بحث هذه المدونة الإلكترونية

الأربعاء، 23 أكتوبر 2024

حكايات مخفية من حي العود

 

حكايات مخفية من حي العود
 
أنا حي العود، جدراني القديمة تشهد على آلاف الحكايات، أزقتي تحتفظ بصدى الخطوات التي عبرتها، والخطوات التي توقفت فجأة أمام بابٍ لم يُفتح أبدًا. في كل زاوية، نقش الزمن ذكريات من عاشوا، من حلموا، ومن رحلوا دون أن يتركوا وراءهم سوى أثر خطواتهم في الطين.

ولعلّكم تتساءلون عن أولئك الذين سكنوا جدراني.منهم من عاش حياة الملوك، ومنهم من تقاسم اللقمة مع البسطاء، لكن في نهاية الأمر، كلهم كانوا جزءًامن قصتي. وهناك قصة واحدة، تلوح في ذاكرتي كالعلم، قصة فراج.

حكاية فراج و الجنية

فراج، الرجل الأسمر الذي اعتاد أن يتجول في أزقتي. لم يتزوج يومًا، وكأن العزلة كانت قدره أو ربما خياره. كان صامتًا معظم الوقت، ينظر إلى المارة وكأنه يرى شيئًا لا يدركه أحد سواه. يتجول بخطوات ثقيلة، وكأنها تحمل أثقال سنين مضت. لم يكن فراج يلتفت لكلام الناس، لم يكن يهتم بهمساتهم عن تأخره
في الزواج، عن وحدته التي كانت ترافقه أينما ذهب.

لكنني، أنا حي العود، أعرف أكثر مما يعرفونه. أعرف أن فراج لم يكن يهرب من الحب أو الزواج، بل كان ينتظر شيئًا أعظم. كان يملك قلبًا ملأته الحكايات التي لم تُحكَ، والأحلام التي لم تتحقق. كلما مرّ بجانب البيوت الطينية، كان يستمع إلى أحاديث الماضي، إلى ضحكات كانت تملأ الأركان قبل أن يختفي أصحابها.
كانت تلك الضحكات تشبه الألحان الحزينة التي تغنيها الرياح عندما تمر بين أزقتي.

فراج كان يختار العيش في صمت، ربما لأنه أدرك أن الحياة ليست بالضرورة أن تكون مليئة بالضجيج ...فراج... إنه ذاك الرجل الذي كان الجميع يعرفه بوسوسه وغسل يديه مراتٍ لا تحصى. كلما دخلت ساعة الصلاة، تجده في الوضوء مرارًا حتى تنقضي الصلاة، وكأن الطهارة لا تكتمل في نفسه أبداً. كان ضخم الجثة، عريض المنكبين، بسمرة داكنة تبرزها ثيابه البيضاء التي لم تتغير شتاءً أو صيفًا. ومع كل هذا، كان يحمل في طيات حياته شيئًا أعمق، شيئًا لم يره أحد.

أذكره جيدًا، يسير نحو حمامات مسجد حلة بن نصار، فوطة بيضاء على كتفه، يتجه بخطوات ثابتة كعادته، ولكن كان هناك ما يخفيه خلف ذلك الثبات الظاهري. حتى جاء ذلك اليوم الذي قطع فيه فراج صمته الذي لطالما اعتاده الجميع. خرج من بيته يصرخ بأعلى صوته، نادى في أزقة الحي: بيتي يحترق!
 
 كان يصرخ كالمجنون، والعرق يتصبب من جبينه. رأيته يختبأ في عتمة زواياي يرتدي سروالاً وفانيلة، منظره لم يكن يليق به. لقد خرج من بيوتهم أثر صراخ الشهماء و السفلة..

تجمهر الناس حوله، بعضهم شعر بالشفقة، وآخرون بالاستغراب. توجه فهد، جاره وصديقه القديم، إلى بيت فراج ليرى ما حصل. عندما دخل، تفاجأ. البيت لم يحترق، لم يكن هناك أي أثر للنيران. رفع فهد حاجبيه في دهشة، بينما كان فراج يتلوى في كلامه.

قال فهد: 
فراج، ربما أصبحت تتعاطى المخدرات...

لكن فراج، بنبرة حزينة مليئة بالمرارة، ردّ عليه:
عيب عليك يا فهد. أنا كبر أبوك وتعرفني حق المعرفة. لكنني أقسم لك... البيت كان يحترق.

لم تكن هذه الحادثة الوحيدة. تكررت القصة مرارًا، حتى بدأ الناس يظنون أن فراج مثل ذلك الصبي الذي صرخ الذئب! ولم يصدقه أحد بعد ذلك. إلا فهد. فهد كان يرى في كلام فراج شيئًا أعمق، شيئًا غامضًا يستدعي الفضول.

وبعد بحث مضنٍ وساعات من الحديث بين الجيران والعارفين، اكتشف فهد شيئًا لم يكن يتوقعه. فراج لم يكن مجنونًا، ولم يكن متعاطيًا. لقد قيل إن فراج يعشق جنية، جنية تسكن في ظلاله، هي من منعته من الزواج. يقال إن تلك الجنية هي زوجته، حبسته في قيد لا يراه أحد، لا يشعر به أحد، إلا هو. وهكذا، بقي فراج بين الجنون والحقيقة، بين وهم النيران وحب الجان.

بقيت قصة فراج محفورة في ذاكرتي، مثل نقش قديم على جدراني المتآكلة. كبرت معه حكاياته، وانتشرت في أرجاء أزقتي كأنها خيوط غير مرئية تمتد بين الناس. كان البعض يسخر منه، والبعض الآخر يتجاهله، لكنني، حي العود، كنت أراه بوضوح. كنت أرى في عينيه نظرة غريبة، مزيجاً من الألم والتسليم
لقدرٍ أكبر مما يمكن للعقل استيعابه.

بعد حادثة الصراخ عن الحريق، بدأت التغيرات تظهر في فراج. صار يبتعد أكثر عن الناس، يغوص في عالمه الخاص الذي لا يدخله أحد. كان أحيانًا يجلس وحده تحت ظل شجرة قديمة قرب المسجد، ينظر إلى السماء لساعات وكأنه ينتظر شيئًا لا يراه أحد. كنت أستمع إلى حواراته مع نفسه، كان يهمس بكلمات
غامضة، كأنما يخاطب تلك الجنية التي قيل إنها تسكن في ظله.

لم يعد فراج ذلك الرجل القوي، بل بدا وكأن شيئًا ما يسلب منه قوته ببطء. ورغم كل شيء، كان دائمًا يعود إلي، إلى جدران وأزقتي، كأنني ملاذه الأخير.

وهكذا تستمر قصتي، قصة حي العود وفراج، بين الوهم والحقيقة، بين الأمل والخيبة، حيث تظل الجدران تحمل الحكايات التي لم تُروَ بعد.
 
حكاية ابو سالم بيدوفيلي الحارة!!

لن أتحرج، ولن أغمض الطرف أبدًا. سأحكي مهما كلفني الأمر كل ما جرى في ساحاتي وداخل البيوت.

إنها قصة أبو سالم، الذي لا زلت شاهداً على أحداثها. يُقال بين أبناء الحارة إنه ذو مال وميسور، لكنه اختار أن يسكن في هذا البيت الطيني لغرض في نفسه كان الجميع يجهل نواياه.

في يوم معتم، كانت الأجواء تثير الريبة. جاء عامود الشارع كشاهداً على ما جرى، عندما دقت فتاة مراهقة تدعى هند على بابه. طرقت الباب عدة طرقات، ففتح، نظر يمينًا وشمالًا،
 ثم قال لها: 
 
تريدين فلوس؟ 
 
قالت له نعم، إلا أن المقابل كان أن يتحسس جسدها الغض الذي لم ينضج بعد ويأكل ثمارها قبل الأوان.

جدراني تحمل الحكايات والأسرار، وأزقتي تشهد على كل ما يجري حولي. اليوم، تملكني شعور غريب، كما لو أن شيئا ما يتجمع في الهواء، مثيرًا توترًا في الأجواء. كان أبو سالم هو محور القلق، وجهه ملامح توتر وقلق، وكأن الشبق قد بلغ مداه.

يحك كلتا يديه، لهفة تحرقه لملامسة الأجساد الطرية، كأنه كلب مسعور لا يعرف كيف يسيطر على رغباته من ينظر إليه يعرف أنه بيدوفيلي الحارة شخصية مخيفة تتجول بيننا، لكن لا أحد يجرؤ على الاقتراب

من بيته. يقع منزله في ركن الحارة، على الطريق المؤدي إلى مدرسة البنات، حيث يختبئ خلف أبواب مغلقة وعيون فضولية.

 عندما تقترب الفتيات من منزله، تتجمد خطواتهن. أرى الرعب في عيونهن، وأسمع همساتهم تتعالى:  أبو سالم هنا، ابعدي!يرتجف القلب في صدورهن وكأنهن يشعرن بظلاله تتبعهن. لقد أصبح أبو سالم شيئًا من الكابوس الذي يحيط بنا جميعًا، خلسة من بين الزوايا والشجيرات.

في تلك اللحظات، ينتابني شعور بالخجل من عدم قدرتي على حمايتهن. جدراني، التي تحمل قصصًا من العزيمة والمقاومة، تخشى أن تكتب قصة أخرى عن الفزع والذل. ومع ذلك، لا أستطيع إلا أن أراقب، كراوي يعرف كل التفاصيل، ولكن لا يملك القوة لتغيير.

أتذكر كيف كان الحديث يدور بين الجيران عن تصرفات أبو سالم الغريبة. كانوا يتحدثون في همسات عيونهم تتفحص الأركان، كأنما يخافون أن يصل حديثهم إلى أذنه. كان صمتهم يشبه الجدران، عازلاً الحقائق عن الضوء. ولكنني، كحي، سأظل أروي ما أراه، ولن أسمح للنسيان أن يطغى على الحقيقة. كلما تمر الأيام، يتزايد ضغط وجوده وكأنما أحمله على كاهلي كحمولة ثقيلة. لكنني سأظل هنا، أراقب وأشهد أحتفظ بكل لحظة، بكل صوت، وأعرف أن الحكاية لن تنتهي. فبين جنباتي، تسكن القصص التي لم تُرو بعد، وكأن الزمن يجمعها ليكشف النقاب عنها في الوقت المناسب.

هكذا كانت سيرة أبو سالم. كان يظن أنه لا أحد يدريىبما يفعله، لكن الكل يعرف عن أفعاله. ومع ذلك، كان يسد عين الشمس بماله الوفير. فإذا تكلم المال، سكتت الأخلاق.

في زوايا الحي، كان حديث الجميع يدور حول تصرفاته المشبوهة، لكنهم كانوا يحجمون عن المواجهة، مدفوعين بالخوف من سلطته ونفوذه. كنت أسمع الهمسات، وأرى الوجوه المتجهمة، لكن الصمت كان يسود.

كان أبو سالم يمثل تجسيدًا لحياة مكسورة في الحي. أما أنا، كحيٍ، سأظل أراقب، أروي، وأحتفظ بكل تفاصيل تلك القصة المؤلمة. فإنهم خافوا، فأنا لا أخاف من سلطة أحد، فأنا الحي. كم تمنت لو لفظته كما يلفظ البحر الزاخر الحوت النافق.

لأن الحقيقة لا تموت، وستظل دائمًا تُنادي على من  يستطيع سماعها، حتى وإن كانت الأصداء خافتة وسط ظلام الخوف والسكوت.

جريمة تحت جنح الظلام!!
 
في جوف عتمة الليل، كانت أنوار البيوت التي على الشوارع البيضاء تتلألاً، وبعضها يومض كأنها تودع الليل لكن لا أحد يخرج إلى الطرقات دروبي خالية، وسكون الليل يهيمن على أهالي الحارة، إلا أن هناك من لا ينام. إنهم الأشقاء، الذين اختبأوا في إحدى خرائب البيوت الطينية، حيث التحلل والخرائب كانت مقرًا لممارسة الرذيلة.

خارج تلك الخرائب، خرجت امرأة عجوز لا يعرف أحد عمرها وكم عاشت تسير الهويني خلف عباءة مغبرة، متحسرة حتى مرت من ذلك المكان. وفجأة، انقض عليها أحد الرجال وكتم فاها وهو يذكرها باسم أم جابر. لم تحاول المقاومة، لأنها كانت ضعيفة.

استسلمت لكن الوحوش لم يرحموا هذه العجوز المسكينة افترسوها دون رحمة. ومع ذلك، لم تكتف الأيادي الآثمة بذلك، بل قتلت أم جابر التي وجدت في اليوم التالي ميتة في الخرابة.

دوى في الحي البكاء على أم جابر. لقد كانت صورة المرأة المستقيمة، التي خرجت من بيتها لتبلغ بيت ابنها حتى يوقد لها الفرن، لكن الأشرار كانوا لها بالمرصاد.

كنت أشاهد المنظر وأغمض عيني من بشاعته. لم يهنأ لي بال حتى رأيتهم في الأصفاد، آخر واحد منهم طارده رجال الشرطة بين أزقتي. كنت أريد أن أرشدهم، لكن الطرقات كانت ضيقة ورغم ذلك، لم أفقد الأمل في أن العدالة ستطولهم.

كلما مر الوقت كانت تلك اللحظة تنقش في ذاكرتي، كما تنقش الذكريات في جدراني. كيف يمكن أن تسلب الحياة من امرأة بسيطة، فقط لأنها أرادت أن تعود إلى بيتها؟ كان قلب الحي ينزف وكنت كحي، أحتفظ بكل التفاصيل أستمع لآهات الألم وأشاهد حكايات الفزع والخوف التي تتجلى في عيون الناس.

ومع كل صرخة تسجل في الذاكرة كانت تلك الخرائب تشهد على الألم، كما كنت أنا، شاهدًا على كل ما حدث، أرى الأمور بوضوح، لكنني عاجز عن إنقاذ أحد من خلال عتمة الليل، كانت الحقيقة تتكشف، وأعلم أن القصص لن تنتهي هنا، بل ستستمر لتروى عبر الأجيال، حتى يعرف الجميع ما جرى في زوايا حي العود.

بقالة ابو مروان تخفي الحكايات!!
 
في حي العود، كنت أشهد كل شيء، أعين الماضي والحاضر، أزقة من تراب وبيوت تشهد على حياة سكنت في جدرانها حكايات لا تنتهي. كانت شمس النهار تغمرني بلا رحمة، تحرق واجهاتي العتيقة بينما تمضي الأصوات هنا وهناك، بين أفراح صاخبة وضحكات عابرة، وبين صراخ الغضب والوجع.

ذلك الفضاء الذي يحمل في طياته قصصًا لا تنتهي، بين جدران تلامس الماضي وتحت سماء تتراقص فيها أحلام الحاضر. في كل زقاق من زقاقي، تجد عطر الذكريات، وحكايات العاشقين، وضحكات الأطفال، وأصوات الشجار التي تخرج من قلوب تتوق للفهم والتواصل. في أحد أركاني، كان هناك أبو مروان، صاحب البقالة الصغيرة، التي ارتسمت فيها خطوط الزمن. لا أنسى كيف كان يضع نظاراته على أنفه، عابسًا حينًا وضاحكًا أحيانًا، يتقاسم مع زبائنه ليس فقط البقالة، بل قصص حياته.

كنت أرى كيف يتفاعل مع كل زبون، وكأنما يعرف كل تفاصيل حياتهم. ذات يوم، بينما كنت أستمع لصوت الرياح تتحدث مع الأشجار، غفت عيون أبو مروان في تلك البقالة. فجأة، اختلط الخوف بضحكات الأطفال الذين كانوا يجتمعون حوله، عندما سمعوا صرخته المفاجئة: 

الجني تحت الطاولة!
 
لقد رأى صبيًا صغيرًا، مختبئًا في الظلام، هاربًا من كوابيس حياته. عندما تجمع الناس حول البقالة، رأيت الخوف والفضول يختلطان في أعينهم. تساءلوا: 
ما الذي يجري هنا؟ 
بينما كنت أتأمل في تعابيرهم، شعرت بأنني أعيش لحظة استثنائية. أبو مروان، الذي اعتاد أن يكون قويًا، أصبح في لحظة ضعف. كان يقرأ المعوذات بارتعاش، محاولًا حماية نفسه من الخيال
الذي توهمه. الصبي ذو العينين الصفراوين، كان يحمل قصصًا من الألم والعزلة. لقد كان يتجول في حاراتي بحثًا عن الأمان، عن العائلة التي افتقدها. ولكن، رغم كل ما مر به، كانت نظراته تحمل شيئًا من الأمل، كأنما يبحث عن مكان ينتمي إليه.

أذكر كيف تدخل أخو أبو مروان، محاولًا تهدئته، لكن ذلك لم يغير من موقف الجميع. كان الحديث يدور حول الجني، بينما كان الصبي يختبئ في الزاوية، يتمنى لو كان أحدهم ينظر إليه بعين العطف. في تلك اللحظة، أدركت أنني لست مجرد حي عابر. أنا مجموعة من المشاعر، والأحداث، والقصص التي تتشابك. أنا ملاذ لكل من يبحث عن الأمل في لحظات اليأس. أنا شاهد
على الحب والفراق، وعلى الألم والسعادة. من هنا، تتوالى حكاياتي. قصص العود، التي تتراقص مع نسمات الهواء، تبقى حية في قلوب من سكنوني، وتستمر في ربط الأجيال المختلفة. سأبقى كما أنا، حي العود، المكان الذي يحمل في طياته كل ما هو إنساني، وكل ما هو خالد.
 
ابو هاجوس من القمة الى المنحدر!!
 
الى لا زلت أذكر ناصر أبو هاجوس، ذاك الفتى الذي كان يومًا ما رمزًا للفخر، ابن الحارة الناجح، ذو العقل المتوقد والهمة العالية. كان يمر عبر دروبي مرتديًا أجمل ما لديه، دائمًا متألقًا كأنه وُلد ليكون شيئًا كبيرًا. لكنني تعلمت على مر الزمن أن لكل شيء نهاية، وناصر لم يكن استثناءً.

لقد كانت لحظة مؤلمة حين رأيت الفتى الذكي ينغمس في مستنقع المخدرات. أراه الآن متسولًا في زواياي، يتحرك بين ظلالي بحثًا عن جرعة أخرى من السم،

عينيه خاويتان من أي حياة. تحول ناصر إلى حديث الحارات، لم يعد الفتى الذي كان يملأ الدنيا ابتهاجًا، بل صار ظلًا لنفسه، يلف شوارع الحي مرتديًا عباءة نسائية، والضحكات تتعالى خلفه، يلاحقها كأنه يهرب من نفسه.

لكن فهد، ذاك الرجل الذي لم يتخلَ عن ناصر، كان الوحيد الذي يقف بوجه من يسخرون منه. كان يصرخ فيهم ويأمر ناصر بالدخول إلى البيت، محاولًا الحفاظ على ما تبقى من كرامته. لم يكن ناصر في وعيه، كان يعري جسده ويمضي هائمًا في الشوارع وكأنه يحمل شعلة الأولمبيات، يجري بلا هدف، حتى إذا رأى سيارات الشرطة، كان يختبئ بين البيوت المتهالكة
التي لا تزال تذكر أصوات ساكنيها القدامى. رأيت ناصر يتغير، رأيته يتلاشى أمامي كأنما فقد جزءًا من روحه. السموم التي أدمنها لم تتركه كما هو، بل حولته إلى شخص لا يشبه ذاك الفتى الذي عرفته. وذات يوم، في لحظة من الجنون، هاجم امرأة من التكارنة، تلك الجماعة التي لجأت إليّ من زمن بعيد،
هاربة من قسوة الحياة، لتبني لنفسها بيتًا بين أركاني. لقد افلتت المرأة بأعجوبة كاد ان يغتصبها.

ورشة مفيلح بين احضان العود!!
 
شهدت الكثير على مر السنين، لكن لا أحد كـمفيلح، الرجل الذي صنع من الحديد والخردة حياة. أقام ورشته في الساحة القديمة، حيث امتزجت بقع الزيت بالأرض المتشققة، وأصوات الماكينات صارت كأصوات أنفاسي اليومية. لم يكن مفيلح مجرد
ميكانيكي عادي. هو الذي قلب الساحة إلى مملكته الصغيرة، بعد أن كان طباخًا في قصور الأمراء والملوك. كانت قصة تحوله غريبة، لكنها لم تفاجئني. هكذا هي الحياة في حي العود، كل شيء يمكن أن يتغير بين ليلة وضحاها.

كان يقول دائمًا: ما من أحد يشعر أني مهندس، لكني أشتغل بضمير. وكان صادقًا، لأنه لم يكن يحتاج لشهادات أو ألقاب ليُثبت مهارته. لم يهتم بمظهره، فقد كان يرتدي دومًا الأفرول الأزرق، والعرق يتصبب من جبينه مع بقع الزيت التي زينت ملابسه كما تزين النجوم سماء الليل.

لم يكن مفيلح مثل فراج، فقد تزوج يومًا، لكنه لم يستمر. ربما لم يحب المسؤولية التي تأتي مع الزواج، فاختار التركيز على ما يجيده: إصلاح السيارات، وحمل همومها بدلًا من هموم البشر. عاش وحيدًا في ورشته، ومات بين تلك الماكينات التي عرفها وأحبها.

أنا أعلم أن مفيلح كان يعيش حياة بسيطة، لكنه ترك أثرًا في كل من مرّ بورشته، تمامًا كما ترك أثرًا في روحي، لأني، حي العود، لا أنسى أبدًا من سكنني.

سعد العاشق المتيم !!
 
أنا حي قديم بطين جدراني وشوارع ترابية تعود إلى أزمان مضت، أعوام حُفرت في كل زقاق وكل باب خشبي متهالك. أعيش في ذاكرة المدينة، شاهدًا على حياة أجيال تعاقبت عليّ. لا أملك ألسنة لأتكلم بها، ولكن جدراني تروي قصصًا لكل من يتقن الإنصات. سعد كان من هؤلاء، رجلًا لم يترك زاوية من دروبي إلا وجعلها جزءًا من حياته.
 
القصص لا تنكشف بسهولة، هكذا هي الحياة في العود. تختبئ الحكايات خلف المظاهر، كما تختبئ جذور الأشجار تحت الأرض. نرى فقط رؤوسها وفروعها، ونعتقد أننا فهمنا، لكن ما تحت السطح يظل خفيًا، كما هي مشاعر الناس في هذا الحي.

سعد كان واحدًا منهم. لقد أحبني، أنا حي العود، بشدة. كان يقول إنني بيته ومأواه، لكن خلف حبه لي كان يعشق فتاة أخرى في الحي. كنت أراقب كيف كان يتابعها بعينيه كلما مرت، كيف يطارد خطواتها بنظراته، دون أن تلاحظ. كان حبًا صامتًا، مكبوتًا،
لكنني شعرت به في كل مرة خطى فيها على أرضي.

أما أنا، فرغم أنني حي من طين وحجر، شعرت بالغيرة. كيف لا؟ كنت أظنه يحبني وحدي. لكن يبدو أن حبك لشيء يعمي ويصم، كما كان حبه لتلك الفتاة. لم يرَ غيرها، ولم يسمع غير همسات قلبه حين تمر بجانبه.

لكن، كما قلت، القصص لا تنكشف بسهولة. فالحب الذي يدفن في الجذور، لا بد أن يظهر يومًا ما، مهما حاولنا إخفاءه.
 
نوف تنفذ عثمان من الموت!!
 
بين اضلعي التي تتنفس هواء حي العود، حيث الأزقة تعانق الشمس مع غروبها، تنساب الحياة كما لو كانت دفقًا لا يتوقف. كانت نوف، الفتاة التي بدأت لتوها يومها في مدرسة البنات، تخرج بخطوات خفيفة، قلبها يغني مع الرياح الحارة التي تمر بين الأشجار. كان الطريق طويلًا بعض الشيء، لكنها كانت تحب هذه المسافة، فهي تتيح لها أن تترك وراءها ضجيج اليوم المدرسي وتغرق في أفكارها الخاصة.

بينما هي تسير ببطء، كان هناك شيء ما يثير انتباهها. هناك، على بُعد عدة خطوات، خرج عثمان من مدرسة الأولاد. كان عثمان يتيم الأبوين، ذلك الفتى الهادئ الذي لا يعرف أحد كيف تعايش مع الوحدة، لكنه كان دائمًا قريبًا منها، كأخ لم تلده أمها. كان يسير بخطوات سريعة، كأنه يهرب من شيء ما.

لكن نوف لم تكن تعلم أنه في تلك اللحظة، كان عثمان يركض والخوف يعتريه. كان قلبه ينبض بشدة كأنما يتسابق مع الزمن. إذ كانت الجمال التي يجلبها راعيها في الجوار، وقد أطلقت حوافرها في الطريق بشكل مفاجئ. وبينما كان يركض متجنبًا خطوات الجمال، تعثّر عثمان وسقط على الأرض. ارتطم جسده بالأرض بشدة، وكان الصوت الذي أحدثه سقوطه هو الصرخة الأولى التي سمعها قلب نوف.

نوف، التي كانت تراقب كل شيء عن كثب، شعرت بقشعريرة تسري في جسدها. وفي اللحظة التي رأته يسقط أمام عينيها، شعرت بالخوف يغزو قلبها. كانت الجمال تقترب منه بسرعة، وصوت حوافرها يقترب بشكل متسارع. أدركت أنها لا تملك وقتًا للتفكير. فجأة، تحولت مشاعرها من دهشة إلى خوف جارف. هل ستتمكن من إنقاذه في الوقت المناسب؟

بدأت الركض بكل ما أوتيت من قوة، شعر قلبها وكأنما يخرج من مكانه مع كل خطوة. كانت قد شاهدت هذا الموقف مرارًا في مخيلتها، ولكن أن يكون حقيقة، كانت مشاعرها أقوى وأشد من أن تُحتمل. عندما وصلت إليه، تمكنت من دفعه بقوة، ورغم أن الجمال كانت قد اجتاحت المكان، إلا أنها استدارت في اللحظة الأخيرة بفضل صرخة الراعي الذي كان يردد "الهوبال" ليرد الجمال إلى جماعاتها.

عثمان، الذي كان يلهث في رعب، نظر إليها بعيون واسعة. كانت يديه ترتجفان، قلبه لا يزال ينبض بسرعة وكأنما يهرب من شيء غير مرئي. كان يسأل نفسه هل كان سيفقد حياته على هذا النحو؟ كان يتنفس بصعوبة، لكنه شعر بيد نوف تمتد إليه، وبوجودها بقربه. كانت نوف تراقب تعبيرات وجهه وتفهم حجم الرعب الذي عاشه. وعندما نظرت إلى عينيه، لم يكن هناك شيء سوى الصمت الذي يحيط بهما.

"كنتِ ستفقدينني"، همس عثمان بصوت ضعيف، وكأن الكلمات كانت تخرج منه بصعوبة، "كنتِ ستفقدينني بالفعل."

نوف، التي كانت ترتجف، لم تستطع إلا أن تبتسم ابتسامة صغيرة، رغم أن قلبها كان لا يزال يرفرف بالخوف. "لا أستطيع أن أخسر أخًا لي."

وفي تلك اللحظة، أدرك عثمان أن نوف كانت دائمًا له، في كل المقالب التي كانت تنسجها حوله، في كل لحظة عصيبة، وحتى في أكثر اللحظات خوفًا، كانت هي الحارس الذي يربط بين قلبه وبين الأمان. ومهما فعلت نوف، كانت تلك اللحظة كفيلة بأن يغفر لها كل شيء.

"لن أركض مرة أخرى بعيدًا عنكِ"، قال عثمان أخيرًا، وهو يستقيم ليقف على قدميه.

نوف، التي شعرت بذلك الرابط القوي، تفرغ قلبها ليحيا في تلك اللحظة، حيث تساقط الخوف من أعينهما، وتركهما للمستقبل، ليبني كل منهما عالمه بيدٍ مفتوحة.


 
أم سليم ذات الانين المكتوم!!
 
بما انني الحي العتيق الذي عاصر أجيالاً متعاقبة،شاهداً على قصصهم وتفاصيل حياتهم، مدفوناً فيجدراني الترابية وحكاياتي العتيقة. ليس لي لسان أتكلم به، ولكنني أشعر بأهل بيتي وأفهم لغتهم حتى وإن ظللت صامتًا. أعلم الكثير، وأعي أكثر مما يظهر على السطح، ورغم عجز الطين والحجر عن التعبير، أجد
نفسي اليوم مضطرًا لسرد ما رأيت وما كنت شاهداً عليه.

أم سليم كانت واحدة من أولئك الذين نسجوا حياتهم في أزقتي وزواياي امرأة تجاوزت الستين، بوجه متجعد لكنه مليء بالصلابة. كانت تفترش الأرض قرب جدراني، تبيع للأطفال الحلوى وما يسليهم، تقضي يومها ترعى أطفال الحي بأمومة فطرية، لكنها كانت تخفي خلف هذا الوجه الصبور معاناة أعمق من أن يُدركها من لم ينتبه للدمعة التي تمسحها بمنديلها
القديم حين تعود لبيتها.

في يوم ما، دخلت إلى منزل جارتها نورة شابة طيبة القلب، لتشتكي مما حل بها من ظلم وقسوة. كشفت أم سليم، لأول مرة، عن جسدها المليء بالكدمات والآثار، والتي لم تكن من سقطات الأيام، بل كانت من يد زوجة ابنها التي عذبتها بالنار والضرب. صمتت طويلاً من أجل ابنها، خشية أن تكسر قلبه بحقيقة أن زوجته التي أحبها، هي ذاتها التي كانت تبطش بأمه.

ويا للحزن الذي شعرت به، أنا العود كلما سمعت أنين أم سليم المكتوم، وهي تتلمس جدراني، تحاول أن تجد في مأوى ينقذها من قسوة القلب الذي يعيش تحت سقف ابنها. آه كم تمنيت لو كنت أستطيع مسح دمعها، لعلني كنت أطيب خاطرها وأخفف من ثقل الألم الذي كانت تحمله في صمت.

أذكر جيدا تلك الليلة المظلمة، حين عاد ابنها سليم ليجد نفسه أمام خبر كسر قلبه. لقد ماتت أم سليم، نتيجةً لتلك القسوة المستمرة، والجروح التي لم تندمل، والألم الذي خبأته تحت عباءة الصبر والخوف من أن تتفجر الحقيقة. حين علم سليم، لم يكن قادرا على كبح

غضبه ولا حزنه، انطلق إلى زوجته كالسهم، ممسكا زمام الغضب بين يديه حتى وصل إلى حيث كانت تفترش الرصيف. لم يملك سوى الغضب أداةً، فتوجه بسيارته نحوها، ودهسها عنوة منهيا حياةً أقسم أنها لن تعيش لتؤذي غيره.

لقد سلم نفسه للشرطة جاء كخطوة هادئة بعد العاصفة، وكأنه اقتنع بأن العدل لا بد أن يأخذ مجراه. نعم، سلیم سجن وانتظر لحظة القصاص، ولكنني أدركت حينها، كما أدرك اليوم، أن العدل الإلهي لا يغفل عن شيء.

وها أنا أرويها، لا لأنتقم لكرامة طيني وجدراني، ولا لأشفي غليلي من عجز الكلام، بل لأذكر بأن العود يحتفظ بحكايات أوجاعه وأفراحه، مهما مر الزمان وتبدلت الوجوه.
 
ابن شعاف بين الصيف و الشتاء!!
 
في أركاني القديمة، حيث تهمس الجدران للأرض بما حفظَتهُ من أسرار، عاش ابن شعاف، ذلك المجنون الذي لم يكن مجنونًا إلا بميزان العقلاء. كان فصلهُ الصيفيّ غير فصلهِ الشتويّ، كأنَّ روحه مقسومة بين حَرِّ الشمس وبردِ المطر.

في الصيف، ترى خُطاهُ تهفو إلى المسجد، ساجدًا بين الصفوف، صوته يتهدَّج بالدعاء، ودمعهُ ينحدر على سجادٍ يعرفُ رجاءهُ كما يعرفُ تقلباته. وحين تهبُّ الرياح الباردة ويحلُّ الشتاء، يترك المساجد، كأنَّه في قطيعة مع الله، أو كأنَّ شيئًا يسحبهُ بعيدًا، بعيدًا حتى عن نفسه.

لم يكن حديثهُ من حديث أهل الحارة، ولم يكن منطقهُ من منطقهم، بل كان يترنَّم في الأزقة، يلقي شعرًا لم يرثهُ عن آبائه، بل كأنَّه جاء به من حكايا الغيب، يقف بين بابين، أو في قلب ساحة السوق، ويردد بصوتهِ الذي يأخذُ السامعين إلى حيث لا يريدون:

وقالوا عنكِ سوداءُ حبشية...  
ولولا سوادُ المسكِ ما انباع غاليَا... 
وفي السمرِ معنى لو علمتَ بيانَهُ... 
لما نظرتْ عيناكَ بيضًا ولا حُمرا...

وحين يُنهي أبياته، يبتسم، ثم يضحك، ثم يسير بلا هدى، يتبعه الأطفال كظلّه، يضحكون على جنونه، وهو، في قلبهِ، يضحك على عقولهم.

وكان 
ابن شعاف لا يُعرف فقط بشعره وجنونه الموسمي، بل اشتهر بمقالبه التي لم يسلم منها أحد، حتى أولئك الذين حسبوا أنفسهم في مأمنٍ منه. وكان أكثر من استهدفهم هم العميان، أولئك الذين اعتادوا النوم في المسجد، يلتمسون في جدرانه رحمة الله، لكنه لم يرَ فيهم إلا قسوة البشر، لأنهم قالوا عنه يومًا:

مجنون!

وكانت أعظم مقلبٍ له معهم، ليلة شتوية باردة، حين جمع بين أصابع أرجلهم خيطًا طويلًا من حبلٍ قديم، شدّه برفق حتى صار كأنه وترٌ يمتد من جسدٍ إلى آخر، ثم تسلل كقطٍّ في الظلام، أشعل عود ثقابٍ، ووضعه عند طرف الخيط، وما إن التهمت النار الفتيلة حتى اشتعلت أصابعهم دفعة واحدة!

ثار الغبار في المسجد، تعالت صرخاتهم، يضربون الأرض بأقدامهم، لا يعلمون ماذا أصابهم، أهو نارٌ من السماء؟ أم عقابٌ نزل عليهم فجأة؟ كانوا يتخبطون، يركضون في كل اتجاه، يلعنون الشيطان والجن والقدر... بينما 
ابن شعاف، ساقطٌ على قفاه عند باب المسجد، يضحك حتى دمعت عيناه، يقهقه بصوتٍ ملأ
المكان، كما لو أنه وجد في ألمهم قصيدةً لم يُنشدها بعد.

وكان الحيُّ كله يعلم بالمقلب، فجر اليوم التالي، حين انتشر الخبر، وقف الرجال يتغامزون، يبتسمون في اللحى، يتذكرون كيف كانوا هم أيضًا ضحايا مقالبه يومًا ما، بينما النسوة يرفعن أيديهن إلى السماء يدعين عليه، ويقلن: ما في قلبه خوف من الله!

لكني، أنا العود، كنت أعرف أن في قلبه خوفًا آخر، خوفًا لا يراه أحد، ولا يفهمه أحد، إلا من عرف معنى أن يكون بين الناس... ولا يكون منهم.

كل اهل الحيُّ يعرفه، يعرف تقلُّباته، يعرف صمته في الشتاء وجنونه في الصيف، لكنّه لم يسألْهُ أحدٌ يومًا: لماذا؟ هل هو سرٌّ دفين؟ أم لعنةٌ تلاحقه؟ أم أن للزمنِ فصلينِ في قلبهِ كما في السماء؟  وأنا الأعرف بأبنائي، لكن 
ابن شعاف كان سرًّا حتى عليَّ.
 
عويشة ذات القلب المنكسر!!

جدراني تحفظ همسات القلوب المنكسرة، وأزقتي شاهدة على الحكايات التي خُطّت بدموع النساء وصمت الرجال. كم من قصة ولدت بين ظلالي، وكم من حبّ انطفأ بين بيوتي الطينية، لكن هناك قصة واحدة يرويها ترابي كلما مرّت عويشة بخطاها الثقيلة، كلما وقفت عند باب فهد، تسأله السؤال الذي لم يجد له جوابًا حتى تلك اللحظة.

عويشة... كانت فتاة لم تعرف من الحياة إلا ما تراه في وجوه أهلها، وما تسمعه في حديث الأمهات عند الآبار. تزوجت من منصور، ابن عمها، وأنجبت منه ولدين، وظنت أن أيامها ستسير كما سارت أيام النساء من قبلها، في بيتها، مع زوجها، ترعى أبناءها، ولا شيء يكسر الرتابة الآمنة لحياتها.

لكن الأمان وهم، أحيانًا تنهدم الجدران التي نظنها حصينة بكلمة، بمعلومة لم تكن في الحسبان. جاءت امرأة، امرأة لم يعرفها أحد، وقفت في منتصف الطريق، وقالت بلسان ثابت، كأنها تلقي حكمًا:
"هذا الزواج باطل، عويشة ومنصور أخوان من الرضاعة."

كأن السماء انشقت فوق رؤوسهم، كأن الأرض سُحبت من تحت قدميها. لم تجد سوى الطلاق بابًا مفتوحًا أمامها، فانطفأت شمعة بيتها، وعادت إلى فناء منزلها كالغريبة، تحمل طفلين وقلبًا مشقوقًا.

لكن للقدر طرقًا لا تراها العيون. ذات مساء، طرق رجل باب بيتهم، جاء مع فهد، الذي كان وليها منذ أن غاب والدها في قريتهم البعيدة. قال لها فهد إنه يعرف هذا الرجل جيدًا، وإنه جاء ليخطبها. كان الرجل من حضرموت، اسمه سالمين، وكأن القدر أرسل لها سفينة جديدة بعد أن غرقت الأولى.

تم عقد القران، وانتقلت إلى بيته، وعرفت معه أيامًا لم تعرفها من قبل. سالمين لم يكن كغيره، كان كريماً، واسع القلب، يحادثها كما لم يحادثها أحد. كانت حياتها معه نهرًا من رضا، وحكاية من ليالي السمر، وعاشت أجمل سنوات عمرها، حتى جاء اليوم الذي انطفأ فيه كل شيء.

استيقظت في صباح عادي، لكنه لم يكن في البيت. لم يعد في المساء، ولم يعد في اليوم التالي. الأيام صارت شهورًا، والشهور صارت سنين. قال الناس إنه هرب إلى بلاده، إن جماعته لم يقبلوا بزواجه منها، وإنه تركها كما تُترك الأبواب التي لا يُعاد إليها. لكن من أين لها أن تصدق؟ كيف لرجل ملأ أيامها بالود أن يختفي بلا وداع؟

ومنذ ذلك اليوم، صارت دموعها جرحًا مفتوحًا على أعتاب بيت فهد. وقفت أمامه، ليلة بعد ليلة، وعيناها تسألان قبل لسانها:
"أنت من زوجتني بهذا الرجل... أحببته، لكنه ترك البنات. الآن، ماذا أصنع؟"

وفهد، ابن الأصول، لم يخذلها. احتوى البنات، سعى ليحصل لهن على الجنسية، ربّاهن كأنهن بناته، وعندما كبرن، زوّجهن الواحدة تلو الأخرى. لم يتخلَّ عنهن لحظة، ربما كان يشعر بالذنب، ربما كان يكفر عن خطأ لم يكن خطأه، لكنه فعل ما يفعله الرجال الشرفاء عندما تُختبر مروءتهم.

ثم ذات يوم، عاد سالمين. وقف أمام بيت فهد، وجهه يحمل سنين الغياب، عينيه تملؤهما الحيرة، وقال إنه يريد رؤية عويشة. قال إنه لم يكن يريد الرحيل، لكن جماعته ضغطوا عليه، وإنه ظلّ يفكر بها طوال هذه السنوات.

لكن الوقت كان قد فعل فعله، والقلب الذي ظل مكسورًا لسنوات لم يعد يقوى على الإصلاح. نظرت عويشة إلى بناتها، وقالت بصوت هادئ، كأنها تخبرهن بحقيقة لا شك فيها:
"أبوكم مات."

لم يكن في قلبها مكان له بعد الآن. ربما كان الألم قد حفر فيها عميقًا، ربما كانت السنوات قد جمدت كل ما كان حيًا في داخلها. حاول سالمين أن يبرر، أن يجد كلمات تصلح ما أفسده الغياب، لكن فهد قاطعه، نظر إليه نظرته الحازمة، وقال بصوت لم يخلُ من العتاب:
"لماذا لم تأتِ إليّ وتخبرني؟ الزواج ليس لعبة يا سالمين..."

وهكذا، كما بدأت الحكاية بباب يُفتح، انتهت بباب يُغلق.
 
دكان كابتن بلع!!
 
أنا حي العود، شاهِدٌ على ماضٍ لا يموت، وألحانٍ لا تُسكَت. في أزقتي وُلدت الأغاني، وعلى عتبات دكاكيني عزفت المعازف، وانطلقت أوتار العود تعلن أن الطرب هنا أقدم من الزمان نفسه. حتى المطاوعة، بكل محاولاتهم، لم يتمكنوا من كتم أنفاس الألحان التي تسري في أضلعي. هذا سوق الموسيقى، حيث تتراقص النغمات على أنغام العابرين، وحيث كل وتر يُضرب يترك أثره في الهواء قبل أن يذوب في ذاكرة المكان.

لكن بين صخب السوق وأصوات الطبول والدفوف، هناك زاوية صامتة، موحشة، تملؤها رائحة الخبز القديم وأكوام الأرغفة اليابسة التي لم يمسسها إنسان منذ زمن. هناك، يجلس كابتن بلع.

رجلٌ بلا ماضٍ معروف، مقطوع من شجرة، كما يقول عنه أهل الحي. أنا حي العود، ولا أدري من أين أتى، ولا كيف استقر بين أضلعي، لكنه ظل هنا، كما لو أنه قطعة من روحي المنسية. ينكمش في دكانه كأسد يحرس عرينه، وبرغم انحناء ظهره كأحدب، إلا أن في عينيه نظرة افتراس مخيفة. لم يكن قبيحًا كبشاعة مسخ فيكتور هوغو، لكنه كان نحيفًا، حتى ليكاد جسده يتوارى عن الوجود لو لم يكن صوته يملأ المكان.

كلما اقترب منه أحد، كان يصرخ بعربية مكسّرة:
"حرامي! حرامي!"

كلماته ليست تحذيرًا بل تهديدًا، وسيلة لإبعاد الغرباء عن متجره الغامض. لم يكن أحد يعرف سر دكانه، ولا أحد تجرأ على اقتحامه... أو على الأقل، لم يفلت أحد من يده إن حاول.

ولقد جَرَّبَ جُحَا العود ذلك بنفسه.آه، جحا العود، ذلك الرجل الذي جمع بين الذكاء الحاد والغباء القاتل في آن واحد. خدعه أحدهم ذات يوم بأن دكان كابتن بلع ماخور، فصدّق كالأبله، واقتحم المكان ينادي:
"كابتن بلع !!اخرج ما لديك!"

لم يُجب كابتن بلع بكلمة، بل كان رده سريعًا، كالعاصفة. ضرب جحا ضربًا لا ينسى، حتى أن المسكين ركض هاربًا بين الدروب الضيقة، يصرخ بأعلى صوته:

"تبْتُ إلى الله! تبْتُ إلى الله!"

ضحك أهل السوق، لكن أنا حي العود، لم أضحك. كنت أعرف أن كابتن بلع لم يكن يمزح. في كل صرخة، في كل لكمة، كان هناك خوف دفين، كأن شيئًا في داخله يحاول حماية سرٍّ لا يريد لأحد أن يقترب منه.

أنا حي العود، عتيقٌ كذكرى، حاضرٌ كنبض، وأعرف كل الحكايات، إلا تلك التي مات أصحابها ولم يتركوها خلفهم. لكن حتى الموت لا يخفي الأسرار عن جدراني، وأنا أقول لكم الآن ما لم يقله أحد.

كابتن بلع، ذلك الرجل الذي عاش غريبًا ومات وحيدًا، وجدوه ذات يوم ممددًا في محله، عينه شاخصة نحو السقف، ويداه النحيلتان فوق صدره. سكتة قلبية، هكذا قالوا، لكني أعرف أن موته كان حتميًا منذ زمن بعيد. عاش كمن يركض من شيء لا يُرى، حتى توقف قلبه أخيرًا عن الركض.

لكن موته لم يكن نهاية القصة.

حين اقتحم الناس دكانه بعد وفاته، كان أول ما لاحظوه هو رائحة الخبز العفن، الأرغفة المتكدسة التي لم يمسسها إنسان منذ سنين. كانوا ينوون تنظيف المكان، حتى رفع أحدهم رغيفًا يابسًا... وسقطت منه رزمة من المال.

ثم آخر... ثم آخر...

حتى بدأوا بتمزيق الخبز واحدًا تلو الآخر، ليجدوا في جوفه ثروة طائلة! أكياس من النقود، ملفوفة بعناية، مخبأة داخل الأرغفة، كأنها كنز دفين في أعماق السوق.

وهنا كانت الصدمة الكبرى:

كابتن بلع، ذاك الرجل النحيل الذي ظنه الجميع مقطوعًا من شجرة، لم يكن فقيرًا أبدًا! كان متسوّلًا، عاش يمد يده للناس، لكنه لم يصرف شيئًا مما جمعه. لم يعرف أحد لماذا كان يخزن المال بهذا الشكل، لماذا اختار أن يعيش في الجوع والحرمان وهو يملك ما يكفي ليعيش كملك.

أنا حي العود، لا أملك الإجابة.

لكنني أعرف شيئًا واحدًا:
ليس كل فقير كما يبدو، وليس كل ثري كما يظن الناس.
 
بدر و هند اخر قصة حب!!
 
استهلت حكاياتي بقصة حب جنية استحوذت على قلب فراج بعد أن قطعت رحلة من القصص. حانت ساعة الفراق، بعد أن رويت لكم شيئًا من الشجن وشيئًا من

الابتسامة، على أن أقص أجنحة الخيال الجامح، وأنبت فيكم حكايات من واقع أشبه بالخيال. كانت هناك حكاية حب هند التي أحبت بدر، حب اتسم بالجنون. كنت أراهم يتخفون بين جدراني العتيقة، رأيت القبلات الساخنة تلهب في قلبي المشاعر المكبوتة.

في ساعة من الحب الملتهب، لم تجد هند مكانًا يأويها،رافقت بدر إلى المجهول، في عالم كانت أزقتي تضيق بهما. قال لها بدر، بلهجته الواثقة: 
 
لا بد أن تعودي إلى أهلك...

لكنها ردت عليه بحزن: 
 
أنا بلا أهل... لا أب لي أصلاً
وأمي ماتت... والكل لا يريد بقائي. الشارع بيتي
وماوائي.

ظهرت شهامة بدر، الشاب الذي كان يحمل أحلامه في جيبه، لكنه لم يكن يملك شيئًا من المال أو المنزل. صار يتنقل بها في كل مكان، مع أمل ضعيف يرافقهما في رحلتهما. كانت تلك الرحلة في خضم أزقتي وشوارعي، شهدت كل ما جرى فيها من حلاوة ومر، وكان العشق يتخلل الأجواء كنسيم ربيعي منعش.

لكن لم يكن بوسع العشاق الهروب من قسوة الواقع. كنت أرى كيف جاء شخص من معارف هند، يبحث عنها بشغف، وعندما علم أنها ترافق بدر، انفجر غاضبًا. كأنه كان يحمل ثقل العالم على كاهله، قرر الانتقام. في لحظة، كانت المعركة المريرة تشتعل في قلب الأزقة، حيث اختلطت أصوات الصراخ بالدموع
التي سالت.

في تلك المعركة، شعرت كما لو كنت أنظر إلى مشهد من أسطورة قديمة، حيث كان الحب يواجه الظلم. لقد انتزعت هند من بين ذراعي بدر بالقوة، وكأنما كانوا يمزقون قلبه إلى أشلاء. كانت لحظة مؤلمة، مليئة بالصراخ والاحتجاج، حيث حاول بخيت، بكل ما يملك من قوة، أن يحارب لاسترجاع حب حياته.
لكن القوة كانت ضده. أرى فراج، الذي كان يراقب المشهد، وقلبي يخفق بآلامه. كيف يمكن لعشاق أن يتفرقوا هكذا؟ كيف يمكن لزهرة أن تقتلع من تربتها؟ لقد كانت تلك المعركة عابرة، لكنها أضافت بُعدًا آخر إلى قصتي وقصة الأزقة التي شهدت كل شيء.

وهكذا، لم تنتهِ القصة عند هذا الحد. فقد تركت تلك اللحظة أثرًا عميقًا في جدراني. كنت أسمع همسات العشاق المختبئين خلف كل جدار، وحكاياتهم تملأني بالأمل والخيبة. كنت حي العود، وأعلم أن لكل قصة نهاية، لكنني أيضًا أعلم أن كل نهاية يمكن أن تكون بداية جديدة.

النهاية

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

الخريطة التي تقودني إليك

 رواية الخريطة التي تقودني  إليك  بقلم  جوزيف مونينغر المقدمة يوم التخرج إنها والدتك، من بين الجميع، هي التي تلتقط الصورة المثالية لك ولصديق...