يُحكى أن ثعلبًا هائمًا على وجهه يتضور من الجوع، يكاد يأكل التراب من شدة سغبه. تناهى إلى مسامعه أن في منطقة ثلجية توجد طيور الترمجان الثلجية والأرانب الثلجية أيضًا. ففرح وراح يُمني نفسه ويحلم بوليمة كبيرة تحتوي على كل ما لذ وطاب من الطيور البيضاء والأرانب البيضاء.
سار نحو تلك المنطقة بخطواتٍ وئيدة واثقة بالظفر، غير أنه وجدها مقبرة كئيبة حزينة، تغطيها الثلوج من النواحي كأنها ملاءة بيضاء وُضعت على مائدةٍ يعوزها الحركة والنشاط. وهو الآتي من الغابة التي تعج بالحياة والأصوات الفاعمة بالوجود، إلا أنه قال في نفسه: "قيل لي إن ثمة طبيبًا يُدعى الطبيب ترمجان، يعالج أمراض البطن، وأنا بطني يريده علاجٌ يُشفيني من الجوع الشديد."
فجأة، تراءى له رأس أبيض يتحرك بسرعة، يبدو أنه الطبيب ترمجان، طفق يجري نحوه وهو يقول في نفسه: "لقد صبرتُ ونلتُ، يا ثعلوب..."
إلا أنه توقف فجأة لدى سماعه صوتًا مهيبًا صادرًا من هذا الطير القميء الصغير قائلاً له: "ألزم مكانك يا ثعلب، ولا تنقل الخطى...فليس من الحكمة أن تدخل منطقةً محرمة على امثالك..."
قال الثعلب وهو يتمارض: "المريض ليس عليه حرج... فالضرورات تبيح المحظورات... وأنت الطبيب هنا، وما أنا إلا مريضك... شمر عن مخالبك الذهبية وعالج مريضك المنهك..."
قال الترمجان ذو الصوت المهيب: "أنا طبيب طيور، لست طبيب ذات الانياب و المخالب، فأنيابهم تلمع من شدتها في وسط العتمة. هيا عد إلى أرضك..."
صار الثعلب يلح في طلبه ويستجدي الترمجان، إلا أن الترمجان قال له: "ثمة هناك بقعة بيضاء لا يوجد بها ثلوج، استعملها كسرير للمرضى، امضِ إلى هناك واستلقِ حتى أفرغ من عملي، وآتِ إليك، ولا تنسَ أن تغمض عينيك، ولا تفتح عينيك مهما حصل..."
كاد يرقص من فرط السعادة، لكنه اتخذ شكل المريض وهو يسير. استلقى الثعلب على البقعة المكشوفة كما طلب منه الترمجان، وأغمض عينيه بحماس. كان يُمني نفسه بوليمة ضخمة، يحلم بمذاق الطيور الثلجية والأرانب الشهية. وبينما كان غارقًا في أحلامه، سمع صوت أجنحة كثيرة تخفق في الهواء. "ها هي الطيور!" قال لنفسه بحماس.
لكن فجأة، شعر بشيء ثقيل يهبط على جسده، وقبل أن يستوعب ما يحدث، وجد نفسه بين قبضتي النسر الأصلع القوي. فتح عينيه مذعورًا، محاولًا التملص والصراخ، لكن النسر قال له بصوت هادئ وقاسٍ: "كنت تنتظر طبيبًا؟ حسنًا، أنا هنا لأقدم لك علاجًا من نوع آخر."
في تلك اللحظة، ظهر الترمجان من بعيد، واقترب مبتسمًا وقال للثعلب بنبرة مليئة بالسخرية: "ألم أخبرك ألا تفتح عينيك مهما حدث؟ يبدو أنك نسيت الوصفة."
---
الحواشي:
1. ثعلب: حيوان لاحم يُعرف بذكائه وقدرته على التكيف.
2. الترمجان: نوع من الطيور الثلجية، يُعتبر طعامًا لذيذًا لبعض الحيوانات المفترسة.
3. النسر الأصلع: طائر جارح يُعرف بقوته وحنكته في الصيد، ويعتبر رمزًا للقوة والشجاعة.
4. الضرورات تبيح المحظورات: مثل عربي يشير إلى أن الحاجة قد تبرر القيام بأشياء غير مقبولة عادة.
5. الطب: الإشارة إلى فكرة أنه لا يمكن للمرء أن يُعالج نفسه بدون استشارة طبيب مختص.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق