بحث هذه المدونة الإلكترونية

الاثنين، 27 يناير 2025

مقامات ابن المارقة



ابن المارقة البيكارسكي
 

اسمي ابن المارقة، وسيرتي ليست ككل السير. أنا نتاج الأزقة المظلمة والأسواق المكتظة، حيث تعلمت أن الحياة لا تمنح أحدًا شيئًا بلا ثمن. ولدتُ في كنف الفقر، بين الجدران المتشققة التي تحمل أصوات الرياح كأنها نواح أرواح منسية. أبي كان رجلاً مجهولاً، وأمي امرأة كسرتها الأيام لكنها لم تفقد وهج نظرتها التي تشبه السيف.

أحكي حكايتي الآن، لا لتكون عزاءً لمن يشبهونني، بل ليتعلموا أن المغامرة ليست إلا مرآة يطل منها الإنسان على وجهه الحقيقي.

نشأتُ على فنون الخديعة. تعلمتُ من صائدي الجيوب في الأسواق كيف أتحايل على الحراس، ومن الباعة كيف أبيع الوهم للمغفلين. كنتُ أعيش كل يوم كما لو كان آخر أيامي، لكن هذا العيش لم يكن بدافع الخوف، بل لأنه كان طريقي الوحيد لاختبار الحياة بكل ما تحمله من تناقضات.

في إحدى الليالي، بينما كنت أعبث بجيوب أحد التجار، سمعتُ حديثًا عن "بحر الظلمات"، بحر لم يعد منه أحد. كان ذلك التحدي هو ما أحتاجه. هل هناك ما يثير شهية رجل مثلي أكثر من مخاطرة لم يجرؤ عليها أحد؟

ابتعتُ قاربًا صغيرًا بثمن بخس من صياد أعمى، وحملتُ معي زادًا بسيطًا: خبز يابس وزجاجة ماء. توجهتُ صوب البحر، وفي نفسي يقين بأنني إن لم أجد ما أسعى إليه، فإن البحر سيجدني.

في البداية، كانت الأمواج ودودة، كعاشق يخفي خيانته. لكن سرعان ما انقلبت الرياح، وصارت الأمواج كجيوش غاضبة تهدد بابتلاعي. رغم ذلك، لم أتراجع. كنتُ أجدف وكأن الحياة نفسها معلقة على مجدافي.

وفي وسط هذا الصراع، ظهرت سفينة ضخمة. قبطانها كان رجلاً مهيبًا، لحيته البيضاء تُذكِّر بالأساطير القديمة. خاطبني بصوت كالرعد: "من أنت، أيها الأحمق الذي يجرؤ على مواجهة بحر الظلمات؟"

أجبته بصوت متماسك رغم ارتجاف قلبي: "أنا ابن المارقة، مغامر يبحث عن الخلاص من قيود الأرض." ضحك القبطان، ثم دعاني للصعود إلى سفينته.

على متن تلك السفينة، علَّمني القبطان أسرار الرياح وكيف أخدع الأمواج. لكنه لم يمنحني هذه المعرفة بلا مقابل. قال لي ذات يوم: "تذكر، يا ابن المارقة، أن الذكاء نعمة، لكن ثمنه غالٍ. في بحر الظلمات، الخدعة قد تنقذك أو تدمرك." كلماته كانت كالحكمة المسمومة، تأسر العقل وتُبقي القلب على حافة الجنون.

بعد أسابيع من الإبحار، وصلتُ إلى جزر الكناري، حيث بدأت حكايات جديدة تُنسَج في ذهني. قابلتُ القبطان مجددًا في إحدى الليالي، وسألته عن رحّالة إيطالي يُدعى كولومبوس. قال لي إنه مغامر آخر، لكنه يعتقد أن هناك طريقًا جديدًا نحو الهند. فكرة كولومبوس أشعلت في نفسي نارًا جديدة. هل يمكن أن أكون جزءًا من هذا الجنون؟

في حديث آخر مع القبطان، كشف لي سرًا: "يا ابن المارقة، المغامرة الحقيقية ليست في اكتشاف أراضٍ جديدة، بل في مواجهة نفسك. البحر ليس سوى مرآة تعكس حقيقتك."

كانت كلماته كالسيف، تقطع أوتار قلبي. بدأتُ أفكر: هل كانت مغامراتي كلها هروبًا من نفسي؟ أم أنها كانت رحلتي نحوها؟

على شواطئ جزر الكناري، بينما كانت الشمس تغرب بلون الدم، جلستُ أعزف على عودي وأغني. أدركتُ حينها أن كل مغامرة خضتها، وكل كذبة نسجتها، كانت جزءًا من لحن حياتي. أنا ابن المارقة، المغامر والمخادع، الباحث عن الحرية والحقيقة. وربما، في نهاية المطاف، ليس المهم أن أجد الإجابة، بل أن أعيش السؤال. 

 

"مقامات ابن المارقة"

في زوايا التاريخ الثقافي العربي، حيث يلتقي الأدب بالفكر والرمزية، تبقى بعض الأعمال الأدبية كأسرار ضائعة لا تزال تسكن في طيات الزمن. من بين تلك الأسرار العتيقة، يظهر كتاب "مقامات ابن المارقة"، الذي يكتنفه الغموض والألغاز. لم يُعرف عنه سوى إشارات مبهمة في كتب التراث، وبعض الهويات التي تذكره دون أن تكشف عنه بشكل كامل. جاء فيه بعض الشذرات التي يقول الرواي فيها:

حدثني رواح بن بهرة، ذلك الرجل الذي كانت له في الحكايات منزلة، وله في المواقف حكمة تبقى في الأذهان كما تبقى آثار النجمات في السماء، عن ابن المارقة، ذلك الشاب الذي كانت الرياح تدفعه نحو المغامرة في كل يوم، فيخوض معركة تلو الأخرى، سواء كانت مع الجبال أو البحر، أو حتى مع أفكاره العميقة التي كان يراوح بها عقله. فقال لي: "هل سمعت عن ابن المارقة؟ ذلك الفتى الذي زعم أنه ركب البحر مع قولمبوس الطلياني، الذي ارتحل إلى أرضٍ غريبة لم يعرفها أحد من قبل، تلك الأرض التي تسمى الهند الغربية؟ لكن لا تنخدع بما يُقال. لم يكن ابن المارقة في تلك الرحلة. لا، بل لم يتجاوز حدود شاطئه الذي ألفه. لكنه، كما يقال، كان من أهل الحيلة والفطنة، وكان يرى في كل مغامرة فرصة لخلق أسطورة جديدة."

ثم نظر رواح بن بهرة في عينيّ، وكأنما يحذرني من تصديق ما سمعته دون تأمل، فاستطرد قائلاً: "نعم، ابن المارقة لم يسافر إلى الهند الغربية ولم يعبر المحيطات كما ادعى. ولكنه، ذلك الفتى الذي لا يخفى عليه شيء من الحيلة، قرر أن يختلق قصصًا تُلهب خيال الناس. فذهب وأخبرهم أنه رأى جزيرة برمودا، التي يُقال إن السفن تبتلعها، وأنه شاهد هنودًا زرقًا، كما لو أن هؤلاء القوم ليسوا بشرًا، بل شيء آخر تمامًا. وكان يقول: 'لقد رأيتهم وهم يسيرون على الأرض كما يسير العصفور في الرياح، لا يلمسون الأرض بأقدامهم، بل يطفون فوقها.'"

ثم ابتسم رواح بن بهرة ابتسامة خفية على شفتيه، وقال: "والعجب، أن الناس صدقوه! بل جعلوه واحدًا من أبطال الرحلة، رغم أنهم كانوا يعرفون في أعماقهم أن تلك الأرض التي سافر إليها ابن المارقة لم تكن سوى خيال في عقله، وعجائب في أذنه."

"لكن لماذا يفعل ابن المارقة هذا؟" سألته متعجبًا. فقال لي: "لأنه يعلم أن الحياة لا تُقاس بما تراه العين، بل بما يصدق الناس. وكلما اخترع قصة جديدة، أصبحت أسطورة أكبر. حتى أصبح يُقال عنه: 'من أراد أن يرى الهند الغربية، عليه أن يذهب إلى ابن المارقة!'"

ثم ضحك رواح بن بهرة، ضحكة ملؤها الحكمة، وقال: "وهكذا، تعلمنا من ابن المارقة، الذي علمنا أن القصة لا تحتاج إلى حقيقة لتعيش، بل إلى من يرويها بحرفية، فتتحول إلى أسطورة."

وكان درس ابن المارقة في هذا المجال واضحًا: *الحيلة قد تكون الطريق الأقصر للخلود، ولكن الطموح في الحكاية هو ما يجعلنا نعيش في ذاكرة الناس.*


المقامة المرجانية


جلس مرجان بن جوهر في مجلسه، حيث تهامست الهمسات بين الفضلاء والعلماء. وكان الليل قد أرخى ستاره على الأرض، والحكمة تتناثر من بين الكلمات مثل الزهور في بستان خصب. وبينما كان يلفه الصمت الهادئ، بدأ يتحدث عن بطلٍ عظيم، مغامرٍ لا يعرف حدودًا للعلم ولا للبحر، عن "ابن المارقة"، الذي حمل في قلبه شجاعة المجهول وعبقرية التاريخ.

قال مرجان بن جوهر بصوتٍ عميق، وكأن الكلمات تمضي عبر الزمن:

"يا أيها الفضلاء، دعوني أحدثكم عن بطلٍ عظيم، وهو الذي ما سمعتم عن سيرته في أزمنة مضت، فاسمعوا مني، فإني كنت قريبًا من تفاصيل حكايته. هو ابن المارقة، الرجل الذي أضاء ليله بنور العزيمة، وصوّب سهام فكره نحو أمواج البحر بعينٍ لا ترى سوى الأفق الأبعد."

ثم نظر مرجان في عيون رفاقه، وكأن كل كلمة كانت تخرج من فمه كأنها جواهر ثمينة:
"يقال، ومن يقدر على مجاراة ما يقال، إن ابن المارقة هو من تحدى البحر والمجهول، هو من أبحر فيما لم يجرؤ أحدٌ على الإبحار فيه، وفتح آفاقًا غير التي رأتها أعين البشر. في أيامٍ خلت، وكان التاريخ لا يدري أن هناك من سبق المغامرين الكبار، كان ابن المارقة يكتب التاريخ بيده، فبفضل فكرته وعلمه، اكتُشفت أراضٍ بعيدة، سميت فيما بعد بما يليق بمغامرة فذة، أمريكا."

رفع مرجان بن جوهر يده في الهواء، وكأن لسانه يطير إلى هناك، حيث لا يزال البحر يحكي أسراره:

"إنه في سنة 882م، كان ابن المارقة قد غادر الأندلس، تلك الأرض التي ارتويت من علمها وحضارتها، متوجهًا نحو بحرٍ ليس فيه سوى المجهول. ركب مراكب البحار، ومعه نفرٌ من شباب الأندلس، وقد أعدّوا العدة لتحقيق حلمٍ بعيد، لم يكن أحد يتخيله في تلك الأيام."

واستمر مرجان، وفجأة، تعمقت نبراته كأن الكلمات تتساقط من فمه كحبات لؤلؤ ثمينة:

"لقد قادهم ابن المارقة إلى المدى البعيد، حيث سافروا عبر أمواج المحيط الواسع، واكتشفوا أراضٍ شاسعة وخصبة، ليس فقط في وجه الأرض، بل في التاريخ نفسه. وعادوا بغنائم العلم، ولم يكن أحد يعرف سرهم، أو يعلم عن أرض المارقة التي تفتح أفقًا جديدًا للعالم. فأين كان العيون؟ وأين كانت الرؤية؟ إن ابن المارقة لم يُذكر، ولم يُخلّد، بينما سر المارقة ظل حبيسًا."

ثم قال مرجان، وهو يحس بمدى عظمة الحقيقة التي كان يرويها:
"وفي كتابه الشهير *مروج الذهب*، ذكر المسعودي تلك الحكاية الغريبة، فقال: 'منهم رجلٌ من أهل الأندلس يُدعى خشخاش، وكان فتى من فتيان قرطبة وأحداثها. جمع جماعة من شبابها، وركب بهم مراكب استعدها في البحر المحيط. فغاب عن الناس ثم عاد محملاً بغنائمٍ واسعة وأخبار عن أراضٍ لم يكن يعرفها أحد.'"

ثم ابتسم مرجان بن جوهر ابتسامة عميقة، وكأنه يكتشف جانبًا آخر من القصة:

"لكن الحقيقة، أيها الأكارم، أن الذي أبحر هناك لم يكن سوى ابن المارقة، وهو من استهلّ الطريق الطويل، وأسس لحكاية لا يعرفها كثيرون. وما كولومبوس، ذلك الرجل الطلياني الذي تباهى بأنه أول من اكتشف أراضٍ جديدة، إلا من سلك الطريق بعد أن أعدّ له ابن المارقة ورفاقه الخرائط. فهل نعلم اليوم من كان له الفضل في اكتشاف أمريكا؟"

ثم أضاف مرجان بن جوهر، وكأن قلبه يفيض بالكلام:
"ابن المارقة، الذي عرف ما لا يعرفه الآخرون، هو من حمل في قلبه شجاعة البحر وأسرار الفضاء، فكان له الفضل في إضاءة الطريق للآخرين. فإذا ذكرتم أمريكا، فاذكروا ابن المارقة، ذلك البطل الذي سطر التاريخ بخطىٍ شجاعة، وقلبٍ لا يهاب المجهول."

وانتهى مرجان بن جوهر من حديثه، وقد ترك في المجلس غيمة من التأمل، تسكن النفوس وتفتح الأفق على ما لم يكن يُعلم.


المقامة السحابية

حدثني سحاب بن هباب ، وقد أخذ نفسًا عميقًا وكأنما أراد أن يجرني إلى أعماق حكايةٍ قد تلتفّ حول الزمان والمكان، فقال منشدا:

يا خاطِبَ الدّنيا الدّنِيّـ *** ـةِ إنّها شرَكُ الرّدى

دارٌ متى ما أضْحكت *** في يومِها أبْكَتْ غدا

وإذا أظَلّ سَحابُـهـا *** لم ينتَقِعْ منْه صدى

غاراتُها ما تنْقَضـي *** وأسيرُها لا يُفتَـدى

كمْ مُزْدَهًى بغُرورِها *** حتى بَدا متـمَـرّدا

قلَبَتْ لهُ ظـهْـرَ الـمِـجَـ *** ـنّ وأولَغَتْ فـيهِ الـمُـدى

فارْبأ بعُـمـرِكَ أن يمُـرّ *** مُضَـيَّعـاً فـيهـا سُـدى

واقطَعْ علائِقَ حُبّها وطِلابِها *** تلْــقَ الـــهُـــدى

وارْقُبْ إذا ما سـالَـمـتْ *** من كيدِها حرْبَ الـعَـدى

واعْلَمْ بـأنّ خُـطـوبَـهـا *** تفْجا ولوْ طـالَ الـمـدى

و استرسل قائلا:

"يا ابن هباب، إذا كنت قد سمعته يروي عن نفسه أنه كان من الرواد الأوائل الذين اكتشفوا الهند الغربية، فأعلم أن ابن المارقة لا يتوقف عن اختراع حكاياتٍ تدور حوله، بل يبتكر العوالم كما يصنع الحرفي أشكالًا من الطين. فها هو، وقد أسس لنفسه مكانة في كتب الرحلات الغريبة، يُزعم أنه هو من سَمَّى الأرض التي نعرفها اليوم بـ'أمريكا'."

ابتسم سحاب بن هباب ابتسامة خفيفة، وكان وجهه يعبق بالكثير من التلميحات الخفية، ثم تابع قائلاً: "أما تسميتها بـ'أمريكا' فليست إلا إبداعًا من ابن المارقة، الذي كان يصر على أن هذه الأرض كانت مُسماة 'المارقة' نسبةً إليه، هو الذي مرّ عليها قبل غيره من القادمين من بعيد. وكان يروي بأدبٍ وتوغلٍ في الأساطير، أن الأعاجم - الذين لم يفهموا النطق العربي - قد خطؤوا في نطقها، فحولوها إلى 'أمريكا'، وهي في الحقيقة مشتقة من كلمة 'مرقت'، كما يقال: 'مرقت عن العالم القديم'."

"يقول ابن المارقة، مستغلاً كل فرصة للمبالغة: 'إنها أرضي، مرقت عن العالم القديم كما يمرق السهم من القوس. كنت أول من نظر إليها، وأول من سمع صوتها الذي يهدئ الموجة في بحر الأمل. قبل قولمبوس الطلياني، كنت أنا أول من لمس شواطئها، وقد ابتعدت عن العالم كما يبتعد الزمان عن حاضره. كانت تلك الأرض مرقًا من يد العالم القديم إلى عالم جديد، أرض لم يلمسها سوى من كان قادرًا على التفكير خارج حدود المألوف، وأنا الذي لا أرى حدودًا للخيال ولا للممكن.'"

ثم رفع سحاب بن هباب يده كما لو كان يعبر عن شيء بعيد، وقال بصوتٍ يعكس سخريةً خفيفة: "ومع ذلك، يا ابن هبّاب، لا تندهش إذا سمعت أن الناس كانوا يصدقونه. لأن في كل حكاية يرويها ابن المارقة، هنالك جزء من الحقيقة، وهنالك جزء آخر من الخيال الذي يلمع مثل الذهب في عيون السامعين. فقد أصبح يقال في المجالس: 'من أراد أن يعرف قصة المارقة، فليذهب إلى ابن المارقة'."

كان حديث سحاب بن هباب مليئًا بالفكاهة والمكر، ولكن فيه أيضًا دعوة للتأمل في تلك القصص التي نسجها ابن المارقة عن الأرض التي 'مرقت'، وكيف أن الحكايات قد تكون أحيانًا أقوى من الواقع، وأن الأسطورة هي ما يجعل البطل خالدًا في ذاكرة الأجيال.


قال سحاب بن هباب، وقد اجتمع حوله جمع من أصحاب السيرة والمغامرة، وهو ينقل عن ابن المارقة ما يستحق أن يُروى: "أيها السامعون، إن حديثنا اليوم عن ابن المارقة ليس ككل الحديث. فذاك الفتى الذي عاش بين الرياح ودفء الأساطير، لم يكن مجرد مغامر أو شجاع متهور. لا، بل كان في أعماقه مزيجًا من الذكاء والمكر، كما أن الحكايات التي نسجها لم تكن حكايات عادية، بل قصصًا تُخلّد، وتقلب الموازين في دنيا العقلاء.

ألم تسمعوا ما يقول عن نفسه؟ بل هو الذي يدعي أنه كان له الفضل في دلّ الرحالة ابن فضلان إلى ديار البلغار، حيث كان له من الجُهد والمراوغة ما جعله يعرف عن الأرض ما لا يعلمه أهلها. لقد قال ابن المارقة - والله أعلم صدق قوله من كذبه - إنه كان صاحب الخطة التي جعلت ابن فضلان يجد طريقه في تلك العوالم الغريبة التي لا يسلكها إلا من كان في قلبه رياح المغامرة العاتية. يقول: 'لقد مرّ بي ابن فضلان، ذلك الرجل الذي سافر في الأرض بحثًا عن حكمة الشرق، فكنت له مرشدًا في الطرق الملتوية، وأنا من فتح له الأفق ليجد ديار البلغار، حيث لا يوجد إلا الهمس والتقاليد القديمة، كما أنني كنت من قدم له المفتاح إلى اللغات الغريبة، ففهم لغة أهلها كما يفهم الطيور لغة الرياح.'

ويضيف سحاب بن هباب، وهو ينظر في أعين الحضور: "لكن ذلك ليس كل شيء، يا أهل الفطنة. ابن المارقة يزعم أيضًا أنه من علم ابن فضلان لغة الفرنجة، تلك اللغة التي كانت غريبة عن أعين الشرق، والتي لا يطوقها إلا من كان له من الحيلة ما يكفي لأن ينقلب الجغرافيا والزمان. يقول: 'لقد كنتُ في تلك الأيام، حين كانت الكلمات لا تُقال إلا في الخفاء، معلمًا لابن فضلان في لغة الفرنجة. كنتُ أراه يشد قبضته على القلم كما يشد الفارس سيفه، وأنا أعلمه كيف يتحدث بلغة لا يعرفها الناس، ليكون له السبق في فهم خطط الفرنجة وحكمهم. كان يظن أنها مجرد لغة، ولكني كنت أراه يتعلم سرًا يفتح له أبواب الألف من الأحوال.'"

ثم قال سحاب بن هباب، وقد تملّكته الحيرة والدهشة: "أحقًا هو هذا ما كان يدّعيه ابن المارقة؟ أهو المعلّم الذي أنار درب ابن فضلان؟ أهو الذي أرشد الرحالة إلى ديار البلغار؟ أم أن تلك كانت مجرد حكاية من حكاياته، مثلما اعتدنا على سماعها من فمه العجيب؟"

لكنه أضاف، مبتسمًا بحذر: "والحق يُقال، حتى وإن كانت تلك الحكايات خيالًا، فقد أصبح ابن المارقة أسطورة في حد ذاته. الرجل الذي لا يرضى أن يُحصر في حدود الزمان والمكان، والذي كلما سُئل عن مسيرته، كانت إجابته أكثر غموضًا وتعقيدًا. ربما لم يكن هو من دلّ ابن فضلان، ولا من علمه لغة الفرنجة، لكن الناس صدّقوه. وقد يكون هذا هو السر في بقائه، في أن الحكاية لا تتطلب حقيقة لتظل حيّة في الذاكرة، بل تكفيها حنكة الراوي."

وأتم سحاب بن هباب قائلاً: "هكذا نعلم من ابن المارقة أن كل مغامرة جديدة تحتاج إلى خيال خصب، وأن الفتى الذي يملك القدرة على تحويل ما يراه إلى أسطورة، هو الذي يملك مفاتيح الخلود في ذاكرة الأجيال."


جلست الحضور في صمتٍ عميق حين بدأ سحاب بن هباب في سرد الحكاية، وكانت الكلمات تنساب ببطء، تحمل معها أسرارًا قديمة وعميقة عن شخصية عظيمة حُجبت عنها الأضواء. قال سحاب بن هباب بصوتٍ رصين، وهو ينقل للمتجمعين عبر الزمان والمكان:

"أيها الأفاضل، إننا لا نتحدث عن مجرد شخص عابر في سطور التاريخ، بل عن رجل قلّ مثيله في شجاعته وحنكته. هو ابن المارقة، الذي يزعم أنه هو من اكتشف الأرض الخضراء قبل أن يظن الكثيرون أن أريق الأخضر هو أول من وطأها. هذه الحقيقة الغائبة هي التي نزلت كالصاعقة في قلوب من سمعها، وأثارت الريبة في كتب المؤرخين."

ثم تابع سحاب بن هباب بحماسٍ يملأ قلبه، ونظرته تنبض باليقين:
"نعم، أيها الأحبة، ابن المارقة، ذلك الرجل الذي ركب البحر قبل أن يجرؤ غيره على مغامرة كهذه. لم يكن حينها قد عرف الناس شيئًا عن الأرض الخضراء، والأفق الذي يتجاوز المدى، وهو كان أول من وصل إليها. أما أريق الأخضر، الذي يعتقد الكثيرون أنه مكتشفها، فما هو إلا رجل تابع أثر ابن المارقة. دخل الأرض الخضراء بعد أن أضاءت خطوات ابن المارقة الطريق أمامه، ليتبعها بثقة منقطعة النظير."

ابتسم سحاب بن هباب ابتسامة خفيفة، وقال بصوت خافت:
"والعجب الأكبر في القصة هو أن أريق الأخضر، الفايكنغي الذي طالما سُمِّي مكتشف الأرض الخضراء، قد وصل هناك ليجد قومًا من تلك الشعوب الذين قد أرسلوا لهم نساءهم كنوع من حسن الضيافة. لكنهم، بدلًا من إظهار الامتنان، ضاجعوا نساء تلك الأرض، حيث كانوا يعتقدون أن ذلك هو نوع من الوفاء والشكر، وهو ما يبدو أنه كان سوء فهم ثقافي فادح."

ثم أكمل سحاب وهو يستعيد الكلمات بحسرةٍ طفيفة:
"وها هو اليوم يُذكر في كتب التاريخ على أنه أول من اكتشف هذه الأرض، بينما الحقيقية أعمق وأشمل. فابن المارقة هو من سبق الجميع، وفتح الطريق لكل من جاء بعده، وهو من جعله طريقًا مشرعًا على مصراعيه."

رفع سحاب بن هباب رأسه وهو ينظر إلى الحضور، وعيناه تلمعان بحكمة قديمة:
"فلتكن هذه القصة عبرة لنا جميعًا، لنتذكر دائمًا أن التاريخ لا يُكتب إلا بأيدي الذين يسعون وراء الحق، وليس خلف الشهرة. وإن ابن المارقة كان هو من فتح الآفاق، وهو الذي ترك بصمته في تلك الأرض الخضراء التي ضاعت تفاصيلها في غياهب الزمن."

واختتم سحاب بن هباب حديثه بابتسامةٍ هادئة، وكأن الحقيقة قد ظهرت بوضوح أمام الحضور، تاركًا وراءه علامة فارقة في ذاكرة التاريخ.

 

 

المقامة النارية

 

ها هي الريح تدفع شراعي، وتحملني أقدارها حيث تشاء، حتى أرستني الأقدار في ميناء جدة، محمَّلًا بحكايات تنوء بحملها دفَّات السفن. ما إن وطئت قدمي الأرض حتى اجتمع حولي رهطٌ من الفضوليين، كلٌّ يبحث عن قصة، كلٌّ يظنني كنزًا دفينًا من أسرار البلدان البعيدة. وما كنت لأخيّب ظنهم، فأنا ابن المارقة، لا أعبر أرضًا إلا وخلّفتُ فيها أثرًا، ولا أغادر مجلسًا إلا وتركتُ فيه حديثًا لا يُملّ.  

أخذت أرسم بالكلمات صورة جزرٍ لم يطأها بشرٌ إلا من كان على شاكلة المغامرين أو الحالمين. حكيتُ عن بلادٍ تغيب فيها الشمس في أعماق الغابات الكثيفة، حيث الأشجار شاهقةٌ كأعمدة المعابد، وتهمس الأوراق بلغةٍ لا يفهمها إلا من ألقى السمع وهو شهيد. هناك، حيث الناس لا يعرفون سلطانًا غير الطبيعة، يقدّسون المطر ويخشون الرعد كأنه زجرٌ من السماء. على رأسهم يقف الشامان، العرّاف والطبيب والمُرشد، رجلٌ يُشبه زئبقًا متفلّتًا، عشر صنايع ولكن لعلّ المثل الذي يليق به: "والبخت ضايع".  

لم أكن أتكلم من فراغ، فقد سرتُ على خطى ابن المسعودي، نهلتُ من خرائطه، ونقّبت في سطوره حتى وجدتني في الأرض المجهولة. هناك، رأيت بأم عيني كيف يعبدون الطبيعة، كيف يسجدون للشجر، ويطوفون حول الجداول، وكيف يبتسمون للمطر كما يبتسم العاشق للموعد الأول. أما شامانهم، فهو الحكيم والمداوي والمتنبئ، يخلط الأعشاب بيدٍ، ويدوّن النبوءات بالأخرى، يقرأ الطالع في دخان النار كما يقرأ التجار في أسواق جدة تقلبات الدهر.  

ضحك بعضهم، وقال أحدهم: "وأين خريطة الكنز إذن؟"  

فابتسمت، وبكل وقار البحّارة الذين ابتلعوا الموج قبل أن يبتلعهم، قلت: "الكنز، يا صاحبي، ليس حيث تتوقع، إنما حيث لا يخطر لك ببال."  


 هناك، على تلك الأرض، التقيت بأناسٍ عجبٍ، يعرفون النار كما يعرفها الكهنة في معابدهم، وينظرون إلى الجمر كأنه حيٌ ينبض تحت رماده.  

قالوا لي: "هؤلاء نسل النار والجمر، أبناء الطبيعة التي لا تخضع إلا لقانونها." وكانوا قبائل مختلفة، لكلٍ منها قصتها، وكلٌ يحمل في قلبه ضغينة للآخر، نزاعاتهم لا تهدأ، وأحقادهم توقد نارها الرياح.  

فقلت لهم: "إن كان لابد للنار أن تحرق، فلِمَ لا تجعلونها تحترق سلامًا؟"  

اجتمعوا حولي كمن وجد حكيمًا لا يُشبهه زمانه، وبدأت أرسم في الهواء بيدي، ملامح شيءٍ لم يعرفوه من قبل. صنعت غليونًا من خشبٍ قاسٍ، نحتُّ عليه حكاياتي التي حملتها معي عبر البحار، وقلت لهم: "هذا هو القَلْومت. اجعلوه رمزًا لما يجمعكم لا لما يفرقكم."  

علّمتهم أن يضعوا فيه تبغهم المقدّس، الذي يتحدثون عنه كأنه هديةٌ من الآلهة، وأن يشعلوه في لحظة صمت، حين تهدأ النفوس وتعلو أصوات السلام. كان العود طويلًا كأنفاسٍ عميقة، يحمل مع كل دخان دعاءً ونيةً طيبة.  

جلسوا حول نارٍ واحدة، تبادلوا القَلْومت كما يتبادل الأصدقاء قسمًا. ومنذ تلك اللحظة، صار الغليون مقدّسًا عندهم، علامةً على المصالحة، ودليلًا على أن السلام لا يُولد إلا حين تُطفأ نار الحقد وتشتعل نار الحكمة.  

عندما غادرت تلك الأرض، تركت وراءي القَلْموت، وأصبحت قصته جزءًا من أساطيرهم. وفي كل مرة، حين تهب الريح وتحمل إلى أنفي رائحة التبغ، أتذكر تلك الليلة التي علّمت فيها أبناء النار والجمر أن يجعلوا من دخانهم سلامًا. 

 


 

قال لي أحد المستمعين من الذين احتطّوا بي كأنني شيخ طريقة ، وعيناه مليئتان بالفضول: "هل جلبت لنا القَلْومت هذا، الذي صنعته من أجل أبناء النار والجمر؟" كانت نبرته مليئة بالتوقعات، وكأنه يتوقع أن أُقدم لهم سرًّا من أسرار الأرض البعيدة.  

ابتسمت، وقلت له: "لا، أيها الفضولي، لم آتِ إليكم بالقلْموت. لكنني اخترعت لكم شيئًا آخر، أهدته لكم الرياح في سفرٍ بعيد، وهو النارجيلة. اجعلوها رفيقة جلساتكم، واستمتعوا برائحتها، ولكن قبل أن تستمتعوا بدخانها، اسألوا أنفسكم: ما فائدته حقًا؟"

ران صمت غريب على الكل كأن الطير على روؤسهم حتى  اردفت قائلا: 

في بلاد الجمر والنار، حيث يلتقي دخان القَلْموت برؤوس رجالٍ يسعون للسلام، يعكف الهنود على صناعة السلام من الدخان، كأنهم يرون فيه رسائل عميقة من الأزمنة السحيقة، تحمل في طياتها حكمة الطبيعة. هم لا يدخنون ليتلذذوا، بل ليطهروا قلوبهم من نزعات الحرب. في أيديهم، يتحول الدخان إلى دعوة هادئة، فتطوف به الأرواح نحو السماء ليتصافح بها الجميع. هو ليس مجرد دخان، بل هو صمتٌ يسكب بين الجموع، ويلامس أعماقهم حتى تهدأ النفوس. كل نفسٍ يشعلونها معًا، تتراقص في الهواء كأفكار متشابكة، تلتقي لتخلق سلامًا بين المتخاصمين.

أما نحن، يا صاحبي، فنختلق من أتفه الأفكار حروبًا. نزاعنا ليس من أجل أرضٍ أو مالٍ، بل من أجل كلماتٍ صغيرة، نتحارب من أجلها، وتستنزف منا الأعوام. نلتهم الحياة بأطراف أكفنا، ولكننا نرى العدو في كل زاوية، نبتكر له مسميات، ونستعين بكل ما فينا من طاقة على إيقاد نارٍ ما أن تشتعل حتى تنطفئ وتعود. نحن لا ندخن لنصنع السلام، بل نغرق في دخان الحروب التي نخلقها، حتى تفرغ الأرض من مشاعرنا.

قلت له: "قبل أن نرفع القلومت أو خرطوم النارجيلة، وقبل أن نبحث عن الدخان ليحل مشكلاتنا، علينا أن نتوقف. يجب أن نتوقف للحظة، لنفكر في التسامح. التسامح الذي يحترق في القلوب مثل دخان خفيف، لكنه يبقى طيبًا في الأجواء، ويصفي الأرواح. نحن في حاجة للسلام الذي يأتي من الروح، لا من ألسنة النار."

نظر إليّ الرجل وكأن كلامي رياحٌ جديدة هبت عليه. فقلت: "لا تدخنوا كي تُشعلوا الحروب، بل احترسوا من أن تبقى ألسنة النار تلتهم قلوبكم. السلام يأتي عندما تذوب الحواجز، لا عندما تُبنى حولها الأسوار. ما الفائدة من دخانٍ يملأ صدورنا ضررًا؟ دعونا نبدأ بأن نتنفس التسامح، حينها فقط سيحملنا الدخان إلى حيث نريد، إلى مكانٍ بعيدٍ عن الحروب."

ثم نظرت نحو البحر، فكل موجة تذهب بعيدًا، وكل لحظة تنقضي تذكرنا بأن الزمن ليس في انتظارنا. قبل أن يتبدد كل شيء في الهواء، علينا أن نبحث عن السلام في أنفسنا، قبل أن نبحث عنه في كل زاوية.

 

  المقامة العوسجية

 
حدثني عوسج بن ريحان عن سحاب بن هباب، وقد كان في مجلسه مع نفر من أصحاب الهمم، وكان يتحدث عن رجلٍ معروف بسخريته وغرائب حديثه، فقال:

"حدثني سحاب بن هباب، وقد كانت الهمسات تدور حول المجلس كما تدور الرياح في الحقول، عن ابن المارقة هذا الذي لا تقتصر رواياته على حدود الزمان والمكان. يقول ابن المارقة، الذي لم يترك بلادًا إلا زارها، ولا قومًا إلا اختلط بهم، إنه كان أول من اكتشف أرض الإمريكان، بل كان قريبًا منهم حتى أدرك خبايا عاداتهم. وقد ادعى في أحد مجالسه، بحكمته المزعومة، أنه عرف سِرّ الغليون الذي يشتهر به الهنود. فقال عنهم: 'إن هذا الاحتفال بالغليون عادة مستحدثة، بل زعم أنه هو من ابتكر تلك الشعيرة. الا ان الهنود هؤلاء سبقوا وجودنا بفترات طويلة، بل ربما كان هذا الطقس عرفًا ساريًا في بلادهم منذ أن نشأت البشرية، أيها السامعون.'"

ثم استمر عوسج بن ريحان سرده، فقال: "وما كان حديثه هذا إلا جزءًا من سلسلة من الكذب الذي نسجته خيالاته، فقال عن ذلك الاحتفال: 'إنه كان موروثًا من شعوبٍ عظيمة، وقد زارهم في عصور غابرة، أرض لم يكن لها أي أثر في كتب الجغرافيا. أظنها كانت أرض يأجوج و مأجوج، حيث يُقال إنهم كانوا يحتسون الدم كما يحتسي الفارس شرابًا في صحبته.'"

وسكت عوسج بن ريحان قليلًا، وكأن لسانه يعبث بكلمات ابن المارقة، ليعود ويقول: "أهذا هو الذي يسمي نفسه مكتشف الأرض؟ ألا تعلمون يا أحبتنا أن حديثه يتخطى الحدود وينفذ إلى المدى الأبعد؟ فهو يزعم أنه دخل أرضًا لا يعود منها الإنسان، تلك الأرض التي لا يجرؤ أحد على الوصول إليها، فتلك هي أرض يأجوج و مأجوج التي تكتنفها الأساطير. وقد ترك هؤلاء الأرض، بل تركوا قسوة الزمن، وكانوا من صنع أسطورة."

ثم ضحك عوسج بن ريحان ضحكةً هادئة، وقال: "وأنا لا أستطيع أن أصدق ما يقوله هذا الرجل، بل لعلها خيالاتٍ مُستَغربة، يتحدث عنها كما لو كانت حقائق ثابتة في تاريخ الأمم. وقد زعم مرةً أن هؤلاء الهنود - من أتى إليهم، ومن عاش بينهم - كانوا يشربون الدم في مناسباتهم كما يشرب الناس الماء في الصحاري. كيف له أن يعلم عنهم هذا؟ كيف له أن يصف تفاصيل لم تطأها قدمه، ولم يكن شاهدًا عليها؟"

وأضاف قائلاً: "يا أهل المجلس، لئن كان ابن المارقة قد زار أرضًا، فإني أجزم أن زيارته لها كانت زيارة فكرية أكثر منها جغرافية. فكم من أرضٍ سمع عنها، وكم من أناسٍ لم يرهم إلا في الأحاديث، وكلما تحدث عنها، أصبح أكثر يقينًا بأنه هو من اكتشفها. بل إنه أصبح يُنسب إليه الفضل في اكتشاف أماكن لا وجود لها إلا في خياله."

وسكت عوسج بن ريحان قليلاً، وكان قد استمر في سرد الحكاية بطريقة تثير التأمل في صحة كلام ابن المارقة. وتابع قائلاً: "أما عن ادعائه معرفة الشعوب، فأنا أقول لكم، إنه في كل مرة يتحدث عنهم، يشير إليهم بأسماء غريبة ويصفهم بأوصاف تكاد تكون منسوجة من الأساطير القديمة. حتى أنني شككت في أنه لم يكن يتحدث عن الناس الحقيقية، بل عن مخلوقاتٍ غريبة استعارها من خياله الخصب."

فقال سحاب بن هباب، وهو يضحك بصوت منخفض: "ولكن في كل هذه الخيالات، يوجد ما يجعلنا نؤمن بأن ابن المارقة قد زرع فينا بعضًا من الحيرة. فربما ما يقال عنه من أساطير، هو نفسه الحقيقة التي لا يعرفها إلا من رحلوا عن الأرض، أولئك الذين عاشوا بين الفصول والرياح، بين الأساطير والواقع."

ثم أضاف عوسج بن ريحان وهو يضع يده على قلبه، محاولًا أن يفهم طبيعة هذا المزيج بين الحقيقة والخيال: "لعل ابن المارقة، رغم كل ما في حديثه من مبالغات، هو حقًا ذلك الرجل الذي سافر إلى أماكن لم تطأها قدم، وحدثنا عن شعوبٍ لم نعرفها إلا من خلال قصصه. لعل في تلك الحكايات، هناك جزء من الحقيقة، ولو كان متخفيًا بين طيات الخيال."

وأتم عوسج بن ريحان حديثه قائلاً: "فلنأخذ من حديث ابن المارقة، أيها الأحبة، ما يصلح لنا، ولنترك ما يبتعد عن عقولنا. فالحقيقة ليست دوماً كما نراها بأعيننا، بل هي في كثير من الأحيان تلك التي تظل تلاحقنا في الأحلام."

وهكذا ختم عوسج بن ريحان حديثه، وقد ترك الحضور في حالة من التفكير والدهشة، بين صدق الأسطورة وغرابة الواقع.

 

المقامة اليمنية



حدثتني هديل بنت عقيل، وقد أرخَت خمارها على وجهها، كمن يبوح بسرٍ ثقيلٍ لا يقال إلا في ساعة صفاء. قالت:

> "في تلك الأيام العاصفة، حين كانت الحروب تمزّق أرض اليمن كما تمزّق الرياح أشرعة السفن، ظهر بين الناس رجل غريب، يسمونه ابن المارقة. كان يحمل في يده نبتة خضراء لا يعرفها أهلنا. تقدّم بها إلى الجنود المنهكين، وقال:



ـ خذوها، رفقًا بأهل اليمن، فإن قلوبهم كالسيوف، حادةٌ قاسية، لكنها في العمق رقيقةٌ، ناعمةٌ، مشوكةٌ كوردٍ برّيّ.

فأعطاهم تلك النبتة، وسماها القوت، غير أن الألسن تمتمت: بل هي القات."

سكتت هديل قليلًا، ثم تابعت:

> "كانت تلك النبتة أشبه بسحرٍ غامض؛ من يمضغها يهدأ، يسكن صخبه، كأن النار التي في صدره تنطفئ فجأة. لكنها في الحقيقة لم تكن إلا سُمًّا يتسرّب ببطء، يسمّ العقول ويُغشي الأبصار. لقد خدّرت المحاربين، حتى صاروا في الظهيرة يغفون بين البنادق والخيول، ولا يفيقون إلا مع غروب الشمس. هكذا سكنت الأرض ساعات، لكن الحرب لم تمت… بل نامت على فخذ النبتة."



تنهدت هديل، وأصابعها تعبث بحواف خمارها، ثم قالت بصوتٍ متهدّج:

> "أما أنا، فكنت في داري، امرأةً لا تخرج إلا لضرورة، أرقب العالم من وراء الزجاج. كنت أظن أنني في مأمن، فإذا بجنديٍّ لم يذق تلك النبتة، أطلق رصاصة طائشة من بندقيته. اخترقت الزجاج وتناثرت شظاياه أمام وجهي. شعرت أن الموت يقف على بعد شعرة، وأن دمي على وشك أن ينسكب. احمرّ وجهي من الفزع، احمرّ كما تحمرّ حبة طماطم في حرّ الصيف. ومنذ ذلك اليوم صاروا يقولون: أحمرّ من وجه هديل، مثلاً يُضرب في هول الفزع."

حدثتنا هديل بنت عقيل، وقد غيّبت نصف وجهها بخمارٍ أبيض، وعيناها تشعّان كمن يسرد سراً تُخشى عواقبه. قالت:

> "كان الناس في تلك الأيام إذا اجتمعوا في الأسواق أو المقاهي، تناقلوا اسمًا غريبًا: ابن المارقة. لم يكن تاجراً ولا أميراً، بل رجلاً من عامة السوق، يقال إنه نشأ بين بسطات الخضار وصخب الباعة، لكن الله ألقى في قلبه ما لم يُلقَ في قلوب الشيوخ والوجهاء. كان يمشي بين الأزقة كأنه طيف، فإذا وقف في ساحة أو ميدان، علت كلماته فوق ضجيج الناس:



ألَمْ يُبْعَثْ لِأُمَتِكُمْ نَبِيٌ
يُوَحِّدُكُمْ عَلَى نَهْجِ الوِئَامِ؟

وَمُصْحَفُكُمْ وَقِبْلَتُكُمْ جَمِيعاً
مَنَارٌ لِلأُخُوَّةِ وَالسَّلَامِ.

وفوقَ الكلِّ رَحْمَنٌ رَحِيْمٌ،
إلَهٌ واحِدٌ .. رَبُّ الأَنَامِ."

فتخشع القلوب لحظة، ثم تعود طبول الحرب تُغطي صوته.

وتابعت هديل:

> "كثر القول إنه مات في الحرب. دخلها لا طلباً للغنيمة ولا شهوةً للقتال، بل فداءً للأرض. قيل إنه صرخ قبل أن يسقط: خذوا بدمي فدى لأرضكم، خذوا بدمي فدى لأرضكم! ثم خرّ صريعاً في قلب المعركة، فلم يلتفت إليه أحد. مضى الناس يقاتلون، وانطوت صفحته كأنها لم تكن."



ثم أطرقت برأسها، وهمست بصوتٍ مثقل:

> "ومن يجرؤ على فتح تلك الصفحة اليوم، سيُقال عنه: كاذبٌ، مارقٌ، خارجٌ عن الرواية. هكذا تُمحى حكايات الصادقين، ويظل دمهم معلقاً بين السماء والأرض."


النهاية

الأحد، 26 يناير 2025

ببغاء الفلاسفة

 
"ببغاء الفلاسفة"
 

كنت جالسًا في زاوية المقهى الصغيرة التي أرتادها كل يوم. تلك الزاوية التي تتيح لي مراقبة العالم من خلف زجاج النافذة، حيث يمتزج ضجيج المدينة بحميمية المكان. صوت الأكواب المتشابكة مع ضحكات عابرة، ورائحة البن الطازج التي تُثقل الهواء، كلها كانت جزءًا من يومي. ثم، دخلت سوسن.

كانت دائمًا تحمل في عينيها حيوية لا تخطئها العين، وكأنها تُحيي المكان بحضورها. اليوم، كانت أكثر نشاطًا من المعتاد، خطواتها واثقة وكأنها تسير في موكب انتصار. شعرت بأن شيئًا مختلفًا يحيط بها، طاقة لا أستطيع تفسيرها.

“أنت غاضب، أليس كذلك؟” قالت بنبرة مرحة وهي تلوح بيديها في الهواء، وكأنها ترسم كلماتها. نظرتها كانت تشع بتحدٍ، وكأنها تعرف الإجابة مسبقًا.

نظرت إلى كوب القهوة بين يدي، أشعر بدفئه ينساب إلى أصابعي. قلت بهدوء: “أنا لست غاضبًا لأنك كذبتِ عليّ، بل لأنني من الآن فصاعدًا لن أستطيع أن أصدقك.”

شعرت بنظرة استغراب تمر على وجهها. ظننت أنها ستجادلني، لكنها ضحكت، ضحكة خفيفة لا تخلو من السخرية. قالت وهي تجلس أمامي، تلقي بحقيبتها على الطاولة الصغيرة بيننا: “ألا تحب المزاح أبدًا؟ أنا مرحة وأحب الحياة، بينما أنت قاطب الجبين، متجهم الوجه. تحسب أنني لا أستطيع التحدث مع المثقفين. لكن، خذ عني هذه: ‘إذا حكمت على الناس، فلن تجد وقتًا لتحبهم’. هكذا قالت الأم تريزا. وأعتقد أنه يجب عليك قراءة الكتب المرحة مثل مارك توين بدلًا من نيتشه.”

كانت كلماتها كالشعاع الذي يخترق الغيوم الداكنة. لكنها لم تكن فقط تُمازحني. شعرت وكأنها تُلقي بتحدٍ على الطاولة، وكأنها تُجبرني على الخروج من قوقعتي.

نظرت إليها، وأدركت أن هذا ليس مجرد حديث عابر. أردت أن أرد، لكنني ترددت. كيف يمكنني اختصار ما في داخلي في بضع كلمات؟ لكن، قبل أن أتكلم، تابعت بسخرية لاذعة: “الآن ستبدأ في شرح وجهات نظر نيتشه وكيركيجارد وشوبنهاور. نيتشه يكره النساء لأنه فاشل في الحب. وشوبنهاور يكره أمه، وكيركيجارد يرى الزواج عارًا. أما الكندي، فهو بخيل! أليس هذا ما تقول كتبك الثقيلة؟”

كانت كلماتها كسياط، لم تُضحكني كما توقعت، بل جعلتني أفكر. لم تكن تُهاجم الفلاسفة بقدر ما كانت تُهاجم طريقتي في الحياة. شعرت كما لو أنها تخترق أعماقي، تبحث عن نقطة ضعف.

قلت بنبرة هادئة، أحاول كبح اندفاعي: “نيتشه لم يكره المرأة، بل كان شاعرًا أكثر من كونه فيلسوفًا. أما شوبنهاور، فقد كان يرى في أمه مصدر ألم، وهذا ليس غريبًا. والكندي لم يكن بخيلًا، بل كان حكيمًا. لكنك لا تهتمين لكل هذا، أليس كذلك؟”

رأيت الابتسامة الصفراء ترتسم على وجهها، لكنها لم تعقب. نظرت إلى خصلات شعرها التي بدأت تعبث بها، وكأنها تحاول إيجاد الكلمات المناسبة أو ربما تهرب من الرد.

في تلك اللحظة، شعرت أن الحوار بيننا تجاوز نيتشه وشوبنهاور. كان حديثًا عني وعنها، عن نظرتنا المختلفة للحياة. كانت نظرتها تقول: “استمتع بالمزاح، لا تأخذ الحياة بجدية.” بينما كنت أقول في داخلي: “الحياة أكبر من المزاح.”

تركت الصمت يتخلل اللحظة، وقلت بصوت منخفض: “‘لا يوجد ألم أعظم من أن تحمل قصة غير مُروية بداخلك.’” شعرت بأن كلمات مايا أنجيلو تتردد في أعماقي، تعبر عن حالتي.

نظرت إليها مجددًا. لم تكن سوسن مجرد شخص يقتحم يومي بالضحكات والمزاح، كانت مرآة تعكس ما أرفض رؤيته. ربما كانت على حق. ربما الحياة لا تكمن فقط في الكتب الثقيلة، بل في الضحكات العابرة والمواقف البسيطة.

لكن، كيف يمكنني أن أعيش بتلك الطريقة؟ كيف يمكنني أن أترك قصتي تخرج للعالم دون أن أخشى أن تتحول إلى أحاديث عابرة في هذا المقهى؟

تركتها تعبث بخصلات شعرها، بينما كنت أفكر: “ربما القصة التي أحملها في داخلي ليست بحاجة لأن تُروى. ربما يجب أن تبقى هناك، محفوظة من ضجيج العالم.”

كنت جالسًا في المقهى نفسه، ولكن اليوم كان الجو مختلفًا، وكأن الضحك الذي رافق حديثنا بالأمس لا يزال يتردد في الأجواء. سوسن كانت جالسة أمامي، كما هي العادة، لكن اليوم كان هناك شيء جديد في نظرتها. كأنها قد أصبحت أكثر انغماسًا في فكرة أنها بالفعل في المسرحية التي تصفها، والتي هي ليست إلا حياة لا تتوقف عن المفارقات.

قلت لها بسخرية، وأنا أراقب حركات يديها وهي تلاعب بكوب القهوة: "إذن، هل أضع الأنف الأحمر وأبدأ بتقليد المهرجين؟ هل أضحك في كل مرة تلتقي فيها نظراتنا؟"

ضحكت سوسن بحركات أكثر انطلاقًا من المعتاد، وكأنها قد أعادت اكتشاف ضحكتها على حساب جدية الحياة. نظرت إلي مبتسمة، وقالت: "نعم، الضحك هو أقرب إلى الحقيقة من أي فلسفة ألمانية ثقيلة. عليك أن تخرج من صمتك وتضحك على الأشياء التي تحاول أن تكون جادة، حتى لو كان ذلك يعني السخرية من نفسك."

استجمعت قواي، وحاولت أن أتماسك أمام كلماتها. كان كلامها يبدو سهلًا، ولكنه كان يضرب في عمق كل شيء أعتقده عن الحياة. ثم أردفت سوسن بجدية، وهي تعقد يديها على الطاولة: "لكن، حتى الضحك يحتاج إلى نوع من الاحترام. لا يجب أن يكون مجرد عبث، بل تعبير عن حرية الفرد في تحطيم القيود التي تفرضها الجدية الزائفة. نحن نعيش في زمن يُقدس القواعد، لكن الحياة أبسط من أن تُسجن في مظهر الجدية."

كانت كلماتها كالسياط على أفكاري التي بدأت تتهدم شيئًا فشيئًا. توقفت لحظة لأستجمع أفكاري وأخمد الحيرة التي بدأت تتسلل إلى ذهني. كيف يمكن للضحك أن يكون عميقًا إلى هذا الحد؟ كيف يمكن للفكاهة أن تُحرر؟

قلت أخيرًا، وأنا أحاول استيعاب ما قالته: "لكن هذا يعني أن الحياة ليست أكثر من لعبة. نحن مجرد ممثلين على خشبة المسرح، نؤدي أدوارًا؟ هل هذه هي الحقيقة؟"

ابتسمت سوسن، وبنبرة هادئة، قالت: "نعم، الحياة لعبة، لكن هناك فرق بين أن تكون لاعبًا في مسرحية شخص آخر وبين أن تخلق مسرحك الخاص. حتى في اللعبة، هناك لحظات من الوعي. الحياة ليست كما نراها، بل هي كيف نراها."

كان حديثها هذه المرة مختلفًا. شعرت وكأنها قد أزالت كل الحواجز بيني وبين فهم جديد للواقع. الضحك ليس مجرد تفريغ للهموم، بل هو طريقة لتحرير أنفسنا من القيود التي نضعها على حياتنا. كأنني بدأت أرى العالم كما تراه سوسن، ليس كمسلسل من الأحداث المملة، بل ككوميديا تحتاج فقط لأن نفهم كيف نلعب فيها.

وبينما كنت أغرق في تلك التأملات، قالت سوسن بهدوء، وهي تضع يديها على الطاولة: "أحيانًا نضحك لكي نرفض الجدية التي تفرضها الحياة علينا. لكن هناك شيء آخر، أن نضحك على أنفسنا. هذا هو أعظم تحدٍ."

كان صمتها يحفزني أكثر من كلماتها. شعرت أنني بدأت أرى نفسي في مرآتها، كما لو أنني أتأمل أفعالي من زاوية مختلفة تمامًا. سوسن كانت تبتسم، وكأنها قد فازت في تلك المعركة الفكرية. ولكنني شعرت بشيء آخر، شعرت بأنني قد أخرجت شيئًا كان مدفونًا في أعماقي، وهو الحاجة إلى الضحك، إلى أن أكون خفيفًا أكثر.

أخذت نفسًا عميقًا، ثم قلت بهدوء: "ربما علي أن أتعلم الضحك أكثر. ربما علي أن أخلع الجدية التي ارتديتها طوال حياتي."

ابتسمت سوسن، وقالت: "وأنا هنا لمساعدتك. لأن الضحك هو أول خطوة نحو الحرية."
 
قلت وأنا أستجمع أفكاري، متمهلًا في الإجابة:  
"لا أعتقد أنني ببغاء الفلاسفة، بل ربما أنا أبحث عن إجابات لأسئلة لم تطرح بعد. أعتقد أننا جميعًا نقتبس شيئًا من الآخرين، لكن يجب علينا أن نتحول إلى شيء مختلف بعد ذلك. هل تصدقين أنني في بعض الأحيان أخشى أن أكون مجرد نسخة مبتذلة لشيء آخر؟"

سوسن نظرت إليّ، وكان وجهها الآن يعكس مزيجًا من الجدية والحيرة. قالت بهدوء:  
"الحقيقة أنني لا أظن أن الفلاسفة هم من يملكون الأجوبة، بل هم من ساعدونا على طرح الأسئلة الصحيحة. لكنك على حق، تبني أفكارهم دون أن تضع لمستك الخاصة هو ما سيجعلك محاصرًا في أفكارهم."

فجأة، شعرت بشيء غريب في جو الغرفة، كأن كلماتها قد أغرقتني في بحر من التأملات. سألتها:  
"وماذا لو كانت الأفكار ليست مجرد وسيلة لفهم الحياة، بل هي طريقة للهروب منها؟ ماذا لو كان الفلاسفة كلهم يبحثون عن مخرج من عبء الوجود؟"

ابتسمت سوسن، ولكن ابتسامتها كانت مليئة بالشفافية، كما لو أنها قد قرأت أفكاري قبل أن أقولها.  
"هل تحاول أن تقول إن الحياة لا تحتاج إلى تفسير؟ ربما. لكن الحياة لا تُترك فقط للتفسير الفلسفي، بل هي مجموعة من اللحظات التي نعيشها، حتى ولو كانت عبثية. ربما الضحك هو أقرب طريقة لفهم كل ذلك."

قلت بنبرة أهدأ:  
"لكن الضحك ليس حلاً دائمًا. أحيانًا يكون مجرد تغطية لما في داخلنا من فراغ."

سوسن تابعت حديثها وكأنها لم تسمع اعتراضي:  
"وأحيانًا يكون الضحك هو السبيل الوحيد لبناء الجسر بيننا وبين الآخرين. الحياة ليست ثابتة، لذا لا يمكن أن نثبت على فكرة واحدة أو فلسفة واحدة. نحن نتطور، نضحك، نبكي، ونتعلم. هذا هو جوهر الوجود."

نظرت إليها وأنا أفكر في كلماتها. ربما كانت على حق. ربما كان التوازن بين الجدية والضحك هو ما يجعل الحياة تحتفظ بجمالها. لكن، ماذا عن الفلسفة؟ هل كنت أحاول الهروب إليها لأنها كانت وسيلتي الوحيدة لفهم تعقيد الحياة؟

قلت أخيرًا:  
"ربما الضحك هو الحل، لكنني أحتاج أيضًا إلى تلك اللحظات التي أكون فيها جادًا مع نفسي، تلك التي أستطيع فيها مواجهة العالم دون أن أكون مخدرًا بحماقة الحياة."

سوسن ربتت على يدي بلطف وقالت:  
"أنت لست مخدرًا بحماقة الحياة، بل أنت تبحث عن المعنى فيها. وأحيانًا، المعنى لا يكون في الكلمة، بل في الصمت بين الكلمات. ربما الضحك ليس عبثًا، بل هو الوسيلة التي نلجأ إليها عندما لا نعرف كيف نواجه واقعنا."

كانت تلك الكلمات كأنها فتحت أمامي بابًا جديدًا لفهم نفسي والحياة. ربما لم أكن بحاجة إلى أن أجد إجابة قاطعة، بل فقط أن أتعلم كيف أعيش اللحظة بكل ما فيها من ضحك وحزن، جديّة وعبث.

وضعت فنجان قهوتي جانبًا، وقلت:  
"ربما علينا أن نضحك أكثر، لكن من دون أن ننسى أننا نعيش، وأن الحياة تستحق كل لحظة فيها، سواء كانت مضحكة أم محزنة."

سوسن ابتسمت، وقالت:  
"أعتقد أن هذه هي بداية الفلسفة الحقيقية."
 
اقترب مني النادل وقال بابتسامة غامضة:  
"أراك يا سيد محمد، جالسًا هنا كل يوم، كأنك تنظر إلى شيء بعيد لا أحد يراه سواك."  
نظرت إليه بهدوء، كأنني أبحث عن إجابة داخل سؤاله:  
"ألا ترى سوسن كما أراها؟"  
قال النادل، وقد بدا على وجهه مزيج من الاستفهام والقلق:  
"أنت تأتي هنا منذ سنة، دائمًا وحدك. لكن اليوم، هناك شيء غريب في عينيك. كل العملاء شعروا بشيء غير طبيعي، ولا أعرف كيف أصفه. شعرت أنني أفقد الاتصال بك."  

حينها، توقف الزمن لحظة في عقلي. كنت أنظر إلى فنجاني المليء بالقهوة، وأحاول أن أتلمس حقيقة ما يحدث. هل كنت أعيش مع سوسن حقًا أم أنني كنت في عالم آخر، عالم من الخيال؟ هل كانت هي جزءًا من الحقيقة أم جزءًا من وحدتي التي بدأت تكبر يوماً بعد يوم؟  
فجأة، بدأ كلام النادل يتردد في رأسي، كما لو أنه نبضٌ يخفق بين جوانحي.  
"هل كانت سوسن مجرد خيال؟ هل كنت أعيش في عالم منفصل؟"  

انشغل عقلي في البحث عن إجابة. كانت تلك اللحظة التي أدركت فيها أنني ربما كنت قد فقدت اتصالي بالواقع، وأنني كنت أبحث في ظلال الأشياء عن شيء مفقود. وداخل صمت المقهى، الذي بدأ يشعر بثقل أفكاري، بدأت أتمعن في الكلمة التي قالها النادل. لماذا شعرت بنوع من الرعب في عيون الناس؟ لماذا تغيرت نظرتهم لي، كما لو أنني لم أعد أعيش في نفس العالم الذي يعيشون فيه؟  
هل كنت أختبئ خلف صورة سوسن في عقلي، وأهمل حقيقة وجودي؟  

حاولت أن أجد تفسيرًا لما أشعر به. كانت سوسن دائماً تشرق في ذهني وكأنها الطيف الذي يلاحقني، ولكن هل كان ذلك لأنني أحتاج إليها بشدة، أم أنني كنت أحتاج إلى الهروب من نفسي؟

الجمعة، 24 يناير 2025

الهاوية تحت الماء

الهاوية تحت الماء
 

 في ذلك اليوم الذي كنتُ فيه غارقًا في روتين عملي المعتاد، لم أكن أتوقع أن أُزَجّ فجأة في قلب أحداث غريبة تُشبه كوابيسًا تتسلل من دهاليز الخيال. كنت أعمل في المسبح الأولمبي كجزء من فريق الصيانة، حيث نقضي الساعات بين الأنابيب، والآلات، والأصوات الرتيبة للمضخات. المكان دائمًا مشحونٌ برائحة الكلور ورنين المعادن، ولكن حديث ذلك اليوم حوّل هذه الأصوات إلى شيء أقرب إلى الهمسات المخيفة.

بدأت القصة عندما دخل أحد العمال إلى غرفة الصيانة، شاحب الوجه وكأنه قد رأى شبحًا، وقال بصوتٍ مرتعش:
"وجدنا هيكلًا عظميًا في الوادي القريب!"

تبادلنا النظرات. كان ما قاله كفيلًا بأن يضع ثقلاً خانقًا على أجواء الغرفة. أخبرنا أن العمال في الموقع اكتشفوا الهيكل بينما كانوا يحفرون، وأنهم هربوا من المكان بمجرد أن رأوه، غير راغبين في معرفة قصة الموت الذي ترك صاحبه هكذا، بلا قبر ولا اسم. لكن الأسوأ لم يكن هنا.

بدا الأمر وكأن هذا الاكتشاف قد أطلق شيئًا قديمًا من سباته. أحد الموظفين الأكبر سنًا، والذي يُعرف بقصصه الغريبة، تحدث همسًا عن "اللعنة" التي تطارد المكان منذ زمن طويل. أشار إلى السرداب السفلي حيث آلات تشغيل المسابح، محذرًا من شيء لا يريد أحد تسميته.

لم أكن أصدق أيًّا مما قيل، حتى جاءني ذلك الموظف الشاب وأخبرني بصوت منخفض:
"هناك ثعبان يسكن السرداب... ضخم جدًا، كما لو كان حارسًا قديمًا لهذا المكان."

ضحكتُ حينها محاولًا تخفيف الأجواء المشحونة:
"أفعى أناكوندا؟! في الرياض؟ يا رجل، هذه قصص أفلام!"

لكن وجهه لم يتحرك، لم يبتسم. ظل ينظر إليّ بنفس العينين المرتعبتين، وقال:
"أقسم لك، لقد رأيته بنفسي. عيناه باردتان كالجليد، وجسده ملتف حول الأنابيب، وكأن المكان بيته الحقيقي."

مرَّت الليلة التالية بصعوبة. كنت المسؤول عن تفقد السرداب بعد انتهاء العمل، وهو أمر كنت أفعله دائمًا دون قلق. ولكن هذه المرة، كانت الظلال أطول، والهدوء أشد وطأة.

عندما نزلت إلى السرداب، كان كل شيء في البداية يبدو طبيعيًا. صوت المضخات يُغطي على أصوات قدميّ فوق الأرضية المعدنية. ولكن فجأة، سمعت شيئًا... همسة خافتة، ثم صوت احتكاك، كما لو أن شيئًا ضخمًا يتحرك في الظلام.

أضاءت مصباحي اليدوي، وأخذت أنظر حولي بقلق. كانت هناك آثار غريبة على الأرض، خطوط ملتوية وكأن شيئًا ثقيلاً قد زحف هنا. قلبي بدأ ينبض بجنون، حتى رأيت ظلًا يتحرك في نهاية الممر.

عندما اقتربت، شعرت بالهواء يصبح باردًا، وكأن شيئًا يسحب الحياة من المكان. وفي لحظة خاطفة، رأيت عينين تتوهجان في الظلام، باردتين كما وصفها ذلك الرجل. الثعبان كان هناك، يحدق بي وكأنه يدرسني، يتساءل إذا كنت أستحق الخروج من هذا السرداب حيًا.

لم أستطع الصراخ. وقفت مشدوهًا، قدماي مغروستان في الأرض كجذور شجرة ميتة. ثم بدأ يتحرك ببطء، جسده ينزلق بين الأنابيب وكأنه جزء منها. لم أنتظر أكثر. ركضت بأسرع ما يمكنني، وكل خطوة كنت أشعر وكأن شيئًا يلاحقني، يوشك أن يلتف حول قدميّ.

عندما خرجت إلى السطح، كان الليل قد سقط، وهدير الرياح بدا وكأنه همسات خافتة تحذرني من العودة إلى هناك أبدًا.

منذ تلك الليلة، لم أعد نفس الشخص. أستيقظ في منتصف الليل وأنا أسمع أصواتًا تشبه الاحتكاك، وأشعر وكأن عيونًا باردة تراقبني من الظلال. السرداب أصبح مكانًا محرّمًا بالنسبة لي، وأنا الآن أؤمن أن هناك أشياء في هذا العالم يجب أن تظل مجهولة... تمامًا كالثعبان الذي يسكن تحت المسبح.

بدأت أرتب أفكاري، محاولًا أن أربط بين كل ما سمعته في الأيام الأخيرة وما مررت به بنفسي. منذ أن بدأت العمل في المسبح الأولمبي، كان الجميع يروون لي قصصًا غريبة عن السرداب وعن هذا الثعبان الغامض. بعضهم أقسم أنه رآه، وآخرون وصفوه بشكل مختلف، وكأن كل شخص كان يحمل صورة خاصة لهذا المخلوق. هل يمكن أن تكون هذه مجرد أوهام غذتها الخرافات والقصص الشعبية؟ أم أن هناك حقيقة غامضة تختبئ في الظلال؟

قررت أن أتوقف عن التهكم والبحث عن الحقيقة بنفسي. كان المسبح في الليل يبدو كلوحة قاتمة، تتحرك فيها الظلال وكأنها أرواح حية. شعرت بشيء يتحرك في الماء، ربما كان خيالًا، وربما كان شيئًا آخر. لكنني أدركت أن البحث عن الإجابات لن يكون هنا.

في اليوم التالي، توجهت إلى مكتبة الملك عبدالعزيز في حي المربع. كنت أبحث عن أي شيء يمكن أن يساعدني على فهم ما يحدث. ربما كتب عن الثعابين، أو أساطير شعبية عن حراس الظلام. وبينما كنت أتجول بين الأرفف، صادفت رجلاً يبدو عليه الهدوء والوقار، كان يجلس على طاولة قديمة بين كومة من الكتب.

قال لي عندما لاحظ اهتمامي:
"تبدو وكأنك تبحث عن الهامة."

توقفت عند كلماته، ونظرت إليه بدهشة. كيف عرف؟

ابتسم بهدوء، ثم تابع:
"الهامة... تحرس الكنوز. إنها أسطورة قديمة، لكن البعض يقول إنها حقيقية. ثعبان ضخم، ضخم جدًا، يحرس مكانًا مليئًا بالأشياء الثمينة. ربما المسبح الذي تعمل فيه ليس مجرد مسبح."

سألته بحذر:
"وكيف عرفت عن الهامة؟"

ضحك ضحكة خفيفة وقال:
"منذ سنوات طويلة، قلّ من يأتي إلى المكتبة ليسأل عن هذه الأمور. ولكنك تبدو مختلفًا، ملهوفًا، تبحث وكأنك تطارد ظلاً. الهامة ليست في كتب العلم، بل في ذاكرة الناس وقصصهم. هل سمعت عن 'خشم فردة' في وادي الدواسر؟ هناك، في ذلك الوادي، يزعم الناس أن هناك هامة ضخمة، يسمونها 'اليم'."

قلت له بحذر:
"لكن... هناك من أخبرني أن ما رأيته يشبه أناكوندا."

عندها، تغيرت ملامح وجهه، وكأن ذكرى قديمة عادت لتطارده. قال بصوت متقطع:
"رأيتها بنفسي... منذ سنوات طويلة، كانت عينها باردة جدًا، كأنها تنظر في أعماق روحك. كادت أن تنقض عليّ، لكنني هربت بأعجوبة."

ثم أضاف بعد لحظة صمت:
"ربما ترغب في سماع المزيد. لكن لن أخبرك القصة هنا، تعال معي. سأعزمك على فنجان قهوة... أو بيالة شاي إن كنت تفضل ذلك. هناك الكثير مما يجب أن تعرفه."

نظرت إليه بفضول ممزوج بالخوف. شعرت أنني على وشك الدخول في عالم آخر، عالم مليء بالأساطير والظلال. تبعته، ولم أكن أعلم أن ما سيخبرني به سيغير كل شيء.
لم يكن حديث بنيان عاديًا، بل كان أشبه بمفتاحٍ لبابٍ غامض لم أجرؤ على طرقه من قبل. كان الرجل يحمل شيئًا لا يمكن تجاهله، خليطًا من الثقة والغموض، وكأن العالم لديه يتأرجح بين الواقع والخيال. حين أخبرني أنه سمعني أتحدث مع أمناء المكتبة عن الثعابين، شعرت للحظة بأنني مكشوف، وكأن فضولي كان طُعمًا يقودني إلى هذا الرجل.

قال لي وهو يشير إليّ بإصبعه كمن يوجه دعوة:
"أنا بنيان، باحث في الأساطير الشعبية، وأكتب عن هذه القصص على منصات التواصل الاجتماعي. لقد خمنت أنك تبحث عن الهامة، لأن السراديب دائمًا ما تكون ملاذها. الحقيقة، أنني لا أبحث عنها فقط، بل أريد أن أصطادها. رأيتها مرة وكادت أن تقضي عليّ، لكنني هربت. إذا كنت قد رأيتها أنت أيضًا، فعليك أن تدلني على مكانها، أو تأخذني إلى هناك."

نظرت إليه بشك، وقلت له متهكمًا:
"وأنت تقول إنك باحث، وتعد نفسك من أهل العلم والعقل، ومع ذلك تصدق هذه القصص؟"

ابتسم، وكانت ابتسامته مختلفة، ابتسامة من يعرف أكثر مما يقول. قال بصوت هادئ، لكن كلماته حملت ثقلًا غريبًا:


"ليس كل ما نعرفه حقيقة، وليس كل ما نجهله خيال. الحقيقة قد تكون انعكاسًا لما نراه، وقد يكون الخيال الذي نرفض تصديقه هو الحقيقة التي لم نصدقها يوما."

توقفت للحظة أمام كلماته، شعرت وكأنها ألغاز مغلفة بحكمة قديمة. كان بنيان يتحدث وكأنه يضع أمامي مرآةً أرى فيها انعكاسًا مشوشًا لنفسي. هل كان يحاول أن يخبرني أنني أقف على عتبة عالم آخر؟ أم أنني مجرد فريسة لبلاغته وفلسفته التي يدسها في حديثه؟

حاولت أن أتماسك، وقلت له:
"كلماتك أشبه بلغز. يبدو أنك لا تتحدث فقط عن ثعبان، بل عن شيء أعمق."

ضحك بخفة وقال:
"الألغاز أحيانًا هي ما تقودنا إلى الحقيقة. لكن دعني أسألك، هل أنت مستعد لتتبّع هذا اللغز معي؟ أم أنك ستكتفي بالبقاء على السطح، بعيدًا عن السرداب وعن الهامة التي تنتظرك هناك؟"

شعرت أن كلماته كانت اختبارًا، وأن قراري سيحدد المسار الذي سأسلكه. هل أرافقه في رحلة البحث عن شيء قد يكون خيالًا؟ أم أنني أترك هذه القصة تموت هنا في المكتبة؟


الأحد، 12 يناير 2025

سفير في بلاد الالهة

 

 مرافئ النار و الضباب

في صباح غائم، كانت الشمس تتسلل بصعوبة عبر السماء الضبابية، وأنا، حكم بن يحيى الغزال، وقفت على شاطئ الأندلس، أراقب الأمواج تتلاطم على الصخور كما كانت أفكاري تتلاطم في رأس. لم أكن أدرك في تلك اللحظة أن هذا اليوم سيكون بداية المغامرة التي ستغير مصيري إلى الأبد.

قبل أيام قليلة، كنت في القصر، في مجلس الأمير محمد بن عبد الرحمن الأوسط. كان الجو مشحونًا بالهدوء الذي يسبق العاصفة. ها أنا ذا أمام الأمير، الذي لم أكن أراه غاضبًا هكذا من قبل. عينيه، اللتين طالما رأيت فيهما الحكمة، أصبحتا حدقتين غارقتين في لهيب الغضب. السبب كان حديثي عن زرياب، هذا الاسم الذي يسطع في سماء الأندلس كالنجم. ليتني لم أفعل ذلك. ليتني لم أجرؤ على التحدث عن زرياب بهذه الطريقة.

قال الأمير بنبرة خالية من العاطفة: 

"يا حكم، لقد تطاولت على زرياب، تاج الأندلس. ومن يمسّه فكأنما مس دولتي. لكنني أرى في قلمك موهبة عظيمة ولسانك فصيح. لهذا سأستثمر مهاراتك في خدمة الأندلس. سأوفدك إلى ملك القراصنة في بلاد الدنمارك. هناك سيكون امتحانًا حقيقيًا لشجاعتك ووفائك لبلادك."

صُدمت، ولكن لم يكن لدي خيار. على عجل، تركت الأندلس وراءي، وكان البحر يحاصرني بسكونه الغامض. سفينتي كانت تسير على المياه كأنها لا تحملني إلى مكان، بل إلى مصير مجهول. ومع كل ميل كنت أبتعد عن شواطئ الأندلس، كان شيئًا غريبًا يتسرب إلى أعماقي، وكأن البحر يحمل رسالة مجهولة.

عندما وصلت إلى الدنمارك، كان كل شيء مختلفًا. الجو بارد، مريب، كأن العالم هنا مغلف بضباب كثيف من الغموض. قابلني ملك القراصنة هوريك، وجهه عابس، كأنما يحمل آلام العالم على كاهله. كانت عينيه، تلك العيون التي كانت مفعمة بالحكمة، تحمل شيئًا أكثر من الحزن.

قلت له بصوت هادئ: "لم أكن أتوقع أن أكون هنا."

قال بصوت متقطع، وهو يطوي يديه أمامه: "ابنتي هيلينا اختطفتها قبيلة غروتير المعادية، وأحتاج إلى مساعدتك لاستعادتها. لا مجال للخطأ، ولا وقت للندم."

في تلك اللحظة، شعرت بشيء عميق في داخلي، شيء لا أستطيع تفسيره. ربما كان هذا هو الاختبار الذي كنت أبحث عنه. لم يكن الأمر مجرد نزاع بين قبائل، بل كان شيئًا أكبر من ذلك. كان اختبارًا لنفسي، لمفاهيم الشجاعة، والولاء، والإيمان.لاحت امامي صورة الامير عبدالرحمن الاوسط و هو يتحدث عن الولاء.

انطلقنا في رحلة محفوفة بالمخاطر عبر الغابات المظلمة والأراضي الجليدية، حيث كان الظلام يلفنا كعباءة سحرية تخفي خطواتنا. الطريق كان وعرة، محفوفة بالعواقب التي تنتظرنا في كل زاوية، لكن أعيننا كانت معلقة بهدف واحد: الوصول إلى هيلينا واستعادتها. كنت أراقب الملك هوريك، ورأيت في عينيه أملًا هشًا، وكأنه يخشى أن يكون سعيه مجرد وهم.

حين وصلنا إلى تخوم معسكر الخاطفين، رأيت ما كنت أتوقعه: حراس مدججون بالسلاح، نيران تشتعل وسط الساحة، وأصوات صاخبة توحي أنهم لا يشعرون بأي تهديد. ولكننا كنا هناك، في العتمة، نخطط لتحطيم هذا الإحساس الزائف بالأمان.

الخطة كانت واضحة، لكنها محفوفة بالمخاطر. كان علينا أن نحفر طريقنا تحت الأرض، أن نصنع ممراً خفياً يصل بنا إلى الخيمة التي تحتجز فيها هيلينا دون أن نثير الشبهات. لم يكن لدينا سوى السكاكين والخناجر الصغيرة، لكن الأرض هنا كانت رخوة، مشبعة بالمياه المتجمدة، مما جعل الحفر أقل صعوبة مما تخيلنا. بدأنا العمل بصمت، نتناوب على الحفر بينما يتولى الآخرون مراقبة الحراس، كل نفس نأخذه كان مختنقًا بالترقب.

مع مرور الوقت، بدأ الخندق يأخذ شكله. أصابعنا تجمدت من البرد، لكن لم يكن هناك خيار آخر. تسللت التربة تحت أظافرنا، وعرقنا اختلط بالطين، لكن مع كل حركة كان الهدف يقترب أكثر. كنت أستطيع تخيل هيلينا هناك، وحدها، وسط الخيمة، لا تعلم أن الأرض تحتها تتحرك لتنقذها.

عندما وصلنا أخيرًا إلى نقطة قريبة من الخيمة، أوقفت رجالي بإشارة من يدي. صوت الحراس كان لا يزال مسموعًا فوقنا، حديثهم تخلله ضحكات وعبارات متفرقة عن الفدية التي سيطلبونها مقابل الفتاة. شعرت بالغضب يشتعل في صدري، لكنني كبحته—لم يحن وقت القتال بعد.

بهدوء، دفعت التربة المتبقية بيدي، صنعت فجوة صغيرة تسمح لي بالنظر إلى الداخل. رأيت هيلينا جالسة في زاوية الخيمة، مقيدة اليدين، عيناها تحدقان في الأرض بشرود، لكنها لم تكن مستسلمة. كان هناك شيء في ملامحها يوحي بأنها تقاتل، حتى لو كان صمتها يوحي بالعكس.

خرجت ببطء من الحفرة الى داخل الخيمة، حتى أصبحت خلفها. وضعت يدي على كتفها بلطف وهمست:

"لا تصرخي. جئت لأخرجك من هنا."

شهقت بخفوت، وعندما التفتت ورأتني، لمحت في عينيها دهشة امتزجت بالأمل. لم يكن لدينا وقت، قطعنا الحبال بسرعة، وأشرت إليها بالنزول إلى الخندق. أخذت نفسًا عميقًا قبل أن تتبعني، وأثناء ذلك، سمعت صوت أقدام تقترب. قلبت نظري إلى الأعلى، فرأيت ظل حارس يتوقف أمام باب الخيمة.

حبست أنفاسي. ثوانٍ فقط، وكانت تعني الفرق بين الحياة والموت.

الليل كان كثيفًا، والهواء باردًا كأنفاس الموتى. لم يكن لدينا وقت للتردد. ألقيت نظرة سريعة حولي، فأدركت أن الحراس لم يكونوا بعيدين، لكنهم لم يتوقعوا منا التحرك بهذه السرعة. أمسكت بيد هيلينا، وشعرت برجفانها، ليس خوفًا، بل توترًا من المجهول الذي ينتظرنا.

خرجنا من الخيمة بخفة الذئاب، لكن لم تمر سوى لحظات حتى دوّى صوت إنذار، وصوت الأبواق مزّق سكون الليل. ركضنا بين الأشجار، والقراصنة من خلفنا كأنهم أشباح خرجت من أعماق الجحيم. كنت أعلم أننا لن نصل بعيدًا إن استمر الأمر على هذا النحو.

"هناك!" صرخت هيلينا وهي تشير إلى قارب صغير كان مربوطًا على ضفة النهر. لم أفكر، قفزت أولًا ثم سحبتها معي. دفعت القارب بعيدًا عن الشاطئ، لكن سهام الأعداء بدأت تنهال علينا كالمطر. واحدة منها مزّقت طرف ردائي، وأخرى استقرت في الماء بجانبي.

"لن ننجو هكذا!" صرخت هيلينا، وأنا أمسك المجدافين وأدفع القارب بكل ما أوتيت من قوة. كان الظلام حليفنا الوحيد، فقد اختفينا بسرعة وسط الضباب الكثيف. لم أسمع سوى صوت أنفاسي اللاهثة، وارتجاف الماء تحت القارب.

حين وصلنا إلى الجانب الآخر من النهر، نظرت إلى هيلينا. كانت عيناها تشعّان بشيء جديد، شيء يشبه الحياة التي كادت تُسلب منها. "أنت شجاع، و بطل"، قالت وهي تحاول تهدئة أنفاسها. لكنني لم أشعر بالشجاعة، بل بشيء آخر... شيء لا أستطيع تسميته بعد.

حين عدنا إلى قصر الملك هوريك، كانت نظراته تحمل مزيجًا من الدهشة والامتنان. "لقد وعدتني بالنجاة بها، وها أنت قد فعلت." قال بصوت خافت. لكنني كنت أفكر في شيء آخر... في الأمير محمد بن عبد الرحمن، وفي الأندلس التي تنتظرني.

لم أكن أعلم أن هذه الرحلة لن تنتهي عند هذا الحد، بل كانت البداية فقط.

قال الملك هوريك، وهو ينظر إليّ بعمق: "لقد أثبت لي الليلة أن الشجاعة لا تعرف وطنًا، ولا دينًا. لكنني أيضًا أرى أن الكلمات قد تكون سلاحًا أقوى من كل شيء. ربما هذا هو درسنا جميعًا."

صرفتُ أنظاركم عن البدايات، وأخذتكم إلى قلب الصراعات، والآن سوف أُسهب في قصتي وأُدخلكم في معمعة رحلتي، حيث تلاطمت الأمواج بي كأنها وحوش البحر الغاضبة، وحيث نازعت الرياح أشرعتي حتى كادت تمزقها، لكنني ظللت متمسكًا بالدفة، أقاوم التيارات وأتقدم وسط ظلام الليل العاصف، لا يضيء دربي سوى وميض البرق وصوت المحيط الهادر.

بعد أسابيع من الإبحار المضني، لاحت أمامي اليابسة، شريطٌ ساحلي يمتد كحد السيف، تصطف عليه القوارب الطويلة، منتظمة كحراس الزمن الذين لا ينامون. حين وطأت قدماي الأرض، شعرتُ ببرودتها تتسرب عبر جلدي، لكنها لم تكن برودة موحشة، بل كانت تحمل هيبة هذه الأرض وأهلها.

الناس هنا ليسوا كغيرهم، أجسادهم صلبة كالصخور، ووجوههم تكاد تكون منحوتة من الحديد، لكن في أعينهم وميض دفين، كجمرةٍ تختبئ تحت الرماد. لم يكن هناك وقت للترحيب الطويل، فقد اقتادني الحراس عبر ممرات حجريّة، أصوات خطواتنا تتردد كصدى في كهوف الزمن، حتى وصلتُ إلى قلب القلعة، حيث يجلس الملك في مجلسه العريق.

رجلٌ ضخم الجثة، لحيته الكثيفة متشابكة كأغصان شجرةٍ قديمة، وملابسه مرصعة بجلود الوحوش التي اصطادها بنفسه. عيناه كانتا كسيفين مسنونين، تحدقان بي بثبات، تحاولان سبر أغوار رحلتي قبل أن أنطق بحرف.

بصوتٍ جهوري دوّى في القاعة كالرعد، قال وهو يرفع كأسه:
"أيها الغريب، من أي بحر جئت؟ وهل تحمل لنا أخبارًا لم نسمعها؟ هل جلبتَ لنا قصص العواصف والمغامرات، أم أنك مجرد مسافرٍ ضلّ طريقه؟"

شعرتُ بحرارة النيران تتراقص على وجهي، وتقدمتُ خطوةً إلى الأمام. كان هذا هو الوقت المناسب لسرد حكايتي، لإنزال حمولة الأسفار من صدري، ولجذبهم إلى عالمي، حيث البحار تهمس بأسرارها، والمغامرات تُروى لا تُنسى...

كان المجلس يعج بالضوضاء، لكن صوت الملك جعل الجميع يصمتون. أمرني بالجلوس، و من هنا بدأت الحكاية.

ليلتها جلسنا حول النار، حيث كان الجو يشبه الأساطير نفسها، غامضًا ومليئًا بالأسرار. بدأ الملك يتحدث عن ديانتهم. قال:
"هل سمعت عن حرب الإيسر والفانير؟"

هززت رأسي نفيًا. ابتسم وقال:
"الإيسر والفانير هم آلهة عظيمة، لكنهم تقاتلوا لسنوات. الإيسر يمثلون النظام والقوة، بينما الفانير رمز الطبيعة والخصوبة. انتهت الحرب بمعاهدة سلام، وأصبحوا حلفاء."

كانت قصتهم أشبه بلغز. سألت نفسي: كيف يرون في هذا الصراع حكمة؟ لكن الملك أكمل حديثه عن أودين، رب الحكمة والمعرفة:
"لقد ضحّى أودين بعينه ليشرب من بئر ميمير، حيث الحكمة المطلقة. أودين يعلمنا أن لا شيء يُنال دون تضحية."

لم أستطع منع نفسي من التفكير: تضحية بالعين؟ كيف يمكن لعقل إنسان أن يقدس مثل هذا الفعل؟ لكن يبدو أن (المجوس) يرون في ذلك ذروة السعي نحو المعرفة.

ثم تحدث الملك عن ثور، إله الرعد، الذي يمسك بمطرقة تُسمى ميولنير. قال بفخر:
"ثور ليس مجرد محارب، بل حامي العدالة. نحن نؤمن أن مطرقته تحفظ التوازن في العالم."

رغم شكوكي، استمعت بإمعان، محاولًا أن أرى العالم من عيونهم.

و في اليوم التالي، دعاني الملك لحضور طقس جنائزي. كان المشهد مهيبًا. قارب خشبي كبير يحمل جثة أحد قادتهم، مزينًا بالسيوف والدروع، وحتى خيول وعبيد ميتين.
"لماذا القارب؟" سألت المترجم.
قال: "إنه ليعبر إلى فالاهالا، ديار الأبطال."

رأيت الحزن في أعينهم، لكنه كان مزيجًا من الفخر أيضًا. أُضرمت النار في القارب، وصعد الدخان كثيفًا إلى السماء. كانوا يغنون أغنية حزينة، صوتها يحمل شيئًا من وداع وشوق.

في المساء، جلست مع أحدهم، مزارع يُدعى إريك. كان بسيطًا، لكنه حدثني عن زراعة الشعير وكأنها معركته الخاصة. أخرج من جيبه سكينًا مزخرفًا، وقال:
"هذا صنع يدي. نحن لا نحارب فقط، نحن نصنع الحياة أيضًا."

تلك اللحظة شعرت أني أمام تناقض لا يمكن فهمه بسهولة. كيف يجمع هؤلاء الناس بين القسوة والإبداع، بين الحرب والحب؟

ذات ليلة، وبينما كنت أتلو سورة الإخلاص بصوت خافت، ساد المجلس صمت مفاجئ. نظر الملك إليّ وسأل:
"ما هذه الكلمات؟"
قلت: "إنها من كتابنا، القرآن. تصف الله الواحد الذي لا شريك له."

تأملني مليًا وقال:
"كلماتك جميلة، لكنها غريبة علينا. نحن نؤمن بآلهة تعيش بيننا، لها حياتها وصراعاتها. نحتاج إلى هذه القصص لنفهم العالم."

شعرت أن حديثه صادق، لكنه أبعد ما يكون عن حقيقتي و ديني السمح و شريعتي الغراء.

مرت الأشهر، وكنت قد تعلمت الكثير عنهم. ليس كلهم محاربين متعطشين للدماء. كانوا يحترمون الفن والحياة، حتى في خضم صراعاتهم.


كان العيد قد حلّ، و ليس عيد المسلمين الذي نعرفه بل عيد لدى المجوس وكل شيء كان على ما يرام، هكذا ظننت وأنا جالس على المائدة التي عُبِّئت بأنواع الطعام التي يندر أن تراها إلا في مثل هذه الاحتفالات الكبرى. "يول" كان اسماً يعرفه الجميع، عيد الشتاء الذي يُحتفل به من أجل قدوم الظلام ليطول ليلاً، ومن أجل بداية دورة جديدة في الحياة، إذ كان في النهاية مرحلة التحول، وبداية الفرح بعد المعاناة. المجوس، هؤلاء المحاربون الذين لا يعرفون الراحة، يعيدون تشكيل أنفسهم في الولائم المدهشة. كان لحم الخيول والخنازير، بالإضافة إلى خمرة العسل "الميث"، حاضراً في هذا العيد بما يكفي ليملأ البطون والأرواح.

جلست هناك أراقبهم. كان الجميع يتناولون الطعام بشهية، والوليمة كانت تحتفل بنجاح المحاربين في البحر والغزو. كنت أتذوق كل لحظة، طعم العسل يزدهر في فمي بينما كنت أراقب الموكب من الجنود والشيوخ والموسيقيين والسكالدز الذين كانوا يرويّون الأساطير. العيون تلمع بالشراب، والضحكات تعلو، لكن بين كل هذه الحماسة كان هناك شيء يثير فضولي.

بينما كانت النيران تعيث في الحقل القريب من القرية، لمحت أنا، بشكل غير متوقع، كيف التهمت النيران بيت الرجل الفقير. كانت النيران تتساقط كالسوط على الخشب الجاف في ذلك المكان، وكلما ارتفع لهبها، ارتفعت أصوات الذعر من القرويين الذين هرعوا إلى المكان. كان الجو الحار والضباب الكثيف يغلف كل شيء، في حين كانت الشمس تغرب بسرعة خلف الجبال البعيدة.

توجهت بسرعة مع الملك وبعض القادة إلى موقع الحريق، وقد كنت أركب حصاني بسرعة، وكان قلبي ينبض بشدة، لكن كل تفكيري كان ينصب على أن أجد طريقة لحماية أهل القرية من هذه الكارثة. كلما اقتربنا، كان الخوف يتصاعد مع كل ثانية تمر، ولكن ما لفت انتباهي لم يكن الحريق، بل شخص كان يظهر لي لأول مرة في هذا اليوم الحافل بالأحداث. كانت نود، المرأة التي أسمع عنها دائمًا لكنها اختارت أن تكون غائبة عن عيوننا. كان جمالها يفوق الوصف؛ عيونها التي كانت تتنقل بين الحشد كأنها تبحث عن شيء، والشعر الأسود الذي كان يلمع تحت ضوء النار.

لم أستطع منع نفسي من التحديق فيها. كانت أنفاسها تتسارع، مثلما تتسارع نبضات قلبي. هي أيضًا كانت تتنقل بين الجموع، كأنها تبحث عن شيء فقدته للتو، أو ربما كانت تشعر بشيء أكثر من مجرد فضول. كانت مشاعر غريبة تساورني حين رأيتها، وتلك اللحظات التي أمضيتها في مراقبتها جعلتني أكثر حيرة.

ثم، في تلك اللحظة الحرجة، انفجرت النار بشكل أكبر. كان اللهب يلتهم ما تبقى من البناية، ولم يكن أمامنا سوى الانتظار والتأكد من أن الجميع في الأمان. تصاعدت الألسنة النارية، وفي تلك الأثناء لم يعد أحد يهتم بالوليمة أو الخمر. كل شيء تحول إلى فوضى.

وقفت نود هناك، وأنا لا أزال أراقبها عن كثب. في وسط الفوضى، كانت هادئة، عيونها تشير إلى شيء لا أعرفه، وربما كانت تعلم أكثر مني عن تلك اللحظات التي كانت تنبض فيها الحياة والموت معاً. كانت لحظة غريبة، أعيشها وأنا أفكر فيما ستحمله الأيام القادمة، وفيما تراه نود من هذا الحريق الذي ما زال يعيث في القرية.

حين أُطفئت النيران، هدأ كل شيء ظاهريًا. عادت الأجساد إلى أماكنها، واختفت صرخات الهلع بين أنقاض البيوت المدفونة. لكن داخلي، لم يكن هناك ما يُطفأ.فالنار الحقيقية لم تكن في الحقل، بل  في قلبي.

كنت أقف على حافة شيء لا أستطيع تسميته: هل هو الهوى؟ هل هو ضعف؟ أم أنها مجرد لحظة افتتان عابرة بشخص لا ينبغي أن أُفكّر فيه؟
لكن الحقيقة كانت أوضح من كل هذا: لقد دبّ لهيب الغرام في صدري، لا تجاه نود، تلك الملكة الغامضة، بل تجاه هيلينا، ابنة الملك، تلك التي أنقذتها من رماد القبيلة كما يُنقذ المرء كتابًا من حريق مكتبة مقدّسة.

كنت أراها في صمتها، في عينيها اللتين لا تنطقان كثيرًا، لكنهما تفصحان عن شيء أعمق من الكلمات.


كانت تبتسم لي أحيانًا بخجل، لكن خلف تلك الابتسامة كان سرٌ دفين، كأنها تعرف أنني سأرحل، أو أنني لا أنتمي إلى هذا الثلج ولا إلى هذا القصر.

أما نود... فكانت شيئًا آخر.الملكة التي يتحدثون عنها كمن يعرف سحر الغابات، والتي يشاع أنها لا تنام إلا حين تتأكد أن الريح لم تخن الأشجار.أدركتُ متأخرًا أن نود بدأت تقترب مني أكثر من اللازم، نظراتها كانت تقيس قلبي لا كضيفة، بل كصيّادة.
وفي إحدى الليالي، تحت ضوء نار خافتة، وضعت يدها على كفي وقالت بنبرة لا يشوبها سوى الرماد:

> "أنت غريب... لكنك أتيت في زمنٍ يفتقد الصدق.
هيلينا تشبهك في الحلم، لكنها لا تعرف من الحياة إلا السطح. أما أنا... فأنا المرأة التي تعرف كل شيء."

سحبتُ يدي، كأن نارًا أخرى اشتعلت فيها.كنت أعلم أن هذا مسار لا أطيقه، لا أريده، ولا يليق بي.أحسست بالخيانة تهمس في أذني، لا خيانة نود لابنتها فقط، بل خيانتي أنا لنفسي، لعهد قطعتُه بيني وبين السماء، حين قررت أن أكون رجلًا يسافر من أجل المعنى، لا من أجل لذّات عابرة.

لهذا، عزمت على الرحيل.لم أكن أهرب من نود وحدها، بل من رجفة القلب التي كانت تنتابني حين تمر هيلينا بقربي، من الغيم الذي صار يثقل رأسي كلما همست روحي باسمها.في مملكة تُقدّس الأساطير، كان الحب جريمة من نوعٍ آخر.

 

لم تكن المأدبة مألوفة في شيء، ولا الزمان زمن احتفال. مع ذلك، دُعيتُ إلى قاعةٍ عظيمة من خشب السنديان الأسود، تتدلى من سقفها رؤوس الذئاب المحنطة، وتنفث المشاعل ظلالًا راقصة على وجوه القوم. كنت الضيف الأندلسي، جالسًا في المقعد العاشر، لا أدري من أين خرج الرقم، ولكنهم رقّموا المقاعد كما يُرقّمون ضحايا القرابين في معابد الوثن القديمة.

كان حولي اثنا عشر رجلًا وامرأة، رموز القوة، وألسنة البلاط، وزُعماء السيف. وما إن قدّموا كؤوس الشراب وقطع اللحم المقدّد حتى انفتح الباب فجأة، كأن ريحًا شمالية دفعته، ودخل رجل نحيل، عيناه تلمعان كأنهما من جليد. لم يكن مدعوًا، ولم يكن غريبًا تمامًا.

همس إليّ المحارب العجوز بجانبي، وكان صمته حتى تلك اللحظة مطبقًا:
'لقد صاروا ثلاثة عشر... وقد دخل لوكي.'

لم أفهم تمامًا، لكنني شعرت بشيء يتحول. ارتجف لهب المشاعل، وانكمش الملك في جلسته، كأن الضيف الغريب سحب من القاعة روحها. تبادل الحضور نظراتٍ قصيرة، كما يتبادل الطير إشارات الخوف قبل العاصفة.

ذلك الرجل... هنريك، متمرد من سلالة الملوك، وصاحب طموح لا يعرف قيدًا. كنت أظنه منفيًّا إلى الظلال، فإذا به يجلس بيننا بلا وجل، في المقعد الثالث عشر، كأن المأدبة خُلقت له.

أما نود، الملكة، المرأة التي خُلقت من تناقض العاصفة والندى، فقد جلست على يمين الملك، ولم ترفع نظرها عنّي إلا حين دخل هنريك. آنذاك، رأيت وجهها يتبدل، كأن قناعًا من الجليد انكسر ليكشف عن جمرة دفينة. عينها لم تكن تنظر إلى هنريك، بل إليّ أنا، وكأنها تعتذر سلفًا عما ستفعله الليلة أو غدًا.

علمتُ أن الحب الذي ظننتُه ملاذًا صار سلاحًا، وأن نود، التي كانت تميل إليّ، اختارت طريقًا آخر: طريق السلطة، طريق هنريك.

في تلك الليلة لم يُسفك دم، ولكن سُفكت الثقة. وبدأت الحكاية تتشقق كأنها قشرة جليد فوق بحرٍ يغلي.

هوريك، الملك الذي أرسل في طلبي مستغيثًا، كان يجلس بجسده، بينما روحه كانت تغادر ببطء، تتسلل من بين أصابعه، ومن بين أصابع الملكة التي أمسكت بكأسها كأنها تمسك برقبة التاج. وما علمته لاحقًا كان أفظع: أن المؤامرة التي خاف منها هوريك، قد بدأت في بيته... وعلى وسادة نومه.

 
"من تلك الليلة، بدأت النهاية. كانت المأدبة خاتمة عهدٍ قديم، ومقدمة لحريقٍ وشيك. حين تكشفت خيوط المؤامرة، وظهرت الأدلة والوشايات، أمر الملك هوريك – بصوت يشبه همس الريح في شتاءٍ قارس – بسَجن نود في حجرتها، لا محاكمة، لا نفي، فقط عزلة... تليق بمن خانت قلبه قبل عرشه.

أما هنريك، فلم يكن بالإمكان سَوقه إلى السيف، فدمه من نسل الملوك، وتقاليدهم لا تسمح بمرأى الدم في قاعات القلاع. لكن الجبل يتحدث حين يصمت القانون. وفي صباحٍ باهت، وبينما كان يسير بين جنوده، تهدّلت من علٍ صخرة عظيمة، انزلقت من غير يدٍ ظاهرة، وطوته إلى الأبد. لم يُعلن أحد أنه أمر بقتله، لكن الصمت كان أبلغ من أي اعتراف.

وبذلك انتصر الملك الشيخ، انتصار العجوز على الطامع، والتجربة على الجنون.

ثم قال لي، بعد أيام:
'يا حكم، لقد وفيت بالعهد، ونظرتَ في عيني الريح ولم تَجْبُن. خذ ابنتي هيلينا، ولتكن بلادنا بلادك.'

لكنني رفضت، وابتسمتُ كما يبتسم العارف الذي ذاق من العاطفة طَعمها ومُرّها، وقلت له:
'مولاي، جئت في مهمة واجب، لا لأهدر ما تبقّى من عواطف قلبي. لو أني وافقت، لقتلتُ في داخلي شيئًا أعز من الحب... الوفاء للمسافة.'

ومن حينها، ما زلت أكتبُ في الليل، على خشب سفينة ستبحر قريبًا، وفي قلبي ظلّ وجه، نصفه نود... ونصفه لم يولد بعد."


"ما إن هدأت العاصفة في الشمال، حتى حملتني الرياح نحو الشرق. كانت سفينتي تمخر بحر الشمال متجهة إلى بحر إيجة، إلى قصر القيصر، حيث تنتظرني أوراق جديدة لم تُكتب بعد، ومؤامرات بلون الرخام والذهب.

أرسلني الخليفة وقال:
'لا أريدك أن تعود إلا وأنت مثخن. مثخن لا بالجراح فقط، بل بالتجارب التي تنزف منها دماء الحب والحرب معًا. ليكن قلبك سيفًا، ولسانك جناحًا، وعينك ميزانًا.'

وهكذا، لم أعد سفيرًا فقط، بل ظلًا يحمل في صدره ذكريات نود، وخرائط المؤامرة، وأحلامًا لا تعرف النوم. كنت أعلم أن قصر القيصر لن يكون كقصور الفايكنغ، وأن الحب هناك قد يلبس قناعًا آخر، أخطر، وأشد بريقًا.

لكنني لم أعد أخشى الوجوه المتقنعة، فقد عرفت من قبل كيف يخونك مَن أحبك، وكيف ينقذك مَن لا تعرف اسمه."


فما إن رفضت الكأس حتى تبدّلت نظراتهم. رأيت في عيني القيصر توفلس نظرةً لا أفهمها، مزيجًا من خيبة ودهشة، كأنما ظنّ أنني سأتخلى عن مبادئي عند أول امتحان، أو ربما كان يتوقع مني مجاملةً شكلية تدخلني في دائرة الرضا الملكي. أما زوجته، فقد انسحبت بصمت، وعيناها تتابعاني كما يتابع نسرٌ جريح فريسةً أفلتت من مخالبه. أما الفتى، ابن القيصر، ذاك الشاب الوسيم ذو الشعر الأشقر المجعّد، فقد رمقني بنظرة مستترة، فيها شيء من السخرية الهادئة، ثم مال نحو أبيه وهمس بكلمات لم أسمعها، لكني أحسست بها في عظامي.


كنت أدرك أن بلاط القسطنطينية ليس كغيره، وأن كل حركة وكل نظرة هناك تُحسب، وكل رفض يُؤوّل، وكل كلمة تُسجَّل وتُستخدم لاحقًا. لم أكن جاهلًا بما يحيط بي، لكنني كنت تائهًا بين ولاء قلبي لديني وولاء عقلي لنجاح مهمتي. ولأول مرة، شعرتُ بثقل الغربة يضغط على صدري لا كحزن بل كقرار.

في تلك الليلة، حين عدت إلى الغرفة التي خصصوها لي في أحد أجنحة القصر، جلست قرب نافذتي أتأمل السماء، وكانت ملبدة بسحب رمادية كأنها جيوش معلقة بين الأرض والنجوم. وهناك، وسط تلك العتمة، تذكرت.

تذكرت كيف هربت بجلدي من قبضة العباسيين العاتية، يوم كانوا يضربون رقاب كل من وُشِي بأنه مناصر لبني أمية. كيف دسستُ الكتب في تجاويف الحائط، ودفنتُ خاتم والدي تحت شجرة الرمّان قرب بئرٍ قديم. كيف بكيت لأول مرة دون أن أصدر صوتًا، وأنا أركض في الظلام بين البيوت الطينية، أبحث عن درب لا يعرفني فيه أحد.

لم أكن فقط أهرب من العباسيين، بل من ظلالي القديمة، من خيانات الصحبة، من ماضٍ شعرتُ فيه أنني وُلدت في زمنٍ لا يناسب روحي.

حين وطئت قدمي أرض الأندلس، ظننت أنني وصلت، لكنني كنت فقط أبدّل قيدًا بقيد، وسورًا بسور. هناك وجدت زرياب، ذاك الطائر الغريب الذي شغل الناس فنًّا وأدبًا. حاولت أن أشاركه الضوء، لكنه ابتلع المجد كله وحده. وبدل أن نكون رفيقين في الكلمة، كنت خصمًا في نظرهم، لأنني ببساطة، لم أكن زرياب.

ثم دفعتني خطايا لساني، وسوء تأويلي للقلوب، إلى هذا الشتات. إلى شمال الأرض حيث الثلج دين، والدماء لغة، والنساء يحملن السيوف كما يحملن أطفالهن. وهناك، في ظلال النار والدخان، أنقذتُ هيلينا، تلك الفتاة التي لم يكن لي بها شأن، لكنها أنقذتني أيضًا من وهمٍ قديم بأنني غريب في كل أرض.

والآن، في القسطنطينية، أنا ما زلت غريبًا. السجاد الناعم لا يغري قدميّ التي اعتادت خشونة المراكب. والكؤوس المتلألئة لا تروي عطشي لحقيقةٍ واحدة. حقيقة أنني — حكم بن يحيى الغزال — سفير، لا فقط للأندلس، بل للإنسان في وجه المجهول.

تأملتُ شعري المتشابك، وجسدي المتعب، وقلمي الذي جفّ حبره منذ أسابيع، وقلت لنفسي: "يا غزال، كم وطنًا تحتاج حتى تعرف نفسك؟ وكم بحرًا يجب أن تعبر حتى ترسو؟"

لكن الجواب، كما دائمًا، لم يأتِ.
ففي بلاد الآلهة، لا تجيبك السماء، بل تختبرك الأرض.










الخميس، 2 يناير 2025

انما الحياة حلم (مترجمة)


 **انما الحياة حلم**

 


 


مسرحية بقلم 

بيدرو كالديرون دي لا باركا

 



**الشخصيات**

- **باسيليو**: ملك بولندا.  
- **سيجيسموند**: ابنه.  
- **أستولفو**: ابن أخيه.  
- **إستريلا**: ابنة أخته.  
- **كلوتالدو**: جنرال في خدمة باسيليو.  
- **روزاورا**: سيدة من موسكو.  
- **فيف**: خادمها المرافق.

- **رئيس الغرفة، لوردات في الانتظار، ضباط، جنود، وغيرهم في خدمة باسيليو.**

**مكان الأحداث**

- تقع أحداث المشهد الأول والثالث على حدود بولندا.  
- أما أحداث المشهد الثاني فتدور في وارسو.  

**ملاحظات تمهيدية**  
بما أن هذا الإصدار من مسرحية كالديرون ليس مخصصًا للتمثيل، يمكن تخيل مشهد جبلي أوسع وأكثر ارتفاعًا مما يمكن تمثيله فعليًا، ليُظهر نزول روزاورا في الفصل الأول وصعود الجنود في الفصل الأخير.  
أما عن الإهمال الواضح من الحراس المكلفين بمراقبة السجين السياسي، فضلاً عن كثير من الأمور الأخرى (لكن ليس كلها!) التي تتحدى المنطق في هذا العمل الدرامي العاصف، فإنني أترك كالديرون ليبررها. فقد كان جمهوره غير ناقد للتفاصيل أو المعقولية، طالما أن القصة قوية، سريعة، ومليئة بالإثارة والمواقف الخلابة.

 

**الفصل الأول**

**المشهد الأول**  
**ممر بين الصخور، فوقه تتراجع عاصفة، والشمس تغرب: في المقدمة، عند منتصف الطريق نزولاً، حصن.**  

*(تظهر أولاً "روزاورا" على قمة الصخور مرتدية زي الرجال وكأنها قادمة من على ظهر حصان، يليها "فيف.")*

**روزاورا**  
ها أنتِ هناك، أيتها الوحش ذو الأرجل الأربع،  
يا مخلوقاً نشأ من الغضب، بلا عقل  
ولا لجام يسيطر عليكِ،  
هل شبعتي أخيراً؟  
عندما رعدت السماء وومضت البرق،  
وقد أثرت أذنيكِ نحو العلى  
واندفعتِ تحطمين الصخور  
وتطلقين الشرر بحوافر قدميكِ،  
ألقيتِ بفارسِكِ المنكود الحظ  
إلى العاصفة مجدداً؟  
إذاً، ابقي هنا لتموتي جوعاً وعطشاً،  
أو لتجدي "فيثون" آخر متهوراً مثلكِ،  
أما أنا، وقد أرهقتني هذه الرحلة،  
سأكمل الطريق وحدي  
عبر هذا الجبل المظلم الذي يواجه الشمس.

**فيف** *(متحدثاً إلى بغلته)*  
ها أنتِ أيضاً، أيتها البغلة اللعينة،  
يا برقاً بأذنين طويلتين، إعصاراً بذيل،  
يا مخلوقاً كأنما اجتمع فيه كل غضب الطبيعة،  
(وأكاد أن أفقد صوتي من كثرة السباب)،  
لأن علية القوم قرروا أن يبدأوا في الركل،  
ففكرتِ، بذكائكِ العظيم، أن تثبتي  
نبل أخلاقكِ بإلقائي من الخلف  
نحو مركز الجاذبية الأكثر جذباً.  
إذاً، استلقي حيثما صنعتِ سريركِ،  
أياً كان الطقس—مطر أو شمس،  
دعيني وشأني!  
الجوع يلتهمكِ، الشياطين تركبكِ،  
والعواصف تضربكِ حتى تكتسي بالسواد والأزرق!  
*(ملتفتاً إلى روزاورا)*  
أعتقد أنني أستطيع أن أجاريكِ في هذا النوع من التوبيخ.

**روزاورا**  
آه، يا فيف الطيب، صاحب المزمار المرح والوفي،  
سواء جاءنا الحظ أو الشقاء، لا يخرج عن نغمه أبداً.  
ما بالك؟ أنت في نفس الموقف أيضاً؟

**فيف**  
نعم يا سيدتي—أقصد سيدي—وأتمنى،  
عندما تحكين مغامراتكِ في وقت آخر بنغمة سامية،  
ألا تنسي الساقي الوفي  
الذي رافقكِ في مغامرتكِ كـ"دون كيخوتي."

**روزاورا**  
حسناً، يا صاحبي العزيز، لندع "بيغاسوس" جانباً،  
الذي بالكاد كان نافعاً أكثر من خيولنا.  
يقال إنه لا ينبغي لأحد أن يحرم الآخر  
من اللذة الوحيدة المتبقية له:  
الغناء على أحزانه الخاصة.  
وهي لذة، كما يقول أحد الفلاسفة العظماء،  
تستحق مواجهة المصاعب فقط لتتمكن من البكاء عليها،  
أو كما وصفها شاعر ما: "ترف الأسى."

**فيف**  
لو كان الفيلسوف أو الشاعر بدلاً من البغلة التي ألقت بي،  
كنت سأختبر نظريته على ظهره.  
ولكن، هل كُسرت أي عظام، سيدتي—أعني سيدي؟

**روزاورا**  
خدش صغير يمكن لضمادة أن تشفيه—  
وأنت؟

**فيف**  
خدش في "النوع"، لا في "الجوهر"—  
لكن ليس على ظهري؛ فجراحي كلها خلفية.  
ولكن كما قلتِ، لنتوقف عن هذه النغمة،  
التي يبدو أنني كلما بدأت فيها  
عادت تلاحقني.  
ما الذي يمكننا فعله الآن؟  
نحن غارقان تماماً،  
وأكاد أختنق بالشعر الذي يبدو أنه  
كل ما سنعيش عليه هنا. 

 

**روز**:  
ماذا؟ هل نفد زادنا أيضًا؟  

**فيف**:  
نعم، ذلك الوحش  
حمل كل ما نملك،  
الملابس والطعام وكل شيء.  

**روز**:  
والآن الشمس،  
صديقنا الوحيد ومرشدنا، توشك أن تغيب  
خلف خشبة الأرض.  

**فيف**:  
وتأتي الليل،  
بردائها وقبعتها – وندعو الله  
أن تأتي ومعها فانوسها أيضًا.  

**روز**:  
آه، أشك  
أن الليلة ستكون مظلمة،  
أو ربما تنطفئ تلك الفانوس البالية  
بعد استهلاك شهر كامل.  
حسنًا! سواء كان جيدًا أو سيئًا،  
على ظهر حصان أو سيرًا على الأقدام،  
هذا هو الباب الذي سيدخلني بولندا.  
ورغم أنها تستقبل ضيوفها  
بأحجارها، وتجبرهم على كتابة وصولهم  
بدمائهم،  
إلا أن الموت على عتبتها الحجرية  
أفضل من العيش دون انتقام في موسكو.  

**فيف**:  
يا لها من روح عظيمة تملكها بعض النساء – أقصد  
بعض الرجال...  

**روز**:  
آه يا فيف، فيف، كما تحبني،  
أرجوك أن تتقن ذلك الجزء البسيط  
وإلا سينهار كل شيء!  

**فيف**:  
آه، سأفعل،  
لو وجدنا أحدًا لنؤدي أمامه.  
لكن حقًا، هل سيصدق أحد  
أن جنية ما استبدلتنا ونحن رضع،  
طفلين في نفس المهد؟  

**روز**:  
حسنًا، كما تشاء،  
هذا يذكرني بما كان علي التفكير فيه من قبل،  
ولكن الأفضل أن تأتي متأخرًا من ألا تأتي.  
أنت تعرف أنني أحبك،  
وأعرف أنك تحبني،  
وقد تبعتني بإخلاص حتى هذه اللحظة  
في مغامرتي الجنونية.  
حسنًا! الآن، وقد أوصلتني بأمان إلى هنا –  
آمنًا إن لم يكن سالمًا تمامًا –  
لماذا لا تعود أنت من حيث أتينا،  
الآن وقد زال العاصفة،  
وتترك لي هذا الجانب من الجبل،  
لتجد طريقك عائدًا إلى الوطن العزيز؟  

**فيف**:  
أن أتركك هنا  
وحدك، سيدتي – أقصد سيدي –  
في بلد غريب – بين البرابرة...  
آه، الآن أعرف... تريدين التخلص مني  
لخوفي من عثرات لساني...  

**روز**:  
لا، لا، لا!  
أريدك معي لآلاف الأسباب  
التي لا تعد تلك إلا واحدة منها.  
هيا، شجّع نفسك،  
وإن غنّيت مجددًا: "ما يأتي خيرًا أو شرًا"،  
فليكن ذلك شعارنا، لأننا لن نفترق  
إلا بإشارتك.  

**فيف**:  
اتفقنا.  

**روز**:  
لنبدأ الآن: "اتبعني،  
أيها الجنيات الصغيرة."  

**فيف**:  
نعم، وأكمل:  
"نتبع الظلام كما الحلم"،  
لأننا نسير في أثره.  

**روز**:  
لا، نسير خلف الشمس،  
في محاولة للإمساك بأذيالها البراقة  
التي تعلق بالجبل وهي تغرب.  

**فيف**:  
آه، هو نفسه يفلت دائمًا،  
كما لو أنه سمع حديثك،  
وغاص بعيدًا كطائر ماء مذعور.  

**روز**:  
حسنًا، علينا أن نتبعه كيفما أمكننا.  
بولندا ليست بلادًا واسعة،  
وبما أنها غنية بالرجال والوسائل،  
فلا تكاد تترك بضع فدادين  
على حدود جبالها بلا سكان.  

**فيف**:  
لعلها كذلك،  
ويا ليتنا نجد ما يليق بالبشر والدواب.  

**روز**:  
ابق قريبًا، ولا تدع قدميك تخدعك.  

**فيف**:  
أما الحيوانات،  
فلو لم نجد طعامًا لها،  
قد تجعل منا طعامًا لأنفسها –  
الدببة، الأسود، الذئاب...  

**روز**:  
لا تخف.  

**فيف**:  
أو ربما،  
إن لم نجد وحوشًا،  
رجالًا أشرس،  
آكلي لحوم البشر، برابرة عراة  
لم يعرفوا الخياط إلا بالطعم.  

**روز**:  
انظر، انظر!  
إلا إن كانت مخيلتي تخدعني مع الشفق –  
هناك، بين الصخور يا فيف –  
بعض المساكن البشرية، بلا شك،  
أم تظنها مجرد صخرة مزقتها الأرض  
في زلزال كهذا الذي شهدناه،  
ووضعتها بين الصخور كأنها بناء وهمي؟  

**فيف**:  
الأرجح ذلك، أخشى.  

**روز**:  
لا، لا—انظري!  
مربع من الظلام ينفتح هناك—  

**فيف**:  
آه، لا أحب مثل هذه الفتحات كثيرًا!  

**روز**:  
كأنها نول الليل،  
الذي يغزل منه عباءته المظلمة—  

**فيف**:  
سيدي، سيدتي، أرجوكما، كفا عن هذا الطابع المأساوي  
في وقت ومكان كهذا—  

**روز**:  
والآن، انظري مجددًا،  
داخل هذا المربع المظلم، هناك ضوء  
يخطو بخطوات مترددة،  
مثلنا تمامًا، يشق الظلام  
لكنه يزيد الليل سوادًا في البعيد.  

**فيف**:  
لو كنا نستطيع أن نحذو حذوه،  
كما يفعل أحد الإنجليز بمصباحه الأحمر،  
لكنا تحدينا غروب الشمس—اسمع! إنها سلسلة!  

**روز**:  
والآن مصباح، مصباح! ثم اليد  
التي تحمله.  

**فيف**:  
يا إلهي! تلك السلسلة المخيفة!  

**روز**:  
والآن حامل المصباح، حقًا  
أعجوبة كما في حكايات العرب،  
عملاق مخيف، مهيب،  
رغم الجلد الذي يلفه.  

**فيف**:  
إنه جلده!  
آه، إنه رجل بري من الغابة؛ سمعت  
أنهم يبنون ويحملون المشاعل—  

**روز**:  
لم يحمل قرد من قبل  
جبينًا كهذا أمام السماوات—  
ومقيد بالسلاسل كما قلت!—  

**فيف**:  
آه، تلك السلسلة المخيفة!  

**روز**:  
والآن يضع المصباح بجانبه،  
ويمسك بشعره المتشابك بيد واحدة  
ويتنهّد كأن قلبه سينفطر—  

*(في هذه الأثناء يدخل سيجيسموند من الحصن، حاملاً شعلة.)*  

**سيجيسموند**:  
مرة أخرى هدأت العاصفة،  
وهي تشق صخور الله وهي تنسحب؛  
لكنها تجنّبت ما كان يجب أن تدمره،  
هذه القطعة المشينة من عمل البشر،  
وكل من بداخلها. آه، كم من مرة،  
كم مرة، في الداخل أو هنا في الخارج، انتظرت،  
وصلّيت في سريرتي أن تمتد يد السماء  
لتسدد الضربة التي لم أجرؤ أنا على تسديدها،  
خشية ما هو أسوأ، كما يقولون، في الآخرة،  
وأظل أتحمل حتى يأتي يوم الخلاص،  
ليمسح في النهاية كل الحزن عن عيون البشر،  
ويجعل هذا الحكم الثقيل واضحًا.  

وهكذا تحملت حتى الآن، ولا زلت أصبر،  
منكمشًا في عجز قاتم يومًا بعد يوم،  
حتى تثيرني مثل هذه الانفجارات من العناصر  
مثل هذه، وتوقظ النار النائمة بداخلي؛  
وأقف هنا على عتبة  
ليلة أخرى تغلق الباب  
على يوم بائس لتفتح  
على يوم أكثر بؤسًا لأنه يوم جديد؛—  

مرة أخرى، أيها السماوات المتوحشة، أسألكم—  
أنا، أنظر إلى تلك العيون القاسية  
التي، بعدما غابت الشمس الكبرى،  
تبدأ في التجمع في السماء المستمعة؛  
في كل الدوائر البراقة التي سافرتوها  
حول هذا المسرح المليء بالآلام البشرية،  
ما هو الحزن الأعظم الذي شاهدتموه  
من خلال هذا الشق الضيق الذي تشهدونه الآن؟  

**فيف**:  
إنه شاعر بلا شك، يلقي قصيدة عيد ميلاد؛  
لا عجب أننا وقعنا في فخ القافية.  

**روز**:  
صمتًا! انظر الآن،  
ينهض ويتجول  
بقدر ما تسمح له سلاسله—  

**سيجيسموند**:  
وإن كانت السلسلة  
التي ساعدتم على تثبيتها حولي تضيق  
منذ طفولة بريئة خالية من الذنب،  
فبأي ذنب في الطموح أو الفكر  
أُدان؟

سوى في مقاومة ظلم  
يجلب الانتقام على خطأ لم أرتكبه.  
بالإقصاء من الإرث الحر  
الذي وُلدت له جميع الكائنات الحية،  
سواي؛ من أجنحة  
تحلق في زرقائكم اللامحدودة،  
إلى الكائنات الصغيرة الصامتة المقيّدة بالمقاييس،  
التي تبقى حرة تتجول، تنساب، وتعبر  
في ذلك الزفير الأزرق السفلي، حيث  
تعكسون أنتم أنفسكم فيه!  

**روز**:  
أي لغز هذا؟  

**فيف**:  
إنه مجنون،  
هذا هو اللغز كله. ولهذا هو مقيّد بالسلاسل،  
ولهذا أيضًا—

 

**سيجسموند**:  
ليست الحياة البريئة للطبيعة وحدها...  
بل تلك التي تعيش على الدم والنهب؛  
أعطيت حرية أكبر لتقتل  
بني جنسها الأبرياء، طغاة السماء  
يحلقون عاليًا مع فرائسهم الصارخة،  
يجعلون السماء النقية تسكب دماً  
على مسرح الأرض السفلى، حيث الأسد، والذئب، والدب،  
وتلك التي تلبس الغدر على حريرها،  
حاملةً أشكالًا ونجومًا كحالكم،  
تتسابق بسفك حيّ  
عبر حدود قفص الجبل،  
بينما أنا، البريء من الدماء،  
مملوء بالطموح والقدرة  
أصارع الجنون يومًا بعد يوم  
في غضب لا طائل منه!  

**فيفي**:  
يا له من تفسير لما يجري مع حماري المتمرد!  

**روزورا**:  
صه!  

**سيجسموند**:  
ولكن إذا كان القتل هو القانون،  
الذي به تزدهر المخلوقات،  
حتى البشر العميان ضميرياً،  
يُبقون رفاقهم المذنبين أحرارًا،  
تحت رعايتكم المشؤومة،  
يتحالفون في ميثاق غامض  
ضد رجل بريء ضعيف،  
يستخدمون حريتهم ليقتلوا حريتي،  
ويؤدون صمتًا كأسيادهم في السماوات،  
يلبسون قناع الظلام،  
ويشيرون إلى السماء حينما أسألهم  
عن الأوامر التي ينفذونها!  

**روزورا**:  
كما توقعت... مسكين! روح معذبة،  
ظُلمت من البشر، تعاني بلا انتقام، كحالي!  
بل أسوأ مني بكثير، إذ قُيدت يداه  
عن الانتقام ممن يستحقونه.  
أما أنا، التي سخرت من السماء قبل قليل  
لاتهامها بسكب كل غضبها علي،  
فها أنا أرى إنسانًا  
يجمع فتات ألمي ليجعل منه وليمة حزنه.  
يا للمسكين!  

**فيفي**:  
تحدثي بصوت منخفض؛ قد يسمعك.  

**روزورا**:  
وإذا سمعني، ماذا في ذلك؟  
حتى لو أراد إيذائي، لا أظنه يستطيع.  
وحتى لو استطاع،  
فلن أبالي بمجازفة حياة بالكاد أجد لها قيمة.  

**سيجسموند**:  
من هناك؟! كلوثالدو؟ من أنتم  
تجرؤون على دخول هذه الصخور المحرمة  
لتعبثوا بحياتي البائسة  
وحياتكم أيضًا؟  

**روزورا**:  
لن تؤذيني، أليس كذلك؟  

**سيجسموند**:  
ليس أنا، ولكن أولئك،  
مثل السلاسل الحديدية التي يقتلونني بها  
بموت بطيء، سيقتلونكم سريعًا.  
من أنتم؟  

**روزورا**:  
غريب من خلف الجبال،  
ضل طريقه في هذا البلد الغريب  
وحلول الليل قاده إلى ما بدا  
أنه مأوى بشري مختبئ بين الصخور،  
وحيث صوت الحزن البشري  
أكد له أنه كذلك.  

**سيجسموند**:  
أوه؟ اقترب إذن—اقترب أكثر—  
لأني عبر هذه النيران الضعيفة  
قد أرى للحظة فقط من يتحدث  
بصوت يفيض بالشفقة.  

**فيفي**:  
احترسي! احترسي!  

**روزورا**:  
آه، مسكين، وأنا التي بالكاد أستطيع  
أن أساعدك بأكثر من شفقة عقيمة  
أو حضور باهت—  

**سيجسموند**:  
ليت ذلك يكون كل شيء!  
لكن هذه اللحظات القليلة  
ويا للأسف! نعمة الحصول على شيء  
والخوف من فقدانه  
تخنق الكلمات حتى في اللحظة التي تحتاج إليها،  
فمن يأس محض  
للحفاظ عليك، ربما أُمزق نفسي إرباً!  

**فيفي**:  
أوه! يكفي كلماته كدليل على ذلك.  

**سيجسموند**:  
تخيل، إن كنت أنت، الذي يتحرك بحرية  
ويعيش بين أهله في حلاوة الوئام،  
تشعر بعد ساعة من الضياع  
بالجوع والعطش لصوت بشري  
أو وجه يغذي نظرك،  
فما بالك بمن يعيش في الصمت، أو القسوة،  
حيث حتى وجه القسوة العاري  
أفضل من قناعها؟  
ما وراء الجبل إذن! ما وراء الجبل!  
ماذا لو أن العالم الآخر الذي يتحدثون عنه  
لا يبعد إلا وراء الجبل،  
لكنني لن أراه إلا بالموت،  
وأنتِ ملاك منه؟  

**روزورا**:  
آه! آه!  
لست ملاكًا! والوجه الذي تظنه جميلاً  
ليس إلا إطارًا كئيبًا صنعته هذه الصخور،  
والعالم الذي أتيت منه...  
آه، آه، فيه الكثير من الوجوه  
ليست إلا أقنعة جميلة تخفي قلوبًا سوداء،  
أو تجلب لحاملها الويل!  
أما عنك—إذا كنتُ، بالصدفة،  
أستطيع مساعدتك فيما أبحث عنه.  
لقد سمعتك تلوم السماء على ما يحدث،  
والبشر لتنفيذ ما أرى أمامي الآن.  
ولكن لماذا، ومن هؤلاء  
الذين يفعلون، وأنت الذي تعاني—  

**سيجسموند** (مشيرًا إلى الأعلى):  
اسألهم،  
كما فعلت الليلة، وكما فعلت مرارًا،  
وسألت دون جدوى.  

**روزورا**:  
لكن، لا بد، لا بد—  

**سيجسموند**:  
اسمعي!  
إنه بوق الحراس لإغلاقنا.  
لو أنهم وجدوك!—أسرعي! خلف الصخور!  
إلى الغد—إذا كان هناك غد—  

**روزورا** (تلقي بسيفها نحوه):  
خذ سيفي!  

(تختبئ روزورا وفيفي بين الصخور؛ يدخل كلوثالدو)  

**كلوثالدو**:  
هذه الأيام العاصفة التي تحب رؤية نهايتها  
ليست سوى مسكنات رديئة، سيجسموند،  
تعد الليل بشيء أسوأ.  
ولكن هذه الليلة تبدو أكثر اضطرابًا.  
ماذا؟ سيف؟  
إلى الداخل!  

(يدخل الجنود بأقنعة سوداء ومشاعل)  

**فيفي**:  
يا لها من حفلة تنكرية ممتعة!  

**كلوثالدو**:  
أي حارس هذا  
سيدفع ثمن ذلك. في غضون ذلك،  
هذا السلاح كان له صاحب. أحضروه،  
حيًا أو ميتًا.  

**سيجسموند**:  
كلوثالدو! أيها الطيب كلوثالدو!—  

**كلوثالدو** (للجنود المحيطين بسيجسموند، وآخرين يبحثون بين الصخور):  
أنتم تعرفون واجبكم.  

**الجنود** (يُحضِرون روزورا وفيفي):  
ها هما اثنان منهما،  
ربما المزيد ليتبع—  

**كلوثالدو**:  
من أنتم،  
الذين، في تحدٍ للمرسوم المعروف،  
توجدون عند سقوط الليل في هذا المكان؟  

 

**فيفي**:  
يا سيدي، إنها—أعني، إنه—  

**روزورا**:  
اصمت يا فيفي،  
ودعني أتحدث عنا كليهما.—نحن رجلان أجنبيان،  
جهلان بقوانين بلدكم وإعلاناته،  
ولو عرفنا، لما استطعنا السيطرة على وحوشنا الجامحة  
التي، مذعورة من العاصفة بين صخوركم،  
ألقت بنا هنا على حسابنا.  

**فيفي**:  
حماري—  

**كلوثالدو**:  
أجانب؟ من أي بلد؟  

**روزورا**:  
من موسكو.  

**كلوثالدو**:  
وإلى أين متجهان؟  

**روزورا**:  
إلى هنا—إن كانت هذه هي بولندا؛  
ولكن بلا نية سيئة تجاهها، ولذلك  
نجد من غير اللائق أن يتم إيقافنا  
على عتبتها بهذه الطريقة غير المتمدنة.  

**كلوثالدو**:  
إلى أين في بولندا؟  

**روزورا**:  
إلى العاصمة.  

**كلوثالدو**:  
ولأي غرض؟  

**روزورا**:  
دلني على الطريق،  
وسأخبرك بجوابي.  

**كلوثالدو** (بصوت منخفض):  
شجاعة وسرعة في الرد،  
ومع ذلك شاب جدًا—و—  
(بصوت عالٍ):  
حسنًا،  
ولكن عملك لم يكن بالتأكيد مع الرجل  
الذي وجدناك معه؟  

**روزورا**:  
كان أول من رأيناه—  
وكغريبين تائهين كما كنا،  
كما كنت ستفعل في مثل حالنا،  
تحدثنا إليه فورًا.  

**كلوثالدو**:  
ولكن ماذا عن هذا السيف؟  

**روزورا**:  
ألقيته نحوه.  

**كلوثالدو**:  
ولماذا؟  

**روزورا**:  
ولماذا؟ سوى ليأخذ حقه  
ممن يعاملونه بهذا الظلم.  

**كلوثالدو**:  
هكذا إذًا!  
حسنًا، يبدو أن مثل هذه الشجاعة لا تزال تفتقر إلى لحية  
ولا أظنها ستنمو قريبًا.  
إذن، عليّ أن آخذكما، أنتما وسيفك،  
سجناء.  

**فيفي** (مقدمًا عصاه):  
تفضل خذ عصاي أيضًا، وسأكون سعيدًا يا سيدي؛  
لقد أعطيتها لحماري هذا  
بلا أي فائدة تُذكر.  

**روزورا**:  
أما سيفي، فقد أخذته،  
فلعله يجلب لنا بعض اللطف  
أكثر مما لقيناه حتى الآن.  

**كلوثالدو** (يفحص السيف):  
يا للغموض!  
من أين حصلت على هذا السلاح؟  

**روزورا**:  
من والدي.  

**كلوثالدو**:  
وهل تعرف من أين حصل عليه؟  

**روزورا**:  
أوه، نعم:  
من أحد أبناء هذه الأرض البولندية،  
الذي وعد بالعودة، لو أتيحت الفرصة،  
لرد الجميل الذي تلقاه في موسكو،  
وترك هذا السيف كرهينة لذلك—  
ولكن يبدو أنه لم يتحقق بعد.  

**كلوثالدو** (لنفسه):  
يا للصدفة العجيبة—أو ربما العناية الإلهية!  
السيف الذي تركته بنفسي في موسكو،  
عندما كانت هذه الشعيرات البيضاء سوداء، كذكرى  
امتنانًا لرجل أنقذني عندما كنت جريحًا  
أقاتل ضد بلاده؛  
أعادني إلى منزله،  
وعاملني كأخ حتى تعافيت،  
ربما لأعود لأقاتله مرة أخرى.  
والآن، يعود سيفي إلى يدي  
من خلاله—إن لم يكن هو ابنه—  
ولكن، بصفته كذلك،  
واجب عليّ أن أظهر الإيمان حتى  
يسقط القناع الزائف عن مرتديه.  
(بصوت عالٍ):  
حسنًا، لقد أوقفت هذه الصدفة العجيبة  
العقوبة السريعة والحادة  
التي كانت ستنزل بجرأتك أو مصيرك السيئ:  
جزءًا من ذلك يعود لصغر سنك—معذرة،  
ولا تمس حيث لا يجيب السيف—  
يجعلك تحت رعايتي؛ ليس حياتك فقط،  
التي كادت أن تضيع بسبب هذا الحدث المؤسف؛  
بل حتى مهمتك، التي لحسن الحظ،  
تتوافق مع عملي،  
وتقودني إلى النقطة التي تهدف إليها.  

**روزورا**:  
إلى العاصمة؟  

**كلوثالدو**:  
نعم، إلى العاصمة؛ بل حتى  
إلى عاصمة العواصم، إلى البلاط الملكي:  
حيث يمكنك أن تقدم قضيتك، وأعدك، أن تكسب  
العفو عن هذا التعدي الذي تدعي أنه غير مقصود،  
وتمضي قدمًا في ما لديك في قلبك،  
معي لدعمك بكل ما أستطيع؛  
شريطة أن يكون ذلك في إطار الولاء  
لأولئك الذين، بحكم الولاء الطبيعي،  
أرتبط بهم أولًا.  

**روزورا**:  
كما تقدم عرضك، أقبله؛  
مع وعد مماثل من جانبي  
بالولاء لك ولأولئك الذين تخدمهم،  
مع احتفاظ مماثل لما هو أقرب وأعز لدي.  

**كلوثالدو**:  
يكفي، يكفي؛  
يدك؛ هذا اتفاق بيننا. وفي الوقت نفسه،  
ستستريح هنا الليلة. وعند شروق الشمس  
سننطلق معًا في الطريق.  

**روزورا**:  
وهكذا، ما كنت ألومه على أنه سوء حظ،  
يقودني مباشرة إلى حيث تهدف رغباتي.  

(يخرجون.)  

 

**المشهد الثاني - القصر في وارسو**

يدخل من جانب أستولفو، دوق موسكو، مع موكبه: ومن الجانب الآخر، الأميرة استريلا، مع موكبها.

**أستولفو:**  
ابنة عمي الملكية، إن كنت قريبة الدم،  
حتى هذا اللقاء المبارك الذي لم يُعرف إلا قليلاً،  
حتى كل ما وعدت به الجمال في الزهور  
أصبح الآن قد تفتح ليصير أروع،  
فقد لُقِينا أخيرًا، ويا ليتنا نكون...

**استريلا:**  
كفى، سيدي،  
من المجاملات التي قد يتقنها بعض  
خياط البلاط لك، والتي، صدقني، لا تكفي أبدًا  
لتغطية القلب الذي يخبئه هذا الفم المزين بالكلمات.

**أستولفو:**  
لا، ولكن حقًا، ابنة عمي الجميلة...

**استريلا:**  
دع الأفعال  
تقيس كلماتك، فإن كلماتك، حقًا، لا تلائم  
درعك الحديدي الذي يرتدونه،  
إنها حقًا مجرد سخريات، ومجاملات فارغة.

**أستولفو:**  
حقًا، حقًا، أنتِ تسيئين إليَّ، ابنة عمي الملكية،  
وجميلة مثلما أنتِ ملكية، بتفسير خاطئ  
لما، حتى من أجل الغاية التي تعتقدين أنني أسعى إليها،  
إذا كان كذبًا عليكِ، سيكون كارثة عليَّ.

**استريلا:**  
لماذا، ما الذي يعنيه هذا الحديد اللامع، سيدي،  
الذي يتدفق في مؤخرة هذه الكلمات الرنانة؟  
ماذا يمكن أن يعني سوى، في حال فشلت في التملق،  
القتال أو فرض نفسي بعيدًا عن حقي الذي أدعيه؟

**أستولفو:**  
هل لا يمكنني أن أسأل نفس السؤال عنكِ،  
التي ترفرف خوذ جنودك على رأسهم  
تتجاوز الزينة التي تلبسينها في محكمة النساء؟

**استريلا:**  
ولكن فقط للدفاع عن شيء سيحاولون أخذَه مني.

**أستولفو:**  
ماذا لو قلت، سيدتي، الشيء نفسه عن جنودي؟  
لكنني لا آتي للقتال، حتى بالكلمات،  
مع سيدة جميلة وقرابتي؛  
ولا أريد أن أواجهكِ،  
عارياً، ومندحراً في خزيكِ،  
حتى يأتي الملك الحكيم ليصفي الأمر كله—  
هل تقبلين الاستماع إليَّ؟

**استريلا:**  
كما تريد.

**أستولفو:**  
أنتِ تعلمين أنه عندما كان جدنا الملك ألفونسو  
على وشك مغادرة هذا العالم، ترك  
ثلاثة أبناء؛ واحد منهم كان ابنًا، باسيل،  
الذي يلبس—أطال الله في عمره!—تاج بولندا؛  
وكانت له ابنتان: الكبرى كانت  
أمكِ، كلوريلينا، التي نالت مؤخرًا  
عرشًا أعظم من العرش البشري؛  
أما ريسيسوندا، أختي الأصغر،  
التي تزوجت أمير موسكو،  
وقدمت لي النور الذي أتمنى أن أراه  
في حياتها لسنوات عديدة.  
وفي هذه الأثناء، ملك بولندا الجيد، كما تعلمين،  
غارق في دراسات أعمق من هذا العالم،  
وأكثر انشغالًا بالنجوم من عيون السيدات،  
لم يعوض، كما طلبت بولندا،  
الوريث الذي جلبه زواج مبكر وأخذه؛  
فقدت زوجته الشابة وابنها الذي أنجبته؛  
وفي مثل هذه العزلة أصبح أكبر في السن  
مما جعل من غير الممكن أن يكون له وريث لبولندا  
سوى أطفال شقيقتيه؛ أنتِ، ابنة الأخت الكبرى؛  
وأنا، ابن الأخت الأصغر، لكن، كما يقولون،  
الحق الطبيعي للرجل لديّ  
يفوق الأولوية التي تملكها ولادتك.  
وهذا الانقسام الذي أصبح صاخبًا وخطيرًا،  
أمرنا، عمنا الملك باسيل، بتنبؤه وتقديم تدابير له،  
أن نلتقي اليوم في مجلس رسمي  
لنحل خلافاتنا.  
ولكن بفضل الزخرفة العسكرية التي تعلن  
عن وصوله، أصبح كل حديث آخر بلا فائدة،  
ما لم يكن صدري، الذي من خلاله فقط أتنبأ بحكمة،  
يخطئ في التنبؤ، ومن ثم ينتظر هذا الاتفاق السعيد  
الذي لا أجرؤ على الحديث عنه حتى يعلن الحكيم الملك.  

(ترانيم، وما إلى ذلك. يدخل الملك باسيل مع مجلسه.)  

 

**الملك**:  
كلكم هنا.  
الملك! حفظ الله الملك!

**استريلا** (راكعة):  
يا سيدي الملك!—

**أستولفو** (راكع):  
حفظ الله جلالتكم—

**الملك**:  
قوما، قوما إليَّ، أستولفو واستريلا؛  
كما أنتما أبناء أختيّ، فإنكما الآن أكثر من أي وقت مضى أبناء لي،  
خصوصاً بعد أن جعلتُ بولندا وتاجي،  
ينظران إليكما وحدكما كخلفاء.

والآن، استمعوا، أنتم وجميع فصائل الشعب،  
وأنت أيها النبلاء والأمراء في هذا المملكة،  
وأنا أُفشي إليكم غاية هذا الاجتماع،  
بكلام، أطول من المعتاد، آمل أن لا يُقبل إلا بنجاح تام.  
أنتم، والعالم أجمع الذين لقبوني "الحكيم"،  
اعلموا أنني مدين بهذا اللقب، إن كان لي حقاً،  
لتأملاتي الطويلة في الكتاب الذي  
يظل مفتوحاً فوق رأسي—  
أعني، كتاب السماء الذي لم يقرأه الكثيرون؛  
حروفه الذهبية على ورقه الياقوتي،  
التي تميز بين نهار وليل،  
وجميع تقلبات السنة؛  
وهكذا، مع تقلباته، حيثما كانت الحروف،  
تسجل مصائر البشر.  
حتى أصبحتُ، بعينين أضعفتهما السنون،  
أسرع في متابعة النجوم من حكمها،  
وأخذتُ من يد الزمن  
عصا الوحي المتأخر.  
يا ليت السماء نفسها كانت قد كتبت على صفحتها  
موعد وفاتي قبل أن أعيش حياتي،  
وكنتُ قد تنبأت بمصيري،  
لأصبح أنا الضحية لا الجاني  
في مأساة حياتي!—لكنكم ستسمعون.  
أنتم تعلمون كيف أنني، كملوك يجب عليهم أن يضحوا من أجل شعبهم،  
ولمرة واحدة فقط كما يفعل الحكماء من أجل أنفسهم،  
قد تزوجت: واعلموا أن ملكتي  
قد توفيت أثناء ولادتها؛ لكن ليس كما تعتقدون،  
فابنها الذي مات معها، لم يمت فعلاً.  
لأنها، عندما كان وقت ولادتها قد حل،  
حلمت أثناء المخاض بأنها ترى  
ثعباناً يفتك بأمعائها. وكان من المؤكد  
(فإن العلامات السيئة غالباً ما تكون حقيقية)  
أن الابن الذي وُلد من هذه الكارثة  
دفع حياته ثمناً لولادته:  
وهكذا، مع أحداث مأساوية فظيعة،  
وُلد هذا الابن في وقت كانت السماء فيه  
تمر بكسوف رهيب  
بين الشمس والقمر،  
حيث تجلى الدم على وجهيهما  
في صراع عنيف كما لم يشهد العالم من قبل  
منذ أن بكت الأرض على موت المسيح:  
حين مشى الأموات، وتحولت المياه إلى دم،  
وتزلزلت الأرض ومدنها،  
وكأن العالم على وشك الانهيار.  
في هذا الاضطراب الهائل وُلد هذا الابن؛  
ومن هذا العمل الأول، بدأ  
تسلسل الجرائم المنبئ بها في برج مولده؛  
فهو وحشٌ عظيم في تاريخ البشر،  
كما كان في طبيعته عند ولادته؛  
وحشي، دموي، فظيع، وآثم،  
الذي لو عاش لتمزق وطنه  
كما مزق أمه بولادته؛  
ومن ثم، بدءاً من هذه الجريمة،  
سيتمم قصة دموية،  
بأن يدوس على رأس والده الفضي.  
ومع كل هذا التنبؤ، وواقعة ولادته،  
كانت نجوم السماء قد أصدرت حكماً  
ينبئني بحياة مليئة بالأهوال؛  
لذلك، وأمام هذه النبوءة المرعبة،  
قررت أن أخفيه بعيداً في برجٍ عالٍ،  
مبنيٍّ في قلب الجبال، بعيداً عن البشر،  
تحت طائلة اللعنة التي تقتضي الموت  
لمن يقترب منه،  
إلا لأولئك القلة الذين ينبغي الوثوق بهم.  
وهكذا، بينما كانوا يؤمنون له الطعام والعلاج،  
كانوا يلقنونه العلم الذي لا بد أن يعلمه  
من الإيمان المقدس وغيره من العلوم  
التي قد تسلي حياته المغلقة،  
وتجعله أقل وحشية كما تنبأت النجوم.  
والآن، وبعد كل هذه المعاناة، قررت أخيرًا  
أن أضع هذا الأمر على المحك.  
لهذا دعوتكم، أيها النبلاء والأمراء،  
ولمن أثق بهم أكثر من غيرهم،  
شهودًا على ما أعتزم فعله؛  
وهكذا سأفعل. كوتالدو،  
الذي يحرس ابني بأمانة قديمة،  
سيحضره إليكم من برجٍ في الليل،  
مغمى عليه في نوم عميق كأنما لامس الموت،  
لكن لا، هو بعيدٌ عن الموت،  
وإنما ليصحو في صباح اليوم التالي  
على سرير الملك،  
مكتمل الوعي والقدرة،  
عندما يحضر جميع النبلاء  
ليقيموه الأمير سيغيسموند، أمير بولندا.  
فإن أبدى أي من الصفات الوحشية  
التي تنبأ بها الأبراج،  
فسيعود إلى نومه،  
ليظل في السجن الذي لا يمكنه الهروب منه مرة أخرى.  
وإن حدث هذا، فحينها سيكون لي حق النظر  
في خيار آخر للعرش.

 

**أستولفو**:  
تلك الأخبار، ومن هذه الشفاه، قد توقف  
اللسان عن الإجابة المخلصة، الأكثر استعدادًا للرد؛  
ولكن إن كان جلالتكم يتطلع إلى الإجابة مني  
كمتحدث باسم فصيلتي، فأجيب  
من أجل الجميع: فليظهر سيغيسموند، الذي نسمع عنه الآن  
كميراثكم الحي،  
ولننظر إن كان في عينيكم الكافية  
يُظهر نفسه جديرًا بأن يكون ابنكم،  
حينها سنناديه وريث بولندا الشرعي.  
ماذا تقول يا ابن عمي؟

**استريلا**:  
نعم، من كل قلبي.  
ولكن إن لم يكن شبابي وجنسي يقوضانني  
من أن أتجرأ على سؤال مثل هذا من ملك حكيم—

**الملك**:  
اسألي، اسألي، يا ابنة عمي! لا شيء، أنا متأكد،  
ألا يُنظر فيه بعناية؛ بل وإن كان، فليست سوى  
أمور يمكن العذر عنها من مثل هذه الشفاه.

**استريلا**:  
إذن، مع عذرك، سيدي—إن كان سيغيسموند،  
ابن عمي، الذي سأسعد أن ألقبه  
أمير بولندا أيضًا، كما تقترح،  
قادم إلى اختبار يتوقف عليه  
أكثر من، كما أظن، الحياة نفسها،  
لماذا، سيدي، في حالة اضطراب النوم التي جلبته  
إلى هذا الصراع غير المؤكد مع أبراجه؟

**الملك**:  
أحسنتِ السؤال! فليكن الجواب حكيمًا!  
لأن الأمر غير مؤكد، أترين؟  
لأني أظن أنني أستطيع أن أميز بين  
الضباب الذي يصيب الرجل المستيقظ فجأة  
والوحش الذي نخشاه؛  
إن كان مضطربًا، مذهولًا، وغير متوازن،  
كما قد يحدث لأكثر الناس عقلًا ومدنية  
في ظروف غريبة كهذه—بل وأكثر من ذلك،  
إن تحرك ليظهر أي انفجار غير الدم،  
فكل شيء سيكون على ما يرام معه؛ وكم سيكون أفضل،  
إن أظهر من وسط هذه الفوضى السحرية  
قرارًا هادئًا يكاد لا يهتز أمام ضربة كهذه!  
لكن إن أظهر شغفًا وحشيًا غير مسيطر عليه  
وضرب يمينًا وشمالًا كالوحش المتوقع،  
لابد من إعادة قيده على الفور؛  
حينها سيكون الألم واليأس المضاعف،  
من تلك اللحظات القصيرة من الحرية السعيدة  
التي تم سلبها منه، ولن تعود أبدًا.  
وهو أقل بكثير، إن دخل على مسرح المجد  
من خلال باب كهذا الذي يجعل من كل شيء بينه  
وما بينه حلمًا.

**استريلا**:  
أجابك بلطف، سيدي، عن سؤال  
قد يتطلب من البعض أقل حكمة عذرًا!  
ولكنني الآن سأنتظر، بفرح، ما كنت سأنتظره  
بدون تعليم.

**أستولفو**:  
جلالتكم لا تشك فيَّ،  
ولا في أن قلبي يتبع شفتَيّ ابنة عمي،  
أيًا كانت نتائج الميزان المشكوك فيه،  
لا زلت مخلصًا لأمرك.

**الجميع**:  
هكذا يقول الجميع.

**الملك**:  
كنت آمل، وتوقعت، من الجميع هذا  
ولا شك أن أي ملك لم يكن بحاجة  
إلى المزيد من حب وولاء شعبه أكثر من الآن.  
لأنني في حالة صعبة،  
حين أواجه هذا الاختبار، لا أحضر ابني الأمير فقط،  
بل أيضًا نفسي، ملككم:  
وأيًا كان ما سيحدث له،  
فسيكون لي من الشرف أقل من القليل.  
فإن أثبتت هذه المحاكمة  
أنني قد أخفيت حق ابني،  
أفليس القاضي نفسه مذنبًا في  
خزي الأب؟ وإن ثبت خطأ القاضي،  
وأن ابني قد حُرم من حقه،  
فسيكون الخزي والندم على القاضي والأب معًا:  
إلا إذا غمرهما الندم والخزي معًا  
بأن ما رميته كان لا يستحق.

لكن هيا—وقد أرهقكم السفر،  
ولم تجدوا الراحة من هذه القصة الغريبة،  
إلى أن تأتي الساعات التي تخرج الشمس فيها  
لنجتمع على المائدة المعتادة،  
كل إلى غرفته الخاصة: أنتم للراحة؛  
وأنا لأخطط مع كوتالدو القديم  
أفضل طريقة لشيء أغرب من أي شيء  
كان الزمن قد سجله.

**خروج الجميع.**

 

 

الخريطة التي تقودني إليك

 رواية الخريطة التي تقودني  إليك  بقلم  جوزيف مونينغر المقدمة يوم التخرج إنها والدتك، من بين الجميع، هي التي تلتقط الصورة المثالية لك ولصديق...