عروق الزمن: حكاية من إطار مهجور
أنا هنا منذ ما لا يُحصى من الأعوام. عالقة على هذا الجدار، شاهدة على كل ما كان وما سيكون. أنا لست مجرد صورة، بل روحٌ مختبئة بين حواف هذا الإطار، أطياف ذاكرتي تجري كالدماء في عروق الزمن. ربما لم تعد تميزني كما كنتُ، فقد غطاني الغبار وأهملني العالم، لكنني ما زلت أحفظ كل شيء، أو هكذا أعتقد.
هل أبدو كاذبة؟ أعتقد أنني ربما لا أذكر كل شيء كما كان. لقد بدأت ملامح الوجوه تختلط في ذاكرتي، والأحداث تتشوش. لكنني أستطيع أن أخبرك ببعض الحقائق... أو على الأقل، كما أراها.
كان اسمي وداد. جميلة كنتُ، تبتسم عيناها للحياة، وجمالها يشعّ من تلك الصورة التي تجسد لحظة واحدة من عمري. لم أكن مجرد فتاة، كنت زوجة، لأكثر من مرة. آه، نعم، تزوجت كثيرًا، أو ربما مرة واحدة، لا أذكر بالضبط. لكني أعرف أنني أحببت خالد، الرجل الذي اختفى فجأة كما يظهر في قصص الأحلام. ربما لم يكن خالد، ربما كان اسمه شيئًا آخر... لكن الحب؟ نعم، الحب كان حقيقة، أليس كذلك؟
ثم جاء هذا المجرم... لا، تاجر. بل، بل لا أعرف! إنه لص، هارب من القانون. سرقني من مكاني، من بيتي، من عالمي. أتذكر كيف انتزعني من الإطار، كانت يديه قاسية، لا مبالية. أحسست أنني وردة تُقتلَع من تربتها دون رأفة، دون أن يسألني أحد عن رأيي. عبد التواب؟ نعم، نعم! عبد التواب هو حفيدي. لا، انتظر... هل هو ابن زوجي الثالث؟ ربما. ربما ليس له علاقة بالأمر كله. لكني متأكدة أن عبد التواب سيغضب كثيرًا عندما يعرف أنني انتُزعت من هنا.
ذلك السفاح، نعم، هكذا أناديه. سفاح الآثار والصور. أرادني لأني كنتُ جزءًا من الماضي، قطعة من التاريخ. قال شيئًا عن إعادة بيع "التحف" التي يحتفظ بها، لكنني لست مجرد تحفة. لستُ مجرد صورة على جدار. أنا وداد، المرأة التي نسيتها الأزمنة، ولكنني أتذكر. أتذكر أكثر مما يجب. لا يمكنك سرقتي بسهولة، لأنني أحمل في داخلي أسرارًا قديمة، ربما لا ينبغي لأحد أن يعرفها.
هل أخبرك عن تلك الأسرار؟ ربما. أو ربما لا. الحقيقة أنني لا أستطيع تمييز الحقيقة من الخيال في هذه الأيام. ربما عبد التواب نفسه لا يعرفني، وربما المجرم ليس مجرمًا على الإطلاق. من يدري؟ لكني أذكر جيدًا كيف كان يمسح الغبار عن وجهي، وكأنما يحاول إزالة ثقل الزمن عني. قال شيئًا عن إعادة الحياة لي، ولكنني أعيش بالفعل، أعيش في صمتي، في وحدتي.
هل تعرف، يا قارئي، أنني أرى كل شيء، ولكنني لا أستطيع أن أتحرك؟ أنني أسمع أصوات الماضي تتردد في هذا البيت المهجور؟ لا، لا أعتقد أنك ستصدقني. بعد كل شيء، أنا مجرد صورة، أليس كذلك؟
ولكن إذا قررت أن تصدقني، تذكر أنني أرى أكثر مما تعتقد.
في الخارج، رأيت من بعيد قصرًا كبيرًا وفسيحًا. كنت تحت إبط هذا الرجل اللص، إطار صورة لا يزال يعلقه شيء من الغبار. آه، لن أحكي لكم عن رائحته العفنة، يبدو وكأنه لا يعرف الحمام. رأيته يمشي في الشوارع الضيقة التي كانت في زماني فسيحة ومليئة بالحياة، لكن الآن؟ ثمة حديقة صغيرة في المقدمة، أوراق الأشجار ميتة، أشبه بأشجار منسية لا تعرف النور. غريبٌ كيف أن الأشجار التي خلفي في الإطار، مجرد صورة، لكنها أكثر حياة من تلك التي في الواقع!
من خلال زجاج الصورة، كنت أنظر إلى العالم، إلى النور الذي أجهد بصري لأول مرة بعد سنوات طويلة من الظلام. خرجت إلى الحياة مرة أخرى، لكنني وجدتها مختلفة. هذا العالم ليس كما تركته؛ الصمت يلف المكان بطريقة غريبة. أين هم الناس؟ أين الضجيج والحركة؟ هذا لم يكن ما عهدته.
بينما كنت أراقب، تناهى إلى مسامعي صوت رجل يتحدث إلى طفلة، قال لها:
"ليت الأيام الخالية تعود."
توقفت للحظة. ماذا؟ كيف للإنسان الذي يعيش في زمنه، أن يتمنى العودة إلى الوراء؟ الإنسان مخلوق يعيش الحاضر ويتطلع إلى المستقبل، أليس كذلك؟ لا يستطيع أن يعيش في الماضي، مهما حاول، فالماضي مجرد ذكرى. ومع ذلك... التاريخ؟ آه، التاريخ. هو شيء مختلف. إنه ليس مجرد ذكريات، إنه من يشكل حياتنا، هو سبب الخلافات والصراعات بين البشر. وصدقوني، هو أيضًا السبب الذي يجعلني، وداد، أحكي لكم الآن.
أيها القارئ، لا تظن أن التاريخ مجرد أرقام أو حكايات بعيدة. إنه جزء منك، هو ما يحيط بك ويشكل رؤيتك للعالم. ألا ترى؟ أنا هنا، عالقة في إطار منذ ما لا يُحصى من السنين، لكنني أرى أكثر مما تتخيل. هذا اللص الذي سرقني؟ ربما لا يكون لصًا. ربما هو شيء آخر، قصة أخرى. وأنا؟ ربما لم أكن وداد التي تتخيلها.
لكن، من يدري؟ أنا مجرد صورة، أليس كذلك؟
في ظلمة السرداب، حيث تتعانق الأصوات مع همسات الذكريات، شعرت بشيء من الفزع. كان الضوء الخافت يكشف عن رجلٍ، يبدو كالتاجر الذي كنت أسمع عنه، يتحدث مع امرأة شابة. لم أكن أعرف كيف وصلت إلى هناك، لكنني كنت أستمع، أراقب ككل من لا ينتمي إلى هذا العالم.
“هذه الصورة أثرية، يعود تاريخها إلى 1940...” قال بائع الآثار، بصوت يحمل مزيجًا من الفخر والخوف.
“تعتبر كنزًا، هل ستبيعها أم أنك تريد وضعها في بيتك؟” تساءلت الفتاة، عينيها تتألقان بشغف.
ثم تابع بائع الآثار قائلاً: “عبد التواب تخصه الصورة لأن اسمها وداد العلي. وجدت الصورة في بيتهم القديم، بعد أن حكمت الحكومة بهدم البيت لتجديد وسط المدينة القديمة. عبد التواب غاضب مني لأني بعت لوحة أثرية لجاري. أردت تعويضه بهذه الصورة."
كل كلمة من كلماته كانت تسحبني إلى أعماق القصة، كما لو كنت أستشعر أصداء تلك السنوات. كانت الفتاة تنظر إلى الصورة وكأنها قطعة من تاريخها الشخصي. “تبدو الصورة غنية بتفاصيل الأشجار، ملابس وداد أنيقة كأنها تعيش معنا. علاوة على ذلك، ابتسامتها..."
بدا الذعر على وجه بائع الآثار. “ابتسامة... لما أخذتها ومسحت الغبار ونظرت إليها في الطريق، لم تكن مبتسمة، بل كانت عابسة."
نعم، ابتسمت للفتاة التي امتدحتني، فأنا في نهاية الأمر فتاة تحب الأناقة والمديح. لكن تلك الابتسامة كانت مدفونة تحت طبقات من الحزن. أذكر تلك اللحظة بوضوح، لكنني أسمح لقلبي أن ينغمس في تلك النظرة.
بينما كنت أستمع لتلك المحادثة، شعرت بأنني أتحول من مجرد صورة إلى حياة حقيقية. ما الذي تعنيه هذه الصورة حقًا؟ هل هي مجرد أثر تاريخي أم أنها تحمل في طياتها أسرارًا لن يعرفها إلا من يعيشها؟ تاجر الآثار يبدو كأنه يجسد الجشع، بينما تلك الفتاة، بسؤالاتها، تمثل الفضول البشري، الرغبة في فهم ما وراء الظاهر.
بينما تواصلت المحادثة، أدركت أنني في قلب صراع بين الأثر والماضي، بين القيم التجارية والذكريات العائلية. كنت محاصرة بين عالمين، وبينما كنت أستمع إلى كلماتهم، أدركت أنني قد أكون جزءًا من حكاية أكبر مما كنت أعتقد.
قالت الفتاة، وهي تنظر إليّ بتلك النظرة الحذرة التي اعتادها الغرباء: "انظر، ابتسامتها ماكرة." شعرت بأنني مكشوفة أمامها، كأنها تعرف شيئًا لا يعرفه أحد.
الرجل، بائع الأثريات، لم يكن غريبًا عليّ، فقد مرّ عليّ مرارًا من قبل. نظر إليّ هذه المرة بتأنٍ، وكأنه يحاول أن يكتشف ما غاب عنه طوال السنين. قال بتأمل، وكأنه يكتشفني لأول مرة: "حقًا، إنها لماكرة. لكنني أذكرها بشكل مختلف... لقد كانت من قبل عابسة."
حقا أنا، تلك الصورة المعلقة على جدار الزمن، شاهدت الكثير وسمعت ما لا يُسمع. يصفونني بالماكرة، بالغامضة، كأنني لوحٌ من ألوان متداخلة لا تفصح عن سر واحد. يقولون إن ابتسامتي تشبه ابتسامة موناليزا، تتابعك أينما ذهبت وتترك في ذهنك ألف سؤال. لكن دعني أخبرك، أيها القارئ العزيز، أن الحقيقة ليست سوى لعبة في يد من ينظر إليها.
حينما أطلق تاجر الأثريات عليَّ هذا الوصف، ماكرة، لم يكن مخطئًا تمامًا. في نظره، كنت عابسة، لكن في نظر غيره، قد أكون شيئًا آخر تمامًا. ربما هو لم يرَ سوى الانكسار، وربما تخيلني جزءًا من ماضٍ مليء بالمؤامرات. أما أنا، فأقول: "الفن ليس رؤية واحدة، إنه ككرة كريستال تعكس لكل عينٍ رؤية مختلفة."
أتعلم؟ كتبت على إطار صورتي سنة 1940، تلك السنة التي ابتلعت فيها الحرب العالم. كنت شاهدة على فتك هتلر بالنمسا، وادعاءاته حول بولندا، وقصف الطائرات وحطام الممالك. لكن هنا، أترك لك سؤالًا: هل هتلر كان مجرد طاغية كما صورته آلة الإعلام؟ أم أنه أيضًا، مثل صورتي، صورة متعددة الوجوه، يُمكن أن تُقرأ من زوايا أخرى؟
ربما كان هتلر نفسه كفنٍ معقد، يصعب فهمه من نظرة واحدة. مثلي تمامًا، يراهم العالم بعدة طرق، ولكن من منا يستطيع أن يجزم بأن إحدى هذه الطرق هي الحقيقة المطلقة؟
لقد كان ذلك اليوم أشبه بالقيامة في حياتي المؤطرة. لم أعد تلك الصورة القديمة التي كانت تتسلى العيون بالمرور عليها، فقد تغيرت تمامًا. عبثت بي يد تلك الفتاة، قلبت عالمي رأسًا على عقب، أعادت لي ألواني التي لم أكن أملكها في الأصل، وغيَّرت محتواي كليًا. أصبحت الآن صورة ملونة، نابضة بالحياة، تحمل لقبًا جديدًا تحتها: "السيدة وداد العلي". من أين جاء هذا الاسم؟ ربما هو اسمي، لكنني لست واثقة، فأنا لم أكن ودادًا في البداية، أو ربما كنت.
الفتاة أزالت الأشجار التي كانت خلفي، وكانت شاهدة على قصتي الحقيقية. كانت هناك قصر مهيب، ولكنها مسحت كل ذلك ببساطة، كما لو أنها تعيد كتابة التاريخ وفق هواها. وضعتني في إطار جديد، غريب عني، لم أتآلف معه كما كان الحال مع الإطار القديم الذي حملني لسنوات. كنت أتعجب من التغيرات التي طرأت علي، لكن لم يكن لي خيار. سفاح الآثار والفنون أخذني من جديد، غلفني بورق بني رقيق، وكأنني تحفة تنتظر مصيرها.
طالت ساعات الانتظار، لم أكن أدري إلى أين سيأخذني هذا المجنون. لكن سرعان ما دخل بي إلى قصر رحب، محاط بتحف وصور شخصيات معروفة؛ ملوك، رؤساء، ورجال ذو شأن. كنت غريبة عن هذا المكان، فأنا لم أكن أبدًا صورة لشخصية ذات مكانة. هل كانوا يعرفون ذلك؟ لا أدري. التاجر، أو كما أسميه "سفاح الفنون"، اقترب من عبد التواب، ذلك الرجل الذي قالوا إنه حفيدي، رغم أنني لا أذكره.
بدأ التاجر بالكلام، محاولًا استرضاء عبد التواب بصورة جديدة لي، متوقعًا أن يرضيه. لكن عبد التواب، ببرود قاتل، قال ما جعلني أتسائل: هل حقًا كان يعرفني؟ "منزلي مليء بالصور، لست بحاجة إلى صورة جديدة"، قالها دون أن يدرك أنني هنا، أنني أسمعه، بل أشعر بالإهانة العميقة. كلماته ضربتني في الصميم، حتى عندما حاول التاجر إقناعه بأن صورتي تليق بصدر المجلس، لم يكن لذلك أي تأثير.
حين رأى عبد التواب صورتي، تحول الحماس الذي كان في صوته إلى غضب مفاجئ. كيف له أن يرميني بهذه الطريقة؟ كيف له أن يرفضني ويقول "دفناها"؟! لم يكن يعرف شيئًا عني، لا عن الماضي، ولا عن أسراري. رماني على الأرض كما لو أنني كنت مجرد قطعة مكسورة، غير مهمة. كدت أتحطم. هل كانت تلك نهاية رحلتي؟ هل هذا ما أستحقه بعد كل شيء؟
التاجر، مذعورًا، حملني بسرعة وهرب من القصر. وأنا، مهشمة من الداخل، تساءلت: هل حقًا تم دفني؟ هل كان ماضيَّ مجرد خيال في أذهان من يرونني؟
لكن هناك شيء آخر. شعوري بالحياة لم يكن وليد اللحظة. الفتاة التي تلاعبت بصورتي كانت تقرأ من كتاب قديم، "شمس الأوهام". كنت أراها تهذي بكلمات غير مفهومة، طلاسم، رموز، وكأنها كانت تحاول استحضار الأرواح. لكنها أخطأت الهدف، وجعلتني أنا الحيَّة. دبَّت فيَّ الروح، لكني لم أتكلم... لا، لم أكن لأكشف أسراري، لا لها، ولا لأي أحد آخر. لكن السؤال الذي يراودني الآن، هل حقًا قلت كل هذا، أم أنني أتوهم؟
كان الأمر غريبًا، بل غريبًا جدًا. لا أتذكر متى بدأت أتكلم، ولكنني فعلت. ربما كنت دائمًا أتكلم ولم أجد من يسمعني، أو ربما مجرد خيال صنعته في لحظة جنون. المهم أنني نطقت، نعم، وأنا مجرد صورة قديمة مؤطرة بالذهب، عالقة على جدار مهمل في بيت هذا التاجر الأحمق.
أراه يتحدث مع نفسه، يندب حظه ويلعن اليوم الذي امتدت فيه يده لي. كما لو كنت لعنة قديمة حملها دون أن يدري. يلومني لأن حفيدي عبدالتواب رفض الاحتفاظ بي. ربما، لم أكن أستحق أن أعلق في مجلسه، فأنا مجرد امرأة، امرأة في مجتمع يجعلنا في الصف الثاني، أو حتى الصف العاشر. لكنه لا يلومني فقط لكوني امرأة، بل لكوني امرأة بتاريخ مشوه، كما قال. تاريخ مضارب، كما لو أنني أنا من أفسدت حياتي بيدي.
لكن التاجر، المسكين، لم يكن يعلم أنني أستطيع أن أتكلم. ربما كنت دائمًا أستطيع، لكنه لم يكن يصغي. وعندما ألقى بي على الأرض، شعرت، لا أدري كيف شعرت، لكنني شعرت كما لو أنني سقطت حقًا. ربما لا ينبغي لصورة أن تشعر، أليس كذلك؟ لكنني شعرت بالدوار، شعرت وكأن رأسي يدور، رغم أنني لا أملك رأسًا.
ثم نطقت، قلت له "كفى!"، وكان صوته يتردد في أذنيّ، رغم أنني لا أملك أذنين. كان يبحث بعينيه المذعورتين في كل زاوية، يتساءل إن كان في البيت جن. لا، لا، ليس هناك جن. لكنني تكلمت مرة أخرى، بصوت خجول كما كنت في السابق. لا أدري إن كنت خجولة حقًا أم أنني أتظاهر. قلت له: "أنا الصورة، تلك التي وضعت إطارها الذهبي."
عندها، قلبني التاجر على وجهي، كأنني قطعة قماش بالية، وبدأ يدور في الغرفة وهو يهذي: "جن... البيت فيه جن!"، لكن فضوله لم يدعه يهدأ. قلبني مرة أخرى وأطال النظر، وعيناه تلمعان بالجنون. ضحك، ضحك ضحكات هستيرية، وأنا أتأمله من مكاني المقلوب.
قلت له بهدوء، "أنت مجنون فعلًا. سفاح فنون وجزار تحف، تقتات على بيع النفائس وتطمح لبلوغ المجد من وراء عبدالتواب. لكنه يعرفك جيدًا، يا بغيض."
رأيته يحدق بي، عيناه تشتعلان وكأنهما ستنفجران. لكنني لم أتوقف. قلت له: "الحل عندي. اذهب إلى ابني، إسماعيل، وامنحه هذه الصورة كهدية. بلا مقابل. فأنا لا أُباع، وإن حاولت، ستحل عليك لعنتي."
نعم، قلتها. رغم أنني لا أملك لعنات ولا سحرًا، لكنني استخدمت لعبة البشر: التهديد، الوعيد. ربما كنت ألعب اللعبة بطريقتهم. أو ربما كنت مجنونة، مثل التاجر.
هذا ما جرى لي حقًا. عوقبت من أقرب الناس إليّ، أبنائي وأحفادي، حتى أنني لم أعد أستغرب ظلمهم. وعندما أخذ التاجر صورتي المذهّبة إلى إسماعيل، وجدوه قد مات منذ زمن، وغابت معه كل الفرص. لم يترك خلفه سوى ابنة وحيدة، وداد، التي كنت أظن أنها قد ترأف بي أو تدرك حقيقة ما جرى، لكنها، مثلهم جميعًا، رفضتني. قالت نفس ما قاله عبدالتواب، أنها لا تريد سماع سيرتي، وكأن وجودي ذاته لعنة عليها.
أجهل الأسباب، ولكن الكل يتحامل عليّ وكأنني مصدر كل بلاياهم. ومع ذلك، أحمد الله أنني مجرد صورة لا تملك القدرة على الخروج من إطارها، ولا تملك الحركة، لأن الرفض صعب... وإن كنت حتى صورة.
أتحمل ما لا تتحمله الجبال، لأن نطق الحقيقة مؤلم ومدمّر. كما قال نيتشه: "منذ القدم، والبشر لا يعاقبون إلا من يقول الحقيقة. إذا أردت البقاء مع الناس، شاركها أوهامها. الحقيقة يقولها من يرغبون في الرحيل."
وما كان لي أن أعرف أسماء الفلاسفة والمفكرين لولا بقائي في حجرة ابني فؤاد. كان عاشقًا للكتب، وغرفته دائمًا مليئة بالأفكار، كأنها مكتبة حيّة. لقد كنت شاهدة على كل ما قرأه، وكل ما أضافه إلى روحه، رغم أنني بقيت صامتة، محمّلة بالحكمة، دون أن يفهمها أحد.
بقيت عالقة بين غبار الذكريات وعتبات الزمن. من كبير عائلتي إلى أصغر فرد فيها، جميعهم رفضوني برفضٍ قاسٍ، وكأنني مجرمة لطخت شرفهم. هل فعلت شيئًا يستحق هذا الازدراء؟ هل سرقت مالًا منهم؟ لا أظن، فكل المحاكم من حولي رجال، والقوامة لهم على كل أنثى. تاريخي مليء بالخيبات والانكسارات، وقد كنت أطمح أن أُكافأ من نساء عائلتي على كفاحي لأبرز أصواتهن، لكن الواقع جاء مخيبًا.
أين ذهب ذلك العصر الأمومي، حين كانت المرأة تُعبد ويصلي الرجال سجودًا لها؟ هل انقلبت لأكون نسوية أم ذكورية؟ اختلط الحابل بالنابل في نفسي، وتداخلت الأفكار. سأخبركم بما بلغني من أسرتي الراقية ذات البيوت الزاهية، لكني لا أدري عن سبب هذا الحكم القاسي، أو لماذا تُركت هنا، وحيدة بين الغبار والركام.
أرى النساء من عائلتي يحطمن صورتي، ويصدون آذانهن عند ذكر اسمي. هل المرأة حقًا عدوة المرأة؟ سؤال يُحيرني في عمق قلبي. الرجال يتصارعون على الكراسي والمناصب، بينما النساء لا يتصارعن إلا لإغاظة بعضهن البعض.
تذكرت اللحظة التي أخذني فيها تاجر الفنون إلى هذا البيت. وضعني عند الباب، برغم تحذيري له من فعل ذلك. كان هناك صوت آتٍ من الداخل، يبدو أنه صوت فتاة تقول: "سمعت عن جدتي وداد، التي كانت ضحية لجدي، لكنها كافحت طلبًا للطلاق". لكن صوت الفتاة اختفى، وطُرد التاجر قبل أن تكتمل سردها. يبدو أن هذا هو سبب الطلاق، وهو ما يرفضه المجتمع، وقد أصبحت صورة معلقة، مهملة ومنسية، لمجرد كوني مطلقة.
قلت للتأجر أن يبيعني، فقد سئمت من ماضي تعيس لا يهمني. كل ما أستطيع قوله هو:
وغداً ننسى فلا نأسى على ماضٍ تولّى
وغداً نزهو فلا نعرف للغيب محلا
وغداً للحاضر الزاهر نحيا ليس إلا
قد يكون الغيب حلواً.. إنما الحاضر أحلى.
النهاية.
.jpeg)



ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق