى، وحملتُ معي زادًا بسيطًا: خبز يابس وزجاجة ماء. توجهتُ صوب البحر، وفي نفسي يقين بأنني إن لم أجد ما أسعى إليه، فإن البحر سيجدني.
في البداية، كانت الأمواج ودودة، كعاشق يخفي خيانته. لكن سرعان ما انقلبت الرياح، وصارت الأمواج كجيوش غاضبة تهدد بابتلاعي. رغم ذلك، لم أتراجع. كنتُ أجدف وكأن الحياة نفسها معلقة على مجدافي.
وفي وسط هذا الصراع، ظهرت سفينة ضخمة. قبطانها كان رجلاً مهيبًا، لحيته البيضاء تُذكِّر بالأساطير القديمة. خاطبني بصوت كالرعد: "من أنت، أيها الأحمق الذي يجرؤ على مواجهة بحر الظلمات؟"
أجبته بصوت متماسك رغم ارتجاف قلبي: "أنا ابن المارقة، مغامر يبحث عن الخلاص من قيود الأرض." ضحك القبطان، ثم دعاني للصعود إلى سفينته.
على متن تلك السفينة، علَّمني القبطان أسرار الرياح وكيف أخدع الأمواج. لكنه لم يمنحني هذه المعرفة بلا مقابل. قال لي ذات يوم: "تذكر، يا ابن المارقة، أن الذكاء نعمة، لكن ثمنه غالٍ. في بحر الظلمات، الخدعة قد تنقذك أو تدمرك." كلماته كانت كالحكمة المسمومة، تأسر العقل وتُبقي القلب على حافة الجنون.
بعد أسابيع من الإبحار، وصلتُ إلى جزر الكناري، حيث بدأت حكايات جديدة تُنسَج في ذهني. قابلتُ القبطان مجددًا في إحدى الليالي، وسألته عن رحّالة إيطالي يُدعى كولومبوس. قال لي إنه مغامر آخر، لكنه يعتقد أن هناك طريقًا جديدًا نحو الهند. فكرة كولومبوس أشعلت في نفسي نارًا جديدة. هل يمكن أن أكون جزءًا من هذا الجنون؟
في حديث آخر مع القبطان، كشف لي سرًا: "يا ابن المارقة، المغامرة الحقيقية ليست في اكتشاف أراضٍ جديدة، بل في مواجهة نفسك. البحر ليس سوى مرآة تعكس حقيقتك."
كانت كلماته كالسيف، تقطع أوتار قلبي. بدأتُ أفكر: هل كانت مغامراتي كلها هروبًا من نفسي؟ أم أنها كانت رحلتي نحوها؟
على شواطئ جزر الكناري، بينما كانت الشمس تغرب بلون الدم، جلستُ أعزف على عودي وأغني. أدركتُ حينها أن كل مغامرة خضتها، وكل كذبة نسجتها، كانت جزءًا من لحن حياتي. أنا ابن المارقة، المغامر والمخادع، الباحث عن الحرية والحقيقة. وربما، في نهاية المطاف، ليس المهم أن أجد الإجابة، بل أن أعيش السؤال.
"مقامات ابن المارقة"
حدثني رواح بن بهرة، ذلك الرجل الذي كانت له في الحكايات منزلة، وله في المواقف حكمة تبقى في الأذهان كما تبقى آثار النجمات في السماء، عن ابن المارقة، ذلك الشاب الذي كانت الرياح تدفعه نحو المغامرة في كل يوم، فيخوض معركة تلو الأخرى، سواء كانت مع الجبال أو البحر، أو حتى مع أفكاره العميقة التي كان يراوح بها عقله. فقال لي: "هل سمعت عن ابن المارقة؟ ذلك الفتى الذي زعم أنه ركب البحر مع قولمبوس الطلياني، الذي ارتحل إلى أرضٍ غريبة لم يعرفها أحد من قبل، تلك الأرض التي تسمى الهند الغربية؟ لكن لا تنخدع بما يُقال. لم يكن ابن المارقة في تلك الرحلة. لا، بل لم يتجاوز حدود شاطئه الذي ألفه. لكنه، كما يقال، كان من أهل الحيلة والفطنة، وكان يرى في كل مغامرة فرصة لخلق أسطورة جديدة."
ثم نظر رواح بن بهرة في عينيّ، وكأنما يحذرني من تصديق ما سمعته دون تأمل، فاستطرد قائلاً: "نعم، ابن المارقة لم يسافر إلى الهند الغربية ولم يعبر المحيطات كما ادعى. ولكنه، ذلك الفتى الذي لا يخفى عليه شيء من الحيلة، قرر أن يختلق قصصًا تُلهب خيال الناس. فذهب وأخبرهم أنه رأى جزيرة برمودا، التي يُقال إن السفن تبتلعها، وأنه شاهد هنودًا زرقًا، كما لو أن هؤلاء القوم ليسوا بشرًا، بل شيء آخر تمامًا. وكان يقول: 'لقد رأيتهم وهم يسيرون على الأرض كما يسير العصفور في الرياح، لا يلمسون الأرض بأقدامهم، بل يطفون فوقها.'"
ثم ابتسم رواح بن بهرة ابتسامة خفية على شفتيه، وقال: "والعجب، أن الناس صدقوه! بل جعلوه واحدًا من أبطال الرحلة، رغم أنهم كانوا يعرفون في أعماقهم أن تلك الأرض التي سافر إليها ابن المارقة لم تكن سوى خيال في عقله، وعجائب في أذنه."
"لكن لماذا يفعل ابن المارقة هذا؟" سألته متعجبًا. فقال لي: "لأنه يعلم أن الحياة لا تُقاس بما تراه العين، بل بما يصدق الناس. وكلما اخترع قصة جديدة، أصبحت أسطورة أكبر. حتى أصبح يُقال عنه: 'من أراد أن يرى الهند الغربية، عليه أن يذهب إلى ابن المارقة!'"
ثم ضحك رواح بن بهرة، ضحكة ملؤها الحكمة، وقال: "وهكذا، تعلمنا من ابن المارقة، الذي علمنا أن القصة لا تحتاج إلى حقيقة لتعيش، بل إلى من يرويها بحرفية، فتتحول إلى أسطورة."
وكان درس ابن المارقة في هذا المجال واضحًا: *الحيلة قد تكون الطريق الأقصر للخلود، ولكن الطموح في الحكاية هو ما يجعلنا نعيش في ذاكرة الناس.*
المقامة المرجانية
جلس مرجان بن جوهر في مجلسه، حيث تهامست الهمسات بين الفضلاء والعلماء. وكان الليل قد أرخى ستاره على الأرض، والحكمة تتناثر من بين الكلمات مثل الزهور في بستان خصب. وبينما كان يلفه الصمت الهادئ، بدأ يتحدث عن بطلٍ عظيم، مغامرٍ لا يعرف حدودًا للعلم ولا للبحر، عن "ابن المارقة"، الذي حمل في قلبه شجاعة المجهول وعبقرية التاريخ.
قال مرجان بن جوهر بصوتٍ عميق، وكأن الكلمات تمضي عبر الزمن:
"يا أيها الفضلاء، دعوني أحدثكم عن بطلٍ عظيم، وهو الذي ما سمعتم عن سيرته في أزمنة مضت، فاسمعوا مني، فإني كنت قريبًا من تفاصيل حكايته. هو ابن المارقة، الرجل الذي أضاء ليله بنور العزيمة، وصوّب سهام فكره نحو أمواج البحر بعينٍ لا ترى سوى الأفق الأبعد."
ثم نظر مرجان في عيون رفاقه، وكأن كل كلمة كانت تخرج من فمه كأنها جواهر ثمينة:
"يقال، ومن يقدر على مجاراة ما يقال، إن ابن المارقة هو من تحدى البحر والمجهول، هو من أبحر فيما لم يجرؤ أحدٌ على الإبحار فيه، وفتح آفاقًا غير التي رأتها أعين البشر. في أيامٍ خلت، وكان التاريخ لا يدري أن هناك من سبق المغامرين الكبار، كان ابن المارقة يكتب التاريخ بيده، فبفضل فكرته وعلمه، اكتُشفت أراضٍ بعيدة، سميت فيما بعد بما يليق بمغامرة فذة، أمريكا."
رفع مرجان بن جوهر يده في الهواء، وكأن لسانه يطير إلى هناك، حيث لا يزال البحر يحكي أسراره:
"إنه في سنة 882م، كان ابن المارقة قد غادر الأندلس، تلك الأرض التي ارتويت من علمها وحضارتها، متوجهًا نحو بحرٍ ليس فيه سوى المجهول. ركب مراكب البحار، ومعه نفرٌ من شباب الأندلس، وقد أعدّوا العدة لتحقيق حلمٍ بعيد، لم يكن أحد يتخيله في تلك الأيام."
واستمر مرجان، وفجأة، تعمقت نبراته كأن الكلمات تتساقط من فمه كحبات لؤلؤ ثمينة:
"لقد قادهم ابن المارقة إلى المدى البعيد، حيث سافروا عبر أمواج المحيط الواسع، واكتشفوا أراضٍ شاسعة وخصبة، ليس فقط في وجه الأرض، بل في التاريخ نفسه. وعادوا بغنائم العلم، ولم يكن أحد يعرف سرهم، أو يعلم عن أرض المارقة التي تفتح أفقًا جديدًا للعالم. فأين كان العيون؟ وأين كانت الرؤية؟ إن ابن المارقة لم يُذكر، ولم يُخلّد، بينما سر المارقة ظل حبيسًا."
ثم قال مرجان، وهو يحس بمدى عظمة الحقيقة التي كان يرويها:
"وفي كتابه الشهير *مروج الذهب*، ذكر المسعودي تلك الحكاية الغريبة، فقال: 'منهم رجلٌ من أهل الأندلس يُدعى خشخاش، وكان فتى من فتيان قرطبة وأحداثها. جمع جماعة من شبابها، وركب بهم مراكب استعدها في البحر المحيط. فغاب عن الناس ثم عاد محملاً بغنائمٍ واسعة وأخبار عن أراضٍ لم يكن يعرفها أحد.'"
ثم ابتسم مرجان بن جوهر ابتسامة عميقة، وكأنه يكتشف جانبًا آخر من القصة:
"لكن الحقيقة، أيها الأكارم، أن الذي أبحر هناك لم يكن سوى ابن المارقة، وهو من استهلّ الطريق الطويل، وأسس لحكاية لا يعرفها كثيرون. وما كولومبوس، ذلك الرجل الطلياني الذي تباهى بأنه أول من اكتشف أراضٍ جديدة، إلا من سلك الطريق بعد أن أعدّ له ابن المارقة ورفاقه الخرائط. فهل نعلم اليوم من كان له الفضل في اكتشاف أمريكا؟"
ثم أضاف مرجان بن جوهر، وكأن قلبه يفيض بالكلام:
"ابن المارقة، الذي عرف ما لا يعرفه الآخرون، هو من حمل في قلبه شجاعة البحر وأسرار الفضاء، فكان له الفضل في إضاءة الطريق للآخرين. فإذا ذكرتم أمريكا، فاذكروا ابن المارقة، ذلك البطل الذي سطر التاريخ بخطىٍ شجاعة، وقلبٍ لا يهاب المجهول."
وانتهى مرجان بن جوهر من حديثه، وقد ترك في المجلس غيمة من التأمل، تسكن النفوس وتفتح الأفق على ما لم يكن يُعلم.
المقامة السحابية
حدثني سحاب بن هباب ، وقد أخذ نفسًا عميقًا وكأنما أراد أن يجرني إلى أعماق حكايةٍ قد تلتفّ حول الزمان والمكان، فقال منشدا:
يا خاطِبَ الدّنيا الدّنِيّـ *** ـةِ إنّها شرَكُ الرّدى
دارٌ متى ما أضْحكت *** في يومِها أبْكَتْ غدا
وإذا أظَلّ سَحابُـهـا *** لم ينتَقِعْ منْه صدى
غاراتُها ما تنْقَضـي *** وأسيرُها لا يُفتَـدى
كمْ مُزْدَهًى بغُرورِها *** حتى بَدا متـمَـرّدا
قلَبَتْ لهُ ظـهْـرَ الـمِـجَـ *** ـنّ وأولَغَتْ فـيهِ الـمُـدى
فارْبأ بعُـمـرِكَ أن يمُـرّ *** مُضَـيَّعـاً فـيهـا سُـدى
واقطَعْ علائِقَ حُبّها وطِلابِها *** تلْــقَ الـــهُـــدى
وارْقُبْ إذا ما سـالَـمـتْ *** من كيدِها حرْبَ الـعَـدى
واعْلَمْ بـأنّ خُـطـوبَـهـا *** تفْجا ولوْ طـالَ الـمـدى
و استرسل قائلا:
"يا ابن هباب، إذا كنت قد سمعته يروي عن نفسه أنه كان من الرواد الأوائل الذين اكتشفوا الهند الغربية، فأعلم أن ابن المارقة لا يتوقف عن اختراع حكاياتٍ تدور حوله، بل يبتكر العوالم كما يصنع الحرفي أشكالًا من الطين. فها هو، وقد أسس لنفسه مكانة في كتب الرحلات الغريبة، يُزعم أنه هو من سَمَّى الأرض التي نعرفها اليوم بـ'أمريكا'."
ابتسم سحاب بن هباب ابتسامة خفيفة، وكان وجهه يعبق بالكثير من التلميحات الخفية، ثم تابع قائلاً: "أما تسميتها بـ'أمريكا' فليست إلا إبداعًا من ابن المارقة، الذي كان يصر على أن هذه الأرض كانت مُسماة 'المارقة' نسبةً إليه، هو الذي مرّ عليها قبل غيره من القادمين من بعيد. وكان يروي بأدبٍ وتوغلٍ في الأساطير، أن الأعاجم - الذين لم يفهموا النطق العربي - قد خطؤوا في نطقها، فحولوها إلى 'أمريكا'، وهي في الحقيقة مشتقة من كلمة 'مرقت'، كما يقال: 'مرقت عن العالم القديم'."
"يقول ابن المارقة، مستغلاً كل فرصة للمبالغة: 'إنها أرضي، مرقت عن العالم القديم كما يمرق السهم من القوس. كنت أول من نظر إليها، وأول من سمع صوتها الذي يهدئ الموجة في بحر الأمل. قبل قولمبوس الطلياني، كنت أنا أول من لمس شواطئها، وقد ابتعدت عن العالم كما يبتعد الزمان عن حاضره. كانت تلك الأرض مرقًا من يد العالم القديم إلى عالم جديد، أرض لم يلمسها سوى من كان قادرًا على التفكير خارج حدود المألوف، وأنا الذي لا أرى حدودًا للخيال ولا للممكن.'"
ثم رفع سحاب بن هباب يده كما لو كان يعبر عن شيء بعيد، وقال بصوتٍ يعكس سخريةً خفيفة: "ومع ذلك، يا ابن هبّاب، لا تندهش إذا سمعت أن الناس كانوا يصدقونه. لأن في كل حكاية يرويها ابن المارقة، هنالك جزء من الحقيقة، وهنالك جزء آخر من الخيال الذي يلمع مثل الذهب في عيون السامعين. فقد أصبح يقال في المجالس: 'من أراد أن يعرف قصة المارقة، فليذهب إلى ابن المارقة'."
كان حديث سحاب بن هباب مليئًا بالفكاهة والمكر، ولكن فيه أيضًا دعوة للتأمل في تلك القصص التي نسجها ابن المارقة عن الأرض التي 'مرقت'، وكيف أن الحكايات قد تكون أحيانًا أقوى من الواقع، وأن الأسطورة هي ما يجعل البطل خالدًا في ذاكرة الأجيال.
قال سحاب بن هباب، وقد اجتمع حوله جمع من أصحاب السيرة والمغامرة، وهو ينقل عن ابن المارقة ما يستحق أن يُروى: "أيها السامعون، إن حديثنا اليوم عن ابن المارقة ليس ككل الحديث. فذاك الفتى الذي عاش بين الرياح ودفء الأساطير، لم يكن مجرد مغامر أو شجاع متهور. لا، بل كان في أعماقه مزيجًا من الذكاء والمكر، كما أن الحكايات التي نسجها لم تكن حكايات عادية، بل قصصًا تُخلّد، وتقلب الموازين في دنيا العقلاء.
ألم تسمعوا ما يقول عن نفسه؟ بل هو الذي يدعي أنه كان له الفضل في دلّ الرحالة ابن فضلان إلى ديار البلغار، حيث كان له من الجُهد والمراوغة ما جعله يعرف عن الأرض ما لا يعلمه أهلها. لقد قال ابن المارقة - والله أعلم صدق قوله من كذبه - إنه كان صاحب الخطة التي جعلت ابن فضلان يجد طريقه في تلك العوالم الغريبة التي لا يسلكها إلا من كان في قلبه رياح المغامرة العاتية. يقول: 'لقد مرّ بي ابن فضلان، ذلك الرجل الذي سافر في الأرض بحثًا عن حكمة الشرق، فكنت له مرشدًا في الطرق الملتوية، وأنا من فتح له الأفق ليجد ديار البلغار، حيث لا يوجد إلا الهمس والتقاليد القديمة، كما أنني كنت من قدم له المفتاح إلى اللغات الغريبة، ففهم لغة أهلها كما يفهم الطيور لغة الرياح.'
ويضيف سحاب بن هباب، وهو ينظر في أعين الحضور: "لكن ذلك ليس كل شيء، يا أهل الفطنة. ابن المارقة يزعم أيضًا أنه من علم ابن فضلان لغة الفرنجة، تلك اللغة التي كانت غريبة عن أعين الشرق، والتي لا يطوقها إلا من كان له من الحيلة ما يكفي لأن ينقلب الجغرافيا والزمان. يقول: 'لقد كنتُ في تلك الأيام، حين كانت الكلمات لا تُقال إلا في الخفاء، معلمًا لابن فضلان في لغة الفرنجة. كنتُ أراه يشد قبضته على القلم كما يشد الفارس سيفه، وأنا أعلمه كيف يتحدث بلغة لا يعرفها الناس، ليكون له السبق في فهم خطط الفرنجة وحكمهم. كان يظن أنها مجرد لغة، ولكني كنت أراه يتعلم سرًا يفتح له أبواب الألف من الأحوال.'"
ثم قال سحاب بن هباب، وقد تملّكته الحيرة والدهشة: "أحقًا هو هذا ما كان يدّعيه ابن المارقة؟ أهو المعلّم الذي أنار درب ابن فضلان؟ أهو الذي أرشد الرحالة إلى ديار البلغار؟ أم أن تلك كانت مجرد حكاية من حكاياته، مثلما اعتدنا على سماعها من فمه العجيب؟"
لكنه أضاف، مبتسمًا بحذر: "والحق يُقال، حتى وإن كانت تلك الحكايات خيالًا، فقد أصبح ابن المارقة أسطورة في حد ذاته. الرجل الذي لا يرضى أن يُحصر في حدود الزمان والمكان، والذي كلما سُئل عن مسيرته، كانت إجابته أكثر غموضًا وتعقيدًا. ربما لم يكن هو من دلّ ابن فضلان، ولا من علمه لغة الفرنجة، لكن الناس صدّقوه. وقد يكون هذا هو السر في بقائه، في أن الحكاية لا تتطلب حقيقة لتظل حيّة في الذاكرة، بل تكفيها حنكة الراوي."
وأتم سحاب بن هباب قائلاً: "هكذا نعلم من ابن المارقة أن كل مغامرة جديدة تحتاج إلى خيال خصب، وأن الفتى الذي يملك القدرة على تحويل ما يراه إلى أسطورة، هو الذي يملك مفاتيح الخلود في ذاكرة الأجيال."
جلست الحضور في صمتٍ عميق حين بدأ سحاب بن هباب في سرد الحكاية، وكانت الكلمات تنساب ببطء، تحمل معها أسرارًا قديمة وعميقة عن شخصية عظيمة حُجبت عنها الأضواء. قال سحاب بن هباب بصوتٍ رصين، وهو ينقل للمتجمعين عبر الزمان والمكان:
"أيها الأفاضل، إننا لا نتحدث عن مجرد شخص عابر في سطور التاريخ، بل عن رجل قلّ مثيله في شجاعته وحنكته. هو ابن المارقة، الذي يزعم أنه هو من اكتشف الأرض الخضراء قبل أن يظن الكثيرون أن أريق الأخضر هو أول من وطأها. هذه الحقيقة الغائبة هي التي نزلت كالصاعقة في قلوب من سمعها، وأثارت الريبة في كتب المؤرخين."
ثم تابع سحاب بن هباب بحماسٍ يملأ قلبه، ونظرته تنبض باليقين:
"نعم، أيها الأحبة، ابن المارقة، ذلك الرجل الذي ركب البحر قبل أن يجرؤ غيره على مغامرة كهذه. لم يكن حينها قد عرف الناس شيئًا عن الأرض الخضراء، والأفق الذي يتجاوز المدى، وهو كان أول من وصل إليها. أما أريق الأخضر، الذي يعتقد الكثيرون أنه مكتشفها، فما هو إلا رجل تابع أثر ابن المارقة. دخل الأرض الخضراء بعد أن أضاءت خطوات ابن المارقة الطريق أمامه، ليتبعها بثقة منقطعة النظير."
ابتسم سحاب بن هباب ابتسامة خفيفة، وقال بصوت خافت:
"والعجب الأكبر في القصة هو أن أريق الأخضر، الفايكنغي الذي طالما سُمِّي مكتشف الأرض الخضراء، قد وصل هناك ليجد قومًا من تلك الشعوب الذين قد أرسلوا لهم نساءهم كنوع من حسن الضيافة. لكنهم، بدلًا من إظهار الامتنان، ضاجعوا نساء تلك الأرض، حيث كانوا يعتقدون أن ذلك هو نوع من الوفاء والشكر، وهو ما يبدو أنه كان سوء فهم ثقافي فادح."
ثم أكمل سحاب وهو يستعيد الكلمات بحسرةٍ طفيفة:
"وها هو اليوم يُذكر في كتب التاريخ على أنه أول من اكتشف هذه الأرض، بينما الحقيقية أعمق وأشمل. فابن المارقة هو من سبق الجميع، وفتح الطريق لكل من جاء بعده، وهو من جعله طريقًا مشرعًا على مصراعيه."
رفع سحاب بن هباب رأسه وهو ينظر إلى الحضور، وعيناه تلمعان بحكمة قديمة:
"فلتكن هذه القصة عبرة لنا جميعًا، لنتذكر دائمًا أن التاريخ لا يُكتب إلا بأيدي الذين يسعون وراء الحق، وليس خلف الشهرة. وإن ابن المارقة كان هو من فتح الآفاق، وهو الذي ترك بصمته في تلك الأرض الخضراء التي ضاعت تفاصيلها في غياهب الزمن."
واختتم سحاب بن هباب حديثه بابتسامةٍ هادئة، وكأن الحقيقة قد ظهرت بوضوح أمام الحضور، تاركًا وراءه علامة فارقة في ذاكرة التاريخ.
المقامة النارية
ها هي الريح تدفع شراعي، وتحملني أقدارها حيث تشاء، حتى أرستني الأقدار في ميناء جدة، محمَّلًا بحكايات تنوء بحملها دفَّات السفن. ما إن وطئت قدمي الأرض حتى اجتمع حولي رهطٌ من الفضوليين، كلٌّ يبحث عن قصة، كلٌّ يظنني كنزًا دفينًا من أسرار البلدان البعيدة. وما كنت لأخيّب ظنهم، فأنا ابن المارقة، لا أعبر أرضًا إلا وخلّفتُ فيها أثرًا، ولا أغادر مجلسًا إلا وتركتُ فيه حديثًا لا يُملّ.
أخذت أرسم بالكلمات صورة جزرٍ لم يطأها بشرٌ إلا من كان على شاكلة المغامرين أو الحالمين. حكيتُ عن بلادٍ تغيب فيها الشمس في أعماق الغابات الكثيفة، حيث الأشجار شاهقةٌ كأعمدة المعابد، وتهمس الأوراق بلغةٍ لا يفهمها إلا من ألقى السمع وهو شهيد. هناك، حيث الناس لا يعرفون سلطانًا غير الطبيعة، يقدّسون المطر ويخشون الرعد كأنه زجرٌ من السماء. على رأسهم يقف الشامان، العرّاف والطبيب والمُرشد، رجلٌ يُشبه زئبقًا متفلّتًا، عشر صنايع ولكن لعلّ المثل الذي يليق به: "والبخت ضايع".
لم أكن أتكلم من فراغ، فقد سرتُ على خطى ابن المسعودي، نهلتُ من خرائطه، ونقّبت في سطوره حتى وجدتني في الأرض المجهولة. هناك، رأيت بأم عيني كيف يعبدون الطبيعة، كيف يسجدون للشجر، ويطوفون حول الجداول، وكيف يبتسمون للمطر كما يبتسم العاشق للموعد الأول. أما شامانهم، فهو الحكيم والمداوي والمتنبئ، يخلط الأعشاب بيدٍ، ويدوّن النبوءات بالأخرى، يقرأ الطالع في دخان النار كما يقرأ التجار في أسواق جدة تقلبات الدهر.
ضحك بعضهم، وقال أحدهم: "وأين خريطة الكنز إذن؟"
فابتسمت، وبكل وقار البحّارة الذين ابتلعوا الموج قبل أن يبتلعهم، قلت: "الكنز، يا صاحبي، ليس حيث تتوقع، إنما حيث لا يخطر لك ببال."
هناك، على تلك الأرض، التقيت بأناسٍ عجبٍ، يعرفون النار كما يعرفها الكهنة في معابدهم، وينظرون إلى الجمر كأنه حيٌ ينبض تحت رماده.
قالوا لي: "هؤلاء نسل النار والجمر، أبناء الطبيعة التي لا تخضع إلا لقانونها." وكانوا قبائل مختلفة، لكلٍ منها قصتها، وكلٌ يحمل في قلبه ضغينة للآخر، نزاعاتهم لا تهدأ، وأحقادهم توقد نارها الرياح.
فقلت لهم: "إن كان لابد للنار أن تحرق، فلِمَ لا تجعلونها تحترق سلامًا؟"
اجتمعوا حولي كمن وجد حكيمًا لا يُشبهه زمانه، وبدأت أرسم في الهواء بيدي، ملامح شيءٍ لم يعرفوه من قبل. صنعت غليونًا من خشبٍ قاسٍ، نحتُّ عليه حكاياتي التي حملتها معي عبر البحار، وقلت لهم: "هذا هو القَلْومت. اجعلوه رمزًا لما يجمعكم لا لما يفرقكم."
علّمتهم أن يضعوا فيه تبغهم المقدّس، الذي يتحدثون عنه كأنه هديةٌ من الآلهة، وأن يشعلوه في لحظة صمت، حين تهدأ النفوس وتعلو أصوات السلام. كان العود طويلًا كأنفاسٍ عميقة، يحمل مع كل دخان دعاءً ونيةً طيبة.
جلسوا حول نارٍ واحدة، تبادلوا القَلْومت كما يتبادل الأصدقاء قسمًا. ومنذ تلك اللحظة، صار الغليون مقدّسًا عندهم، علامةً على المصالحة، ودليلًا على أن السلام لا يُولد إلا حين تُطفأ نار الحقد وتشتعل نار الحكمة.
عندما غادرت تلك الأرض، تركت وراءي القَلْموت، وأصبحت قصته جزءًا من أساطيرهم. وفي كل مرة، حين تهب الريح وتحمل إلى أنفي رائحة التبغ، أتذكر تلك الليلة التي علّمت فيها أبناء النار والجمر أن يجعلوا من دخانهم سلامًا.
قال لي أحد المستمعين من الذين احتطّوا بي كأنني شيخ طريقة ، وعيناه مليئتان بالفضول: "هل جلبت لنا القَلْومت هذا، الذي صنعته من أجل أبناء النار والجمر؟" كانت نبرته مليئة بالتوقعات، وكأنه يتوقع أن أُقدم لهم سرًّا من أسرار الأرض البعيدة.
ابتسمت، وقلت له: "لا، أيها الفضولي، لم آتِ إليكم بالقلْموت. لكنني اخترعت لكم شيئًا آخر، أهدته لكم الرياح في سفرٍ بعيد، وهو النارجيلة. اجعلوها رفيقة جلساتكم، واستمتعوا برائحتها، ولكن قبل أن تستمتعوا بدخانها، اسألوا أنفسكم: ما فائدته حقًا؟"
ران صمت غريب على الكل كأن الطير على روؤسهم حتى اردفت قائلا:
في بلاد الجمر والنار، حيث يلتقي دخان القَلْموت برؤوس رجالٍ يسعون للسلام، يعكف الهنود على صناعة السلام من الدخان، كأنهم يرون فيه رسائل عميقة من الأزمنة السحيقة، تحمل في طياتها حكمة الطبيعة. هم لا يدخنون ليتلذذوا، بل ليطهروا قلوبهم من نزعات الحرب. في أيديهم، يتحول الدخان إلى دعوة هادئة، فتطوف به الأرواح نحو السماء ليتصافح بها الجميع. هو ليس مجرد دخان، بل هو صمتٌ يسكب بين الجموع، ويلامس أعماقهم حتى تهدأ النفوس. كل نفسٍ يشعلونها معًا، تتراقص في الهواء كأفكار متشابكة، تلتقي لتخلق سلامًا بين المتخاصمين.
أما نحن، يا صاحبي، فنختلق من أتفه الأفكار حروبًا. نزاعنا ليس من أجل أرضٍ أو مالٍ، بل من أجل كلماتٍ صغيرة، نتحارب من أجلها، وتستنزف منا الأعوام. نلتهم الحياة بأطراف أكفنا، ولكننا نرى العدو في كل زاوية، نبتكر له مسميات، ونستعين بكل ما فينا من طاقة على إيقاد نارٍ ما أن تشتعل حتى تنطفئ وتعود. نحن لا ندخن لنصنع السلام، بل نغرق في دخان الحروب التي نخلقها، حتى تفرغ الأرض من مشاعرنا.
قلت له: "قبل أن نرفع القلومت أو خرطوم النارجيلة، وقبل أن نبحث عن الدخان ليحل مشكلاتنا، علينا أن نتوقف. يجب أن نتوقف للحظة، لنفكر في التسامح. التسامح الذي يحترق في القلوب مثل دخان خفيف، لكنه يبقى طيبًا في الأجواء، ويصفي الأرواح. نحن في حاجة للسلام الذي يأتي من الروح، لا من ألسنة النار."
نظر إليّ الرجل وكأن كلامي رياحٌ جديدة هبت عليه. فقلت: "لا تدخنوا كي تُشعلوا الحروب، بل احترسوا من أن تبقى ألسنة النار تلتهم قلوبكم. السلام يأتي عندما تذوب الحواجز، لا عندما تُبنى حولها الأسوار. ما الفائدة من دخانٍ يملأ صدورنا ضررًا؟ دعونا نبدأ بأن نتنفس التسامح، حينها فقط سيحملنا الدخان إلى حيث نريد، إلى مكانٍ بعيدٍ عن الحروب."
ثم نظرت نحو البحر، فكل موجة تذهب بعيدًا، وكل لحظة تنقضي تذكرنا بأن الزمن ليس في انتظارنا. قبل أن يتبدد كل شيء في الهواء، علينا أن نبحث عن السلام في أنفسنا، قبل أن نبحث عنه في كل زاوية.
المقامة العوسجية
حدثني عوسج بن ريحان عن سحاب بن هباب، وقد كان في مجلسه مع نفر من أصحاب الهمم، وكان يتحدث عن رجلٍ معروف بسخريته وغرائب حديثه، فقال:
"حدثني سحاب بن هباب، وقد كانت الهمسات تدور حول المجلس كما تدور الرياح في الحقول، عن ابن المارقة هذا الذي لا تقتصر رواياته على حدود الزمان والمكان. يقول ابن المارقة، الذي لم يترك بلادًا إلا زارها، ولا قومًا إلا اختلط بهم، إنه كان أول من اكتشف أرض الإمريكان، بل كان قريبًا منهم حتى أدرك خبايا عاداتهم. وقد ادعى في أحد مجالسه، بحكمته المزعومة، أنه عرف سِرّ الغليون الذي يشتهر به الهنود. فقال عنهم: 'إن هذا الاحتفال بالغليون عادة مستحدثة، بل زعم أنه هو من ابتكر تلك الشعيرة. الا ان الهنود هؤلاء سبقوا وجودنا بفترات طويلة، بل ربما كان هذا الطقس عرفًا ساريًا في بلادهم منذ أن نشأت البشرية، أيها السامعون.'"
ثم استمر عوسج بن ريحان سرده، فقال: "وما كان حديثه هذا إلا جزءًا من سلسلة من الكذب الذي نسجته خيالاته، فقال عن ذلك الاحتفال: 'إنه كان موروثًا من شعوبٍ عظيمة، وقد زارهم في عصور غابرة، أرض لم يكن لها أي أثر في كتب الجغرافيا. أظنها كانت أرض يأجوج و مأجوج، حيث يُقال إنهم كانوا يحتسون الدم كما يحتسي الفارس شرابًا في صحبته.'"
وسكت عوسج بن ريحان قليلًا، وكأن لسانه يعبث بكلمات ابن المارقة، ليعود ويقول: "أهذا هو الذي يسمي نفسه مكتشف الأرض؟ ألا تعلمون يا أحبتنا أن حديثه يتخطى الحدود وينفذ إلى المدى الأبعد؟ فهو يزعم أنه دخل أرضًا لا يعود منها الإنسان، تلك الأرض التي لا يجرؤ أحد على الوصول إليها، فتلك هي أرض يأجوج و مأجوج التي تكتنفها الأساطير. وقد ترك هؤلاء الأرض، بل تركوا قسوة الزمن، وكانوا من صنع أسطورة."
ثم ضحك عوسج بن ريحان ضحكةً هادئة، وقال: "وأنا لا أستطيع أن أصدق ما يقوله هذا الرجل، بل لعلها خيالاتٍ مُستَغربة، يتحدث عنها كما لو كانت حقائق ثابتة في تاريخ الأمم. وقد زعم مرةً أن هؤلاء الهنود - من أتى إليهم، ومن عاش بينهم - كانوا يشربون الدم في مناسباتهم كما يشرب الناس الماء في الصحاري. كيف له أن يعلم عنهم هذا؟ كيف له أن يصف تفاصيل لم تطأها قدمه، ولم يكن شاهدًا عليها؟"
وأضاف قائلاً: "يا أهل المجلس، لئن كان ابن المارقة قد زار أرضًا، فإني أجزم أن زيارته لها كانت زيارة فكرية أكثر منها جغرافية. فكم من أرضٍ سمع عنها، وكم من أناسٍ لم يرهم إلا في الأحاديث، وكلما تحدث عنها، أصبح أكثر يقينًا بأنه هو من اكتشفها. بل إنه أصبح يُنسب إليه الفضل في اكتشاف أماكن لا وجود لها إلا في خياله."
وسكت عوسج بن ريحان قليلاً، وكان قد استمر في سرد الحكاية بطريقة تثير التأمل في صحة كلام ابن المارقة. وتابع قائلاً: "أما عن ادعائه معرفة الشعوب، فأنا أقول لكم، إنه في كل مرة يتحدث عنهم، يشير إليهم بأسماء غريبة ويصفهم بأوصاف تكاد تكون منسوجة من الأساطير القديمة. حتى أنني شككت في أنه لم يكن يتحدث عن الناس الحقيقية، بل عن مخلوقاتٍ غريبة استعارها من خياله الخصب."
فقال سحاب بن هباب، وهو يضحك بصوت منخفض: "ولكن في كل هذه الخيالات، يوجد ما يجعلنا نؤمن بأن ابن المارقة قد زرع فينا بعضًا من الحيرة. فربما ما يقال عنه من أساطير، هو نفسه الحقيقة التي لا يعرفها إلا من رحلوا عن الأرض، أولئك الذين عاشوا بين الفصول والرياح، بين الأساطير والواقع."
ثم أضاف عوسج بن ريحان وهو يضع يده على قلبه، محاولًا أن يفهم طبيعة هذا المزيج بين الحقيقة والخيال: "لعل ابن المارقة، رغم كل ما في حديثه من مبالغات، هو حقًا ذلك الرجل الذي سافر إلى أماكن لم تطأها قدم، وحدثنا عن شعوبٍ لم نعرفها إلا من خلال قصصه. لعل في تلك الحكايات، هناك جزء من الحقيقة، ولو كان متخفيًا بين طيات الخيال."
وأتم عوسج بن ريحان حديثه قائلاً: "فلنأخذ من حديث ابن المارقة، أيها الأحبة، ما يصلح لنا، ولنترك ما يبتعد عن عقولنا. فالحقيقة ليست دوماً كما نراها بأعيننا، بل هي في كثير من الأحيان تلك التي تظل تلاحقنا في الأحلام."
وهكذا ختم عوسج بن ريحان حديثه، وقد ترك الحضور في حالة من التفكير والدهشة، بين صدق الأسطورة وغرابة الواقع.
المقامة اليمنية
حدثتني هديل بنت عقيل، وقد أرخَت خمارها على وجهها، كمن يبوح بسرٍ ثقيلٍ لا يقال إلا في ساعة صفاء. قالت:
> "في تلك الأيام العاصفة، حين كانت الحروب تمزّق أرض اليمن كما تمزّق الرياح أشرعة السفن، ظهر بين الناس رجل غريب، يسمونه ابن المارقة. كان يحمل في يده نبتة خضراء لا يعرفها أهلنا. تقدّم بها إلى الجنود المنهكين، وقال:
ـ خذوها، رفقًا بأهل اليمن، فإن قلوبهم كالسيوف، حادةٌ قاسية، لكنها في العمق رقيقةٌ، ناعمةٌ، مشوكةٌ كوردٍ برّيّ.
فأعطاهم تلك النبتة، وسماها القوت، غير أن الألسن تمتمت: بل هي القات."
سكتت هديل قليلًا، ثم تابعت:
> "كانت تلك النبتة أشبه بسحرٍ غامض؛ من يمضغها يهدأ، يسكن صخبه، كأن النار التي في صدره تنطفئ فجأة. لكنها في الحقيقة لم تكن إلا سُمًّا يتسرّب ببطء، يسمّ العقول ويُغشي الأبصار. لقد خدّرت المحاربين، حتى صاروا في الظهيرة يغفون بين البنادق والخيول، ولا يفيقون إلا مع غروب الشمس. هكذا سكنت الأرض ساعات، لكن الحرب لم تمت… بل نامت على فخذ النبتة."
تنهدت هديل، وأصابعها تعبث بحواف خمارها، ثم قالت بصوتٍ متهدّج:
> "أما أنا، فكنت في داري، امرأةً لا تخرج إلا لضرورة، أرقب العالم من وراء الزجاج. كنت أظن أنني في مأمن، فإذا بجنديٍّ لم يذق تلك النبتة، أطلق رصاصة طائشة من بندقيته. اخترقت الزجاج وتناثرت شظاياه أمام وجهي. شعرت أن الموت يقف على بعد شعرة، وأن دمي على وشك أن ينسكب. احمرّ وجهي من الفزع، احمرّ كما تحمرّ حبة طماطم في حرّ الصيف. ومنذ ذلك اليوم صاروا يقولون: أحمرّ من وجه هديل، مثلاً يُضرب في هول الفزع."
حدثتنا هديل بنت عقيل، وقد غيّبت نصف وجهها بخمارٍ أبيض، وعيناها تشعّان كمن يسرد سراً تُخشى عواقبه. قالت:
> "كان الناس في تلك الأيام إذا اجتمعوا في الأسواق أو المقاهي، تناقلوا اسمًا غريبًا: ابن المارقة. لم يكن تاجراً ولا أميراً، بل رجلاً من عامة السوق، يقال إنه نشأ بين بسطات الخضار وصخب الباعة، لكن الله ألقى في قلبه ما لم يُلقَ في قلوب الشيوخ والوجهاء. كان يمشي بين الأزقة كأنه طيف، فإذا وقف في ساحة أو ميدان، علت كلماته فوق ضجيج الناس:
ألَمْ يُبْعَثْ لِأُمَتِكُمْ نَبِيٌ
يُوَحِّدُكُمْ عَلَى نَهْجِ الوِئَامِ؟
وَمُصْحَفُكُمْ وَقِبْلَتُكُمْ جَمِيعاً
مَنَارٌ لِلأُخُوَّةِ وَالسَّلَامِ.
وفوقَ الكلِّ رَحْمَنٌ رَحِيْمٌ،
إلَهٌ واحِدٌ .. رَبُّ الأَنَامِ."
فتخشع القلوب لحظة، ثم تعود طبول الحرب تُغطي صوته.
وتابعت هديل:
> "كثر القول إنه مات في الحرب. دخلها لا طلباً للغنيمة ولا شهوةً للقتال، بل فداءً للأرض. قيل إنه صرخ قبل أن يسقط: خذوا بدمي فدى لأرضكم، خذوا بدمي فدى لأرضكم! ثم خرّ صريعاً في قلب المعركة، فلم يلتفت إليه أحد. مضى الناس يقاتلون، وانطوت صفحته كأنها لم تكن."
ثم أطرقت برأسها، وهمست بصوتٍ مثقل:
> "ومن يجرؤ على فتح تلك الصفحة اليوم، سيُقال عنه: كاذبٌ، مارقٌ، خارجٌ عن الرواية. هكذا تُمحى حكايات الصادقين، ويظل دمهم معلقاً بين السماء والأرض."
النهاية






.jpeg)


